الثلاثاء، 5 فبراير، 2008

محمد سليم الدسوقى ... عمرُُ من الشعر - إطلالة

مسيرة طويلة حافلةُُُ بالعطاء والإبداع الشعرى، كان فيها عشقُ الشعر هو السمة الغالبة على حياة الشاعر محمد سليم الدسوقى ابن محافظة الشرقية ، المولود فى قرية " قرموط صهبرة " مركز ديرب نجم عام 1938م. مسيرة شعرية وجهت ثقافته الذاتية وتكونيه العام وهمه وهمومه معاً .

توطئة :

مسيرة طويلة حافلةُُُ بالعطاء والإبداع الشعرى، كان فيها عشقُ الشعر هو السمة الغالبة على حياة الشاعر محمد سليم الدسوقى ابن محافظة الشرقية ، المولود فى قرية " قرموط صهبرة " مركز ديرب نجم عام 1938م.

مسيرة شعرية وجهت ثقافته الذاتية وتكونيه العام وهمه وهمومه معاً .

وهذه الحياة التى احتواها الشعر وغلب عليها حبه وحلق بها فى أرجاء ممالكه ، تكونت وتراكمت ثم استوت على سوقها نتيجة عوامل عدة مجتمعة متفاعلة من نشأة بين جنبات الطبيعة الريفية الخيرة السمحاء أرضاً وبشراً ، إلى موهبة كامنة فى الفطرة نماها وغذاها حفظ القرآن الكريم بكتاب القرية ، مع نزعة دينية وعاطفة إسلامية جياشة.

ثم يأتى عامل الدرس والتحصيل لعلوم العربية والثقافة الإسلامية ، يواكب ذلك الثقافة الذاتية وزاد القراءة المستمر خاصة فى التراث الشعرى العربى القديم والحديث.

كل ما سبق ينصهر فى بوتقة الخبرة الحياتية والفنية ويدفع الشاعر للتفاعل مع البيئات الأدبية المختلفة التى تقلبت عليها مسيرة حياته ، سواء فى القاهرة أو الشرقية وفى بورسعيد والإسكندرية وعلى امتداد الإقليم الأدبى الذى ينتمى إليه الشاعر ، مع الانفتاح على بيئات أدبية أخرى أكثر رحابة وانفساحا أتاحتها له سفرياته خارج مصر خلال سنوات إعارته للتدريس .

روافد الغرس والتكوين :

وربما كان أبرز هذه العوامل والقاسم المشترك الأعظم بينها ، إنما هو فطرة حب الشعر وأخذه بلب الشاعر قراءة وإنشادا وحفظاً ، مع تعلق شديد يمتلك حسه بالنص القرأنى ترتيلاً وتجويداً منذ أن من الله عليه بحفظه حين كان غلاماً ناشئاً والتحاقه بعد ذلك بمعهد الزقازيق الدينى عام 1952م.

ويشكل التراث الدينى والأدبى جزءً هاما فى التكوين الروحى والثقافى لشخصية شاعرنا ، وكان من حسن طالعه أن رافقه فى سنوات دراسته بالمعهد رفقة من الزملاء جمعت بينهم مقاعد الدراسة وزادهم ألفة وانسجاما حب الشعر والاجتماع على مائدته يستطيبونه زاداً ويرتشفونه رحيقاً ورياً ، ويقرضونه فرادى ومجتمعين نذكر منهم : هاشم الرفاعى وأنس داود

وفتوح أحمد ، وأحمد عمر هاشم.

وتأتى دراسته الأزهرية فى معهد الزقازيق ، لتزوده بأدوات هامة ترفد فيما بعد تجربته الشعرية منها ما يتعلق بالتقعيد النحوى والصرفى للغة ، وذلك حين كان يحصل ألفيه ابن مالك وشروحها مع مرجعيات أخرى للنحو العربى عند ابن هشام والأشمونى ، ومنها ما يتصل بأسرار اللغة وإعجازها البلاغى والبيانى ، ففى نفس الوقت كان الطلاب يتعرفون على علوم البيان والمعانى والبديع ، ويدرسون نماذج شعرية رفيعة من أشعار العرب وأخرى من ألوان النثر الفنى عند أعلامه المبرزين .
كل ذلك كانت تضمه دروس الأدب والنصوص والبلاغة فضلاً عن الشواهد الشعرية واللغوية الكثيرة المتناثرة فى كتب النحو واللغة والتفسسير والتاريخ والتى كان الطلاب يكلفون بحفظها واستظهارها.

