الأربعاء، 11 مارس، 2009

محمود أحمد على عاشق القصة القصيرة

فى مقدمة مجموعة " من يحمل الراية .. ؟ " كتب القاص الشاب محمود أحمد على إهداء المجموعة يقول : " إلى حبيبة الأمس واليوم وغدا .. قصتى القصيرة ، اسف زوجتى فلم أعد استطيع كتمان هذا السر " .

واذا كان لكل قول حقيقة ، ولكل عشق إمارة ، فإنا نستطيع أن نتلمس بداية حقيقة ذلك العشق وإمارته من صياغة الإهداء وبينة اللغوية نفسها حيث نلحظ الاتى :-

1- إن الكاتب صاغ اهدائه بالجملة الاسمية المعبرة عن الاستقرار والثبات .

2- إنه أضفى على عشقه نوعا من الخلود والابدية باستغراقه حدود الزمن جميعا فى قوله " أمس واليوم وغدا "

3- وقدم الجار والمجرور ( البدل ) على المبدل منه ( قصتى القصيرة ) وفى ذلك ضرب من الاهتمام والتخصص والقصر .

4- وأضاف لفظ ( قصة ) الى ياء المتكلم فادخلها بذلك الى نور المعرفة مخرجا اياها ظلمته المنكرة مضافة الى ياء المتكلم تعبيرا عن الحب والتملك والخصوصية فكأن القصة القصيرة هى عشقه وفنه وحبه الخاص به وحده .

5- ثم أتى بالتفاف مفاجىء دال وبليغ حين انتقل بخطابه من القصة الى الزوجة واضعا كلتيهما فى حالة مقارنة ووضعية صراع ، أيهما يحوز قصب السبق مستأثرا بقلبه ظافرا بعواطفه ، القصة أم الزوجة ؟ وفى المقارنة تشخيص موح ارتفع بالقصة الى تحقيق الوجود الانسانى بل السمو بوجودها عاشقا وولها ، وبالطبع فهو يدرك أن المرأة أو الزوجة تمقت بنظرتها الشريك ، وتكره بغريزتها الضرائر ، لذا فهو يقدم اسفه مبررا موقفه بانه ينوء بتحمل كل هذا العشق وحده وكتمان سره واسرار العاشقين تفضحها عيونهم ، وفى نفس الوقت يبدو مهذبا مراعيا لمشاعر الزوجة حين يعترف وحين يتاسف ويعبر لها عن الاعزاز والمحبة بحذف اداة النداء فى قوله " ... زوجتى .

نحن اذن بازاء مدخل اعترافى مكثف ذى ايجاز دال وبليغ .
وفى التماسنا لحقيقة القول وامارة العشق بعد ذلك الاهداء ، فان الولوج الى عوالم القاص ومجموعاته التى اصدرها والوقوف على رؤاه ومعالجاته تعتبر أهدى الدروب واظهرها وهو درب لا ينئبك مثله خبير .

لقد صدر للقاص حتى الان المجموعات القصصية الاتية :

- ( خيول النهار ) مشترك عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 1996 م

- ( حواديت من الشرقية ) مشترك عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2... م

- ( الحقيقة المرة ) 1997 م

- ( من يحمل الراية ؟ ) 2... م

- ( رائحة القدس ) 2..4 م

- ( صور باهتة ) 2..6 م

كما ان له تحت الطبع من مجموعة فى سلاسل : ابداعات ، اصوات ادبية ، الكتاب القصصى بتاديب القصة ، اتحاد الكتاب .

