الثلاثاء، 29 مايو، 2007

الموت حباً فى ديوان " وهذا إقرار منى بذلك "

" هذا إقرار منى بذلك " ، هو الديوان الخامس لشاعر العامية علاء عيسى بعد أربعة دواوين هى:
 " العزف على أوتار ممزقة " 1999 ، " عفواَ سقط العنوان سهواَ " 2002 م ، " ترانيم شرقاوية " ديوان مشترك 2004 م ، و " خيانة " 2005 م . 

وقد صدر " هذا إقرار منى بذلك " عن سلسلة " خيول أدبية " عام 2007 م وبملاحظة تواريخ نشر دواوين الشاعر ، سنجد أنه من الشعراء ذوى النفس الطويل ، وأن إنتاجه يتسم بالاستمرارية والتواصل ، ما يعكس روح الدأب والمثابرة ، والإصرار على إنجاز مشروع شعرى ، والطموح إلى الوقوف على أرضية ثابتة فى حلبة التحقق الشعرى فى مجال شعر العامية ـ وسط شعراء الوطن المميزين .
والديوان الذى بين أيدينا تنتظمه إحدى عشرة قصيدة ، تضمها مائة صفحة بالتمام والكمال ـ فى قطع متوسط ذى غلاف أنيق يهيمن عليه اللون الأصفر بمشتقاته ، ومن حيث التصنيف الموضوعى لقصائد الديوان سوف نجد أنها تندرج تحت ثلاثة تصنيفات تقريباَ : 
1-قصائد وطنية ذات حس سياسى :
 وهى ثلاث " واحد واخد على خاطره " ، " بانوراما ثورية " و " منها ولها " .
 2- شعر نقدى اجتماعى :
 وينحرظ فيه أيضاَ قصائد ثلاث هى : " عشرة طاولة " ، " عيبك " ، " وخليك رى لاكس " .
 3- شعر عاطفى غنائى :
 وتؤلفه أربع قصائد هى " اَلو " ، " بكرة " ، " مش على حد " ، " مفكرتيش " ، ثم قصيدة واحدة غنائية ذات طرح عام وهى قصيدة " أم القلب النونو " ، وبذا يكون مجموع قصائد الديوان إحدى عشرة قصيدة .
وتبدأ صفحات الديوان بإقرار ممهر بتوقيع ، " واحد واخد على خاطره " يقول فيه الشاعر بأسلوب إنشائى غرضه الإثبات والتقرير :
                                دورُى فى كل القصايد / هتلاقينى كاتبها ليكى
                            كل حرف فى شعرى ساجد / للجمال اللى فى عنيكى
وإذا كان الإقرار يعبر عن حب عميق ووله وعشق شديدين ، فإن توقيع الشاعر على إقراره يعكس نزعة واضحة من اللوم والعتاب . لوم مثقل بأسى وأحزان ، وعتاب محمل بألم ومرارة ، لكنه بالرغم من ذلك لا يتحول عن حبه ، ولا يتخلى عنه ولهه وعشقه .
ولندع الشاعر يأخذنا إلى متن تجربته لنكتشف معاَ لمن يدخر كل هذا الحب ؟ ولماذا تنتابه غصة من ألم ، ويعتصر نبرته الأسى والحزن ؟
وبما نجد الإجابة حين نعيش مع القصيدة الأولى التى حملت نفس عنوان التوقيع على الإقرار
" واحد واخد على خاطره " .
يقول الشاعر فى مطلعها :
                           أنا واخد على خاطرى كتير منك
                         ما نا منك / ومهما ابعد فى يوم عنك
                              باتوه فى السكة واشتاق لك
                              باحس بحاجة جوايا بتندهلى
                          وباسمع لك / وبارجع لك / وأقول منك
                        وبحلم إنى بين حضنك / كأنى حته من حضنك
                                      ولما أحزن ....
                                  بلاقى الحزن جاى .... منك
                               ولما افرح .... بلاقى الفرح دا منك
                                    خلاصة كل شئ .... منك
                                            ما انا منك 