ولامشاحة أن تلك الدراسة الجادة ذات التنوع والثراء والتى كانت تميز معاهدنا الأزهرية آنذاك – كانت كفيلة بأن تجعل الشاب وهو لايزال فى مقتبل عمره أكثر قدرة ومراساً فى التعامل مع النصوص ، وتفتح أمامه خاصة إذا كان عاشقاً للأدب والشعر – نوافذ مشرعة وينابيع زاخرة فياضة من كنوز التراث الأدبى والشعرى العربى ، اعتقد أنها لم تغلق أو ينضب معيُنها مع شاعرنا حتى الآن.

وتتسع النوافذ فتصير أبوابا ، وتفيض الروافد فتغدو أنهارا وذلك مع مرحلة الدراسة الجامعية فى القاهرة فى منتصف ستينيات القرن الماضى حيث تتخذ دراسة اللغة والأدب أبعاداً أكثر عمقاً وآفاقاً أرحب اتساعا ، مع دأب شخصى من شاعرنا يرصد به ويتابع كل جديد فى عالم الأدب والشعر .

ويصقل الشاعر من موهبته حين كان يغشى منتديات القاهرة الشعرية وقت أن كانت القاهرة عاصمة للثقافة العربية عن جدارة واستحقاق .

فها هو شاعرنا يحيى لياليه فى جمعية الشبان المسلمين ، أو يزجى أمسياته فى قصر ثقافة الغورى ، وحينا تراه مشاركاً فى المنتديات الأدبية الجامعية ومسابقاتها ، أو ملقياً أشعاره فى مقر رابطة الأدب الحديث بالقاهرة ومستمعاً جيداً لحفنة من الأزاهرة الأدباء كعبد المنعم خفاجى ومحمود غنيم وأحمد الشرباصى ، يعمق ذلك معايشة وقراءة لأعلام النهضة الأدبية الحديثة كشوقى وحافظ والمنفلوطى والرافعى ، مع رفقة حميمة لشعراء عصور الازدهار كأبى تمام وابن الرومى والمتنبى وأبى العلاء.

ويتخرج شاعرنا فى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1966م ، ويعمل مدرساً للمادة فى مدارسها الإعدادية والثانوية فى كل من بورسعيد والإسكندرية والشرقية ، وتقع كارثة العام السابع والستين أثناء خدمة الشاعر الوظيفية فى مدرسة القناة الإعدادية ببورسعيد.

وبالرغم من هول الصدمة وجسامة الحدث الجلل ، يرتفع صوت الشاعر رافضاً الهزيمة وروح التخاذل والسخرية المريرة باعثاً الأمل فى الأمة ، مذكرا إياها بمعاركها وانتصاراتها المفصلية الكبرى التى شهد بها التاريخ :

لا فالحياة على الهوان جريمة \ والذود عن أرضى وعرضى شرعتى
لا ياهواة الفلسفات ترفقوا \ فالوقت ليس لضحكة أو نكتة
لا أيها التاريخ .. لاتعتب عليـ \ نا بينما ترنو لتلك الحقبة
إلا بأيد مسها كل الردى \ فانساب منها النور يذكر وقفتى
فى عين جالوت وفى حطين \ والهكسوس لما طاردوا حريتى
والزاحفين من المغول وكيف جندل \ جمعهم سيفى وعزم كتيبتى
وهكذا منذ بواكير صدوح صوته الشعرى يجد الشاعر نفسه منفعلاً بأحداث وطنه ، متفاعلاً مع قضايا أمته العربية والإسلامية.