وتواريخ اصدارات الابداعات تنبىء بان الكتابة لديه هى شغله الشاغل ، كما ان مشاركاته فى مسلبقات القصة القصيرة ، وفوز قصصه بالمراكز الاولى فيها يؤكد لنا هذا الاهتمام الخاص والمعايشة مع فنه الذى يبدو مخلصا له وسنعيش فى قراءة مع ثلاث من هذه المجموعات تكاد تمثل رحلته مع القصة القصيرة كما تلقى الضوء على تطور ادواته وهذه المجموعات هى :-

1- الحقيقة المرة 1997 م

2- من يحمل الراية ؟ 2... م

3- صور باهته 2..6 م

والمجموعة الاولى يؤلفها ثلاثون قصة قصيرة ومن ضمنها مجموعة من قصص الومضة تحت عنوان أقاصيص وهو يهديها الى الشمس الساطعة التى تأبى أن تغيب الى الام ، ويفتحها بالقصة عنوان المجموعة رجل يبدو موظفا يعود الى بيته مطيحا بجسده المرهق على سريره ، يغط فى نومه من الارهاق والتعب ينتفض من نومه مذعورا على صوت الزوجة والاولاد يبدأ هجوم الطلبات عليه ، مصروف الاول وفلوس درس الثانى وقلم وكراسة للثالث والزوجة فلوس البقال ، عجزه من الاستجابة لطلباتهم يكاد يفجر فى داخله بركانا من الضيق والغضب فيصب لعناته على حقيقة حياته المرة .

أما قصة " عازف العود " فهى قصة رجل عاش فن الزمن الجميل وعزف وراء كبار المطربين ظروف الحياة المتغيرة باحداثها وتبدل احوالها فتضطره الى ان يعمل وراء راقصات فى ملاه رخيصة يكاد يختنق مما يراه من انحطاط الذوق وتدهور احوال الفن فى زمن ضياع القيم يحمل داخله صراع بين متطلبات الحياة التى لا تتوقف وكونه جزء من عالم الاسفاف والفن الرخيص يحاول ان يحسم موقفه لصالح ما عاش عليه من قيم لكنه لا يستطيع .

فى مجموعة " اقاصيص " التى تضم خمس ومضات ينقل الكاتب فى ايجاز وتكثيف لقطات من الحياة وبعض مواقفها ، فهذه امراة تمنت الزواج وتلهفت بعدها على الانجاب ، الولد الذى تمنته كان شديد العقوق والاذى فى النهاية تتمنى موته ، ومشهد فى ومضه اضرب لمريض يرشده طبيبه الى طبيب اخر لان علاتجه ليس عنده ، يذهب لعيادة الطبيب الاخر ليجد الاول خارج منها ، لذا كان عنوان القصة " الشفاء من الله " ومشهد ثالث للفتى الذى ضاق بقريته وتمنى ان يعيش فى اضواء القاهرة ، لكن المدينة تجعله يفر منها منذ اليوم الاول ويقرر العودة فورا فقد سرق حذاؤه من على باب المسجد ومن قبل نشلت حافظة نقوده وهى يخشى ان تسرق نفسه وتضيع فيها فيقرر العودة .

أما اصوصة " لن ننساك الى الابد " فتجسد قوة الزمن واثره على الانسان حين يريد للذاكرة والوجدان ان يكونا ثابتتين على حال ، الشاغل والتلهى فى مشوار الحياة لا يسمحا بذلك فالفتى الذى يكاد يموت حزنا على وفاة ابيه يعود بعد زمن لزيارة قبره فيجد الكلمة التى كتبها على القبر قد صارت " ننساك ابدا " وقد محيت منها " لن " ان الكاتب يريد القول ان المحو تم بفعل طاحونة الحياة .

في قصة (امومة) بعد اذان الفجر تخرج الام من تحت سلم العمارة شاهقة حيث يؤويها وطفليها مكان اشبة بالحجرة؛ تهندم ثوبها الرث وقلبها يلهج بالدعاء الى الله ان يهبها رزقها ووطفليها الضعيفين. وتبدا رحلة الشقاء اليومي حاملة(المنجرة) هنا وهناك وقبل مغيب شمس اليوم تسرع بشراء قطعة الشيكولاتة وحبات من البرتقال لولديها اللذين يترقبان عودتها في لهفة؛ يهرعان اليها بينما تصنع من حجرها مائدة لهما تنزوي بهما تحت السلم وتظلل عليهما بجناحها.

