الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

قراءة في رواية "البوابة رقم 10" لعمرو الرديني

والرواية صادرة عن سلسة كتاب المواهب بالمجلس الأعلى للثقافة عام 2014م. تقع الرواية في حوالي 80 صفحة تقريباً من القطع المتوسط ويتصدرها على الغلاف ذي اللون الأزرق صورة لأحد أبواب القاهرة القديمة، وهي صورة غلاف تتناسب مع طرح الرواية حيث إن الطرح يتناول أحداث داخل جنبات بوابة لأحد مواقف المسافرين والركاب الكبيرة في عواصم إحدى محافظات غرب الدلتا (دمنهور – البحيرة).

وأما المنتجات النصية الملحقة بالمتن فهي عبارة عن :
إهداء ومفتتح وتمهيد. فأما الإهداء، فيقول فيه الكاتب "إلى الخفافيش والبوم وغيرها من الكائنات الليلية التي وجدت ضالتها في الليل وسكونه وتحملت ظلمته ووحشيته". وأما المفتتح، فهو عبارة عن تساؤل ممزوج بالدهشة مأخوذ من مقطع حواري سينمائي من فيلم المنسي، يسأل فيه (فرغلي) الممثل أحمد راتب زميله المنسي (عادل إمام) – بقوله المفعم بالدهشة : هما طلعولك يا منسي !؟

ويضيف الكاتب في الإهداء : أن العفاريت التي لاقيتها في الحقيقة هي أهون بكثير من العفاريت التي كان يخشاها فرغلي !
والتمهيد للفصل رقم (1) من الرواية يقول الكاتب منشداً :

الليل في بلدي حزين يستنى النهار في شوق
يستر عيوب مخاليق أحلامهم بصّة لفوق
يشكو له أوجاعهم يزيد سواده سواد
وإخلاص يا واد ، دي البسمة هي الطوق



وهكذا يمهد الكاتب لفصول الرواية – لكل فصل – بمقطع شعري ومنه يستأنف سرد الفصل التالي، وهكذا، ونلاحظ أن الإهداء يأتي في صورة شعرية مفعمة بالسواد، وصاغة في شكل رباعية يتزاحم فيها الحزن بالكآبة إلا إن سطرها الرابع والأخير يشي بالنور والأمل .. الأمل في بزوغ نهار يشق دياجير الليل ويمحو فلول الظلام. ومن التمهيد إلى الفصل الأول والذي يعتبر مدخلا مباشراً لأحداث الرواية، يتناول فيه الكاتب طبيعة الليل بين ماض كان الناس يعيشونه في أمن وسلام وبين واقعهم الحالي حيث صار الليل ساتراً لكثير من آلامهم ولقليل من آمالهم وأحلامهم وكأني بالكاتب يحاول من خلال بوابته التي فتحتها النار – أن يطلعنا على بعض خفايا الليل ويكشف لنا عن بعض ما يستره من مواقف وأحداث وتباين دوافع ونزعات، إنه  يزيح عن الليل ستار السكون والهدوء ليكشف عن نيران كثيرة تشعل الليل بآلامها وتنيره بآمالها وتطلعها .. تطلعها المشبوب بالحرية والانعتاق والمتلهف للحياة الإنسانية الكريمة.

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

قراءة في ديوان "الذات بين منزلتين" للشاعر صلاح بدران

هو أحد شعراء دمياط الزاخرة، العامرة بالأدب والأدباء. يقيم شاعرنا في قريته كفر سعد التابعة للمحافظة ويشارك بنشاط ملحوظ في فعاليات قصر ثقافة كفر سعد ونادي الأدب وهو أيضاً باحث وناقد شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية، كما فاز بالعديد  من الجوائز. صدر للشاعر ديوان "عزف على الوتر السادس" عام 2000م ومجموعة شعرية "عيناك دوماً" عن قصر ثقافة كفر سعد. له تحت الطبع ديوان في الغزل وآخر في شعر الحكمة لم يصدرا بعد ونأمل صدورهما.

عن الديوان :

يضم ديوان "الذات بين منزلتين" إحدى عشرة قصيدة تشغل حوالي خمساً وسبعين (75) صفحة، هذا سوى الإهداء والتقديم.
وإذا ولجنا للديوان بادئين بمنتجاته النصية الملحقة بالمتن سنجد عنواناً وإهداءً وتقديماً وهي منتجات تعين القارئ والمتلقي على الولوج والدخول إلى عالم الديوان.