وللوهلة الأولى يدرك القارئ أن الشاعر يوجه حديثه لمصر ، محبوبته الأولى والأخيرة ، مع إحساس دافق من عاطفة مشبوبة ومشاعر حارة تنداح فى جسم القصيدة وفى بنيانها العضوى ، ينتظم هذه العاطفة ويضبطها جرس موسيقى واضح الإيقاع ، منتظم التردد ، حزين النبرة مما يثرى الحالة الشعرية موضع التجربة ، ويعمق سائر عناصرها الفنية وجوها النفسى العام خاصة مع شاعر ذى حس موسيقى عال مثل علاء عيسى .
وبعد أن يؤكد الشاعر على بنوته اللصيقة الحميمة لأمه مصر ، وأن فرحه من فرحها وحزنه من ترحها ، وأنها وحدها مصدر سعادته وشقائه ـ نراه يصعد بشعره مرتقياَ بهذا الحب ، جاعلاَ منه حقيقة ثابتة تتعدى تبدلات المشاعر ، وتتجاوز أهواء العواطف ، وتقلبات الأمزجة والميول :
                           غصب عنى أو عنك .... أنا منك
                          رضيتى ما رضتـيش .... منـك
                        رضيت ما رضتيشى .... أنا منـك
وبالرغم من كل هذا الحب الذى يرقى لمستوى الحقائق الثابتة ، إلا أن حظه من حبها إياه جد فقير ، ونصيبه من حنانها قليل ضئيل ، بل إنه حين يرتمى فى حضنها لا يشعر إلا بالبرد الشديد :
                        فما أعظم العطاء ! وما أجحد الجزاء !
                   يقول الشاعر :       عموماَ ....
                                         كل شئ قسمه
                                وقسمه قلبى إنى اشعر وانا فى حضنك
                                          ببرد شديد
وهذا سر مرارته ومصدر غصته ودافعه للوم والعتاب .
ويأتى الشاعر ليقف عند أواخر المقطع الثانى من هذه القصيدة الباكية ، وبالتحديد عند ذكر قسمته ونصيبه من المحبوبة ـ ويتخذ منه متكئاَ ليسهب فى تفصيل دواعى مرارته ومسببات أحزانه ، تلك الأحزان التى خلفت فى القلب كسوراَ ، وتركت فى الروح شروخاَ ، وهو فى نفس الوقت يذكر المزيد من مظاهر عطائه وصور بذله ، لاعلى سبيل المن ، بل براهين حب ، وأدلة وفاء
( فلا خير فى حليف الحب إن لم يتيمِ ) .
إن عين الشاعر لا ترى إلا صورة معشوقته ومحياها ، وهو يحمل لها قلباَ مفعماَ بالخير ، ولساناَ لاهجاَ بالصدق ، وهو يضع روحه وعمره على كفه قربانا ، وهو شمعة تذوب احتراقاَ لتهدى بنورها درب محبوبته . إنها من ألهمته القول وأنطق عشقها لسانه بالشعر ، لذا فقد وهب شعره لها ، ناظماَ إياه جواهر ألفاظه ، منضدا لآلئ قوافيه وأوزانه ، وزين بكل هذا درب عشقها علًه يحظى منها بشئ من الحب أو قليل من الدفء .
                        لسانى اللى كان أول ما كان ينطق ويتعلم
                                بيتهجى حروف اسمك ؟
  وكان بيسمى كل الناس على اسمك !
