الثلاثاء، 12 أغسطس، 2008

جابر عصفور : " نحو ثقافة مغايرة "

في إطار سلسلة الأعمال الفكرية لمهرجان القراءة للجميع ومكتبة الأسرة ، صدر كتاب " نحو ثقافة مغايرة " للدكتور جابر عصفور ى مطلع أغسطس الجارى 2008م .

ويضم الكتاب حوالى ثلاثة وثلاثين مقالاً وورقة عمل صنفها المؤلف تحت عناوين : ملاحظات تحليلية – مقدمات ومراجعات – مؤتمرات وملتقيات – إضاءات أدبية .

ويطرح المؤلف كما عهدناه فى مؤلفاته قضايا ثقافية وأدبية هامة تتعلق بالتنوير وتصحيح المفاهيم وإزخام الحراك الثقافى.

وتحت عنوان " ملاحظات تحليلية " يتكلم المؤلف عن أهمية " حق الاختلاف " وآدابه ، فيؤكد أن حرية التفكير هى الأساس الأول للتقدم والنهضة وفتح أبواب الاجتهاد واستبدال ثقافة الابتداع ( التجديد والابتكار ) بثقافة الاتباع ( المحاكاة والتقليد )، وممارسة التجريب الذى لا يتوقف فى كل مجال .

وفى التوجه نحو هذه الثقافه لابد أولاً من الاعتراف بحق الاختلاف وحتميته وهو حق طبيعى ناتج عن حرية بقية العقول فى التفكير والاجتهاد ، فالعقل أعدل الأشياء توزعاً بين الناس .

ولكن عدالة توزيع العقول لا تعنى الوصول إلى نفس النتائج بالضرورة ، ولا تعنى التطابق فى الغايات ، ومن هنا كان الاختلاف الحتمى حتى على مستوى التكافؤ المعرفى أو المنهجى .
ويذكر د. جابر عصفور من سبل تحقيق الاختلاف :-

- الانفتاح على عوالم المعرفة المختلفة .

- تشجيع عملية التفكير والاجتهاد .

- تقبل الآخر المختلف أو المغاير .

كما يذكر صوراً لحق الاختلاف متمثلة فى أبراز مظاهره وهى الحوار ، والإيمان بأن الحوار يجرى بين أكفاء ويكون ساعياً وراء الحقيقة التى لا يحتكرها أحد .

ويتحدث د. جابر عن أثر الاختلاف والاجتهاد الفكرى فى المجتمع ونجاحه فى أهم مؤسساته التنويرية والتعليمية وهى الجامعة فيذكرنا بأن فعالية الجامعات المصرية وازدهارها، وما كانت تتسم به من تقاليد متحضرة ، كل هذا كان فى الماضى وتم إنجازه لأن الجامعات وأساتذتها العظام كانوا يحترمون حق الاختلاف ويرسخون لحرية البحث والتفكير ، لقد أسس الرواد بقوة - فى الجامعة المصرية - تقاليد الاجتهاد والاختلاف وانتقلت هذه التقاليد بدورها إلى الجيل المؤسس والمؤصل للممارسة الأكاديمية من أمثال : محمد حسين هيكل وطه حسين وعلى عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق ويأتى الجيل المؤسس لنقل الشرارة المقدسة إلى تلاميذهم الذين صاروا فيما بعد أستاذا ونقادا كبار أمثال :

سهير القلماوى ، شوقي ضيف ، عبد العزيز الأهوانى ، عبد المحسن طه بدر ، عبد المنعم تليمة ، طه وادى ، جابر عصفور وغيرهم من الأكاديميين والدارسين البارزين .

وهكذا من لطفي السيد وعبد الخالق ثروت وعدلي يكن إلى طه حسين وهيكل إلى سهير القلماوى وجابر عصفور .

وبالتالي فإن أحوال الجامعات المصرية لم تنقلب إلا مع غياب هذه التقاليد وانحسارها ونتج ذلك عن عوامل عدة من أهمها الآثار السلبية للاستبداد السياسي وما ترتب عليه من إلغاء تعددية الأحزاب وترسيخ النظام الشمولي واحتواء مؤسسات المجتمع وتغييب الدستور والقانون ما أدى إلى تصاعد نزعات المحافظة والتقوقع والتطرف الفكري وصعود لغة العنف والعداء .

يقول د. جابر عصفور : " أتصور أن غياب الممارسة لحق الاختلاف في كل مجالاته ، هو الوجه الآخر لغياب الديمقراطية وتقلص الحوار " .

