الأحد، 29 مارس، 2009

وقائع تجريد الخيول " للقاص الروائى " أحمد عبده

وهى المجموعة القصصية الرابعة للكاتب بعد مجموعاته الثلاث :

" الجدار السابع " ، " نقش فى عيون موسى " ، كلاب الصين " ، كما أن له روايتين هما : "مكاشفات البحر الميت " وثعالب فى الدفرسوار " هذا غير " فى ظلال العنب " مجموعة قصصية للأطفال .

والمجموعة تضم إحدى عشرة من قصار القصص يهديها الكاتب " اليهم .. حتى لا يبكوا كالنساء على وطن لم يحافظوا عليه كالرجال "

وهو إهداء مأخوذ عن مقولة تاريخية شهيرة لأم الخليفة عبد الله بن الأحمر آخر ملوك الطوائف قالتها له مؤنبة ومعنفة وهو يستعد لتسليم حكم الإمارة للأسبان .

والملاحظ من كتابات أحمد عبده السابقة مثل " نقش على عيون موسى " و " مكاشفات البحر الميت " أنه مؤرق بالهم العربى وما آل اليه واقعنا من أحوال مؤسفة وأوضاع مزرية 00واقع انفصل فيه ولاة الأمور عن شعوبهم انفصالا تاما ، ومن ثم ضاعت البوصلة وغامت الرؤية وتفرقت بنا السبل فتناوش علينا المتناوشون تناوش الأكلة على قصعتها .

ولنعش معا قراءة هذا الأفق إبداعيا ، لنقف على معالجاته الفنية كما أبدعها القاص أحمد عبده .
فى قصة المجموعة الأولى " خريطة للحزن والرياح " وفى حصة الجغرافيا ، يعلق المعلم رقعة جلدية كبيرة لخريطة الوطن الكبير ، يبدو من الرقعة أنها سلخت من جسم بقرة أو جاموسة فمازالت محتفظة بنتف مشربة ببقع حمراء ، يطلب من أحد تلاميذه رسم أو تحديد الولايات والإمارات على الرقعة ، أخذ الولد بمقص وراح يشق الحدود الفاصلة من أسفل إلى أعلى الرقعة متوقفا أعلى الرقعة عند الخط الأفقى الذى يمثل البحر فبدت الرقعة كأنها شراشيب معلقة على حبل غسيل ، صرخ المعلم فى تلميذه ووبخه على غبائه ورعونته ، اعتذر التلميذ متأسفا ، مبررا بأن المقص كان يسبقه ويقوده ويتسرب إلى الرقعة رغما عنه ، اتهمه المعلم بالخيانة ، حمل التلاميذ رقعهم المهلهلة ثم انصرفوا مع جرس الانتهاء ، وفى الشارع كانت الريح العاصفة تطوح بالقصاقيص .

فى القصة حضور قوى لمشهد تاريخى مؤلم محفور فى الذاكرة لسقوط آخر معاقل الفردوس المفقود فى الأندلس ، يفرض هذا المشهد مأساويته على رقعتنا العربية الكبيرة وقد أحالها التشرذم والتفكك إلى قصاقيص مهلهلة ، وان كان ثمة طبوغرافيا يمكن أن تتعين على الخريطة فهى لا تعدو أن تكون :

" سلاسل من اكتئاب جمعى ، ومرتفعات من عقد نفسية ، ومنخفضات من شروخ ، وآبار من دروشة ودردشة وفرفشة .. وكهوف من خوف ، ودروايش لشرح الخوف " ،القصة صـ 8 وهكذا تضيع الأنهار المقدسة وتصير مغنما ومرتعا للمهاجرين والسائحين والمغامرين ونصبح فى غربة عن الشواطىء والوديان والصخور والجبال :

" جبل تم عليه التعارف " ، وجبل عقد عليه القران ، وجبل كان عليه الصعق ، وجبل نشع من بطنه الوحى ، وجبل كانت عليه الموعظة " ، القصة صـ 8 .

وجمل السرد السابقة التى تتوالى بدفعات من الأسى والألم ، تشير إلى أقدس مقدسات العرب متمثلة فى : جبل الجودى والحجاز وجبل موسى وجبل حراء وجبل الجليل . ما يوحى بأن التفريط وصل إلى أدنى مراحله وأزرى مستوياته .