فأما الإهداء :
فالشاعر يهديه إلى أبيه وأمه وأبنائه وتلاميه وإلى الشرفاء من أبناء مصر وإلى ملهمته "ملهمة الرياحين".

وأما التقديم :
فهو يقدمُ وله بمساحة من الحنين الجارف إلى الماضي، إلى الزمن وبالجميل حيث حكايات الأم والخالات في جو شبه أسطوري وحيث الأب المبجل ببهاء حضوره وحيث حقول الخير والحب تمتدُ وتنتقل ما بين الذات وبين زمن الماضي الجميل إلا أن الشاعر يعيش الآن بعد سنين طوال مدركاً زمنا مغايراً تماماً. إنه زمن الشدة والعنت ومُقام المكابدة فثم واقع خشن تنشد فيه الروح الانعتاق والخلاص وتشوق إلى إعادة إنتاج ماض ولى كان مفعماً بالبشر والحيوية بالرغم من بساطة العيش ومحدودية المطالب.
ثم يأتي آخر المنتجات النصية وهو شكر واجب يزجيه الشاعر إلى فرع ثقافة دمياط وأدباء كفر سعد وقصر ثقافة الكفر وشاعر العامية البورسعيدي الشاب أحمد عطوة على جهده في تنسيق الديوان ونسخه.



وأما عنوان الديوان :
والذي سطره الشاعر على الغلاف موقعاً باسمه وملحقاً به لقبه وهو "الوتر السادس" فإن هذا اللقب يأتي ذا دلالة. إذ إن الوتر الحساس السادس عن قدامى الموسيقيين الغرب والمحدثين منهم يأتي ليضيف بُعداً صوتياً جديداً لأوتار آلة العود الخمسة. إن الشاعر ينقل دلالة الإضافة والإثراء من حقل الموسيقى إلى حقل القول الشعري مع ملاحظة ما بينهما من أواصر وثيقة.

السبت، 8 أغسطس 2015

بانوراما الرواية العربية في مصر

كانت مرحلة ما قبل (زينب) لمحمد حسنين هيكل ممهدة ومهيئة للتربة الأدبية في مصر لاستقبال هذا الفن الموسوعي متعدد البيئات والأزمنة والأمكنة الحافل بالأحداث والشخصيات، والذي يمور منه بتباين المواقف والأيدولوجيات والرؤي وتأتي تجربة "عودة الروح" للحكيم لتفسح مجالاً أوسع لهذا الفن فنشهد رواية السيرة الذاتية الذي يتماهي فيها المؤلف مع شخصية الراوي للسيرة على نحو ما وجدنا في أعمال السيرة الذاتية لطه حسين والعقاد والمازنى في الوقت الذي كان فيه محفوظ يبدأ مشروعه الروائي برواياته التاريخية ويواصل طريقه المثابرة الدءوب في الانتقال بالرواية العربية في مصر من مرحلة تطورية إلى أخرى ومن مذهب فنى إلى آخر حتى رسي عند "أحلام فترة النقاهة" قطواف محفوظ بهذا الفن (أشكالاً وتقنيات) ولقد أتاح أن تكون أبواب الرواية مفتوحة على مصراعيها لاستقبال الوافدين الجدد من مبدعي هذا الفن السردي العتيد ... لقد رأينا كلاً من الغيطاني وخيري عبد الجواد أيضاً وجبريل في بعض أعماله ، يقرأون الحاضر في امتداده الآتي من الماضي ووجدنا جميل عطيه إبراهيم يتعامل مع هم التاريخ السياسي للوطن أما خيري شلبي فقد انحاز للمهمشين بالغوص في عوالم المجتمع التحتية ويأتي صنع الله إبراهيم ليوظف تقنيه "التوثيق السردي" لدحض الأفكار المطروحة في عصره وكشف التلوين المخادع لحقائق المعاناة اليومية للإنسان البسيط .