وقصة اخرى عن الامومة بعنوان(انت شمس) وفيها يتضاحك تلاميذ مدرسة على علي زميلهم التلميذ الجديد الذي كان يتيم الاب ولم يعرف من الجياة سوى امة؛ يسالونة عن اسمة يجيب ببراءة(محمد حليمة)ناسبا اسمة الى امة؛ يتاثر الولد من سخرية التلاميذ وضحكاتهم فيسرع تاركا المدرسة يجد حضن امة في انتظار يرتمي فيه مرددا : انت شمس _ انت شمس.

في(قطار البكاء والضحك) يختزل القاص في القطار بعرباتة الاربع ما نعيشة من تمايز طبقي لا انساني قاس وما يجري داخل عربة الحيوانات التي تزدحم فيها ركاب الدرجة الثالثة يقول ان اللانسانية والقسوة قد طالت الجميع ؛ العربة المزدحمة بركابها تكاد عجوز فيها تداس تحت الاقدام وامراة اخرى تشكو الارهاق والاختناق وثالث وسط القطار يحمل معزتة و..... لا يابة احد الركاب القطار لتوسلات المراة العجوز التي كادت تموت.

يمرق قطار اخر فاخر في الاتجاه المعاكس يلمح الطفل الذي كان بصحبة ابية فتاة في مثل سنه جالسة في عربة فاخرة على مقعد وقد حملت قطتها تدللها ؛ يسال اباة عن مجموعة شباب يضربون فؤوسهم ارض قاحلة فيجيبة بانهم(عايزينها تبقي خضراء)!!!!.

في قصة(من يحكم مدينة القطط؟)تشكو القطط الضعيفة استبداد القطط الكبيرة السمين بها واستغلاله وابتزازة لها فهو يجبرهم على ان يجلبن ويسرقن له الطعام ومن لا يفعل فهن ينالها شرة المستطير.......

تعجز القطط يوما ان يجلبن له الطعام ؛ يكاد يهلك جوعا فيصاب بالجنون ينقض مختلسا وجبة شهية مسرعا بها تصطدمه سيارة وتغتاله تجتمع القطط الضعيفة لتبحث أمر من يحكم القطط بعد رحيل الكبير ، تتصاعد الاصوات فى اجتماع القطط العاصف فهذات القط يطالب بالحكم لانه الاقوى وثان يراه من حقه فهو الاكبر سنا وثالث يعتبر نفسه الاجدر به فهو يملك شهادات اكثر وتظل حلبة الحكم تضار بها الاتراء والاهواء ويظل السؤال بلا اجابة . من يحكم مدينة القطط ؟

فى " الحجرة رقم 13 " يمر القاص سريعا بدورة الميلاد والزواج والانجاب وعوق الاولاد فى الزمن النكد واخيرا يلقى المرء مهملا بحجرة فى مستشفى منتظرا حتفه فى غرفة تحمل رقم 13 ، والقصة تصاغ فى لمحات سريعة فى صورة ست حركات متتالية .

ولا تستطيع القاص ان يحول عينه عن المسحوقين والمحروقين وهو يتناول شريحة منهم متمثلة فى اطفال الشوارع فى قصة " هل تعرف هذا الطفل ؟ "

والراوى فيها يحاول ان ينتشل طفلا بائسا منهم من ضياع الشوارع وصناديق القمامة وطنين الذباب الملتف حوله ، يهيم به فى الشوارع باحثا عن مسكنه واهله ، ينظر الراوى بعين الطفل المحروم يقف معه طويلا على منظر الاطفال وهم يغادرون مدارسهم فى ثيابهم النظيفة ، يهتدى اخيرا الى امه الى ما ان تراه مقبلا مع الرجل حتى تصرخ فى وجهه : " تانى هربت تانى .. لازم احرمك تهرب .. تقترب منا ... ينزع الطفل يده من بين يدى ، يسرع ليسابق الريح ليتكرر السؤال : هل تعرف هذا الطفل ؟ " المجموعة صـــ112

على ضوء هذا العرض لمجموعة من قصص " الحقيقة المرة " ، نستطيع القول بالاستنتاجات الاتية :-

1- ان قصص الكاتب نتاج انغمكاس ومعايشة لمواقع الذى نعيشه بشقائه ومشكلاته وازماته المزمنة .