القصة يحيل فيها الرمز إلى الواقع ، وتتحول فيها التضاريس الجغرافية إلى مجردات معنوية وتستدعى جغرافية الآن تاريخ الأمس المثيل مأساويا مع اشارة للقهر الطاغى والقمع السائد .. إنه الخروج من الجغرافيا والتاريخ معا 0

فى قصة " الله لا يصنع التماثيل " ، يرسم الكاتب لصدام حسين صورة مليودرامية وهو يتماهى مع عالم نرجسيته وعبادته المريضة لذاته ، يتواجد صدام فى المشهد متحدثا عن تمثاله العظيم الذى قرر نحته كما يتخيل فهو أعلم بتقاطيعه ومكوناته ، يرد عليه أحد مستشاريه :

- من الداخل يا مولانا .. أما من الخارج ... ؟

يتهمه صدام بالإساءة إلى ذاته المتضخمة ويصبح مناديا بــ " مسرور" 0

يحاول " مسرور " توضيح وجهة نظر المستشار فيتهمه صدام ويحكم عليه بالأشغال الشاقة ، ويطلب صدام البازلت والرخام والحديد من بلاد وبقاع شتى، يوضح له أحدهم أنهم سيشترطون الوقوف على رؤوسنا لينظروا ماذا سنصنع به ، يغضب صدام مؤكدا أنه لا يقف على رؤوسنا سوى التيجان ، ويأمر بإعدام الرجل رميا بالرصاص .

يطلب صدام مشورة أحدهم ، فيما لو تم صنع التمثال من طمى النهر ، يجيبه باحتياجهم فى هذه الحالة إلى " قمينة " و" محرقة " ، يغضب صدام من فكرة وضع تمثاله فى النار ويأمر أن يدفن الرجل حيا .

لم يجد صدام غير الفكرة الأخيرة ، فيأمر بصناعة 336 تمثالا بعدد أيام السنة توضع فى الميادين ومداخل المدن ومخارجها وأمام دور المسرح والسينما والمدارس والمحاكم ودواوين الوزارات وأمام ثكنات الجيش والعتبات المقدسة .

السنة كانت بسيطة والتمثال الأخير لم يوضع ، زمجر صدام :

هو وحده كوم .. وبقية التماثيل كوم آخر " ، يأمر بأن تصير السنوات كلها بسيطة وبإعدام رفاقه الخمسين مع تسجيل العقوبة قرين كل جثة : فى النار ، غرقا فى النهر ، فى البحر ، فى غرفة الغاز ، الدفن أحياء ، سلخ الجلد ، يتم العثور على التمثال ، يأمر صدام الشعب بجذبه بالحبال ، ينحنى التمثال ثم سرعان ما راح يتأرجح طالعا نازلا مع مرونة أسياخ الحديد ويظل فى حركته هذه : " بقسوة وعنف وشبق !! "

والقصة تبرز سلبيات تلك الشخصية الدموية وتدين بعض سياسات صدام الحمقاء التى ما كانت تدور إلا فى فلك الذات .. الذات المريضة التى طغت وقست فجلبت أشد الويلات للبلاد وأوخم العواقب على العباد .

ولا نعلم فى تجليات صدام فى القصة روح السخرية والتعريض الشديد وما انطوى عليه من حمق يثير الضحك والبكاء معا .



فى قصة " حفر فى الباطن " ينقل الكاتب ما كان يدور فى سجن أبو غريب فى بغداد من انتهاكات صارخة وألوان من التعذيب يشيب لها الولدان .

فالمجندة الامريكية تأمر السجين بخلع ملابسه والتحلل منها شيئا فشيئا ، جعلت تدور حول جسده تتحسس ما انكشف منه موضعا بعد موضع ، لسعته بجمرة سيجارة معلقة فى فمها ، رفعت رأسه إلى أعلى الحائط وألبسته كيس الأشباح ، أمرته بفتح ساقيه ثم أمرته بضمها لكن على سيجارتها المشتعلة فأخرج صرخة أشد حرقة .

