الاثنين، 23 مارس، 2009

" القبو الزجاجى " مرثية أمة ودعوة لابتعاث أمجادها

توطئة :

وهى مرثية شعرية مطولة جاءت فى صورة رسالة وجهها د . صابر عبد الدايم إلى السلطان العثمانى العظيم " محمد الفاتح " وألقاها فى مؤتمر رابطة الأدب الإسلامى العالمية الثامن فى مدينة استانبول فى 13 من أغسطس عام 2008 م .

وتتكون الرسالة من أحد عشر مقطعا ، تضم هذه المقاطع أكثر من مائة وستين سطرا شعريا.

وهى تماثل تلك الرسائل الشعرية الكثيرة ، الحافل بها تاريخنا الأدبى خاصة فى مراحله المفصلية والمصيرية والتى ناشد فيها الشعراء وأهابوا بالزعماء والقادة التاريخين – أن ينتفضوا لإغاثة الأمة ويهبوا ذودا عن حياضها وصيانة لعقيدتها وأرضها ضد قوى الظلام والطامعين من حلف البغى والعدوان .

ولا غرو ، أن توقيت الرسالة ومناسبتها كان مفروضا وسط هذه الظروف شديدة الوطء التى تمر بها الأمة وربما كانت من أسوأ ما مرت به من مراحل فى تاريخها الحديث والمعاصر وأشد حقبه تدهورا وأظهرها ضعفا وهوانا وهى فى غنى عن أن تذكر بانتكاساتها المتداعية وانهياراتها المتتالية ، فهذه الماّسى والنكبات يعيشها ويدركها القاصى والدانى وأخرها كان هولوكست الإبادة الصهيونى فى غزة ومن قبله فى قانا وجنوب لبنان و جنين وغيرها ...

وحرب الإبادة الأخيرة فى غزة كانت بجرائهما ومواقفها المخزية على مرأى ومسمع من الأمة والعالم بأسره ، هذه الحرب الظالمة جرت أحدائها الدامية بعد إلقاء هذه المرثية ببضعة أشهر وكأن الشاعر كان يتوقع المزيد من الآلام والاّتى من الانتكاسات فى زمن انهيار وسقوط طال وتوحش وامتد .

ومقاطع المرثية / الرسالة منعمة بعاطفة من الأسى والحزن العميق ومشاعر كثيفة من الرثاء ممتزجة بتطلع وحنين جارف إلى استعادة مجد الأمة وهيبتها وصفحة وجهها الناصع ، وهذا اللون من الشجن الوجدانى يسرى فى جسم الرسالة وبنائها الشعرى ألفاظا وتراكيب ، صورا وموسيقى
1- مفتتح حزين :

ويفتتح الشاعر مقاطع المرثية بنداء للسلطان العظيم فيه تعظيم وإشادة بقوله :

" أيها الفاتح .. " والشاعر بهذا النداء يحاول أن يستجمع قدر طاقته – كل ما يرتبط بالفاتح من معان وما يتصل به من أمجاد ليصنع مفارقات كثيرة ويستحضر أحوالا شديدة التباين بين سيرة الأمة المستدعاة مع نداء الفاتح من جهة وواقعها الأليم الباعث على الرثاء والمفجر للأحزان من جهة أخرى .

2- ملامح لزمن الضياع :

وفيما يشبه تقاليد التعديد فى ريفنا المصرى ، أو ما يماثل ملاحم رثاء الممالك والدول فى أدب الأندلس " فردوس الإسلام المفقود " - تتوالى المقاطع الشعرية تشير إلى واقع الأمة فى سطور متتالية ، ولما كانت أوجاع الأمة كثيرة وأوصابها عديدة ، لذا فإن السطور تومىء ولا تفسر ، تجمل ولا تفصل :

أيها الفاتح .. ضيعنا مفاتيح المدائن !

ونسينا البحر .. والموج وتهليل السفائن !

ونسينا الخيل والرمح .. وأسرار الكمائن !

سورة الفتح هجرناها .. وبددنا صداها !

وتراءت فى حنايانا أنيننا وحنينا !

