الجمعة، 28 يونيو، 2013

"مرح الفئران .. أم فرار وهروب ونسيان" د. زين عبد الهادي

"مرح الفئران" هي الرواية الثالثة للكاتب الروائي د. زين عبد الهادي وكيل آداب حلوان والرئيس السابق لدار الكتب والوثائق المصرية . أصدر الروائي من قبل ، رواية "المواسم" عام 1995م ، و "التساهيل في نزع الهلاهيل" عام 2003م كما أصدر عام 2007م رواية "ماء أبوللو" أما رواية "مرح الفئران" فقد صدرت عن دار ميريت عام 2005م في قطع متوسط ويبلغ عدد صفحاتها حوالي خمساً وتسعين صفحة تتضمن سبعة فصول هي على الترتيب :

أسطورة المقهى (ترسا) – الغواية – المقاعد المقدسة – الخروج – العالم الجديد – الأرض والغربان – وهم الوجود . وتدور أحداث الرواية في شارع "ترسا" أحد الشوارع العشوائية الجديدة الموازية لشارعي الهرم وفيصل حيث يقطن هذا الشارع شرائح من الطبقة المتوسطة إلا أن الأغلبية تنتمي إلى الطبقة الفقيرة ويتوسل السرد في الرواية بضمير الغائب العليم العائد على الشخصية الأهم في الرواية وهو الطبيب "الدوك" ويؤرخ الراوي للأحداث في الفترة من 8/11/2003م وحتى 23/11/2003م أي أن الأحداث التي رواها استغرقت خمسة عشر يوماً فقط ويعتبر المكان وهو مقهى "ترسا" الواقع في الشارع بطلاً محورياً للرواية حيث كان مركزاً لأحداثها والملتقى الأهم لأبطالها بل والمكان الذي يتواجد فيه الراوي . وهو يروي معظم الأحداث يقول الراوي :
"تختلف أذواقنا جميعاً لكننا لا نبرح مقهانا ، كأن المكان يسيطر علينا فلا نستطيع الهرب منه ، أو أنه ملاذنا الوحيد" (1) .
ويصف الراوي الشارع بقوله : "واحد من تلك الشوارع الجديدة العشوائية التي تمتلئ بالأزقة والبيوت المكونة من طابق أو طابقين على الأكثر ، مشيدة من الآجر الأحمر فقط ، ومع الوقت أصبحت كالحة لا لون لها ، والعمارات الشاهقة الملونة التي تنتصب إلى جابنها أحياناً فتمتلئ بالدهشة من هذا التناقض الصارخ ، لا فرق بين البوابين – الأكثر نظافة وأبنائهم الكثر – وبين الساكنين في تلك البيوت ، يمتلئ الشارع بروائح القمامة وعوادم السيارات ودخان قشر أرز الحكومة وكذلك صغار اللصوص والنصابين والبلطجية" (2).




