الأحد، 5 أغسطس، 2007

رواية " عندما تتحطم الأساطير " بين إشكاليات الشكل وطموح المضمون



 أصدر الكاتب "عطية عبد الرحمن" أخر أعماله وهى رواية "عندما تتحطم الأساطير" ، عام 2007 موهى من الروايات  الطويلة إذ تقع فى أكثر من مائتي صفحة من القطع المتوسط
موضوع الرواية يتناول صراعاً مزدوجا حول السلطة / الحب ، دار رحاه بين معسكرين يقفان على طرفي نقيض ، معسكر يمثل الخير يضم شخصيات (عبدون ، الأمير زياد ، الأميرة إهناسيا و بعض أتباعهم) .
ومعسكر فى الجانب الأخر يمثل الشر ترمز إليه شخصيات : (الملك قيدار ، الوزير إياس ، القائد بغدادي وإتباعهم من حراس وجنود) .
وتدور الأحداث فى مملكة ما ، تقترب ملامحها كثيراً من ملامح البيئة الأوروبية ، وهى تبدأ بتمهيد لجو أسطورى يكشف عن مشهد للمك قيدار وهو يهرول فى أسمال بالية ، يحمل صندوقاً قديماً ، وإذا به يسمع أصوات مخيفة لأشباح تطارده ، يحاول الفرار منها فلا يجد سبيلا للنجاة سوى الصراخ ، وفى خضم ذلك يأتي صوت من وسط سحب مظلمة قائلاً :
"هكذا قضت محكمة التاريخ أن ترحل ... ، يهرول ناحية الشاطئ حاملاً صندوقه القديم فى ذهول ليستقل قارباً ما يلبث أن يتهشم  على أثر هياج شديد لحيتان البحر الغاضبة .
   إنه حلم يعانى كابوسيته الملك قيدار الذى استولى على حكم المملكة وعرشها بعد أن قتل الملك الشرعي العادل وطمس معالم جريمته بقتل كل من يعرف الحقيقة أو له صله مباشرة بها .
وبنفس المشهد ينتهي الملك بالفعل بعد صراع مثير بين المعسكرين سالفى الذكر ، خاضا فيه سلسلة من الأحداث والمشاهد والمواقف المفعمة بالتشويق والحركة وروح المغامرة .

