الأحد، 21 ديسمبر، 2008

ظاهرة الفساد فى ضوء القران و السنة

1- الفساد ( اللغة )

جاء فى المعجم الوجيز :

(فسد) اللحم او اللبن او نحوها - فسادا : انتن و عطب 1

و (فسد ) الغقد و نحو: بطل , و (فسدت ) الامور : اضطربت و ادركها الخلل , و (افسد ) الشئ : جعله فاسدا , و (استفسد) الامر : و جده فاسدا , و ( المفسدة) : الضرر , و هى كما جاء فى مختصر الصحاح ضد المصلحة , و تجمع المفسدة على مفاسد 2

و قد وردلفظ ( الفساد ) و مشتقاته اللغوية فى القران الكريم فى خمسين موضعا , و المتامل فى سياقات هذه المواضع و الاسباب 3 الى نزلت فيها يجد - ان لفظة ( الفساد ) تدل على الضار من الامور المادية كانت ام معنوية , و على متسياتها المتعددة و المتفاوته من الاثم و الجرم , و بذا يصبح الفساد دالا جامعا لكل خصال الشر و صوره .

و لفظ الفساد يقابله (( الصلاح )) و الافساد ضد ((الاصلاح )) قال تعالى : "و لا تفسدوا فى الارض بعد اصلاحها "( الاعراف 85) و قال سبحانه : " الذين يفسدون فى الارض و لا يصلحون " ( الشعراء 152 )

2- "الفساد " اصطلاحا :

يعرف د. عطية حسين افندى - الفساد- تعريفا اداريا بقوله انه ( اساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص ) او انه ( سلوك بيروقراطى منحرف يستهدف تحقيق منافع ذاتية بطرق غير شرعية )4

اما د. محمد حافظ دياب , فتناول الفساد كظاهرة سياسية ( تستهدف الاضرار الجسيم بالمجتمع تحت غطاء تستخير القانون من اجل الحصول على منفعة ذاتية , و بما يتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة )5

و طبقا لهذا التناول فالفساد حينئذ يتبدى كظواهر اجتماعية بنائية على كل مستويات الممارسة السياسية فى (تشكيلة ) من الاضرارالجسيمة المتكررة التى تحيط و تتغلل فى جسم المجتمع , و يذكر د. دياب بعضا من هذه الصور الضارة ( كالاعتداء على المال العام , وتيسير الاستيلاء عليه , الاتجار فى السوق السوداء , انتهاك القواعد و الاجراءات التنظيمية المعمول بها , او اضافة مزيد من التعقيدات عليها , شراء اصوات الناخبين , التزوير بمختلف انواعه , مخالفة الاحكام الخاصة بالمناقصات و المزايدات و المشتريات و المبيعات , التهرب الضريبى و الجمركى , تكريس نخبة الحزب الحاكم لمناصبها فى تحقيق مكاسب شخصية ) , و يضيف د. دياب الى مثل هذه الظواهر العامة - نمطا شخصيا للفساد يرتكن الى ( استغلال النفوذ , قبول العمولات و الرشاوى المادية و العينية , سيادة الوساطة - المحسوبية , توريث الوظائف ... الخ )



اما التعريف القانونى للفساد فهو :

(( الفعل الذى يحدده القانون الجنائى بانه فساد , او ما تحرمه القوانين المهنية , و القواعد الاخلاقية )) 6

و يجمع الباحثون الذين تصدوا بالدراسة لظاهرة الفساد على اختصاصه بخصائص و ديناميات - اعتمدوا فى ذكرها على ما جاء فى دراسة د. عطية افندى و من اهمها :

1- الرشوة عامل مشترك فى كل اشكال الفساد و كستوياته

2- عادة ما يشترك فى السلوك الفساد اكثر من شخص

3- يتضمن الفساد عامل الالتزام المتقابل و المصلحة المتبادلة

4- يقوم مقترفوا الفساد بالتمويه على انشطتهم التى يقومون بها

5- ينطوى الفساد على الخديعة و التحايل عادة لجهة حكومية

6- يتضمن اى شكل من اشكال الفساد تناقضا يقع فيه مقترفوه - بين ادوارهم فى الحياة العامة و ادوارهم فى الحياة الخاصة