كل أشجار الفتوحات أراها

عرايات من رؤاها

3- سيوف حبيسة ومضيعة :

وما دامت الأمة قد هجرت سورة الفتح " ونسيت " الخيل والرمح " ، بالتالى صارت رموزها مجرد ذكرى وأسيافها معطلة حبيسة المتاحف والمزارات ، موضوعة فى أقبية زجاجية كآثار سياحية ومراسيم ضيافة

.. هذه أسيافهم مثلومة تنعى إلينا

حدها المغتال فى جوف القبور !!

أيها الفاتح أمسى السيف ظلا

ووشاحا ساكنا فوق الصدور !!

إنه أضحى بقصر الحكم مرسوم ضيافة

إنه أصبح نقشا فوق جدران الطلول

كل من يشهده ...

يقرأ فى جبهته عصر روايات الأفول

4- مأساة دار الخلافة :

والشاعر إذ يقف أمام القبو الزجاجى فى داخله يرقد سيف الفاتح العظيم ، وبجواره سيف الإمام على " ذو الفقار " يأتي مجردا ، مثقلا بالأحزان ، لا يملك بين يديه وفى وجدانه إلا هويته الإسلامية التى يرتفع صوته بها معلنا عقيدة التوحيد ، لائذا بها ، متشبثا بنورها وأصالتها ، فهو لم يعد يحوز سواها ، وهو إذ يدخل قاعة " آيا صوفيا " حيث الاّثارات والرموز ، يقدم نفسه ينسب العقيدة واّصرة القربى الإسلامية للفاتح العظيم ولكنه لا يجد سوى أشلاء من العهد الطعين ورائحة من أطلال تاريخ وأشباح رجال ، ويتذكر الشاعر قصيدة شوقى فى كمال أتاتورك :

الله أكبر كم فى الفتح من عجب .. يا خالد الترك جدد خالد العرب

ويتساءل أي فتح ذاك الذى خدع فيه أمير الشعراء ، لقد كان فتح شؤم على الأمة وضياعا للخلافة وطمسا لوجهها الناصع الذى كان يتألق فى الآفاق ويتراقص متباهيا على صفحات البسفور .

ويصحح الشاعر بعض المقولات التى راجت عن أتاتورك ويوضح الجرائم التى ارتكبها فى حق المسلمين :

.. لقد ألقى بماء النار فى وجه الخلافة

شوه الوجه السماوى الجميل

جعل البسفور ملهى

للعرايا .. فيه يسبحن ويعبرن مضيق الدردنيل

سفن الفتح ..

ويا للفتح ، أحالوها مواخير للسكارى العابثين



5-أبو أيوب فوق أسوار القسطنطينية :

وينصرف الشاعر عن صورة أتاتورك القبيحة ويستدعى صورا أخرى كصورة محمد الفاتح والصحابى أبى أيوب النصارى وهو واقف يكبر على أسوار القسطنطينية ، هذا التكبير الذى حملته رياح التاريخ العظيم إلى آذان محمد الفاتح فكان محفزا لفتوحاته، وملهما لانتصاراته .

ويشتكى الشاعر إلى القائد الفاتح العظيم ما حل بــ " إسلامبول " التى غزاها الجراد ومسجد " آيا صوفيا " ، الذى أضحى متحفا وصار شيخا محطما تعصف به رياح العقم ويستدعى مأساة التغريب والعلمانية وما جلبته علينا من مآس وجرائم يشيب لهولها الولدان فى " سراييفو " و " بيهاتشى " فى " أبخازيا " وفى " الشيشان "

6- المجاهدون أمل الأمة :

وبعد أن يفيض الشاعر فى تذكيرنا بجرائم الصرب والروس فى بلاد البلقان واسيا الإسلامية ، ينبىء الفاتح العظيم بالنبأ العظيم والأمل الكبير المتمثل فى تلك الحفنة من المجاهدين التى صدقت ما عاهدت عليه الله ، فهم الفئة الوحيدة الرشيدة ، وهم الفئة التى تحيى مواتنا بالشهادة وتبعث من رماد العدم شرارة الحياة والخلود :

إنهم من شجر النار يجيئون

إنهم ضوء التجلى

.. والخيول العاديات الموريات .