2- لم يستطيع الكاتب ان يفر من مظاهر البؤس ومشاهد الشقاء التى تحيط به ، مسببه الكثير من الالم والارق والشعور العميق بالهم والقلق .

3- ان الكاتب ينحاتز بقوة الى المسحوقين والمحرومين والمهمشين وهم نسبة كبيرة من ابناء الوطن .

4- يؤكد الكاتب على بعض القيم المفقودة او التى كادت تموت كالبر والاثرة وتقدير الاخرين واحترام ادميتهم .

5- ان فئة القصصى لم يستطيع تجاوز تقليدية القص أو الحكى لارتباطه الشديد والتحامه بالواقع المباشر .

6- يجيد السيطرة على رسم مشهده او صورته القصصية مراعية اهم عناصر كتابها وهو عنصر الايجاز والتكثيف مما يساعده على صياغة القصة الومضة .

7- شخوص قصصه فى المجموعة تخوص صراعات شرسة متشوقة الى الفكاك من شقاء حياتها ، متطلعه الى حياة افضل ويكاد الراوى يعيش صراعات هذه الشخوص وينعكس ذلك على روايته ولغته فى حين يتطلب هذا الفن وجود مسافة كافية بين الراوى الضمنى وشخوصه وعليه ان يدع الشخصية نفسها تتحمل كل الاعباء من خلال جدالها مع واقعها .

8- لغة الكاتب فيها وضوح وسلاسة وبعيدة عن الغموض والتعقيد كما انها سهلة الوصول الى كل المستويات اللغوية مما يسهل عملية القراءة والتلقى والتجاوب مع عوالمها وشخوصها .

ومع المجموعة الثانية من مجموعات الكاتب وهى " من يحمل الراية .. ؟ " والصادرة على نفقته الخاصة عام 2... م وفيها يبدأ ايضا بالقصة عنوان المجموعة والمدخل اليها وقد كتبها فى اثنتى عشرة حركة بعدد حروف العنوان وكأن العنوان الذى جاء بصيغة استفهامية غرضها اظهار الحيرة والتحسر والاشفاق ، يشارك عبر تقطيع حروف عبارته على الفقرات الاثنتى عشرة ، وفى ذلك ايضا ايحاء بوقوع الراية وتمزقها وضياع رسالتها .

اما هذه الراية فهى راية تبنى هموم المساكين ولئم جراح ضحايا الظلم والمسحوقين الذين تم القضاء على مظاهر ادميتهم واهدرت كرامتهم فى ظل مجتمع فقد عقله وغيب رشده فحكم بقوانين الغاب واعتمد الفساد والمعاملات الشائهة المنحرفة اسلوبا للحياة فاضحى الغنى فيه لا يرتوى من دماء الفقير ، والقوى يستمرى تهشيم عظام الضعيف ، ولا مكان فيه لمن لا يجوز سلطة او نفوذا يحمة به وجوده ويصون به مصالحه ، انه باختصار مجتمع يحكم بقوانين الغاب .

وفى القصة يوصى الاب ابنه وهو على فراش الموت – بان يعمل جاهدا فى تحمل الام البشر والتخفيف منها ، وان يحرص على ان يتزوج وينجب انسانا يحمل عنه بدوره رايته .

يستوعب الابن وصية ابيه خاصة انه يعيش فى قلب الالم ووسط مظاهره الكئيبة فها هى ام تبكى لبكاء رضيعها لان ثديها الذى جف جوعا لم يعد به قطرة لبن لاسكات صراخ طقلها .

وها هو ذا طفل فقير محروم هوى فى ظلمات الفقر ، لك يابه به احد وكأنه هوى غائرا فى جوف بئر سحيق ، فى حين ان هذا طفل اخر فوق بئر الظلمات يجلس على حافته يلهو ويضحك ويمرح ويتقافز ويغرد كالعصافير ، والاثنان كلاهما طفل !!

الراوى نفسه يطاله الظلم والاجحاف حين تقرر الترقيات فى المصلحة التى يعمل فيها ولا يجد اسمه مع زملائه فى كشف الترقيات ، الا يكفيه انه يحمل هموم الناس واحزانهم على شماعته بما تصفع به وجوهنا يوميا بكل الالام والاحزان على جميع المستويات .