وهذه المشاهد السادية جاءت على لسان المجندة موجهة حديثها بضمير المتكلم للسجين ، وتستخدم هذا الضمير لكشفه وتعريته وتقزيم شخصيته ، والإمعان فى إذلاله واحتقاره 0

وإذا كان هذا المشهد الديالوجى من طرف واحد ينعكس بتهمة الوحشية على ممارسات العدو فى العراق ، فهو فى نفس الوقت يعكس بالتبعية مهانة العراقى بخاصة والعربى بعامة مبرزا صورة قبيحة لعجز الوضع العربى الراهن وخوائه وهو ما يؤكده عنوان القصة " حفر فى الباطن " مع تنكير " حفر " للتهويل واستخدام تورية ساخرة بلفظ " الباطن " إشارة إلى المكان الذى انطلقت منه جحافل الغرب وبعض أتباعهم من العرب – لغزو العراق !!

ومن جرائم الأمريكان فى العراق إلى مجازر اليهود فى فلسطين وقصة " من يفك شفرة يعقوب " ، حيث كان بعض الأهالى ومنهم " أم يعقوب " يؤدون قداسا فى إحدى الكنائس .. جنود العدو وآلياته تحاصر الكنيسة ، عبر سرداب سرى قام البعض بتهريب المرأة وابنها الوليد يعقوب واختبأت خلف أحد الجدران العتيقة ، تواصلت أيام الحصار ، جف ثدى أم يعقوب ، سدر يعقوب فى صراخه ، انطلقت الرصاصات من الخارج ، زمجرت " الميركافا " ، بلغ الهلع بالأم والجوع بالوليد كل مبلغ ، اقتحم المجرمون قدس الكنيسة ، أحدهم يبحث عن هذا الطفل التى تسببت صرخاته فى توترهم وضجرهم ، انتزع أحد الجنود الطفل من حضن أمه ، ووضع راحة يده على فم الرضيع ثم كتم أنفاسه .

القصة مفعمة بحيوية الحركة وسرعة الإيقاع والانتقالات بين الخارج حيث جنود المحاصرين للمداخل والمخارج وحيث الكنيسة وما حولها ، وبوصف مقتضب ومركز يتصاعد الكاتب بالحدث حتى يبلغ ذروته 0

وإذا كان عنوان القصة السالفة قد كنى ولمح ، فإن عنوان " من يفك شفرة سعقوب " ، يتعمد وضع القارىء فى حالة اثارة انتباه وإعمال الذهن .

فهل تشير " يعقوب " إلى البرىء ، المسلوب الحق والأرض ، المحاط بعالم من الخنوع والعجز وبالتالى تظل شفرته لغزا غير قابل للفك والحل ؟

أم أن " يعقوب تشير إلى اليهود الصهاينة ، الذين استمر أو خنوع العرب وفرضوا عليهم شروط الاستلام ، فباتت شفرتهم أشد لغزا وتعقيدا ؟

وفى قصة " ماذا يريد زربعة " يتخيل الراوى نفسه فى عالم الغيب يحضر عقد قران فى مسجد اجتمع فيه بشر من مذاهب وطبقات وأعمار شتى .. يحين وقت الصلاة ويرفع الآذان ، يقدم شيخ المسجد الراوى للأمام ، يحاول أن يعتذر دون جدوى .. يدخل الراوى إلى المحراب مضطرا وتصطف خلفه صفوف كثيرة ، جهر بتكبيرة الإحرام ، بدأ فى الاستعاذة ، وقبل أن يكملها رجفت الأرض ورعدت السماء وبرقت ثم أهطلت مطرا ، اقترب منه حاخام ونصحه بأن يقرأ دون الاستعاذة ، تماسك فى المحراب وأكد عليه قس ألا يستعذ لأنه فى عقر دراهم ، ترك الراوى الاستعاذة وجهر بالفاتحة وقبل أن يكملها زلزلت الأرض وهبت زوبعة ريح السموم ، هرع إليه القس والحاخام مرة أخرى ونصحاه ألا يقرأ بالبسملة أيضا ، قرأ الفاتحة وذهب القس عند إحدي نوافذ المسجد وبدأ يصلى بطقوس صلاته ، ومن نافذة أخرى أخذ الحاخام يردد أيضا صلاته وهو يجأر زاعقا إلى الرياح والزلازل ، لم يعد الراوى يسمع من شدة الصخب ما يقول .. تتردد فى المسجد عبارتان:" ولا الضالين .." .. " اله واحد " .. آمين

فى نهاية القصة يضع الكاتب هامشا أسفل صـ 43 من المجموعة، يوضح أن " زربعة " كما قيل ، هو رئيس الجن وجاءت منه كلمة " زوبعة " .