أما إبراهيم أصلان فيمارس بهدوء وحرفية قريناته السردية حيث تتناغم فيها الحكايات الصغيرة برؤية سينمائية واقتصاد لغوى بليغ في حين آثر شلبي وجبريل والغيطاني من قبل تفجير طاقات روائية هادرة للإلمام بعوالم الناس وفضح الواقع السطحي الرسمي من جهة أو إبراز بطولة المكان ملتحمة بحالات نفسية ذات دلالات سياسية من جهة أخري (جبريل) ويبرز صاحب الحساسية الجديدة الروائي الكبير إدوارد الخراط ليلقح القصة والرواية ويوظف تيار الوعي بخيال منطلق بين الأزمنة والناس ويتابعه في هذا المنحى كل من محمد الراوي وسمير ندا ومحمود عوض عبد العال ، أما الروائي صاحب جائزة الرواية العربية لهذا العام 2015م الاستاذ بهاء طاهر فهو يكون بؤرة من حكاية أو حكايات مركزية يدور حولها السرد مازحاً بين التاريخي والاجتماعي.
ويستخدم كثير من الروائيين هذه التقنية (تنمية حكاية بسيطة تظل به متمع كامل) فنجدها عن البساطي ، علاء الدين ابو المعاطي أبو النجا وفؤاد حجازي ... إنها استراتيجية توسيع بنيه الحكاية.

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

قراءة في رواية "غريق السيلولويد" – للسعيد صالح

في تجربة روائية جديدة، يعود إلينا الكاتب القصصي والروائي، السعيد صالح مع روايته "غريق السيلولويد" والتي أصدرها عن دار المصري للنشر والتوزيع بالقاهرة في طبعتها الأولي في مطلع يناير عام 2015م، وذلك في حوالي 235 صفحة من القطع المتوسط، وتأتي جدة التجربة الروائية هذه من خلال صياغة وبناء المؤلف أحداث روايته وشخصياته على خلفية من ثقافة سينمائية وأفلام شاهدها الكاتب منفعلاً مع أحداثها في فترات سابقة ولاحقة من حياته هذا ويبدو ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة بارزاً في الرواية كعنصر مكاني يلعب دوراً هاماً فيها، إذ تنطلق منه الأحداث والشخصيات وما تلبث أن تعود إليه حيث البناية الواقعة في الميدان والتي ورثها "هادي أوغلو" عن عائلته بعد وفاه أبيه وأمه وهو يعمل مهندساً في إحدى الإدارات الفنية الهندسية بشركة من شركات قطاع الأعمال. أما الفضاء الزماني للرواية فهو قبيل ثورة يناير 2011م وينتهي معها أو بعدها بقليل. ويبدو بطل الرواية رجلاً في الأربعين من العمر يعيش في شقته بالبناية غرباً وحيداً، يميل بطبعه إلى الهدوء والسكينة، يهوى الموسيقي ويجلس لفترات على صفحات التواصل الاجتماعي ورث عن عائلته التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية القديمة أساليبها في الحياة والسلوكيات يعشق مشاهدة الأفلام السينمائية ويحفظ كثيراً من أسماء الأفلام وكذا أهم مخرجي وممثلي السينما العالمية والمصرية أيضاً.

تتنازع "هادي"- مع ملاحظة دلالة الاسم- في وحدته مشاعر ورغبات شتى ما بين الخوف والرهبة والقلق وبالطبع النزوع بقوة وشوق شديدين إلى المرأة وحنانها، خاصة في هذه المرحلة من العمر حيث الحاجة الشديدة إليها ومناشدة الراحة والسكينة في عالمها، ويزيد من هذه الحاجة المُلحة كون هادي لك يخض من قبل غمار تجربة جنسية ليتعرف فيها على المرأة جسداً وكياناً وإن عاش تجارب رومانسية عدة جعلته أكثر حيرة وقلقاً في الاختيار، بحثاً عن شاطئ ما من شواطئ أمراءه يرسو عليه ويجد فيه صالته وإشباعه النفسي والجسدي معا. وربما كانت التجربة الجنسية الكاملة التي خاضها هادي كانت مع "نعمة" تلك المرأة التي كانت تعمل خادمة له، ترتب له بيته وتعد له الطعام. سكنت هي وأمها وولدها البالغ من العمر سبع سنوات أسفل البناية لتؤدي دور حارس العمارة وتعد لهادي طعامه وكانت نعمة تعاني من فقد إحدى عينيها بسبب ضربة وجهها زوجها الشرطي السابق إليها بحزامة الميري، كما كانت تعاني من شقاوة طفلها "فرج" لكن العاهة التي خلفها لها زوجها السابق، لم تحل دون أن تكون محل إعجاب وإثارة، خاصة وأنها كانت شابه يافعة في السابعة والعشرين من العمر و(ذات شعر كستنائي طويل ووجه مريح وجسد ذو تقاسيم ساحرة)- الرواية ص17 .

