الجمعة، 27 فبراير 2009

قراءة عامة للمشهد القصصي في دمياط

لا يستطيع أي كاتب جاد ان يلم بتفاصيل المشهد القصصي لأي بلد أو إقليم من أقاليمنا المصرية خلال فترة محدودة جدا ويقيد الدرس فيها بذلك القيد الزمني الصعب , إضافة إلي محدودية المساحة التي تشغلها دراسته أو قراءته والخاضعة بدورها لقيود المساحة نتيجة ظروف اليوم الأدبي الواحد والذي غالبا ما يكون برنامجه اليومي مشحونا وطامحا إلي أن يجمع بين دفتي كتاب وحيد – دراسات في أجناس أدبية مختلفة إضافة إلي محور الشهادات والمكرمين ... ألخ , من هنا فقد كان الأمر من الصعوبة بمكان إلي درجة يضطر المرء معها إلي خيار يلبي حاجة مثل هذه الظروف، فيمارس قراءة عامة أشبه بإلقاء نظرة علي المشهد القصصي في دمياط العزيزة التي أتشرف بالانتماء اليها – أصولا وجذورا- في حين أنني كنت أمني النفس بمعايشة عوالمها الأدبية معايشة أكثر عمقا وامتدادا ، ومن ثم يكون ثمار المعايشة نتاجا متسما بالتأني وطول النظر خالصا إلي نتائج أشبة بالحقائق الأدبية ، في نفس الوقت محققا المتعة واللذة النصية , وآمل متطلعا لتوافر مثل هذا الظرف ليس مع القصة القصيرة فحسب , وانما أيضا مع الأنواع الأدبية الأخرى وسائر أطياف المشهد الأدبي فيها .

علي أية حال ,فإن المجموعات القصصية التسع بين يدي وجدتها تغطي نشاطا من الكتابة مطبوعا يقع بين عامي 1994و2..8م ,أي يمتد علي مساحة زمنية تبلغ أربعة عشر عاما وربما تم إنجاز بعض هذه الكتابات قبل الطباعة بزمن ، وفي ظل معطيات عالمنا اللاهث ذي المتغيرات والايقاعات الفائقة السرعة،فان مثل هذه المدة من الزمن كفيلة بجريان مياه كثيرة في النهر, بل جديرة بأن تنجرف فيها قارات الي أبعد مما كنا نعرفه عنها.

وبصفة عامة، فالمشهد القصصي هنا في دمياط واضح اتسامه بالثراء والتنوع وتداخل وتزاحم الأجيال : رؤى وأساليب ,تقنيات وأدوات ونتناوله فيما يلي من عرض:

1- الكتابة عبر النوعية في "هذه الأقوال لكم " و "جزيرة ديامو" :

في مجموعته القصصية المطبوعة عن المجلس الأعلى 2..1م, وتعود كتابة بعض قصصها إلي يناير 1994، يكتب مصطفي الأسمر خمسة نصوص تقف في منطقة شديدة التوتر والمفارقة حيث "المستغربات ولا غرابة" و"التصادمات بلا خيار"و "التداخلات ولا مفر"و"الامتزاجات ولا لقاء", والنص المذكور الأول مكتوب في تسع فقرات سردية تتخللها أربعة حوارات قصيرة موجزة والفقرات يتوشج فيها الهم الذاتي بالقومي بالعام يطعم الكاتب جديلتها السردية بأقواس تتضمن نصوصا صحفية وتصريحات رسمية تنبئ عن تردي أوضاعنا علي جميع مستوياتها وتخاذل مواقفنا إزاء قضايا وأحداث مصيرية تحيط بنا , والنصوص المذكورة المقتبسة يحاول الكاتب توظيفها مستدعيا أحداثها عبر سياحته العجائبية في بلده ومدينته حيث يستعين "بزلطة" من مخلفات زلط الرصف "وكيس"بلاستيك أسود اللون يرتاد بهما أركان المدينة وآفاقها ، يابسها وبحرها،متحدثا إلي دلافين البحر مرة وطيوره مرة أخري ، محلقا في الفضاء تارة ، غاطسا في الأعماق أو واقفا علي اليابسة تارة أخري، وهو في كل هذا لا يبغي إلا الفكاك والانعتاق من أجواء المدينة الخانقة وتفاهة وسطحية الأمور والوقائع التي تحاصره علي مستوي "الذات" ومستويات عدة من "الموضوع"، سواء أكان قوميا أو إقليميا أو دوليا .