      ياريتنى كنت .... ما كنتش .
                        ياريت قلبى اللى كان حبك / يكون قاسى ولا يدقش
وهو لم يواعدها مرة بوعد كاذب كما فعل أهل المين والخداع من الكاذبين ، ولم يحدث أن بنى لها قصورا من الأوهام كما فعل المزايدين والمتاجرين ، بل صدق فيما قال ، وأوفى بما وعد .. فماذا كان الجزاء ؟.. إن جزاء الإحسان لم يكن إحساناَ .. لقد كان جزاء سنمار !!
لقد وجد الشاعر نفسه وسط خيرات الحبيبة وأطايبها يموت فاقة وحرمانا ، وطرد من جنتها وهو الذى بذر حولها الحب بساتين وأزهارا، وألفى مصيره إلى التهميش والنسيان وهو الذى رفعها بعشقه إلى سماء سامقة مزدانة بنجوم الوفاء !
لقد تم إزاحته وإنكاره وهى التى كانت له حياة وصلاة ، وما جنى إلا الظلم والحزن بل الإدانة
والذنب !
وتتداعى مقاطع القصيدة فى مناجاة حزينة لتشكل لوحة داكنة من المفارقات المؤلمة ، وردود الأفعال المحبطة حتى يصل الشاعر تحت ضغوط من إحساس القسوة والظلم إلى أن ينفجر صارخاَ :
بحق الله أنا المظلوم
بحق الملك والملكوت / أنا المظلوم
.... وهكذا تؤدى به القسوة إلى هذه الحالة ، فيتمنى لو كان أخرس لا ينطق ، وجلمدا لا يشعر ، بل يتمنى ألا يكون قد خلق أصلا .
ولكن للعجب ـ يرضى الشاعر بنصيبه ويروض النفس على قسمته منها :
                        وفى الاَخر .. / باعيش فيكى كما المنـــفًىِ
                        وباتغرب بعيد عنك / وأنا الأقرب قريب منـك
                        عموما .. كل شئ قسمه / وبالقسمه .أكون مذنب
ويعيش الشاعر منفياَ فى سجن الحبيبة ، بعيداَ فى قربها ، قريباَ فى بعدها ، لا ينتظر عفواَ ، ولا يتوقع وصلاَ وإنما يقبع على الهامش ويرضى منها أن يكون مجرد ذكرى ، لكنه ما زال موفور الجود موصول العطاء .
إن دفقة من الصدق من الوجدانى أحالت وقفة العتاب ولحظة اللوم إلى صياغة تجربة أشبه بتجسيدات الصوفية ورموزهم ، وحالة من العشق يتدرج مقاماتها الشاعر ويرتقى مقاطعها ليصل إلى أرفع درجات الحب ، وأسمى منازل الإخلاص ، مصيغاَ صورا شعرية ذات قيم مضافة من التشخيص والتجسيم ، وبطاقة موسيقية تزخم التجربة وتثرى عطاءها ومقاطع القصيدة مصاغة بمفردات تفيض حباَ فى مقام الحب ، وتنضح أسفاَ فى مقام الحرمان والحزن وكأنها تصوغ مرثية للنفس .
أما التراكيب والصيغ فتنساب موزونة مسجوعة أو مجنسة مسجوعة بحيث تمنحنا إيقاعاَ مضاعفاَ أو مزدوجاَ ، مثل قوله :
با اعد الساعة بالثانية عشان تخلص
با قول للعمر يالله اخلص
ولا بيخلص / كأن الوقت داينًى ..
وبادعى إنه فى يوم يخلص
عشان أخلص / مانا المخلص ..
ويتبدى الحس الدرامى لدى الشاعر فى بعض المقاطع خاصة فى المقطع الذى يقول فيه :