يتزوج ، عملا بوصية ابيه ، والزوجة هى ايضا تعمل بوصية امها فتنجب له " اورطة " من الاولاد فتساهم فى هزيمته وتنكس من رايته خاصة وانها كثيرا ما تهاجمه لانه يلعب دورا فى زمن لا يابه ولايستمع فيه احد الا لنداء المصلحة الضيقة الخاصة ، يهرب من بيته ومن نظرات زوجته الساخرة ، يبحث عن انسان يسلمه الراية وامانتها يشعر بالارهاق والاختناق ، قدماه لا تقويان على حمله ، ينهار ساقطا وسط الشارع ، الى ان ياتى الاسعاف يحاول المارة الذين تجمعوا حوله التعرف على هويته ، لم يتعرف عليه احد ، قالوا انه غريب على المنطقة ، يخرج رجل من جيبه متطوعا خمسة جنيهات طلبها رجل الاسعاف ، يرمى بورقة الجنيهات الخمسة فوق صدر حامل الراية التى هوت واسرع بعدها كل فى طريقه لا يلوى على شىء . انها غربة الانسان فى مجتمع اللئام .



يعبث الابن في اوراق ابية يقرا في شهادة الوفاة:(سبب الوفاة؛نقل الدم فصيلتة نادرة).... ان مغزى القصة ليس في ندرة فصيلة دم الاب الصالحة للاخرين والقابلة فقط لنوعها النادر؛ولكن مغزاها يكمن في مدى استعداد الشخص للعطاء من اجل الاخرين اوضنته بهذا العطاء؛ خاصة اذا كان مصيريا.

فالكاتب اذن مازال حاملا لهموم الاخرين؛ موقفا اغلب قصصة على تجسيد الام المعذبين واثارة الانتباة لهم؛ وحفز الاخرين للالتفات والاهتمام لماسيهم؛ وهو هنا يعلن انه حامل راية المساكين ويثير فينا النخوة لان يحمل كل منا ويتحمل جزء من مسئولية هذه الراية وانها مسئولية لو تعلمون عظيمة الاثر؛ جليلة القدر؛ وهو يصوغ قصصة كما عهدناه في مجموعتة السابقة بقدر كبير من الصدق الوجداني والاقتصاد اللغوي بعيدا عن الطلاسم والالغاز الفكرية والاسلوبية: انه ينقل لنا مشاهد من عالمنا اللامعقول؛ لكن بصياغة واقعية عاقلة؛ احيانا فيها انفعال لكن صدقها يجعلنا نؤلفها ونعايشها واذا كان يقص القصص في المجموعة قد عولجت برؤية رومانسية؛ فلان الكاتب يتوق الى القرار احيانا من عالم شديد القسوة والتعقيد ليخفف من وطاة قسوتة وتشابك اشكالياته.

في مجموعتة الثالثة(صور باهتة) والتي اصدرها عن سلسلة ابداعات عام 2..6؛ يبدو الكاتب ممارسا في المجموعة لهوايته التي يحبها وهي التصوير الفوتوغرافي والتي اتخذها فيما بعد مهنة واحترافا؛ يمارسها هنا بالكتابة فيسلط عدسة قلمة على الوجوه؛ مختارا لكل وجه لقتطة المناسبة وما يحيط باجواء هذه اللقطة من مؤثرات بصرية ونفسية من زوايا وضوء وظلال لتخرج القصة كادرا فنيا يتلقاه