ويستمر الكاتب في سياحته في "تصادمات ولا اختيار" ولكن بطرية تختلف إذ تكون سياحته في "تصادمات ولا اختيار" صراعا مع شخص في عيادة طبيب يجهد فيه كل من طرفي الصراع لمحاولة اختراق هوية الآخر وعقله عن طريق "النفاذ البيولوجي" إلي رأس الآخر والتوغل في دماغه واللعب في خلايا الجهاز العصبي والذاكرة وذلك في صيغة يعتمد سردها الذهنية وتيار الوعي واستخدام الحوار المكثف والمنولوج الداخلي ، فليس هنا لك حدث محدد يعتمد أشكال التتابع السببي أو المنطقي، وإنما هي (حالة) تصاغ بالتتابع الكيفي أو التكراري ,ومثلما صنع في النص الأول من تضمينات النصوص إخبارية وثائقية يفعل ذلك هنا أيضا ولكن يضمن نصوصا من عناوين مجموعاته القصصية السابقة.

قضية الإحساس بتفتت الذات وتشظي هوية الفرد تشغل الكاتب كذلك الحياة التي يري فيها موتا والموت الذي يري فيه حياة عبر النفاذ إليه من مناطق الكشف والمعاينة ، مثلما وجدنا في "تداخلات ولا مفر" وتكاد تقنيتها الشكلية تبني أيضا بسرد فقرة يتبعها حوار يأتي معقبا ومعمقا للفقرات السردية التي تتبني زاوية الرؤيا من خلال "الأنا الساردة" التي "تقول لنا " - بقليل من التواضع - من مناطق تقع بين تخوم الوعي و اللاوعي .

وقصص المجموعة أراها تشكل نصا قائما بذاته,ولغة "الأسمر" تكاد تكون حادة مسنونة تميل في أكثرها إلي الحيادية .

إما عن "سيرة جزيرة تدعي ديامو "لمحسن يونس:

فنحن فيها إزاء موجات قصصية قد تكون منفصلة علي مستوي السطح لكنها علي مستوي العمق يربطها خيط حكائي عضوي ينتج نصا يستعصى علي قيود الشكل ويطوف بتخوم النوعية إلا انه لا يقف علي أي منها.. إنها سيرة الحكي ذي الأفق الحر المأخوذ بعشق البحر لدرجة توظيفه مادة خام جوهرية للعمل ،والموجات تنحاز للباطني و التأملي في لغة يشتبك فيها السردي بالشعري ، وتستدعي طرائق ألحكي الأصيلة في تراثنا العربي الزاخر ، مع التوسل بضمير الحكي للذات الساردة أو نحن المتكلمين لفتح مغاليق الداخل علي الخارج والعكس ... إنه اشتباك الاستبطان الموغل مع فوضي الواقع الخارجي لإعادة صياغته وترتيب مفرداته، والمدرك البصري في الموجات يلعب دورا عن طريق توظيف عناصر تكويناته الشكلية، والحدث في الموجات لا يأبه لمسار محدد بقدر ما يهتم بالتداعي الباحث عن آفاق العرفانية ومنابع الحقيقة.

وبالرغم من هذا المنحي التخييلي فإن الكاتب يواجه به ما يغلف حياتنا من خرافات وأساطير وأوهام ، إن رمزية الصراع مع الجدار في الموجات إنما هي في محصلتها النهائية تحرر من الأوهام ومحاولة للإفاقة من سحر الخرافة ووهم الخوف وتهويلات العبث واللامنطق .

إن الانحياز للحكمة ونور الحقيقة جعل الموجات كما يذهب الكاتب سمير الفيل علي موقع "الكاتب" الالكتروني في 9/3/2..7م:

"صندوق معرفة وكنز للسحر وافق للسيرورة , وهي استكشاف للممكن ولكن عبر الضرورة , وصولا إلي الحرية كفعل وأسلوب الحياة " .

إن " ديامو " هي أسطورة المكان المحلي أو العام .. المكان الذي صنعه الماء سر الأسرار وأصل الوجود ,وهو ما يبتدي في تقديم الموجات وبدايتها التأسيسية .