السبت، 13 يونيو 2015

كتابة أسامة كمال البيضاء

عن سلسلة "كتابات جديدة" بالهيئة العامة المصرية للكتاب أصدر الكاتب الشاعر والمحرر الأدبي أسامة كمال مجموعة "نصوص" تحت عنوان "كتابة بيضاء" وذلك أواخر عام 2013م- ويقدم أسامة كمال مجموعة هذه النصوص المتسمة بالتكثيف والإيجاز – بغيه استدعاء شيئاً من الجمال والرقي إلى حياتنا وإلى نفوسنا التي أصابها كثير من التشوه والقبح ، ويهدي أسامة نصوصه ذات الألوان البهيجة الزاهية إلى عالم (سحر الكتابة) هذا العالم (الأثير) وهو بهذا يؤكد على ضرورة (فعل الكتابة) وحيويته وجماله والذي يظل بالرغم من معاناته وبالرغم من العواصف والأنواء وسحابات اليأس والإحباط التي تغلف حياتنا – أحد أفعال الخلاص والانعتاق وأحد أهم الأساليب الشافية لرقي الوجدان وتنمية الذوق وارتقاء الحس الإنساني ما يساهم في الحد من ظواهر التشوه الحسي والانحطاط الأخلاقي وينبه إلى أن الحياة ليست مجرد صراعات أو سباقات ومنافسات نحو القوة والمزيد من النفوذ وإنما جوهرها السعي إلى مزيد من الحب والفعال الانسانية الراقية والسمو الأخلاقي والسلوكي أو في ذلك فليتنافس المتنافسون إنها كتابة مصدرها ومجراها ومرساها تعاظم قيم الحق والخير .

ويضم "كتابة بيضاء" سبعة وأربعين نصا تقتربون والجمال اقترابا حميماً من تخوم الشعر ويعالجهم الكاتب بأدوات الشعر من التكثيف الشعوري والبلاغي واللغوي ولكل نص من النصوص وضع اسامة كمال له عنوانا يوجز تفاصيل عالم النص ويكثف وجدانياته التي يريد توصيلها للقارئ والمتلقي وهذه العناوين مثل: ورقة شجر ، زورق ، خريف ، مغيب ، حزن ، سنونو ، قلب ... الخ . وتلاحظ أن عناوين النصوص من مفردات صيغت نكرة اتساقاً مع روح الايجاز وبلاغة التكثيف للنصوص ذاتها ونورد في هذه القراءة شيئاً من هذه النصوص ونقف معها محاولين إبراز أهم قيمها الجمالية واللغوية عسى أن نقف على المبتغى التي تصبوا إليها إبداعات هذه الكتابة البيضاء.



ويقول أسامة كمال في نص "ورقة شجر" وهو أول نصوص هذه المجموعة :
أنا أضعفُ من ورقة شجر
ولكنني
أحلم بمودة الشمسِ
في قلبي
كي أخلق مع طائرة الطفلة
الورقية الجميلة
لأشعر بالفرح
.. نعم إنني كائن ضعيف ولكنى من حقي الحياة .. الحياة التي وهبها الله لجميع المخلوقات ولست أطمح لأن أعيش فقط .. مجرد عيش ولكنى أصبو إلى الأهم والأجمل وهو التمتع بمجالي الحسن والجمال والإحساس بالفرحة الشفيقة البريئة أحلم بأشعة الشمس المتألقة في قلبي وأحلق عاليا مع طائرة ورقيه جميلة لطفلة بريئة .. هكذا اعيش وهكذا اشعر بالفرحة الحقيقية .
وهكذا يبدو إن الحلم عند أسامة ليس مجرد ظاهرة بيولوجية ولكنه تعبير عن الأمل وأحد الحلول البديلة التي تقي الإنسان أمراض النفس وشروخات الروح وعلل الجسد يظل الحُلم والآمال الماثلة دائما أمام ناظري الانسان خصية ضرورية ملازمة له .. ويظل الجوهر الانساني الأصيل على يقين بأن الحياة تتسع للجميع وهي حق مقدس لجميع المخلوقات .
وما زال الكاتب مع الحلم وفي نص "زورق" نراه يتهادى على أمواج الأمل ضحكات حيث تلوح شراعه من بعيد يقول في (زورق) :

مشاركة