                        ركبت المركب ومقدرتش
                                أكون ريس
                    لمحت الموجه بتعافر وقصدانا تفرقنا
                        وبصيت لك ... ألخ المقطع                     صـــ16
وإذا كانت التجربة هنا ـ إزاء الوطن / الحبيبة ، أقرب للتجارب الذاتية الغنائية إلا أنها تنفتح على موقف عام ، إذ إن معايشتنا للتجربة تحى فينا حساَ وطنياَ أصابه الفتور والوهن ، وتبعث فينا روحاَ من الانتماء انطفأت جذوتها تحت ظروف يطول شرحها سياسة واقتصادية واجتماعية .
وتأتى نبرة الحزن التى تفرض إيقاعها على القصيدة ويتضمنها العتاب اللائم ليكمن فيها الحس السياسى الناقد مكوناَ أساسياَ فى نسيج التجربة ، ولكنه النقد العف البعيد عن الإساءة والتجريح .

وفى إطار الوطنيات ذات الرمز العاطفى تأتى أيضاَ قصيدة " منها ولها " ، ولكنها تأتى أغنية حب خالصة صافية من كل ما يكدرها وكأنها قصيدة غزل ويفتتح الشاعر غزليته هذه الوطنية بمقطع يقول بيته الأول :
                        أحلى حاجة يا مصر فيكى
                        كل حاجة باشوفها فيـكى
ونلاحظ مفتتح البيت بصيغة التفصيل " أفعل " ، ونتوقع أن يكون المفضل فى مصر شيئاَ معيناَ فائق الجمال ، ولكنا نفاجأ بقوله : " كل حاجه باشوفها فيكى " وهو ما يترجم طبيعة العاطفة والرؤية التى عايشها الشاعر مع قصيدته . ويذكر الشاعر من الأشياء الجميلة التى أثارت حبه وحركت غزله ـ قلب شعبها الصافى وجوها ونيلها ، أما حروف اسمها الثلاثة (مصر) ، فهى تعنى فى نظره " شعباَ " ، " ومعنى كامن فى الأرواح " :
                        مصر مش كلمة نقولها لجل كل الناس تصقف
                        مصر كلمة حروفها شعب .. مش كلام مزيف
                        مصر معنى جوه روحنا / نبقى هى وهى إحنا
والشاعر يحب أن يرى بلده عامرة بالخير ، مقبلة على الجد والعمل ، مشغولة بالترقى والتقدم ، إنه يحب أن يراها طفلا يحمل كتابا ، وطالبا داخل جامعة ، وعاملاَ فاعلاَ فى مصنعه ، وجندياَ حاملاَ مدفعه ويحب أن يرى أبنائها فائقين فى كل الميادين .
وينتهى الشاعر فى المقطع الثانى إلى نتيجة وطنية أخلاقية يرى أنها يمكن أن تقيل الوطن من عثرته وبها يصير أهله إخوانا متحابين :
                        تبقى أحلى لما يبقى حبها فى القلب فرض
                        مصر تبقى .. لما نبقى كلنا بنحب بعض
أما المقطع الثالث والأخير من القصيدة ،فالشاعر يؤصل فيه لحبه وانتمائه، ويرجع ذلك إلى أنه إرث عن الآباء والأجداد الفلاحين الذين عشقوا الأرض ورووها  عرقهم ،وأنه محمل بوصية من أسلافه ، بأن يكون محباَ داعياَ لها دائماَ بالتوحد والحرية والازدهار ، وتأتى نهاية المقطع مختتمة بنداء يودعه الشاعر كل الحب والاعتزاز تاركاَ فراغات فى سطور المختتم ، تفتح المجال واسعاَ للمزيد من نداءات ودعوات الخير :
                                يا وطنى يا غالى ....
                                يا مصر يا أمنا ....
                                  يا بلادى شرقية
ونصل إلى القصيدة الثالثة فى شعر الوطنيات " بانوراما ثورية " وهى قصيدة سبق وأن ألقيت فى مناسبة اليوبيل الذهبى لثورة يوليو فى مسابقة لوزارة الشباب ، والقصيدة تنتمى لشعر المناسبات المتسم بالدعائية والنبرة الخطابية العالية ، فضلاَ عن أنها تتبنى وجهات النظر الرسمية وتذكر حقائق تاريخية توارثتها أجيال يوليو ويعاد فيها النظر الاَن ، ولذا فهى تفتقد القناعة الشعرية والصدق الوجدانى ولن نقف عندها طويلاَ ، ولكننا نكتفى منها بذكر مقطعها الأخير وفيه يقول الشاعر :
                        كل حاجة يا مصر فيكى ، كان نتيجة للســلام
                        والسلام من النصر ليكى حاجة مش عايزه كلام
                        كل دا والفضل يرجع لمـــا كل الشعب ثار
                        لما قاموا فى شهر يوليو بثورة كانـــــوا
                                        يد واحدة
                                  يومها كان أعظم قرار