2- صندل " سمير" الأحمر وحكايات "ذلك البيت" لحلمي ياسين :

تقديم خفيف الظل يمهد به سمير الفيل لمجموعته القصصية "صندل أحمر"ويهديها إهداء خاصا" إلي الأولاد الحفاة منتصف خمسينيات القرن الماضي في حارة قبيلة وحي النفيس " يعود به سمير مع أطياف من السير الذاتي إلي مرحلة سنوات الطفولة والصبا , لكنه يعود إلي تلك المرحلة بمشوار العمر وخبرات السنين ، يعود إلي تلك المرحلة كاشفا إياها بعيون أخري وتفاصيل أدق ، يعود بمشوار العمر وزخم الخبرات الحياتية المتراكمة ،مع فهم طبائع الحياة والعلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها وتشابكاتها المحيرة .

وفي لغة أشبة باللغة المحكية بنبرات محببة مفعمة بالألفة الآسرة للقارئ، تتابع لوحات سمير النابضة بالحيوية والحياة عن محل الأحذية الذي كان يعمل فيه الصبي "فلفل" في احد الأحياء الشعبية حيث وقف علي حكاياتها وعاش معاناة أفرادها بأسلوب سردي بسيط وتلقائي متدفقا بعذوبة رائقة :

"الولد فلفل منذ عمل في محل بيع الأحذية , وهو يثبت كل يوم للحاج خليل البطاحي أنه عفريت ، يفهمها وهي طائرة بالإشارة ، يصعد السلم الخشبي ، يرتقي الدرجات في خفة قرد ،

ويعود بالحذاء داخل العلبة الكرتونية في همة يحسد عليها" المجموعة صـــ 8

وعلي مدي سنتين من عمل فلفل مع الحاج خليل , يدرك فلفل أسرار الصنعة ويقف علي "سيم" معجمها وإشاراتها ,كما انه بذكاء لماح يخبر عدة أساليب يكشف بها شخصية الزبون ورغباته وحيل "ربط "هذا الزبون أو "تثبيته" أو "الهجوم عليه علي طريقة ف " أو يتعامل معه "بالمعاكسة" التي يصفها الراوي الضمني بأنها أكثر الطرق دموية !! وهكذا بفسيفساء ألوان الحياة وروائحها في"صندل أحمر"و "طبق فول" و"عم جمعة" و"مشابك الغسيل" و "ساق وحيدة" - يغوص الراوي في تفصيلات وطرائف الحياة الشعبية بمعاناتها و أشواقها وبعض تجاوزات مغامراتها ذات الرغبات الجامحة كل ذلك بحس إنسان دافئ وشفيف .

- أما " ذلك البيت " لحلمي ياسين :

فهو يبدو في هذه المجموعة أقرب إلي الراوي الشعبي , وهو يلتقط حكاياته من الحس و الوجدان الجمعي خاصة في الريف المصري ، محاكيا لطرائق هذا ألحكي الشعبي ، مضمنا المثل والمأثور وبعض العادات الشعبية المتوارثة والتي بدا ريفنا المصري يتجاوزها منذ منتصف القرن الماضي بفعل عوامل الحداثة ومعطيات العصر التي اخترقت كل المجتمعات ريفا وحضرا ويميل حلمي ياسين إلي بناء الحكاية علي عدد من الحركات تتراوح من حركتين إلي أربع ويبدو حلمي ياسين خبيرا بطبيعته حركة الروي الشعبي فضلا عن خبرته بحكمة هذا ألحكي المتوارثة , ومن المعروف أن بناء الحكاية الشعبية يقوم علي " حدث أصلي "، يتفرع منه أحداث ثانوية "حكايات متفرعة " , ثم يرتد الراوي إلي حدثه الأصلي ،وهكذا فالبناء قائم علي الاستطراد و تراكم المأثورات و النوادر الفرعية وهذا التراكم يؤدي بدوره إلي تفريج الحدث الأصلي للحكاية، أي يعمل علي نقيضه , فيؤدي إلي الانفراج ،فضلا عن ذلك فإن الحكايات المتفرعة تساعد علي شرح الحكاية الأصلية وإيضاحها وتفسير ظواهر الطبيعة والبشرية ، وقد لاحظنا ذلك بوضوح في "لعبة البيت"و"حكايات الدركي ..عثمان" ، ويقترب جدا من هذا الأداء حكايتي " الصخر والأسفنج " و ذلك البيت "، وفي نبرة الراوي الضمني للكاتب ، رنة حزن وانحياز للمهمشين والمستضعفين وتوظيف مضمون الحكاية لما هو إنساني حميم ، ويلفت النظر اختيار الكاتب لعناوين حكاياته "فالصخر و الأسفنج" مادتان من طبعيتين مختلفتين تماما لكنهما قد يلتصقان وهو ما تحكي عنه الحكاية ، حيث الولد "أبو ستة" ابن المرأة الفقيرة "الحافية" التي تروي الحكاية عن تلبسه بجنية، فبدا للناس مجنونا يتهكمون عليه غير شاعرين به وبما يحمله قلبيه من الحب وأمنيات الخير ، وتقود "الصخر والأسفنج" إلي "ذلك البيت" وبالرغم من الدلالة الإشارية البعيدة لاسم الإشارة في العنوان إلا أن "ذلك" تخرج عن دلالتها تلك لتصبح دلالة قريبة معهودة وذات حضور قوي في ذاكرة الراوي ،