مواسم ممتدة من العطاء الشعرى :

تبدأ رحلة شاعرنا على درب التواجد الشعرى منذ أواخر الستينات من القرن االمنصرم . حين أخذ نتاج أزاهيره الشعرية يستوى على أغصانه ويفوح عطراً فينشر بعضاً من قصائده على صفحات مجلات العاصمة الهامة كالشعر والثقافة وإبداع ، ويظل الشاعر عاكفاً على حديقته الشعرية بالرعاية والإنماء والمثابرة والانشغال بإنجاز شعرى أكثر من الاهتمام بالنشر وأضواء الإعلام ، وينتقل إلى الإسكندرية وتتاح له فرصة تفعيل موهبته فى الأنشطة الأدبية ومحافل وزارة التربية وتنشر قصائده فى المجلات الثقافية لإدارات الإسكندرية ، كما تُعتمد إحدى قصائده نشيداً وطنياً لمدارس منطقة غرب الإسكندرية عام 1971م .

فى منتصف السبعينيات يرشح شاعرنا ضمن البعثه – المصرية التعليمية لجمهورية اليمن وكما عهدناه منشداً ومشاركاً ومتتبعاً لرحيق الشعر أينما كان ، واصل الشاعر نظم تجاربه والتعبير عن ذاته الشعرية ، والتفاعل مع هذه البيئة الجديدة ، فساهم بشعره فى أنشطة البعثة الثقافية ، وكتب بعض الأناشيد والأهازيج الشعرية أعجب بها أهل المنطقة التى كان يقيم بها وطلبوا منه أن ينظم أهازيج أخرى يوقعونها فى مسامراتهم وأشغالهم.

وتثمر الفترة من أواخر الستينيات حتى أواخر السبعينيات عن القطاف الأول لمحمد سليم الدسوقى متمثلاً فى ديوانه " صلوات على زهرة الصبار " وتأتى قصائد هذا الديوان محملة بالروح العربية والإسلامية الأصيلة ، بمضامين ذاتية ووطنية وإسلامية تنحذ الشكل التقليدى قالباً لها ، يطوف بها الشاعر على الأوزان والبحور الشعرية العربية المعروفة كالكامل والوافر والمتقارب والرجز والرمل والبسيط وغيرها ، ويحكم كل ذلك رؤية رومانسية ونزعة صوفية عميقة وتتراوح موسيقاه ما بين الإيقاع الساحر الآخاذ والنغم الهادئ الشفيف الحزين.

ويعود الشاعر إلى وطنه مواصلاً مسيرة العطاء والإبداع ويترك أهازيجه ينشدها محبى شعره من اليمينين وبعض القصائد المنشورة فى جريدة الجمهورية اليمينية و " الوطن " العمانية والعربى الكويتية.

ومع عوده : الشاعر إلى وطنه واستقراره فى محافظته ينشط داعى الشعر ويزكو هاتف الفن ويمتد نشاطه الأدبى والشعرى عضواً بنادى أدب ديرب نجم ، وشاعراً فاعلاً فى قصر ثقافة الزقازيق ، ثم عضوا باتحاد كتاب مصر ، فرابطة الأدب الإسلامى العالمية مع مجموعة متميزة من زملائه الشعراء كصابر عبد الدايم وحسين على محمد وبدر بدير ومحمد سعد بيومى.

وإذا كان ديوانه الأول قد ضم بعض التجارب والنظرات الذاتية جنباً إلى جنب مع الشأن القومى والإسلامى فإن ديوانه الثانى " طقوس الليلة الممتدة " يجمع بين تجربة الشعر المسرحى والشعر الغنائى ذى الرؤية التى تقف على تخوم الواقعى ، محاولة استكناه متناقضاته وقراءة معطياته التى تؤرقه وتثير شجونه ، فيكتب عن " خدعة الألوان " ويوقع " على حوائط الزمن " فى " طقوس ليلة ممتدة " كما يكتب عن الرحيل ويرثى الفارس صلاح عبد الصبور ويمنى النفس بقريته وقد سقط عليها المطر وسقى كل أرجائها .

ومع تغير طبيعة الرؤية وتوجه المضامين يطوع الشاعر أدواته الفنية فيتحرر من وحدة الوزن والقافية ويطلق نفسه الشعرى مع القصيد التفعيلى.

