الجمعة، 24 يوليو، 2009

البنت اللى فى قلب " إبراهيم مصطفى "

بين يدى لشاعر العامية ، إبراهيم مصطفى ، ديوانان صادران له عن سلسلة " إشراقة " وهى سلسلة شهرية يعمل على تواصلها وانتظامها مجموعة من شباب الأدباء فى فاقوس بجهودهم الذاتية ، والديوان الأول للشاعر إبراهيم مصطفى " قلبى بينزف عشق " وكان العدد الأول فى إصدارات السلسلة عام 2006م ، أما الديوان الثانى " البنت اللى فى قلبك " فقد صدر عام 2007 م ، وكان الإصدار الحادى عشر لإشراقة التى نتمنى جميعا لها كل النجاح والإصرار والاستمرار كإحدى مساهمات الجهود الذاتية المشكورة من أجل كسر حاجز النشر وفى ظل ارتفاع تكاليفه .

وفى تقدمته للديوان الأول ، أهدى د . يسرى العزب - شاعرنا تحية ، مقرونة بالإعراب عن أمله الكبير ، فى اطراد خطوات الشاعر الفنية وتألقها ، وأزعم أن ذلك ما تحقق بالفعل وعلى نحو واضح فى الديوان موضوع هذه القراءة " البنت اللى فى قلبك " .

ويشتمل الديوان على سبع وعشرين قصيدة ، تتنوع ما بين العاطفى والوطنى والتواصل مع الأصدقاء وهو ما كان يعرف فى الأدب العربى بشعر " الإخوانيات " .

ويجمع القصائد خيط شعورى واضح وتظهر فيه الوحدة العضوية جلية بينة ، وهذا الخيط ، أو أقل الآصرة القوية هو بالتحديد ، عاطفة الحب ... الحب الذى ينبض به كيان الشاعر ويمتلىء به قلبه ، ليطرحه بكل دفء ومودة على عالمه وموضوعه .

فنحن مع تجارب الديوان ومواقفه بإزاء ذات شاعره محبة ، وموضوع معالج ومتناول بهذا الحب الكبير الذى ارتضاه الشاعر موقفا ثابتا ودواء ناجعا لإحباطات الذات ومواجها به عالمها الملتبس ذا الدروب المليئة بالأشواك ، والموصدة أبوابه بالأسئلة المربكة والظواهر المحيرة .
يقول الشاعر فى قصيدة " حلم السفن "

وراء كل باب / مصلوب بشر / بإيدين بشر / مرسوم / بلاد غير البلاد / مكتوب / وطن محبوس / فى أحلام السفر .

ويقول فى قصيدة " على سلم المترو " :

فايت محطات الحياة / النبض حابس / فى الوريد صوته / الليل بيعلن فى المدى سكوته / الليل يخاف / صفصاف ونايم م التعب / عل جسر ترعة / فى غيط لمون ناشف .

فالشاعر فى وطن محبوس ، مصلوب فيه بشر باّيادى بشر مثلهم ، وليل الوطن صامت مخيف ، ملىء بالرهبة ، والحياة تبدو شجرة صفصاف نائمة تعبا وإرهاقا على جسر ترعة راكدة فى غيط لمون سحب منه ماء الحياة فصار جافا يابسا .

إلا أن الشاعر ليس ممن أدركهم اليأس أو قتلهم الإحباط ، فهو يتشبث بالأمل حتى آخر لحظة ، وهو محب للحياة حتى آخر رمق :

الشهادة / على طرف اللسان حا انطقها / بس بتهيأ لى لسه فيه / مكان مفتوح / فى قلبى للحياة.

ويقول فى قصيدة " بدء الفطام " :

صارع خطاك / حدد مداك / استنشق الخوف اللى قاصد يسكنك / واحبسه فى آخر مغارة ... / خوف فى قلبك / الجرح عمره ما يهزم / الكامن فى روحك / من صمود / حاول تعود .

والكامن فى روح الشاعر ليس مجرد التشبث بالأمل فحسب ، ولكنه أيضا التحدى والإصرار وتحديد الهدف والمجالدة للوصول إليه .

يقول فى قصيدة " رديلى روحى باللقا " :

ومازالت مستنى النهار / يفرش على خدك / مباهج فرحتى / وف دنيتى الليل وطن .. / والشاعر المنسى / فى أيام الربيع / بيحن للفرحة وللأحلام / رغم إنه عارف / إن الربيع اللى فى عينكى / مالوش فى موال السفر ... والغربة .. والترحال .

إن الشاعر مفعم بالأمل ورغم أن دنياه غربة وليله دامس، إلا إنه يتحلى بالصبر الجميل فى انتظار نهار الوطن وهو يترقبه بالفرحة والأحلام .

والشاعر إذ يفتح القلب ويدع نهر الحب الزاخر فيه يجرى منسابا نحو الحبيبة ، فهو يفيض ليغمر الحبيبة التى يرى فى عينيها صورة الوطن وهو هنا يمزج الذاتى بالعام ، فى موقف الحب والعطاء :

أنا أول غريب يكتشف / فى عينيكى أوطانه / أول مسافر يعشق الترحال / قولى لكل الناس / أنا أول فؤاد بيهزه تنهيدك / أنا ساكن كرات الدم / فى وريدك / ما تسلميش للخوف ليالينا / الليل كتب / فى دفتر الأحلام أسامينا / وفى كفك الدنيا مواعدانى.