وتنقلك "ذلك البيت" بمداخلها الأربعة: أنا وهم- أنا- هي- الشيخ سعد، وبمهارة حكائية إلي أجوائها بما فيها من إثارة وبراعة سردية ، وبعض حكايات حلمي ياسين تخرج عن طبيعتها ذات الحكي المتدفق إلي طبيعة شعرية خالصة حتى ليسهل علي الملتقي أن يعيد تغيير شكل الفقرات إلي سطور شعرية وعلي سبيل المثال يمكن إعادة كتابة بداية "الصخر والأسفنج" هكذا :

وقبل ما أتكلم وارسملك الجنية

لازم تعرف أنا ليه هنا معاك

زى المحبوس

والصدر سجني وسجني قفص

تسكن جواه كل عصافير الدنيا

وتغني

تسكن بمزاجها ولا تخرج

إلا بمزاجي وأحيانا ما تخرجشى

إن شعرية فقرات كثيرة في حكايات حلمي ياسين تجعلها أٌقرب إلي قصيدة شعر العامية منها إلي نفس القصيدة في شكلها النثري.

كما انه في بعض نصوص المجموعة يدع طريقته الأثيرة في الحكي ويتعمد السيطرة علي عناصر القص حتى ليصير النص قصة فنية محكمة المبني, نجد ذلك في "الصمت" حيث "يقص" الراوي ولا يحكي: عن بشر أحياء يشيعون ميتا لكن براعة السرد فيها يقودنا إلي الحقيقة , وهي إن هؤلاء البشر "موتي" والمشيع هو "الحي" !

وهكذا لا يكتفي حلمي ياسين بالوقوف علي تنويع قوالبه وأشكاله الفنية بل يتعداها إلي مضامين ورؤى أكثر غورا وادعي للتأمل وإثارة الذهن .

3- ثراء الفن والحياة في" قلب جمار عزيزة" لمحمد مختار و"لسع النعناع "لمحمد شمخ :

تحفل عوالم وشخصيات " قلب جمار عزيزة" بواقعيتها الإنسانية , وتحرص علي توصيف وضعية الإنسان المعاصر وأزمته بين التطلع إلي الانعتاق والضرورات التي تحاصره، بين أشواق التحقق والرغبات الموءودة ، بين تنازع إرادة الفعل والإحساس بالعجز والاغتراب،

والكاتب يمتلك رؤية – وبموهبة - يجيد رصد رؤيته واصطيادها, من خلال تشكيلات وأدوات فنية متعددة تتيح لنصه فاعلية القراءة ومعايشة الملتقي .

وتتعدد زوايا التبئير ووجهات النظر في القصص بتعدد استخدامات ضمائر الروي وحرص الراوي المتكلم أو الغائب علي إيجاد المسافة المناسبة بينة وبين الشخصية والحدث .

في "قلب جمار عزيز" يوظف الكاتب رمز "النخلة" توظيفا موفقا موحيا ليجعلنا نعيش الصراع المرير بين العجز والإرادة ، وكآبة العيش والمصير الإنساني، فالنخلة في المشهد النهائي المفعم بالدلالة هي في الحقيقة تجسيد لهذا المصير .

كما نعيش أيضا عذابات النفس الإنسانية وجلدها لذاتها حين تعصف بها الأثرة والخوف والأجحام والعجز عن تجاوز هذه الأحاسيس وذلك في قصة "القرار"،المستدعاة بما يشبه المونولوج الاعترافي المنشد للتطهر وذلك علي لسان شاب كان ضمن ثلاثة أصدقاء خاضوا مأساة غرق أحدهم في قاع البحر.