أما ديوانه الثالث الذى أصدره فى أواخر التسعينيات فهو تجسيد لنضج الرؤية وتطور الآداة والتشكيل الشعرى ولاغرابة فى ذلك فهو يتحدث عن " الحب فى زمن الرمادة " فى قصائد ينتصر فيها للإنسان ، وتحاول أن تقف أمام زحف المسغبة فى نفس الوقت تحيى الكثير من القيم الأخلاقية والإسلامية النبيلة فى زمن انقلبت فيه القيم وضاعت شمائل الفرسان والنبلاء إن الشاعر يكتب فى هذا الديوان الثالث شعراً متولداً من المعاناة مداعباً الحلم.

سخاء القريحة وفيض من الإبداع الشعرى:

وبصدور ديوانه الثالث أواخر تسعينيات القرن الماضى ، ومع امتداد زمن الرمادة وازدياده عسفاً وتوحشاً ، ووصول الوطن إلى حالة مزرية - لم تحدث فى تاريخه قاطبة – من التردى والانهيار والفساد الذى استشرت يده ولوثت حتى طالت الماء الذى نشربه والهواء الذى تتنفسه.

وحين يفقد الوطن الأمن والمواطن الأمان ينسحب الشاعر متقوقعاً على ذات جريحة آخذا فى لعق جراحها بعد أن نال منها زمن الهوان والانكسارات والحصار الدامى القاسى الذى صوره الشاعر فى قصيدة تحمل نفس العنوان مؤكدا بالتوكيد اللفظى " حصار ... حصار " :

يقول فيها :-

حصار ... حصار
وفى عقر دارى ..
إزارى ، خمارى
صقيعى ، بقيعى ، ربيعى ..
خريفى ، رغيفى ... حصار

إذا أنت أنت ...

اقتربت ابتعدت ..

خرجت ، دخلت إلى حبة العين ...

عينى ...

صبأت

وقالوا : حصار

وإن أنت أنت صبوت إلى لحظة الحلم ..

قالوا : الا تحلمين

فلا تحلمى – تأثمى – ففى موسم

الحلم والظلم والمأتم ...

يقام الحصار



ولكن شاعرنا ذا السليقة الحاضرة والقريحة الشعرية المتدفقة ، تأبى ينابيعه أن تجف ويأبى نهره الشعرى الزاخر أن يتوقف عن الجريان ، فيسيل كما عهدناه ولكنه يوجه مجراه صوب سهوب ووديان فسيحة يفيض عليها من الشعر الدينى وبهاء التجربة الروحية وأحوال الوجد الصوفى ويسفر ذلك عن ديوانين هما : " تغاريدى " و " قطرات العشق الآلهى ".

العاطفة الدينية والنزعة الإسلامية :

والحق إن شعر العاطفة الدينية والنزعة الإسلامية لم يفارق تجربة محمد سليم الدسوقى الشعرية منذ بدايتها وحتى الآن ، ولم يخل ديوان من دواوينه من مفردات المعجم القرأنى وتراكيبه ، أو تلك العاطفة الدينية الجياشة بحب الإسلام وذكرى رسولنا الكريم عليه السلام وسيرته العطرة ميلاداً وهجرة ، دينا ودين ، والوقوف طويلاً على مهاوى الأفئدة ومطالع النور فى أرض الحجاز بمكة ويثرب ، وما ينتاب المسلم من فرحة وبهجة وحس إيمانى صادق ، ونشوة روحية عالية حين يزور هذه المواطن ، ويقف عليها طويلاً فى شعائر الزيارة ومناسك الحج:

إلى مكة العود يا " أحمد " !

غدا يحُمدُ

وً يفتتح الصولجانُ الكبيرُ.

ويبتسم التيمُ والعُودُ

ويأتى الغدُ

ويأتى الرسول الذى يشهدُ ...

إلى مدرج القوم عند الحجون

فعند الصفا والوفا / الموعدُ /

سأذكره للحجيج ، الثجيج ، وأنى رأيتُ السنا يصعدُ

ويأتلق اليوم ذا فى السنون ...