  أما قصائد النقد الاجتماعى : " عشرة طاولة " ، " عيبك " ، و " خليك رى لاكس " ،فهى تركز على الهم الذاتى وتنطلق منه إلى الجمعى والقومى ويبدو ذلك جلياَ فى " عشرة طاولة " وفيها يؤكد الحس الدرامى حضوره ، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الظاهرة عند الشاعر عند دراستنا لديوانه " خيانة " ، 2..5 م ، وكيف يستثمر البنية السردية والحوارية فى شعره استثمارا جيدا ويوظفهما فى معالجة البناء الدرامى لقصائده ما يمنحها مزيداَ من التشويق ويزيد دور العملية القرائية إيجابا وتفاعلاً .
وفى " عشرة طاولة " يتخذ الشاعر من " المقهى " فضاءاً مكانياً أشبه بخشبة المسرح الذى تتفاعل فوقه حركة الشخوص والأحداث ،ويقوم الشاعر بغزل خيوط من مصطلحات " لعبة الطاولة " ليجعل منها عناصر ذات قيم فنية يضفر بها جديلته الدرامية .

وعبر حركة التداعى وجدلية المونولوج الداخلى يعرض الشاعر تجربته محركاً أحداثها صانعاً حبكتها ومن قلب بنيتها الداخلية ، يطرح اسئلته مواجهاً أزمة الفرد فى واقعه .
إن هنالك صراعاً ظاهريا يتم عبر تبادل أدوار لعبة الطاولة ،  يعتمل تحته صراع داخلي أشد ـ تدور رحاه داخل الذات الشاعرة  ، تنقله لنا ذاته الواعية ، وتتكون التجربة متنقلة بين الذات  والموضوع ، الداخل والخارج  ـ مؤكدة لعلاقة مكثفة الدلالة بين حركة اللعبة الدائرة وحال الذات الشاعرة .
إن ذلك يتم بتقنية يلعب فيها الشاعر دورين معاً : دور الراوى ، ودور الممثل ، فهو ينقل ويستعرض لنا الأحداث وفى نفس الوقت هو نفسه أحد طرفى الصراع بل هو ضحية الصراع وموضوع مأساته .
والشاعر يمهد لمشهده المسرحى بمجموعة من المشاهد واللقطات ، يهيئ بها القارئ لدخول التجربة ومعايشتها، وهذه اللقطات تنقل لنا الشخصية موضوع الصراع ـ فى بعض مظاهر معاناتها وظروف تشظيها وأزمتها فى واقعها :
                        الدنيا دواير / جوه دواير من حواليك
                        والناس بتدور فى دواير / دايره بتخنق فيك
                        تزهق وتسيب البيت / أو يمكن بيتك هو اللى يسيبك /
                        تخرج / علشان هو الزهقان من قرفك
                             بتحاول تمشى ورا رجليك
                              لجل ما تهرب منهم منك          " عشرة طاولة صــــ24 "