ويرصد د. جابر ما سادا على الساحة نتيجة لذلك من :

انتشار ثقافة الصوت الواحد ، وغلبة المونولوجية على الحوارية ، فلم نعد نعرف مثل تلك الحوارات الفكرية التي دارت مثلاً بين الإمام محمد عبده وفرح أنطون في مطلع القرن العشرين حول " الدولة الدينية والدولة المدنية " ، أو تلك المناظرات الأدبية التي دارت بين طه حسين والعقاد أو العقاد والرافعي ، و المعارك النقدية حول الشعر الحر ، والأدب الواقعي وقضايا الالتزام في الأدب ، والفن للفن ... الخ ..

لقد حدث كل ذلك في مناخ سياسي وثقافي صحي وبتقاليد الحوار وحق الاختلاف وما أحوجنا إلى استعادة تلك التقاليد وعلى مستوى الممارسات الفعلية لا مستوى الكلمات والشعارات فقط .

ويتناول المؤلف تحت العنوان السابق الأول قضية آخري هامة وهى " أزمة الكتاب العربي " ، طباعة ونشرا وتوزيعاً وقراءة .

ويرجع المؤلف هذه الأزمة الظاهرة إلى :

- غياب الوعي بأهمية الكتاب وإنتاجه كصناعة ثقافية .

- الأزمة الاقتصادية وضعف القوة الشرائية للكتاب .

- تغليب عامل الربح المادي على الأثر الثقافي لدى كثير من الناشرين .

- تخلف عمليات توصيل الكتاب وتوزيعه ومن ثم استهلاكه ويذكر المؤلف أبعادا أخرى لأزمة الكتاب العربي تتمثل في :

تعدد وازدواجية الجهات الرقابية – ارتفاع أسعار جمارك الكتاب وتكاليف النقل والشحن .

والنتيجة النهائية لهذه الأزمة متعددة الأبعاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا .

قضية ثالثة حيوية يطرحها الكتاب وهى " علاقة الثقافة بالتنمية " .

وفيها يؤكد المؤلف على ضرورة اقتران عملية التنمية الشاملة بقوة دفع ثقافى خلاق مستمدة من ثقافة متحررة ومنفتحة ، إن ذلك يعد مدخلاً صحيحاً للتنمية،

ويضرب مثلاً حيا لذلك بدولة " ماليزيا " التي كانت حتى أواخر السبعينيات دولة أسيوية مغمورة وفقيرة ، والآن تعد إحدى النمور الأسيوية ذات الاقتصاد المزدهر ومعدلات النمو العالية والدخول المرتفعة .

وهذا يرجع إلى أن الذين خططوا للنهضة فيها أدركوا بوضوح أن أية نهضة حقيقية لا يمكن أن تحدث إلا بالثقافة ، فعمدوا إلى تثوير برامج التعليم وتحديثها .

- وطالبوا بوسائط إعلامية مستقلة ومتحررة .

- وشجعوا ورعوا روح الإبداع والمبادرات التجديدية .

- وقدروا قيمة الحافز المعنوي والمادي والدفع بكل جهد ذي قيمة .

ولا شك أنها أسس هامة لأية نهضة وتنمية حقيقية ما جعل هذا البلد يرقى بخطوات واسعة في حين تراجعت دول كثيرة كانت سابقة لها نتيجة إغفالها الأهمية القصوى للبعد الثقافي في التنمية .

إن تنمية المجتمع ثقافيا تعنى تنميته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا والعكس صحيح بنفس القدر كما يؤكد المؤلف فتجاهل الثقافة في عملية التنمية إنما هو إفراغ لهذه العملية من مضمونها وسلبها قوة دفعها الأساسية فلا تنمية دون ثقافة .

وأخيرا ومع صفحات الكتاب ، وحول عنوان " نحو خطاب ثقافي جديد " وثقافة مغايرة ، أوضح الكاتب أن المقصود من ذلك أن تتعدد الخطابات في مجتمعنا وتتحاور وتتنوع على جميع الأصعدة وكل المستويات وهى فى تعددها وتنوعها تتحلى بروح التسامح والانفتاح، وتتسلح بالوعي النقدي ومثل هذه الخطابات لاشك ستكون دافعة للحراك الثقافي والمجتمعي ومرسخة إحساس المشاركة والمسئولية .

و هي ضمان لحرية الوطن والمواطن معا وفيها تأكيد للهوية الثقافية بيقظتها ووعيها .

يقول المؤلف : لقد علمتنا التجارب أن الحرية عملية متكاملة ومنظومة متصلة الحلقات ، فحين يتآزر الفكر والعقل الاجتماعي والحرية السياسية فلا بد أننا نتجه ونستبدل المجتمع المستبد بالعادل ، والمغلق بالمنفتح ، المتقدم بالمتأخر ، حيث ينعم الجميع بدولة المؤسسات والمجتمع المدني وحقوق المواطنة وتأسيس العلاقات المجتمعية على قيم مصانة من التسامح والاحترام المتبادل بعيداً عن الغلو والانغلاق والتعصب .

مشاركة