وفى ذكرياتى التى تخلُدُ ُ! " تغريدى " صــ49

إلا أن غزارة عطائه فى الغرض الدينى والإسلامى ، ومنه الكثير الذى لم ينُشر وبعضه الذى نشر من نجوات وابتهالات وأهازبح دينية وقصائد إسلامية على صفحات مجلة الأزهر ، كل هذا الذى فاضت به نفس مؤمنة لايسعه ديوان واحد ، ومن هنا كان الكثير منه مبسوطاً على امتداد دواوينه ويبقى ما جمعه فى هذين الديوانين.

وقد جاءت أشعار " تغاريدى " متنوعة القوالب متعددة الأشكال ، وفقاً لطبيعة التجربة وإيقاع اللحظة الشعرية والدفقة الوجدانية ، لذا نجد الديوان يجمع بين العمودى والتفعيلى وأكثر القصائد جاءت فى صورة متتاليات شعرية ، كما ضم الديوان أيضا تنويعات على فنون الموشحة.

مقصورتى تثب

والنورينسكب

نور على نور \ فى نأمة الحور

يختال شحرورى \ والحب والصبُ

مقصورتى تثب

والنور ينسكب " تغريدى " صــ80



أما ديوانه " قطرات العشق الآلهى " ، فقد جاء على شكل خماسيات بلغت مائة وعشرين خماسية معظم شطورها الأولى نفس عنوان الخماسية وجاءت متنوعة القوافى عديدة البحور ، مختارة من ذوات النغم الشجى أو الألحان العذاب المنسابة ، وكل خماسية مفتتحة بتصريعيكثف الحضور الموسيقى ويزخم من دلالاتها الجمالية والصوتية :



رأيت الغداة بهاء الصور \ سموق النخيل وزهو الشجر
جنى الحنيتين ، نعيم الخلود \ فكم ذا عسيب ، وكم ذا ثمر

وكم ذا تعشش عصفورةُُ \ وكم ذا يُدل أنيسُ عبر

إلى واحة الله أنس الوجود \ تشد الرحال ويطوى السفر

ويختلج الصبح عند الغدير \ وتبتهج الروح بين الزهر

وفى الديوانين بصفة عامة يطلق الشاعر العنان لتأملات الفكر وخطرات النفس ووقفات الدعاء وزفرات الإنابة والبكاء ، أما الروح فبعد أن " توضأت بالحب والعشق " فقد صفت وسمت وارتقت ، ولكنه صفاء وتصوف يتسم بالبساطة بعيداً عن الغموض أو الإغراق فى الرمز الحسى ، إنه صفاء نابع من روح الإسلام اليسيرة السمحة البعيدة عن الشطحات والفلسفات التى أفسدتها غنوصيات الشرق وحدسيات الغرب ... إنه صفاء المسلم الذى يتحصله بمجرد أن يأتى ربه بقلب سليم :

وأسرى إلى الله فيض اشتهائى \ ونبع الحنان ومُزن دعائى

ومرضاة نفسى وقلبى وروحى \ وموتى ، حياتى ، ودنيا رجائى

قضيتُ الليالى تلو الليالى \ أدق الصوارى أدلى دلائى

أرطب غيض الحنان الدفئ \ فتهفو إليك فيوض سقائى

وما كل فيض السقاء وفير \ ولكن قربك نهر شفائى

ويتسع " قطرات الحب الآلهى " لخماسيات من شعر الزهد والحكمة ، ومقاطع من سير الأنبياء يسوقها الكاتب مصورة لنبصر بين صورها وأخيلتها مشاهد العظة ومواقف العبر.

أغان للقدس وأطفال الحجارة :

ويعكف الشاعر على أشعاره التى نظمها من وحى المأساة الفلسطينية وملاحم أطفال الحجارة وشهداء الأرض السليبة فى انتفاضتهم الأولى والثانية ، ويفرد لهذه الأشعار ديوانه " شال القطيفة والبندقية " ويصدره فى ديسمبر عام 2004م عن سلسلة " أصوات " بالرغم من إنجازه قصائد هذا الديوان خلال عام 2000م.