وهكذا يصل بنا الشاعر إلى نقطة الصراع مكثفاً أجواء عرضه الدرامى ، ومثيرا القارئ بهذه اللقطات المحفزة لمدركات التلقى السمعية والبصرية ومن ثم النفسية .
فها هو خصم الشاعر فى اللعبة يرمى بزهره فى سهولة ويسر وثقة ، ومع كل رمية يفوز ويكسب ، أما الشاعر فهو على النقيض يخسر ويتحسر حتى لو كان معه " الدش " . على إثر ذلك يتوجه الشاعر إلى ذاته " المنحوسة " تقريعاً وتأنيباً ويزيدها زجراً وتعنيفاً وكأنه يجلد نفسه :
صاحبك كل ما يرمى الزهر بيكسب
وانت تبص عليه تتحسر
الناس حواليك كسبانه
وانت " الدش " معاك بيخسًر
إتنيل والعب
وتستدعى أحداث اللعبة ومواقفها فى مخيلة الشاعر ومن ذاكرته ـ مواقف مفعمة بالانكسارات ومشاهد ذات علاقة يتولد بعضها من بعض نقف بها على مظاهر الاستلاب وعوامل غربة الذات وبتوالد المشاهد تزيد حدة الصراع وتصل الحبكة إلى ذروتها .
وفى حركة دائرية ، يعود الحدث الرئيسى إلى النقطة التى انطلق منها وهى المقهى ، ليفيق الشاعر على نفس الحالة من الاحساس بالقهر والهزيمة ولكن هذه المرة على مائدة الطاولة .
ويخرج الغريم الفائز من إطار المشهد منتشيا بالفوز تاركا الشاعر وحده فى قلب المشهد يلوك هزائمه ويجتر أحزانه .
صاحبك قرب ياكل / سابك سارح منك فيك
قال للراجل صاحب القهوة / كل حساب القهوة عليك
صاحبك قام من جانبك / انتهز الفرصة وغلبك
ساب فى عيونك دمعة حسرة
صاحبك فعلا
                                         أخذ العشرة             " عشره طاوله  "  صـــ 43

   واستشعارا بدوره العام وتفاعله الشعبى ، يواصل الشاعر ممارسة وظيفته الاجتماعية فى النقد والتنديد بالمثالب ، وإثارة الوعى ، فيتعرض فى قصيده " عيبك " إلى تفكيك شخصية النموذج الاجتماعى المظهرى المتلبس لدور الرجل الهام واضعا قناع المسئولية على وجهه كذبا وادعاءا ، ويؤلم الشاعر أنه يزعم أنه " سالك وواصل " وينتشى بالتفاف الناس حوله وتقربهم إليه تحت ضغط العجز والحاجة ، فيحمل عليه بالهجاء اللاذع خالعاً لأقنعته ، مسلطاً أضواء الحقيقة على دواخل شخصيتة وتعرية بواطنها :
مع إنك اكتر واحد فينا بتكدب
وتصدق نفسك ...
دايما فاكر نفسك حاجة
مع إن وجودك فوق الحاجة
تعرف بتفكرنى بإيه ؟
" بالجرنال " الهايف جداً
والمليان بالمانشتات الأكثر كذباً                 " عيبك " صـــ68

ثم تأتى زجلية " خليك رى لاكس "، ليشهر الشاعر فيها سلاح السخرية والتهكم ورسم الصورة الهزيلة، حاملاً حملة شعواء على ظواهر ونماذج فى حياتنا نعانى سلوكياتها السلبية فى معترك حياتنا اليومية وتزيدنا ضيقاً على ضيق واختناقاً على اختناق .
والشاعر يتوجه فيها بالحديث مستخدماً ضمير المخاطب كأنه يوجه الحديث الى نفسه ، فى نفس الوقت ينسحب الخطاب بدوره على القارئ والسامع :
                        إن طلبوا الصوت إمسك لك ناى
                        وإن قالوا سكوت ما تقولش إزاى
                        وإن شفت هتاف إعمل باى باى
                        وارقص خمسة مع الضالين
                        ح تفور دمك قول على مين             " عيبك " صــــ76