7- تتصف اعمال الفساد بالسرية بشكل عام , والكشف عن بعض حالاته لا يؤدى عادة الا الى الكشف عن جزء من الحقيقة 7

و فى دراسة د. دياب - نعثر على شرح لهذه الخصيصة الاخيرة حين يقول : ( و مع استفحال عمليات الفساد , لاباس بالطبع من الاعلان عن ضبط البعض منهم و تقديم اصحابها الى المؤسسات الرقابية الرسمية المتعددة - ذرا للرماد فى العيون , و على طريقة ما انتهى اليه ( ساذر لاند ) فى دراسته عن ( اللص المحترف ) حين اكد ان الجهود الضبطية تميل فى مثل هذه الحال الى ازاحة لص او اثنين مبقية الفساد سليما بكامله 8

3- بعض صور الفساد و مظاهره كما يوضحها القران الكريم :

سو تسلك هذه الصور و المظاهر بصفة عامة - دروبا منحرفة تترجمبوضوح عن سلوكيها تدنيا انسانيا او خلقا معوجا او توجها ملتويا تاباه الاخلاق السليمة و الطباع القديمة و تقف وراء ذلك دوافع عدة و تتفاوت مثيرات هذه الدوافع و اسبابها قوة و ضعفا لدى كل من طبقات المجتمع و فئاته خضوعا لاولويات كل منها و احتياجاتها و من هذه الدوافع و الاسباب و التى نذكرها بصفة مجملة:

تعجل الثراء , حب المظهرية , سيطرة النزعة و السلوكيات الاستهلاكية , تدعم المنصب او المركز الاجتماعى , الفقر و تفشى البطالة , الالتفاف حول قيود البيروقراطية لانجاز و قضاء الكصالح ... الخ .

و اذا حاولنا التعرف على صورة الفساد التى اوضحها لنا القران الكريم فى سياق تعريفه بالفساد و المفسدين لوجودنا تراتبا فى المستوى و الدرجة و الخطورة بدء بالقتل و سفك الدماء و انتهاء بالرشوة و اتخاذ موقف سلبى ازاء الفساد و المفسدين قال تعالى فى شان الصورة الاولى من صور الفساد فى الارض : " اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء " ( سورة البقرة 30 )

و قال تعالى عن (( مزعون ))

" يذبح ابناءهم و يستحى نساءهم انه كان من المفسدين " ( القصص 4 )

- كذلك من فعل الفساد الذى وصمه القران و ادانه ادانه شديدة

- تدمير مظاهر الحياة و قتل الاحياء و سائر الكائنات بالاعتداءات العمياء , و حملات التصفية العرقية , و الانتهاكات الوحشية العشوائية دون جريرة او تمييز و المعروف ان القوانين و الاعراف الدولية تجرم مثل هذه الممارسات و تلاحق مرتكبيها للمثول امام المحاكم الدولية , و قد تناول القران الكريم هذا المظهر البشع فى اطار محاربته و تعريفه باعداء الحياة من مرضى القلوب , قال تعالى : " و اذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل " ( البقرة 205)

- و اعتبر القران الكريم - تمزيق العلائق المجتمعية , و تقطيع اواصر القربى وصلات الرحم - فسادا بينا , قال تعالى : " فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا فى الارض و تقطعوا ارحامكم " (محمد 22)

و السرقة و الاختلاس اعتداء صنفه القران فى اطار الافساد و نفهم هذا من مقالة (( اخوة يوسف )) حين دفعوا عن انفسهم تهمة السرقة فى قوله تعالى : " تالله لقد علمتم مل جئنا لنفسد فى الارض و ما كنا سارقين " ( يوسف 73)

- و اعتبر القران التكالب فى جمع المال , و الانفاق السفية فى مظاهر البذخ و الترف من الفساد , خاصة اذا ارتبط فى نفس الوقت بالشح الاجتماعى و حبس المال عن وظيفته فى المجتمع و حرمان الفقير حقه فيه , و تبرز شخصية (قارون ) كنموذج لهذا الافساد و الذى قال له العقلاء من قومه حين راوه شغفوفا بالزينة و المظاهر عاشقا للمال - : " و احسن كما احسن الله اليك و لا تبغ الفساد فى الارض " ( القصص 77)