وفى الديوان نعيش أجواء البطولة والشهادة ، ونهدى مع الشاعر أغانى الحرية للقدس زهرة المدائن ، ونرصد " كهان خيبر " وهم يعيثون فى أرض السلام فساداً ، ونستصرخ مع الشاعر ضمير الأمة ونستنهض هممها لإدراك الثأر وأخذ القصاص ، ونستشرف معه المستقبل الآتى بتضحيات أطفال الحجارة ، ليأتى بفارس الفجر المرتقب الذى يبعث الأمة ويفك أسراً قاسياً عانت فى ربقة أغلاله أرضنا السلبية أكثر من ستين عاماً :



تعود أيا فارسى المستهام ..

لنهر الوطن

هدير – الذى يحلمون – السلام ..

ورقزقة التوت ..

والساقية

يضوع اخضرار الشطوط ..

على قبة الصخرة الساجية

لتغسل كفيك ..

عينيك فى طهرها ..

" شال القطيفة والبندقية صــ63



أما طفل الجحارة المسجى ، فقد قرأ الشاعر على شفيته الشهادة والسعادة وهو يعانق حلمه وحلم رفاقه الملون بلون القرابين والفجر والزهو والزهور ، وهكذا تنثال الصور من مخيلة الشاعر مستدعاة من جلال اللحظة وجمالها ويتوجه إليه الشاعر مشيدا منشداً :

وليدى :

كتبتك بالأمس درساً جميلاًُ ..

تهلل فوق حنايا الفصول

وفوق السهول ، الخيول ..

ونجوى تدُف بنود الربيع ..

الصفيع ..

المنى ..

هسهسات الطلول ، وقرع الطبول

وأنشودة الحب ، اكتبها للصغار

للكبار ..

جنود الوطن

فيحيون مثلك مستنهضين

الذرا والهمم " شال القطيفة البندقية " صــ42

بساتين من الحب وفلذات وجدانيةُُُ شفيفة :

وهذه البساتين التى هى قطع متجاورات حسان من الغزليات العاطفية المضمخة شذى وعبيرا ، أو تلك الفلذات الوجدانية الحرى ، تمثل كلتاها عالماً ثرُُا وأثيراً لدى شاعرنا ، يُجيد فيه ويبدع ، وهو عالم أثير إذ يتقاطع مع موقفه الذاتى الغنائى من العالم ، وهو الموقف المهيمن على رؤيته الشعرية وموقفه الفنى بصفة عامة ، يلتقى فى نفس الوقت مع ذات شاعرة ترهف بالحس الإنسانى العالى ، ومزاج موسيقى يهفو لصوت الألحان .

ولا شك أن هذا العالم الحى المائج بأحوال المحبين ، المضطرب بمفارقات العاشقين ، يغدو مادة موافقة وحقلاً خصباً لإنتاج يضمه أكثر من ثلاثة دواوين ولكن أقف هنا عند اثنين منهما وهما " تنهدات الريح " و " ريهام .. نوار الفصول " ، وقد أصدرهما الشاعر عام 2006 م ، الأول عن سلسلة خيول أدبية والأخر عن دار الإسلام للطباعة والنشر.

وتأتى غزليات الشاعر فى " تنهدات الريح " تجسيدا لما أشرنا إليه ومن هنا فهى تتبنى الموقف العذرى بصياغاته التعبيرية ولكن دون انسياب عاطفى أو استغراق فى التأوه أو العدمية وتمتزج غزلياته بمجالى الحسن وجمال الطبيعة التى يخلع عليها الشاعر من صدق مشاعره أو ذوب روحه :

أصلى لأجلك منذ التقينا

على ربوة السفح فى الليل ، والليل يرنو إلينا

ونجمات عش الهوى فى سفور

حبور ، خدور تبعثر فى الساح حينا فحينا

ويجرى البعاد على عشتينا

ويجرى السهاد إلى مقليتنا

كأن النجيمات فى ساحهن

ثريات عُرس وراء المكان

وراء الطبيعة والمهرجان " تنهدات الريح " صــ11



وتحت عنوان " قصائد للعطر " ، يرسم الشاعر لوحة يمتزج فيها الحب والجمال تضم كل الفصول والروائح والألوان :





ويرحل

فى وجنتيك الشتاءُ

ونركب زورقنا فى الهزيع

ومرفأ عينيك ينفض عن ساعديه

ظنون الصقيع

جنون الصقيع

فلا تحفلى باحتقان الزروع

وبالليل يرفلُ فى الضفتين

ويأفل نجم الحنان

الوديع

وقومى إلى زفة فى الربوع ، الدموع

ورقصة حبٍ على جنتيك ِ

شذاها يضوع

ونجوى رضيع

" تنهدات الريح " صـ85ـ



إنها لوحات تُذكرنُا " برعويات " شعراء الرومانس الإنجليز ، ومن تأثر بهم من الرومانسيين العرب وبخاصه شعراء مدرسة أبوللو .