وتكشف الأحداث فى اتجاهها نحو الحبكة والتعقيد عن طبيعة " بوليسية" ، كثيرا ما أسفرت عن مفاجآت وردود أفعال مدهشة وغير متوقعة ، إلا أن القارئ يستقبل هذه الأحداث والمفاجآت ، وهو على يقين أن معسكر الخير سينتصر فى النهاية ، وهذا ما يجعله غير مبال بمصير أبطاله ، وكل ما يشغله ، أن يستمتع بالإثارة ويعيش مع روح المغامرة ، ويستدعى - ذلك الجو وتلك الروح – أن تدور الأحداث فى أجواء أسطورية مدفوعة بنبوءات العرافين تارة ، والدسائس والمؤامرات التى تحاك فى القصور الملكية تارة أخرى ، كما تستدعى تثبيت حركة التدفق السردي وإعمال الوصفية الدقيقة حين يقف السارد على المواقف الحرجة  والمنازلات والاشتباكات الفردية والجماعية بين المعسكرين المتصارعين تلك المنازلات التى تتأرجح كافة الحسم فيها بين الطرفين بطريقة مشوقة وسريعة كتلك المشاهد التى نراها ونستمتع بها فى أفلام (الأكشن) الخيالية ، خاصة الأفلام الغربية ، ومن أمثلة هذه المشاهد هذا المشهد الذى ننقله من صفحة 99 من الرواية ، على النحو التالي :
" .. وفجأة فزعت إهناسيا عندما رأت تمثالاً معدنياً لعبدون يسد باب السرداب فصرخت ، وحينما نظر إليه إياس تعجب كثيراً ووقف مندهشا مذهول قائلاً ماهذا .. ؟
وإذا بصوت يخرج من التمثال قائلاً :
لابد أنها مداعبة لطيفة يا إياس . فبدا الذهول على إياس وإهناسيا، قال الصوت :
جئت لأمنحك الجائزة الملكية يا سيدى الوزير .
فقال : من أنت .. ؟
قال صديقك القديم ، ثم خرج عبدون من التمثال فقالت إهناسيا فى دهشة : عبدون ... أيكون هذا معقول .. لم تمت إذن أيها المعلم؟
رد عبدون قائلاً :
المحال يرسل سهامه دائماً فى الوقت المناسب . سلم لى العباءة يا إياس .
ولا شك أن المفاجأة  كانت لإهناسيا أكثر من رائعة وكانت لإياس لطمة شديدة لم يكن يتوقعها قال :
خدعتماني ، إذن أيها الحمقى .. لكن لابد أن ترجع إلى قبرك . واستل خنجرا وسدده تجاه عبدون ، أفلته ، ثم تبعه بآخر فاختبأ عبدون وراء التمثال وأفلته . فتناول إياس أحد السيوف المعلقة بإحدى حوائط السرداب ، وكانت المواجهة بين حلم عبدون المسجون وحلم العرش لاياس"
أنها رواية (الحدث) الخيالية التى تتوجه إلى شريحة من القراء ، تميل أذواقهم إليها ، ويشغفون بها ، منفقين معها وقتاً ممتعاً يجمع بين الرومانسية والمغامرة .
وقد سبق أن صنف د. عبد المحسن طه بدر ، هذه الروايات تحت تيار ساد مسيرة الرواية فى الأدب العربى ، أطلق عليه تيار روايات (التسلية والترفيه) ، وذلك فى كتابه المرجعى  ،"تطور الرواية العربية الحديثة" ، الصادر عن دار المعارف بالقاهرة فى أكثر من طبعه ، وهو تيار كان له أسبابه وسياقه التاريخي والاجتماعي الذى أفرزه ، وقد سجل الدكتور عبد المحسن طه بدر فى كتابه المذكور عدة خصائص وسمات فنية لهذا النوع من الروايات يتفق مع بعض ما أشرنا إليه من خصائص ومنها أيضا :
    _  تعليق الكاتب أحياناً على الأحداث .
-       الشخصية المسطحة المتسمة بالنمطية والثبات .
-       الميل إلى الخطابية والنزعة التقريرية أحيانا.
-       الاهتمام البالغ بالحدث وطبيعة العقدة.
والجدير بالذكر أن الرواية العربية ما لبثت بعد انحسار هذا التيار ، أن اتجهت إلى البيئة المصرية والعربية الخالصة ، بأسماء أعلام وأماكن عربية خالصة ، متبنية مواقف ورؤى جمالية مختلفة إزاء الواقع الفردى أو الجمعى تحت ما يسمى تيار الرواية الفنية .
إلا أن كل ذلك لم يمنع الكاتب أن يطرح على لسان شخصياته ، ومن خلال أفعالها قيماً وأفكارا، تكفل للقارئ تحقيق المتعتين (العاطفية والفكرية) معاً ، لكن عبر خلال توجه مثالى للشخصيات ، ولا شك أن الكاتب قد أشار فيما أجراه على لسان الشخصيات (الخيرة) ، ومن خلال مواقفها – إلى قيم وحقوق إنسانية نبيلة متمثلة فى ، التنوير والحرية والعدالة والتحلى بالجرأة والشجاعة وروح الفروسية إزاء قوى البغى والظلم والجهالة التى مافتئت ترهق شعوبها معنوياً وماديا (الشخصيات الشريرة) – بإفقار هذه الشعوب وزرع الخوف فيها ، تكريساً لبقائها وضماناً لاستمرار مصالحها.
إلا أن هذه القيم وتلك المعاني المثالية التى ذكرنا بعضها على لسان الشخصيات الخيرة ، تطرح على لسان الشخصيات بصورة مطلقة غير محددة ، هذا فضلا عن أن بعضاً منها قد يكون مطلباً ضرورياً ملحاً وعاجلاً ، وبعضها الآخر قد يكون نوعاً من الترف فى ظل تردى الأوضاع ... والأوضاع وفق الرواية لم تكن قد وصلت إلى هذا الحد من السوء فى مملكة الملك "قيدار" !
وبالرغم من هذه الملاحظات إلا أننا نعترف أن هذا اللون من الروايات مازال له جمهوره ، وإن اتجه الكثير من هذا الجمهور فى وقتنا الحالي ، إلى قضاء وقت فراغه فى مشاهدة أفلام ومسلسلات تعرضها قنوات متخصصة استعاضة عن القراءة في هذه الروايات .
وإذا كان الكاتب يطمح إلى إنجاز عمل روائى يضعه أمام مسئولية فنية وأدبية واجتماعية بالغة الأهمية كما يذهب الأستاذ الدكتور صابر عبد الدايم فى مقدمته للرواية ، فإن هذا الطموح يتطلب منه " أن يتقن فن المبارزة فى هذه الساحة الفنية التى تحتاج منه إلى الثقافة الواعية المتشبعة وإلى التعرف على الجديد فى فن الإبداع الروائي والقصصي ، وإلى حتمية ارتياد المجالس والتجمعات الأدبية لاكتشاف التطور الجديدة فى عالم الإبداع الروائي والفني" .
ونرفع أيدينا مع الدكتور صابر عبد الدايم نحيي الأديب الشرقاوي عطية عبد الخالق منتظرين عمله الروائي القادم واثقين أنه سوف يحظى منا جميعا  بالحفاوة والاهتمام. 

مشاركة