- و كذلك بخس الناس اشياءهم و الاعتداء على حقوقهم و خرق مبدا تكافؤ الفرص , انما هى ايضا سلوكيات تنتمى لفعل الافساد قال تعالى : " و لا تبخسوا الناس اشياءهم و لا تعثوا فى الارض مفسدين " ( هود 85 ) وكما اوقفنا القران الكريم على صور الفساد الشائهة , و سلوكياته المدمرة , و نماذجه الانسانية المريضة , فقد طالبنا فى الوقت نفسه و خاصة اولى العقل و النهى - بالقيام بواجب حيوى و ضرورى فى التصدى للفساد و مجابهة المفسدين بداية بالامر بالمعروف و النهى عن المنكر باسلوب الحكمة و الموعظة الحسنة وهو الاسلوب الذى امر الله نبيه موسى عليه السلام ان يسلكه مع اعتى عتاة الفساد و اشدهم علوا و بطشا و هو فرعون مصر , قال تعالى : " اذهب الى فرعون انه طغى , فقل هل لك الى ان تزكى , و اهديك الى ربك فتخشى " ( النازعات 17-19 ) , وقال سبحانه فى سورة (طه) مخاطبا موسى و هارون عليهما السلام : "اذهبا الى فرعون انه طغى , فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى " ( طه 42-43 ) و طغيان المفسدين او استهتارهم و استخفافهم بالدعاة و الناصحين لا يجب ان يكون عائقا او محبطا لهؤلاء الدعاة , قال تعالى فى سورة الاعراف : " و اذ قالت امة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة من ربكم و لعلهم يتقون " ( الاعراف 164)

و قال تعالى : " فلولا كان من القرون من قبلكم اواو بقية ينهون عن الفساد فى الارض " ( هود 116) و خيرية تىمة الاسلامية التى قدرها القران الكريم تظل قائمة و شرف الامة و سيادتها يظل مصانا بين الامم - ما امرت بالمعروف ونهت عن المنكر , واصابة الامة بالوان الابتلاءات و ضنك العيش و الهوان بين الامم يحقق بالامة حين لا تاتمر بالمعروف و لا تتناه عن المنكر , و قد كرر لنا القران فى مصائر بنى اسرائيل العظات و المثلات حين قصروا فى اداء هذا الواجب و تجاهل علمائهم و حكماؤهم الفساد و المفسدين , بل وصل الامربهم الى مجالستهم و الخوض معهم فيما يخوضون " كانو لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " ( المائدة 87)

4- موقف السنة من الفساد و المفسدين :

حفلت السنة الشريفة بالمواقف و الاحاديث التى تناقض الفساد و تتصدى للمفسدين بكل السبل و الوسائل , حماية للقيم و صيانة للعلاقات الاجتماعية و حرصا على سلامة المجتمع و قوة بنيانه و استمرارية لدور الامة الحضارى و الاخلاقى , و حديث الرسول (ص) عن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه فى هذا الشان معروف و محفوظ و هو من الاحاديث التى يوجهها الرسول (ص) للامة قاطبة , يقول صلى الله عليه وسلم :" من راى منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الايمان " رواه مسلم

و عن حذيفة رضى الله عنه عن النبى (ص) قال : " و الذى نفسى بيده لتامرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر او ليوشكن الله ان بيعث عليكم عقابا منه , ثم تدعونه فلا يستجيب لكم" رواه الترمذى و قد تحدث رسول الله (ص) عن اقوام "يقولونما لا يفعلون و يفعلون ما لا يامرون " - افسدوا فى الارض , و اشاعوا الظلم 9 و هؤلاء طلب الرسول (ص) بمجاهدتهم و مناهضتهم و الاخذ على ايديهم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ابن مسعود رضى الله عنه : " فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن و من جاهدهم بقلبه فهومؤمن , و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , و ليس رواء ذلك من الايمان حبة خردل " رواه مسلم