وفي "العائد" تلفظ المدينة الكبيرة الفتي محروس بقسوة ،ويعود منها بعد نهار يوم ، وكأنه جندي خارج من ميدان معركة شرسة قاسية حامية الوطيس وهو الذي كان منبهرا بقشورها ولكن حكمة الأب تأخذ بيده لتضعها علي اللب والجوهر ، فتلك المدن ذات الأضواء المبهرة تظل دائما بلا قلب.

وأما "المتوائمون" فمعطياتها تقف في مفارقة بارعة النقيض من عنوانها .. و"في اللدودان" يدور الصراع فيها بين الحرية والضرورة مجسدا في شخصيتين ، يأخذ هذا الصراع بعدين أحدهما:خفي صامت مضمر والأخر بمنطوق حواري مشهدي يأتي نتيجة لتنامي البعد الأول وتنتصر القصة لحرية الاختيار والإرادة إلا أنها تنبهنا إلي مسئولية خيار الحرية بتضحياته الباهظة وأثمانه الفادحة.

في"حبة من العقد الذي سوف ينفرط " يستدعي الكاتب طرفا من حياة مجموعة أصدقاء من الأدباء جمعهم حب الكلمة (مجموعة ضفاف ) من خلال وصف طقوس دفن الشاعرة "كريمة عبد الخالق" وما كانت تمثل بالنسبة لهم ، وهكذا تسري نبضات الحياة والصداقة عبر طقوس الغياب والفناء ، إلا أن السرد فيها لم يستطع أن يهزم قتامه الحزن ومرارة الفقد فجاء متوشجا بهما.

إن فنية السرد في"قلب حمار عزيزة" يكاد يشكل من القصة فيها – بنية الصورة الكلية متلاحمة الأنسجة : من حدث وموقف ورؤية وأسلوب، بلغة سلسلة متدفقة ، وشخوص القصص تبدو بصورة عامة شخوصا قلقلة معمقة ذات رهافة وحساسية إزاء الكون والوجود والمصير الإنساني .

- ومن "قلب حمار عزيز"إلي "لسع النعناع " ,وضعف النفس البشرية خاصة حين تعاني من الحرمان من المرأة , فالشيخ "إسماعيل " مؤذن الزاوية القديمة محروم من امرأته منذ مرضها, يتعرض للسع النعناع وخدره حين يجد بنت الشوربجي في أحد حمامات السجد تملأ غلايتها بالماء ، مفاتنها الجسدية تلهب رغبته وتضاعف علية الحرمان ، يتركه لسع النعناع مضطربا لا يقر له قرار .. تشعر بعد معايشتك القصة بأن "شمخ" ، يبذل جهدا في كتابته ويمارس الحرفية في تفعيل أدواته القصصية ، فهو ينتقل من فقرات القصة بين الضمائر من الغائب إلي المتكلم والعكس ما يجعل السرد أكثر حيوية وحضورا وابعد عن تقليدية السرد الخطي وهو أيضا يمنح مشاهده - حرية الحركة دون التقيد بالعنصر الزمنى ، وبالمهارة فى تركيب المشاهد المتداخلة .

وتتميز حوارات قصصه بالحيوية وتعميق حدث اللقطة وأحيانا يستخدم الحوار المكثف السريع لنقل الحالة دون اللجوء للسرد المسهب ، كما فى قصة " حالة " .

أما قصة " السيد " ففيها يجسد الراوي غوائل الفقر والبطالة والحرمان عندما يدفع صاحبه إلى المزيد من التغاضى والتنازلات حتى يفقد رصيده من الكرامة الإنسانية ، وفى " ساعة العائلة " يستمرىء الراوى العيش فى الخدعة والوهم اللذيذ حتى بعد أن يتأكد أن الساعة البندولية التى ورثها ويبرهن بها على أصالة العائلة وثرائها القديم ، ليست كما يؤكد للجميع ، لقد كانت مجرد نقوش ورسوم على معدن مزيف رخيص !!