أما مجموعة أصدقاء هذا الشارع المرتادين لمقهى "ترسا" فهم :
عم فاروق : وهو رجل تجاوز الستين كان يعمل سائقاً لأحد كبار المسئولين (رئيس وزراء) وأكسبه عمله هذا كثيراً من المعارف والصداقات وكثيراً من المصالح وكان بالرغم من محافظته على أناقته والمواظبة على صلاته مزواجاً تعددت زواجته المتكررة أكثر من عشرين مرة .
عماد الريس : وكان يعمل محاسباً قانونياً . كان له بنتان ثم أنجب ولداً ضريراً مع ثقبين في القلب أرهقه علاجه إرهاقاً شديداً في محاولات عديدة وعرضه كثيراً على الأطباء .
عماد البنا : عمل في الخليج فترة وعاد بتحويشة العمر لينفقها وينتظر مولوداً لا يعلم كيف سينفق عليه فظل يبحث عن عمل وأخيراً أفلح في الحصول على فيزا لإحدى دول الخليج
هشام البنا : شقيق عماد .
عبده العارف : المتصدر في جلسة المقهى كان الجميع يسألونه عن معيرهم في أي مشكلة وكان يفيض عليهم من نبوءاته وهم يصدقون ، يتمتع بطيبة لا نهائية ويبعثر نقوده على الفقراء كان محبوباً يساعد الجميع . سار أخيراً على خطى فاروق وتزوج عُرفياً .
ومن الشخصيات في الرواية أيضاً :
عادل : سائق الميكروباص خطيب ناهد والتي يمارس معها الجنس ، أصيب بالفشل الكلوي ومات ، استراح "الدوك" لخطيبته ناهد وأسند لها العمل في عيادته في استقبال المرضى .
مدحت المحمودي : طبيب يعمل مع الدوك في نفس العيادة ، أصبح من رجال الأعمال وطبيباً شهيراً ، تزوج عدة راقصات ومطربات . أطلق النار على نفسه وعلى زوجته بعد ليلة حافلة بالغرام والشجار .
(علي) صبي المقهى : شاب في مقتبل العمر كان أبوه يعمل نجاراً وأدمن على شرب الخمر . ارتكب زنا المحارم مع ابنتيه مستغلاً مرض زوجته وعجزها ، اتهم زوجته بخيانته مع سيد صاحب محل التصوير أسفل العمارة ، وجد أهل ترسا النجار مذبوحاً تيقنت شلة أصدقاء المقهى أن ابنه عادل قتله وحُفظت القضية وقيدت ضد مجهول .
صالح عبد المعطي : صاحب المقهى حاصل على بكالوريوس معهد تعاون أحب طبيبة وأستاذة جامعية كانت تستغله وتتهرب من الزواج .
سيد كاوتش : يقوم بإصلاح كاوتشات سيارات الميكروباص في الشارع كان قوي الجسم يتسم بطيبة القلب ولا يأتي زوجته إلا بحبات الفياجرا التي كان يهديها له شلة المقهى .
عم فرحات : كان يعمل في شركة بنزايون وتم رفته بتهمة الاختلاس وأعيد للعمل بعد شهور تركه أبناؤه بعد وفاة أمهم .
دور المقهى في الرواية :
كان المقهى ملتقى شلة أصدقاء (الدوك) والمكان الذي ينصرفون منه إلى أعمالهم أو بيوتهم وكان يغشاه أيضاً الكثير من الناس المنتمين إلى الطبقة الفقيرة ، إلا أن شلة الدوك وفاروق كانت المجموعة المنتظمة في مقهى (ترسا) ومنه كان تتردد حكايات الشارع ويعرف القارئ أحوال ومغامرات شلة الأصدقاء الذين جمعهم اهتمامهم بالنساء والفياجرا والحشيش وأحياناً الكلام عن السياسة والحكومة إلى جانب هوسهم بكرة القدم ومتابعة نتائجها وخلال سرد الأحداث على لسان "الدوك" كانت ذاكرته تحضر بقوة وتستدعي علاقته العاطفية بـ "نورا" التي أحبها وعاشرها ولكنها تزوجت بغيره ، وقد أثمرت علاقتهما عن طفل أجهضته "نورا" وكان مصير جثة الطفل كيس بلاستيكي أسود ألقاه الاثنان معاً في نهر النيل .
وقد ترك فراق "نورا" له أثراً سلبياً كبيراً عليه فقد فسدت روحه على حد تعبيره "وحين فسدت روحي فسد كل شئ ، فسدت حياتي تماماً حين أدركت أن علاقتي بنورا إلى زوال وفسدت روحي كلها حين انقطعت علاقتي بكل ما بقى من نورا" (3) . ولذلك وجد "الدوك" وصديقه هشام البنا العزاء والمتعة في بعض العلاقات العاطفية العابرة مثل مغامراتهما مع كل من الشقيقتين "منى" و "عاليا" اللتين احترفتا البغاء وساعد الدوك على تسهيل مغامراته العاطفية امتلاكه شقة بالعجمي بالاسكندرية ورثها عن أبيه . ويتصل بهما فاروق وهم جميعاً في الإسكندرية ويقول موصياً الدوك وهشام : "افتكرونا وانتوا راكبين !!" (4) .
هكذا كانت حياة شريحة ممثلة للطبقة المتوسطة المصرية في مطلع الألفية الثالثة حيث الأزمات الخانقة وتفاقم أشكال وصنوف المعاناة وظهور المناطق العشوائية وما نتج عنها من تداعيات منها : شيوع إدمان المخدرات بين الشباب وكذا جرائم الزنا بل زنا المحرمات الذي لم يكن يعرفه المصريون .. إنها نماذج لحالة عامة من المعاناة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي والتردي الأخلاقي وقهر للطبقة المتوسطة وتهميش للغالبية من الفقراء .. حالة أوصلت البلاد والعباد إلى اليأس والخراب الاجتماعي والأخلاقي والهروب بالعمل في الخارج أو الهروب بالمخدرات أو الهروب بالجنس وتظل هذه الصورة الشائهة تتسع وتتفاقم طوال ثلاثة عقود تالية حتى تنفجر ثورة شباب مصر الغاضب في يناير 2011م .
بعض الملاحظات الفنية :
-    بالرغم من أن الراوي العليم كان الآخذ بزمام عملية السرد في الرواية إلا أنه راعى تسليط أضواء الأحداث على سائر الشخصيات وكذا الأحداث ذات الصلة بمقهى (ترسا) .
-    أرى أن عملية السرد وانتقالاتها سارت بشكل طبيعي وكذا تقديم الشخصيات للقارئ ليس دفعة واحدة وإنما وفق ظرف الحدث ومسار السرد ، فمثلاً شخصية فاروق المزواج تأتي تفصيلات الشكل الخارجي لها في الفصل الرابع "الخروج" وربما كان السبب في ذلك أن الكاتب رأى أن وصف سلوكيات الشخصية وسرد أقوالها سيعطي القارئ تصوراً مرضياً عن الشخصية وهو أمر اعتمد عليه الراوي الضمني .
-    حجم الرواية لم يفي بمعرفة مصائر الشخصيات نظراً لمحدودية الزمن الروائي فيها مما حدا بالكاتب إلى التنويه في آخر الرواية عن رواية أخرى مكملة بعنوان "دماء مستباحة" (5) .
-    أسلوب السرد يتدفق بيسر وسهولة ووضوح ويخلط بين العامية والفصحى في بعض المواضع ، لعب الحوار دوراً في تسليط الضوء على كل من الحدث والشخصية ، الأخطاء النحوية قليلة وقد رصدنا أمثلة لها ص 56،46،11،6 .
-    عنوان الرواية "مرح الفئران" دال وموح حيث الليل والمقهى والسهر والمغامرات والمتع الخاطفة وانطفاء جذوة الطموح والأمل لدى معظم شخصيات الرواية .

الهوامش

1-    الرواية ص 19 .
2-    المصدر السابق ص 7 .
3-    المصدر السابق ص 44 .
4-    المصدر السابق ص 30 .
5-    انظر الرواية ص 95 .