ويضم الديوان مجموعة من القصائد التى تعتمد البنية الحوارية مثل :

" أروى والحكاء " ، " أعشق جدا " ، " أيا حادية " ، " أيا زهرة الكستناء " ، وفى هذه القصائد نلمح الشاعر متخذاً من المرأه " قناعا " يتجاذب معها حواراته التى تتجاوز موقف الغزل أو الانشغال بالتجسيد و التشخيص – فيُحمل تلك الحوارات مواقف أعمق ورؤى تتعدى الذاتية :

يا سيدتى :

ومضى زمن ، وأتت ريحُُ غير الريح

وقرن غير القرن

وموج لانعرفه أرغى فى الملهاة وأزبد

والحكاء على مأساة الزيف تمدد

لا تنتظرى من وعثاء السفر هموما

لا تتواجد .

من رقطاء الحى سموما لا تتوعد

لا تتعدد .

من وهماء الريح حسوما .. لا تتردد

لا تتنهد

لاتنتظرى .

يا سيدتى .

" تنهدات الريح صـ30



أما ديوان " ريهام .. نوار الفصول " والذى يحمل اسم كريمة الشاعر المرحومة " ريهام " تخليدا لذكراها العطرة – فهو يضم بعض الغزليات ولكن معظمه قصائد مهداة لكريمته نظمها لها أثناء غربتها بالخارج شوقا لرؤياها وتحنانا وأضاف إليها مرثياته الباكية .

وقد حمل غلاف الديوان صورتها محلقة مبتسمة بين سحب السماء الصافية وكأنها روح مرفرفة فى إيحاء ملائكى آخاذ :

كتبتُ بالورد ذكراها على كتبى \ وصُنت بالود يُمناها على أدبى
نفى الحدائق أذ كارى مولهة \ وفى البدار حكاياتى ومغتربى
مابين يآسى وآلامى ومضطربى \ ومهجة الروح فى الأرواح والحدبِ
وفى ثنايا الطوايا والتلابيب \ وحبة العين والوجدان والحُجُب
وفى الدعاء أصلى صوب روضتها \ وأسأل الله من قلبى ومن ذوبىَ
" ريهام .. نوار الفصول " صـ5ـ



ويخاطبها فى قصيدة " الحب سلوانى " :

سلواى ، إنك تملكين خواطرى

ونواظرى ..

وشغاف قلبى ، وابتهالات الحقولِ

والشعر يقتله الذهولُ

وغدير بستانى

وسلوانى ..

وأيكتى الفرعاء تخلد للذبول !

وأنا بمملكة الفصول ..

أعدد الألوان والأحزان ..

والأمل الملول !

وأقول للشعر الذى فى غصتى الحُبلى .. أقول

فمن ذا الذى يضع السؤالات التى ..

سكنت جُنوبى والذى يضع ..

الحلول ؟

" ريهام .. نوار الفصول "صـ15

لقد خلفت وفاة هذه الابنة البارة فى قلب شاعرنا شرخاً عميقاً وحزناً أليماً وفراغاً غطاه الصقيع ، ولكنه حين يطلق زفرات الرثاء ، لا يذهله الألم أو يرخى أعنة نفسه لهمٍ مُغرق ، بقدر ما يستدعى صورها ، ويرسم حركتها وكأنه يجعل صورتها دائماً شمساً تنير حياته وتبعث بذكرياتها الدفء لمواسمه وفصوله ، ويظل عبق أريجها يُطيب بالذكرى حاضره الآنى وغده الأتى .. وهكذا يمنح شعره ذكراها حياة ، وعمرها وإن كان وجيزا – ديمومة وبقاءً .

مشاركة