فى " سمع " يستخدم جهاز الراديو ليتحرك به زمنيا بين مرحلتين مغايرتين تماما من حياتنا ، مرحلة الحلم والعزة الوطنية ومرحلة الهوان وهيمنة القطب الأمريكى ومغامراته فى إقليمنا العربى ، وفكرة المقارنة بين مثل هذه الثنائيات المتناقضة قد تكون مطروقة إلا أن الكاتب يعالجها معالجة جديدة بارعة موظفا لأخبار الراديو مسقطا دلالاته على الواقع المعيش . أما " المسبحة " فهى قصة قصيرة جدا ومكثفة وربما منحها هذا التكثيف البليغ عمقا وحسا نفاذا فالمسبحة التى كانت تضىء وتنبعث منها الرائحة الذكية بين كفى الأب لم يصدر عنها هذا الجمال وهى بين كفىّ الابن ما جعله يجهش بالبكاء ( براءة الطفولة ) وقد تقول القصة : إن هنالك خيطا دقيقا من علاقة خفية بين الإنسان والأشياء .

وبعض القصص تقف بنا على موهبة " شمخ " فى ترجمة الأصوات ، ويبدو أنه يتمتع بقدرة التمييز الدقيق بينها واستخدامها لصنع حدث كما فى " كصوت ديك رومى " وينطوى سرده على لمحات ذكية من توصيف واع للحالة الراهنة التى نعيشها فى " كونشرتو وطنى"

4- الحلم بصياغة واقع جديد عند فكرى داود وأحمد الشيطى والدسوقى البدحى

وذلك فى مجموعات قصصية هى على الترتيب : " الحاجز البشرى "و " عرائس من ورق " و " صخب الصمت " .

وكل من الكتاب الثلاثة له أسلوبه فى تفكيك هذا الواقع وعلاقاته والحلم بإعادة صياغته ، فى " مجرد محاولة " من مجموعة " الحاجز البشرى " يجد الراوى عنتا وعسرا فى خلق حالة من التوازن بين معاناة أخته من خيانة زوجها وبين الزود عنه كصديق عمر ورفيق حياة ، لكن سلوكيات هذا الصديق تفقده الأمل فى إصلاحه ، يستخدم الراوى فى القصة ثمرة البرتقال رمزا للمتعة الحرام .

فى " الجزية " يدين الكاتب سوء استغلال السلطة والنفوذ عن طريق الولد ( واصل ) ابن خفير العمدة ، حين أمسك الولدين ( أحمد ) و ( عبد الله ) متلبسين بقطع أسلاك عمود تليفون العمدة لاستخدامها مع صندوق خشبى وسماعة راديو قديم لسماع الموسيقى والأغاني وتحت ضغط ابتزازه لهما يضطران إلى سرقة النقود من منزلهما .

فى " الحاجز البشرى " يبدو بطل القصة شابا مهموما محبطا يعانى البطالة ، يحاول أن يستجمع قوته ليخترق الإحباط والأزمات المتمثلة فى منظومة مختلة من الأوضاع تتيح لقلة قليلة المال والنفوذ والثروة حتى صار الناس أشبه بأسياد يحوزون كل شىء وعبيد مسحوقين سحقا بأحلامهم البسيطة .

أما " فصل فى كتاب الحنين " فهى أطول قصص المجموعة إذ تبلغ ثمان عشرة صفحة تقريبا وأسلوبها يضفر بين الوصف والسرد والحوار ليصنع منها " أمثولة " قصصية رائعة يعلى فيها الراوى بضمير الغائب قيم الواجب والانتماء ويحمل على ما نعانيه من جحود ونكران وعقوق ، ويبدو فكرى داود فى قصصه متمكنا من لغته ، إذ يكتب بأسلوب قصصى راق يجمع فيه بين الرصانة وسلاسة الإنسياب فى اّن ، ولغته مشرقة بصحة الصياغة وجمال التراكيب .

أما " صخب الصمت " للدسوقى البدحى ، فإن قصصها تواجه اختلالات حياتنا بأسلوب تهكمى ساخر ولاذع ، يجيد الكاتب به رسم الصورة الهزلية مع صنع المفارقة والقفلة المدهشة للقصة كما فى " الضربة الطائشة " و " صخب الصمت " والأخيرة من ذوات العناوين المثيرة للانتباه . وينتقد فوضى السلوكيات العامة وفساد الكثير من العلاقات الاجتماعية كما فى " بهت الذى كفر " و " نازع الأقنعة " أما فى " المنفلت " فيكاد الكاتب يرسم فيها صورة نمطية من الهجاء الاجتماعى والأخلاقى لشخص أنفلت من أهله وبيئته وأعرافه ابتغاء الثروة وسعيا وراء مظاهر التميز الطبقى .