والشاعر يشير إلى ظاهرة النفاق التى سادت فصارت كالوباء المنتشر وأفرزت جموعاً من ضعاف النفوس المصفقين فى كل الموالد ، الآكلين على كل الموائد .
ويتحدث الشاعر عن عدم جدوى الكفاءة والاجتهاد وبالتالى إنعدام الفرص وانقلاب القيم :
ح تأدن أدن فى المالطه
حيقولوا مبادئك دى أونطه
روح عبى مبادئك فى الشنطه
واحرقها ونام مع النايمين
                       ح تفور دمك قول على مين      صـــــ78

ويحمل الشاعر على ظاهرة الغش والخداع وانعدام الثقة ما يؤدى إلى المزيد من الشكوى والتبرم:
والشارع كله بقى زحمه
وقلوب الناس معدومه من الرحمه
والناس بتخاف تأكل لحمه
بتخاف لتكون لحمة تعابين
                                                     صــــــ79

   ويبرز فى المقطع سرعة التردد الصوتى بالأبيات القصيرة المتواليه مع الانتباه لاستخدام الجناس الناقص ( زحمة ، رحمه ، لحمه ) مما يؤكد من فعالية التأثيرات الصوتيه مع وجود خاصية التكرار فى قفلة كل مقطع .
ويقود المجال إلى التقاء الهم الذاتى بالجمعى بالقومى وما يحفل به من أقاويل وعبارات بليت ترديدا واستخداما :
ولا حتى تفكر فى الإصلاح
وإن شفت القدس سداحها مداح
قول زى الناس ما هو جى صلاح
هو اللى يجيب حق فلسطين
حا تفور دمك قول على مين
                                                صــــــ8.

أما غزليات الديوان وعاطفياته فيعالجها الشاعر بقالب الأغنية ، خاصة فى قصيدتى "مافكرتيش " ، و " مش على حد " ، وفى هذه الغزليات ، تفيض عاطفة الشاعر شفافية ووجداً ، وتقطر ألفاظه عذوبة ورقة ، يقول فى " مفكرتيش " ملتمساً لحيبته العذر :
                        باقضى الليل وانا سارح
                        وانا فيا الجراح قايده
                        ولاقى نجومه سهرانه
                        وابص لها بعين شارده
                        وقلبى يقولى مش جايز
                        تكون معزورة مش قاصده        "  مفكرتيش " صــــــ86

أما فى " بكرة " فيعاتب الشاعر حبيبته عتابا رقيقا هادئاً ، مفتتحاً أغنيته بنداء تعجبى ممتد الصوت أسيفه :
                                          يا ا ا ا ه ! !
                                         لسه فاكره ؟ !
                                     لسه جايه تقولى بكره
                              أى بكرة ؟ / عمرى كله راح فى بكره /
                             من زمان باستنى بكره / كنت أنام باحلم ببكره
                                 كنت أقول للوقت إجرى وهاتلى بكره
                                بكره عدى قبل منه وبعد منه ألف بكره
                                  كل يوم عدت ساعاته إلا بكره
                                   وانتى جايه تقولى بكره ؟ !   " مفكرتيش " صــ82

ويتعرض الشاعر فى شئون حياته العاطفية لنموذج الفتاة المغرورة ذات الدل والجمال فيرد عليها:
م الممكن / أقول أنا جنتل
جداً ورزين
فى وسامتى وشكلى وشياكتى
ما فى زيى اتنين
وكتير كانوا قبلك يتمنوا نظرة من العين
كانوا زيك بل أجمل منك
كانوا أحلى بنات
                           " مش على حد " صــــــ91

وتبرهن غنائيات الشاعر العاطفية على أن الكلمة العامية الأصلية يمكن أن تساهم فى ترقية الذوق وتفى بحالات ومتطلبات مبدعها شجواً وشدواً دون ابتذال أو إسفاف ودون الصراخ باسم " العنب والخيار والبلح " أو الحديث عن " الست لما ... لما لما " ، مما أدخلنا فى فوضى من نشاز السمعيات التى ينبوعنها الذوق ويتأباها الحس السليم .

مشاركة