إن الشاعر وحده يحمل هموما ويعانى اغترابا تنوء بحمله الجبال وهو يود أن يكون البشر مثله مهتمين ، مشاركين فى عطاء الحب ، مانحين مثله ، من أهل الإيثار لا من ذوى الأثرة ، والشاعر المثقل بهمومه لا يحس به سوى المحبوبة التى لا ينفك أن يمنحها حبه فى أحلك لحظات الشدة :

قلبى فى قلب الهم / مين م البشر يهتم / غير الحبيبة / اللى فى عينها نيل / فايض فى ليلة/ ما اكتمل قمرى / أمرى ما بين اتنين / ضحكة مجنونة ونظرة عين / بتبص عين الحبيبة / ع الطريق البعيد / تايهة النجوم / فى زحمة المواعيد / تضحك حبيبتى / وابتسامتها / تشعل فى قلب البحر ثورتها / وتكعبل الموجة / فى رجل الشط .

هكذا الشاعر محبا ، وهكذا تظل صورة الوطن / الحبيبة ، الحبيبة / الوطن تراوح على مراّة القلب وحبه الكبير يسمو على الألم وهو عاصم له من الزلل حتى لو تراءت الحبيبة فاكهة شهية ، وماء زلالا ، يطفىء به حلقه الصادى :

فيها ايه لو جيت / ولقيت الباب مفتوح / فدخلت لقيتك ملط / ......

إنه لن يفقد طهارة حبه ، ولن يلوثه بالنزوة العاجلة الحمقاء فهو :

من آخر لحن رماه فى عيونه البحر / خباه لحبيبته / بعيد عن عين الناس / داخل قفص العصافير / اللى فى صدره / ويوميها طير كل العصافير / وساب عصفورة وحيدة / بتنزف فى براح الروح ....

فيها ايه لو جيت / ولقيت الباب مفتوح / فدخلت لقيتك ملط / .....

إنه بنبل القلب ، مصون ، وبسمو الحب معصوم ، وهو يقدم النفس والروح قرابين وفداء إذا ما مس الحبيبة السوء . يقول فى القصيدة العنوان " البنت اللى فى قلبك " :

قولت لها فى يوم / أنا ح اجى واخدك / لمدينة خيالاتى / ارتعشت / وعنيها اللى شبه الجنة / وبتلسع زى النار نزفت .

قفلت صمامات القلب عليها / ورفضت تخرج / فوقعت / وساعتها / لمحت ملايكة روحى / بتجرى / فكرتك جيت / قالوا لى يا ريت / دا ....

البنت ....

اللى ...

فى قلبك

بتموت ... فى الإنعاش .

ومن العاطفى الوطنى إلى حب الخلان والوفاء للأصدقاء والذكريات الجميلة مع الزملاء فى مكان العمل وغيره من المواطن ، وأبرز ما تتجلى هذه العواطف والذكريات الجميلة فى قصيدة " إلى أحمد رضا " ، وهو يهديها إلى هذا الصديق ، وأصدقائه فى مســـــــتشفى " زفتى " العام :

الضحكة الصافية / الدافية فى ليل أمشير/ الواد أبو قلب صغير / أحمد عبد البصير / والنظرة الخاينة فى ليل صاخب / الدنيا يا صاحبى / ما تساوى خيانة صاحب ... الضحكة الفرحانة على وش " سعاد " / تكشيرة فاتن / لما تكون محتاجة الكارت / الأرض الليل ... البحر ...

ضحكة " مها حمادة " / الضحكة اللى تعيش / علشانها بلاد ..

دهشة نظرة .. عين " إيمان عبد العال" / ضحكة " حورية " ... الضحكة المجنونة / اللى تصحى الميت / النخلة البكر السارحة / الطارحة فى قلب " منى النجار " / النسمة الرايقة فى عين " نسمة " / صوت " سارة " سعيد / القطر بعيد / والحزن مالوش مواعيد / والرحلة طويلة / قول يا " أحمد " / لجميع من سألوا علىّ / الشاعر لسه / بيزرع روحه بكفه / فى أرض غريبة / الشاعر لسه / بيرسم روحه بكفه / وفى صفه ألف ملاك .

إن القصيدة تبدو كرسالة حب ووفاء لكل الصديقات والأصدقاء والشاعر الدائم الترحال والغربة والتسيار ، مازال على الحب باقيا ولمعانى الوفاء وعهوده محافظا .

إن الحب ديدن شاعرنا وكما أشرنا فى أول القراءة ، موقفه الثابت الذى ارتضاه ، ودواؤه الناجع الذى شفاه ، وهو سراجه فى ليل الغربة ، وأمله فى حلكة اليأس ، وتفاؤله فى غمرة الإحباط ، ومتن الديوان النابض بقصائد الحب يؤكد مفتتح الشاعر الذى ولج به عتبات ديوانه فهو يقول فى كلمات موجزه واثقة متفائلة :

موجب ..

سالب

ناتج طرح القسمة

إن ما فيش إنسان

مغلوب على أمره

مشاركة