القصة ذات أبعاد دينية وحضارية عميقة ، فكل من القس والحاخام يطلبان من الراوى المسلم ألا يجهر بصلاته وأيضا لا يخافت بها ، وفى كل الأحوال حين يقرأ تثور ثائرة زربعة وحزبه ومن الطبيعى أن الصلاة والذكر من أشد الأمور وطأة على زربعة ، وهنا يصير كل من القس والحاخام من أتباعه ، فهما يشددان على الراوى ألا يقرأ وقد نفذا خطتهما على مراحل الأولى ترك الاستعاذة ، ثم ترك البسملة ، ثم .. لكن الراوى يصر على إتمام الصلاة ويقرأ الفاتحة ومع إصراره يسرع كل من الرجلين إلى نافذة يقرأ صلاته الخاصة به ، الصخب وأصوات الرياح تعوى ، يتردد فى نهاية القصة مع ختام الفاتحة عبارات من الثلاثة تنطق بالتوحيد الخالص ثم تأمين من الجميع ، ومن المعروف أن التأمين يأتى بعد البراءة من الكافرين والقصة بعد هذا التفسير الاجتهادى تقول :

1- إن الدين عند الله الاسلام ( التوحيد الخالص لله عز وجل )0

2- لن يرضى عنا اليهود ولا النصارى طالما نحن متمسكون بعقيدتنا0

3- عقيدة التوحيد هى العقيدة التى ارتضاها الله لإنقاذ البشرية من نفسها ومن زربعة وحزبه وهى منطوقة ومتحققة شئنا أم أبينا .

والقصة تلمح للصراع والصدام الدينى الذى يدور رحاه على أشده ، خاصة فى عصرنا وهو صراع كاان وما زال وسيظل حتى يسود الإسلام وتسقط الأباطيل والأصنام ، وإن تسربل الصراع بأشكال سياسية أو حركته دوافع اقتصادية لكن حقيقته العقائدية تظل هى الجوهر 0ولقد أتاحت لعبة التخييل للكاتب ، أن يجمع فى عالم الغيب بين مخلوقات وكائنات من طبيعة مختلفة ومذاهب عدة ، وربط هذه الكائنات والمخلوقات بحدث واحد وأدار بينها حوارات صنعت محتوى رسالة مصاغة بوسيطة لغوية هى القصة المكثفة البعيدة عن التزيد أو التكرار كما هى عادته فى قصصه التى يجيد ترويضها إجادة تنم عن موهبة أصيلة وأداء احترافى.

إلا إننا نرى ، أن الراوى الذى قص لنا بضمير الغائب العلــــــــــيم كان من الممكن أن يؤدى " الإمام " دوره دون أن يتأثر بناء القصة أو تتغير بؤرة الرؤية فيها، بل إن التبئير من خلال شخصية الإمام الراتب للمسجد ربما يكون عنصر إضافة للقصة .



فى قصة " النبى " يعود الملك " نبوخذ نصر الثانى " منتصرا مظفرا ، يسوق أمامه أسرى بنى اسرائيل الذين يعانون الجوع والعطش ، تمتد من بينهم يد شاب مكبلة تدعو ، تستجيب السماء وينزل الغيث يشرب منه الآسر والمأسور معا ، يتذكر الملك أن ثعبانا ضخما دخل قصره وهو يستعد لمسيرته الأخيرة ما أفزع الملكة وجعلها تغادر القصر ، عجز قائد حرسه عن إخراج الثعبان وأشار على الملك أن يستعين بشاب من الأسرى رآه الناس فى كوخه الصفيح ينام وقد التفت حوله الأفاعى والثعابين حتى إذا نهض من نومه فروا ،

وزعم القائد أن ذلك الشاب نبيا ، فهزأ الملك من قائده ودخل الشاب القصر ممسكا بعصاه ظهر له الثعبان خاف الجميع من منظره الهائل ، اختبأ الملك وراء أحد أعمدة القصر ، طالبه الشاب بالظهور لكن الملك المرتعد لم يجرؤ ، الثعبان يبخ ناره ويقفز على كتف الملك فيصرخ مرتعبا ، الشاب يأخذ بطرف ذيل الثعبان ويرطمه أرضا فيتحول إلى عصا ، أحد طرفيها بيد الشاب والآخر على كتف الملك .