إنهم أحفادك الغر الميامين

يقودون سباق الشهداء

عود على بدء :

وكأن الشاعر ابن واقعه وزمنه لا يريد أن يستنيم للحلم ، أو تأخذه الآمال السكرى والرؤى الحالمة ، فيأبى إلا أن يعود إلى الفاتح معيدا فى حركة دائرية المشهد الأول ومكررا إياه ، واضعا يده على أوجاع الأمة لعل الألم يبعث فى جسد الأمة المسجى بنبض الحركة وعل دموع الشاعر الساخنة وآهاته الحارة تبعث فيه دفء الحياة وحرارة العزة والنخوة .

ظواهر أسلوبية وجمالية :

1- تنطلق الرسالة بداية من رؤية وموقف جمالى إسلامى ونقصد به ذلك التعبير الفنى المؤثر النابع من الذات المؤمنة المترجم عن الحياة أو الإنسان أو الكون وفق الأسس العقائدية للمسلم وباعث للمنفعة والمتعة ، محرك للوجدان والفكر ، ومحفز لاتخاذ موقف أو تعديل رؤى.

2- من المنطلق السابق تبدو الرسالة مفعمة بالروح الإسلامى ، متأثرة بالتعبير القراّئي الكريم حيث " سورة الفتح " و " الصافنات الجياد "و"الخيول العاديات الموريات " و " واد غير ذى زرع" و كذلك الرموز من الشخصيات والبقاع التاريخية الإسلامية مثل : استانبول ، وآيا صوفيا ، وبيهاتشى والشيشان والشخوص مثل : خالد ، والفاروق والإمام على وغيرهم .

3- يتردد نداء " أيها الفاتح .. " فى الرسالة أكثر من عشر مرات .

4- يتراوح بناء الجمل فى تساوق وتوازن بين الصيغ الاسمية والفعلية ، ويكثر تردد الفعل الماضى فى مواضيع التداعى التذكرى والرثاء ، والمضارع يأتي غالبا فى جمل خبرية واصفة للحال الراهن وماّسيه ، وهو المقصود من المرثية حيث تقف على الحاضر وهى تسلط عليه أضواء الماضى بغرض المقارنة والمقابلة ومن ثم الإثارة والتحريك .

5- الأساليب الإنشائية تقل فى الرسالة عن الخبرية والقليل منها للتعظيم والإشادة مثل " أيها الفاتح " أو للحث والحفز مثل : " أقبل .. " " انزع السيف .. "

6- تكثر صياغات الصور الفنية خاصة الكنايات الموحية المحملة بالدلائل فى دقة وإيجاز مثل " نسينا الخيل والرمح " و " سورة الفتح هجرناها " " نسينا الموج وتهليل السفائن " ، كما تلتمع فى الرسالة صور مركبة جميلة مثل قوله :

أعود حاملا فى القلب مشكاة حزينة

ضوؤها الدرى من نيران أشلائي تمتاح الوقود

أو قوله عن ضحايا البوسنة وهم يبادون :

" شهدوا أعضاءهم تسقط من أجسادهم "

7- الموسيقى الصادرة عن تفعيلات الأسطر الشعرية ، تتراوح إيقاعاتها بين أنصاف الأبحر التى تطول بنغمة الحزن العميق الممتد ، أو تلك الصادر عن مجزوءات البحور فى إيقاعات سريعة متتالية فى حالات الاستدعاء المنثال بصور ماضى الأمجاد أو حاضر ضحايانا فى البلقان .

وتتآلف الموسيقى الخفية فى الرسالة / المرثية من انصهار عاطفة الشاعر الدينية بأفكاره وتعابيره وصوره متجهة صوب المتلقى ، ليقف بها لحظة مثيرا بها الوجدان ، متأملا بها الحاضر حيث يحتاج الظرف منا إلى كل جهد مخلص وإبداع أصيل وهوية أصيلة ناصعة لمواجهة عالم صار الصدام ونفى الآخر فيه شعارا ومبدأ .

مشاركة