صــ12

قارئها ايحاءات الكلمة المكتوبة ودلالات كادر اللقطة ويفتح المجموعة بقصة " ارزاق " والراوى منها يبيع الملابس الجاهزة وبجواره محل عم حميدو المصوراتى ، يقع المحلان فى ممر ضيق يفصل بين عمارتين ، يعانى كلاهما فترة ركود طويلة لم يزر احدا منها زبون واحد ، يرش حميدو الماء والملح امام داكنه ويفتح الراديو على اذاعة القران الكريم جالسا يتطلع صوب اول الممر منتظرا الفرج ، اما الاسطى عبده الترزى فقد داهمته همومه مع اخر ايام الشهر ومتطلباته بيته واولها دروس العيال ، تدخل فتاة الممر يمنى حميدو نفسه ويخرج كاميرته من محبسها الذى طال ، اما هو فقد كبر امله حين وقفت الفتاة تتامل فترينة محله ، تعاود الفتاة السير تقف امام صور محل حميدو ، يتحمس قائلا لها : اتفضلى صالة التصوير من هنا ، تفاجئه الفتاة بانها لم تأت للتصوير وانما تسأل عن محل اعلن عن حاجته لموظفة ويقع فى هذا الممر ، ماتت الابتسامة على وجه حميدو وارشدها الى ممر يقع بعده يشبهه .

اما " صورة الزفاف " ففيها يدخل عروسان استديو لياخذا بعض صور زفافهما التذكارية ، العروس من حين لاخر تنظر الى عقارب ساعة يدها .. أم العروس ظلت ( تقرص ) ابنتها كما تبتسم امام الكاميرا ، اقترب المصور ، قالت له بغضب : صورتين اتنين وبس . قبل التقاط الصورة الثانية رأت العروس حبيبها الذى جاء متخفيا يتخبط فى المعازيم كى يصل ليقف امامها ، ابتسمت العروس ، سارع المصور بالتقاط الصورة الثانية ، اشارت له ليلتقط صورا اخرى وعيناها على حبيبها . - واحد اثنين ثلاثة

وينادى المصور على صبيه ان ياتى بالفيلم الثانى .

فى قصة " ثلاث صور " يتقدم شاب الى رئيس تحرير مجلة ليعمل مصورا ابها يتسلم عمله الذى يتطلب صورة الغلاف لكل عدد ومعها تعليق اسقل منها يحمل كاميراته ويخرج باحثا عن لطة فريدة ، وكانت فى الشتاء على كورنيش النيل ويومها امطرت مطرا غزيرا واختبأ الناس وهدأت الحركة لكن يلفت نظر المصور وجود شاب وفتاة تحت كل هذه الامطار الغزيرة جالسين غير عابئين بما يجرى حولهما ، التقط لهما صورة وهما فى غاية سعادتهما كتب تحتها ( حب تحت الامطار )

وفى ربيع من العام نفسه ، وجد المصور قدماه تقودانه الى نفس المكان على الكورنيش ، لكنهما كانا جالسين فى صمت وبعد ساعات صافح كل منهما الاخر وكانت مياه النيل راكدة لا تتحرك .

فى صيف نفس العام وكان يوما شديد الحرارة واسفلت الطريق ينفث لهيبا خرج المصور تدفعه غريزة حب الاستطلاع لمكان الحبيبين وجد الشاب وقد اعتلى الحزن وجهه ومن اتجاه اخر اتت حبيبته ، جلست دون ان تتفوه بكلمة ، طال الصمت بينهما ، سرعان ما قام كل منهما ليتجه مسرعا عكس اتجاه الاخر ، نظر المصور الى ماء النيل ، وجد مياهه قد جفت تماما .

فى قصة " صورتان " تجلس امام التليفزيون ترقب طفلها الوحيد وهو يحبو ويحاول الامساك بأرجل الترابيزة ، يسقط باكيا ، لتسرع لتساعده على الوقوف ، تفرح كثيرا انه راح يخطو خطواته الاولى .. فى اللقطة الثانية : الطفل يمشى دون سقوط والام تأخذه ينزل معها درجات السلم يتوجهان الى اقرب مصور كى يلتقط لهما صورة تذكارية بعد ربع قرن من الزمان تروى الام ان كل محاولاتها باءت بالفشل حتى تقنع ولدها الوحيد ان يكف عن فكرة السفر للخارج يذهبان للمصوراتى القديم كى يأخذ الصورة التذكارية الاخيرة قبل سفره ، الابن ينتظر امه وقد نال منها الكبر ، تخطو الام خطوات ويئدة اشبه بخطوات الطفل الاولى متجهه نحو الباب ، يمسك الابن بيدها لتنزل درجات السلم درجة وراء اخرى ، تنتظر قليلا لتلتقط انفاسها تشعر بضيق الابن ونفاذ صبره وتنهيده خارجة من اعماقه تكاد ان تحرقها .