القصة قد تستدعى صراعا بين العراقيين وبنى اسرائيل يدور اليوم متخفيا فى خضم أحداث العراق التى أصبح فيها ساحة واسعة للصراعات السياسية والمذهبية والصراع بين الطرفين له جذور ضاربة فى القدم كما هو معلوم من سحق البابليين لمملكة أورشليم وتحطيم الهيكل وجرهم آسارى وإماء إلى بابل .

الكاتب يضفى على شخصية الشاب اليهودى الصلاح والقدرة على فعل الخوارق عن طريق عصا تشبه عصا النبى موسى ، فى حين أن الملك يكذب ذلك ويصف الشاب بأنه ثعبان سيخرج من قصره الثعابين .

وفى قصة " رقصة تنقيض الوجع00 " الأخت المعاقة ذهنيا ، المهملة من أسرتها تصر أن ترقص فى يوم زفاف أختها بقاعة شهرزاد ، رفض الأخت العروس الدكتورة لم يصمد أمام تصميم أختها التى تشبهها تماما وكأنهما فلقتى حبة واحدة ، ترقص الأخت رقصا بارعا يشيع فى القاعة الصخب جعلت تردد فى رقصها : شرشير ، شرشــــــــــير

بطتنا وقعت فى البير

وهى الأغنية التى كانت دائما ترددها منذ أن رأت البطة تقع فى البئر وورائها صغارها الخضر0 بعد انتهاء الرقص تتجول فى قاعة ألف ليلة وليلة تتأمل اللوحات الزيتية المعلقة على جدران القاعة ، تقف أمام لوحة " الفلاحة المصرية " فتلطم فخذيها ، وأمام لوحة شهرزاد وهى تحكى لشهريار " وهى تضحك ، وأمام لوحة " مسرور " وهو يرفع سيفه 0 وبمجرد أن وقعت عينها عليه جعلت تردد :

شرشير شرشــــــــــــير

بطتنا وقعت فى البير

القصة تتسم بالحيوية والحركة ، الراوى يصف من الخارج لكنه يحرك المشاهد حية ناطقة بانفعالات الشخصيات كما لو كان ينقلها لنا من خلال كوادر سينمائية ، ينطق الكاتب الشخصية المهمشة المهملة من خلال اللوحات الزيتية ليعطينا شيئا من دواخلها ، ويتداعى سرد الراوى الخارجى فى ديالوج واصف بكاف الخطاب موجه للعروس ، يكشف فيه زيف الشخصية وقبحها المستتر بألوان الزينة والتاج المرصع على رأسها المنعكسة أضوائه على وجه باهت .

الكاتب وفى أكثر من قصة يجيد استخدام هذا الضمير خاصة فى حالات الكشف والتعرية والمواجهة ، ولغته من خلال قصص المجموعة تنبىء عن مقدرة لغوية وثراء أسلوبى اللهم الا بعض الهنات النحوية القليلة ، تتسم تراكيبه بقوة النسج ، وألفاظه بالثراء والتنوع ويظهر ذلك جليا فى قصة " تداعيات "

عنصر الزمن عنده يكاد يختفى وأكثر منه ظهورا عنصر المكان وهما عنصران بصفة عامة باهتان فى القصص لاهتمامه الغالب بالحدث وتحليله للشخصية عبر الديالوجات والمونولوجات .

يجيد الكاتب استخدام الرمز والإشارة والكناية والإحالة بألفاظ دالة موحية ويتجلى ذلك فى عنوان المجموعة " وقائع تجريد الخيول " ، والعنوان يشير إلى ذلك الأفق الإبداعى الذى ولجنا منه لمعايشة قصصه وهو المهموم بإشكالية الواقع العربى الراهن ، حيث تجردت الأمة من كل فعل وإرادة وانطفأت مواطن القوة والروح فيها فتجردت من العزة والمهابة .

مشاركة