و فى حديث النعمان بن بشير نجد هذا المعنى فى قوله (ص):" فان تركوهم و ما ارادوا هلكوا جميعا , و ان اخذوا على ايديهم نجوا و نجوا جميعا " رواه البخارى

و معلوم ان السكوت علىالفساد اثم , واقراره و اعتماده فساد مثله , وحتى يبرا المسلم لدينه و عرضه و جب ان يعلن كراهته للفساد و ينكر فعله و يتبرا من المفسدين , وفى هذا يقولالعلماء : من كره بقلبه و لم يستطع ان ينكر بيد او بلسان فقد برئ من الاثم , و ادى و ظيفته, ومن انكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية , و من رضى بفعل اهل الفساد و تابعهم فهو العاصى " 10

و قد احتفت السنة النبوية المطهرة بنموذج المسلم الثابت الشجاع المجاهد بكلمة الحق فى وجوه المفسدين و الظالمين ووضعت السنه هذا النموذج فى اعلى منازل الجهاد , فعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى (ص) قال :" تفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " رواه ابو داود و الترمزى و قد رواه النسائى : " كلمة حق عند سلطان جائر "و هكذا تتدرج و سائل مواجه الفساد و تتعدد اساليب التصدى له , بدء بالامر بالمعروف و النهى عن المنكر بالعظة و القول البليغ , و انتهاء بمطالبة المفسد الكف عن افساد ه و الاخذ على يده , فلا يعدم اذن اى فرد فى المجتمع ان يكون ايجابيا اذا اراد , و ان يمارس دورا او يشارك بقدر ما فى مناهضة الفساد و ازاحة كابوسه ان جثم على صدر المجتمع و اذا كان المجتمع يقظا حريصا على تفعيل للامر بالمعروف و النهى عن المنكر , ما تراكم الفساد و ما تجذرفى تربة المجتمع ووسط بيئات الفساد توجد فئة غارقة فيه تعمل باساليبه فى نفس الوقت الذى ترفع فيه شعارات زائفة من الشفافية و الطهارة , اى انها فئة جاهدت بالمعروف و اسرت المنكر و رفع لواء النزاهة و الصلاح فى الوقت الذى تسلك فيه سلوك المخربين و هذه الفئة لا يجب السكوت او الصبر عليها لتعمدها تخريب المجتمع و افساد الناس و يستوجب امرها تغليظ العقوبة لمخالفة قولها فعلها و لانتهاج هذه الفئة مسئولية او يوكل اليها ادارة شان من شؤن الناس و قضاء مصالحهم و حوائجهم , فالمفترض ان الرائد لا يكذب اهله قال تعالى :" يا ايها الذين امنوا لما يقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون " ( الصف 2-3 ) و قال عز و جل : " اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم و انتم تتلون الكتاب " (البقرة 45)و يقول سبحانه عن اخبارا عن شعيب عليه السلام : " و ما اريد ان اخالفكم الى ما نهاكم عنه " ( هود 88)

و عن ابى زيد اسامة بن زيد بن حارثة رضى الله عنهما قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول " يؤتى بالرجل يوم القيامة يلقى فى النار فتندلق اقتاب بطنه , فيدور كما يدور الحمار فى الرحى , فيجتمع عليه اهل النار , فيقولون يا فلان , ما لك ؟ الم تك تامر بالمعروف و تنه عن المنكر ؟ فيقول بلى , كنت امر بالمعروف و لا اتيه , وانه عن المنكر و اتيه " 11

متفق عليه - و قوله : تندلق معناه : تخرج , و الاقتاب : الامعاء هكذا تتجلى مواقف السنة الشريفة - واضحة , شارحة , حاسمة لامر الفساد و المفسدين مهما صغر هذا الامر او كبر فالرسول صلى الله عليه و سلم و من تبعه باحسان قبح و لعن افعال الفساد و المفسدين بدا من الرشوة و انتهاء بكف المفسد و ردعه , و لا تزال مقولة نبينا صلى الله عليه و سلم تتردد فى الاسماع حين رفض المحسوبية و الوساطة و تعطيل القانون حين قال : " و الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "

مشاركة