فى " لقطات اربع " يحكى قصة حيه وزواجه ، فى اللقطة الاولى : ينقل عدسة الراوى صورة حبيها ، يتفارقان فرحين يسيران حالمين متشكابى الايدى والضحكات يجلسان لالتقاط نفسيهما تحت شجرة وارفة الظلال ، يحفران اسميهما على جذعها شاهدة على حبهما .

فى اللقطة الثانية :

داخل منزل الزوجية ، فرغت من اعداد الطعام تقف من شرفة النافذة تترقب قدومه بكل اللهفة والشوق .

الثالثة :

يعود من عمله يطرق الباب ، لا يعجب يدير مفتاحه ، يدخل ، ينظر الى مائدة الطعام الخاوية ، يدق الباب ، يسرع ليفتحه ، يجدها امامه اين كنت ؟ عند الكوافير يا حبيبى .

اللقطة الرابعة :

ينتفض من نومه على رنين المنبه ، ليستعد للنزول الى عمله ، تتأبط رقبته بذراعيها قائلة : اسفه يا حبيبى سأذهب اليوم للكوافير لتغيير تسريحة شعرى حاول ان تأكل شيئا خارج البيت .

يعود من عمله يسير فى الشارع حائرا لا يدرى الى اين يذهب ، تقوده قدماه الى دكان " عم مدبولى " حيث كانت بجواره شجرة ، يلتفت حوله باحثا بنظرات متلهفة عنها ، يسأل مدبولى عنها .. الشجرة التى حفرا قلبيهما على جذعها يجيبه مدبولى بأن الزمن بدل حالها ولن تعد الا مجرد جذع عار ، فقطعها متخلصا منه .

هكذا ومن خلال مجموعة من قصص " صور باهته " يلتقط لنا القاص لقطات عدة من الحياة مركزا فى هذه المجموعة على العلاقات والمشاعر الانسانية خاصة بين الاحبة ، الازواج ، علاقة الامومة ، العلاقات الاسرية ، وهى مناطق لاحظنا من قراءة مجموعاته انها اثيرة لديه .

- عنصر الزمن يتكىء عليه القاص يصوره ملحوظة ويعد اهم العناصر الفنية التى تتطور على ضوئها احداث قصصه ، يحاول ان يبرز مؤثرات الزمن ومتغيراته على شخوصه وتغير رؤاهم وتبدل مواقعهم ومواقفهم ولا يخضع الزمن عنده للتصرف وانما يأتى فى شكله الخطىء التطورى .

- يتبنى القاص كما ذكرنا الهم العام والقضايا الحياتية من خلال احداثه وشخصياته فى بساطة وقدرة على الايجاز ولا تطول القصة عنده الا فى حالات قليلة .

- لا يتطرق القاص الى القضايا والتقنيات الفنية السائدة فى كتابه اليوم والمهمومة بتصوير الذات الفردية فى اغترابها وتشظيها ، ومحاولة التعايش مع الوحدة والوحشة ، وما يطرأ على هذا الموقف من استدعاء اساليب البوح والتداعى والاتكاء على تيار الوعى واعتماد تقنيات الحلم والانفصام والهلاوس .. الخ هذه الظواهر الفنية الملحوظة فى تجليات الكتابة الراهنة .

- الكاتب له حريته المطلقة فى اختيار القضايا وزوايا الرؤى التى يبدع منها ولا مصادره عليه فى ذلك ، الا ان المطلوب هو تطوير الادوات والانتقال الى افاق جديدة من التجريب وتطبيق اليات مغايرة للقص ولا شك ان ذلك سوف يفيد فى تعميق الرؤية وسرعة توصيل الرسالة فى بيئة ادبية تتوقع دائما المدهش والمغاير بل والصادم احيانا .

مشاركة