وفى " مهاتما " يحكى الراوى عن وقع الانشغال العميق وأثر سيطرة فكرة ما على صاحبها – فى تعطيل تفاعله وانسجامه مع الآخرين خاصة فى اللحظات الخاصة الحميمة بين الرجل وزوجته فى حين أنها لحظات بحاجة إلى التركيز و " المود الرايق " وهو ما حدث مع بطل القصة ، فبعد أن " ألقت زوجته برأسها منتشية على صدره المعشوشب الذى تعشقه ، راحت فى ثباتها المعتاد " ، أما هو فبعد أن كان يتساءل عن نوع الرسالة العلمية لزوجة المهاتما غاندى أهى ماجستير أم دكتوراه ؟ يتساءل هذه المرة بعد غزوة ناجحـــــــــــة عن " لماذا لم يتزوج المسيح " ؟!

إن هذا الكاتب يعلن عن ميلاد كتابة خاصة به كما يقول فكرى داود فى تقديمه له وتنبع خصوصيته من طبيعة روحه الساخرة وقدرته على رسم الكاريكاتير القصصى .

أما أحمد الشيطى فى مجموعة " عرائس من ورق " الصادرة عن دار شرقيات عام 1994 – فتبدو شخوص قصصه تعيش الخوف وتفقد الإحساس بالأمان وهى تواقة إلى الدفء والحب تحت وطأة اغترابها ووحدتها .

فى قصة " موج " تبدو أحلام وأمنيات فتى وفتاة من البسطاء كالأمواج المتكسرة وسط لوحة من الوحشة والحزن . فى " عرائس من ورق " وبطريقة الشيطى فى رسم شخوصه – يعود بطل القصة منكسرا يكابد ظمأ ووعورة العقبات الكئود ، تشيعه زوجته من محبسها البعيد بدموع ساخنة وأما طفلاه فكانا يمزقان عرائسهما الورقية .

يبرع أحمد الشيطى بما يؤرقه من هموم فى إحراج الحدث الصامت الحزين وتقديم الشخوص فاقدة الملامح وكأنها فاقدة لهويتها وغير متعينة الوجود تحت وطأة معطيات من العبث واللا منطق الإنسانى .

فى قصة " حفرة " توأد لحظة حب دافئة حين تدهم بالقسوة والعنف ويتمنى بطلها الذى كاد الخوف يصرعه لو أنه حفر حفرة فى جسمه وأخفى فيها من يحب .

فى قصة " وجوه " يهرول بطلها كالمجنون فى قلب مدينة قاسية الملامح – يبحث عن حبه المفقود وسط الليل والدم والأسفلت والسيارات التى تمرق مجنونة بلا اكتراث ويستعمل الكاتب فى هذه القصة ضمير المخاطب " أنت " وهو ضمير يقع وسيط بين الغائب والمتكلم أنا .. إذن فهو فى منطقة البين بين : يتنازعه الغياب المجسد قي ضمير الغائب ، ويتجاذبه الحضور الشهودى الماثل فى ضمير المتكلم وهو يتيح وصف الشخصية ووصف الكيفية التى تولد اللغة فيها .

أما أقصوصة " حصان " فينفس الراوى فيها عن غضب مكتوم ومشاعر من الحنق والغضب ضد عوامل الاستلاب والقهر ثورة عارمة تبدت فى حصان جامح يحطم كل شىء يواجهه

لا يلوى على شىء فى حين أن عينيه كانتا دامعتين ، إن اليأس وعوامل الإحباط وفقدان الأمل يغتالون سلام الإنسان وتوازنه وتوائمه مع نفسه والآخرين ومن ثم فلا مناص من الغضب والجموح المتجاوز الحانق المنتج فى مجتمع يكابد الاختلال وتحكمه العلاقات الشائهة

إن هذه المجموعة تشى بكاتب فاهم بطبيعة القصة القصيرة وإن بلاغتها تكمن فى تكثيفها وإيجازها وهو يمتلك القدرة فى السيطرة على لغته وأسلوبه اقتصادا وتقطيرا .

وبعد :

فبالرغم من أن هذه القراءة عشتها تحت لحظات من التوتر بضغوط ضيق الوقت والالتزام بالإنجاز فيما توفر لى من وقت اليوم المشحون ، إلا أنني لا أخفى التعبير عن فرحى بهذه المجموعات القصصية التسع بما تحفل من غنى وثراء وبما تبيحه لنا من تعدد دروب الإبداع وتباينه وتنوعه الخلاق .

مشاركة