الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

محمد عبد الله الهادى ، متعة الحكى وفنية القص فى " امرأة وألف وجه "

" امرأة وألف وجه " هى المجموعة القصصية الرابعة للقاص الراوئى محمد عبد الله الهادى وذلك بعد روايتين قصيرتين وثلاث روايات طويلة ، ومسرحية من فصل واحد وكتاب فى المقال الأدبى المتنوع .

والمجموعة تقع فى مائة وثماني صفحة من المقطوع المتوسط ، أصدرها الكاتب عام 2006 م عن سلسلة " خيول أدبية " وهى سلسلة مخصصة لإبداعات أدباء الشرقية ، تصدرها المحافظة دعما للاستثمار الثقافى بالتنسيق مع ثقافة الشرقية .

تضم المجموعة ثلاثا وعشرين قصة قصيرة نضدها المؤلف تحت ثلاثة أقسام كنوع من التقسيم الموضوعى إلى جانب اعتبار حجم القصص فى كل قسم .

ويفتتح القسم الأول بقصة " البلغة " وهى بلغة المزارع الفقير " وصيفى " وبالرغم من كونها بالية ومهترئة حتى إنه كان يتعجل الخلاص منها وألقى بها فى الطين بمجرد اقتنائه بلغة جديدة إلا أنها كانت بلغة ذات شأن وخطر .

لقد كانت سببا فى شفاء العمدة " إدريس " من شلل الوجه الذى جعل شكله معوجا مشوها يثير الفزع والإشفاق معا ، ما أجبر العمدة على حبس نفسه رهين داره لا يبرحها ، فى الوقت الذى وقف فيه الطب والدجل معا عاجزين عن إبرائه من مرضه العضال .

معاناة العمدة وآلامه النفسية المبرحة جعلته يندم أشد الندم وأحره لاعنا كفه التى تطاولت وارتفعت ثم هوى بها لاطما وجه " أبو جريدة " ذلك الشيخ الدرويش ، فما كان من الشيخ إلا أن دعا عليه : " منك لله يا إدريس .. منك لله يا إدريس " .

لقد كانت سيرة العمدة " إدريس " على العكس تماما من سيرة أبيه العمدة " عبد العظيم " ، فقد كان عبد العظيم رجلا بارا بالناس ، محبا للفقراء والدراويش ، إلا إنه حرم نعمة الولد ، لكنه لم ييأس من رحمة الله وظل سائلا إياه الإنجاب ، ملحا فى الدعاء والزلفى حتى قيض الله له درويش القرية " أبو جريدة " الذى دعا له وضرب ظهر امرأته بجريدته فما كان إلا الحمل والإنجاب .
وكان " عبد العظيــــم " فى توق إلى إحياء سيرة جده " إدريس " أول من وطأت قدمــــــــه أرض " الجزيرة " فسمى المولود باسمه تيمنا ، وظل على عهده بالفقراء وتقريب الدراويش فى مجالسه خاصة الشيخ " أبو جريدة " الذى نسب الفلاحون إليه " إدريس " إعزازا وتقديرا فكان اسمه "إدريس أبو جريدة " وأصبح لصيقا به لا يفارقه .. وورث إدريس عبد العظيم إلا إنه لم ينهج سيرته ولم يقتف أثره بل صنف قصة مولده كضرب من ضروب الدجل والشعوذة وضاق باسم هذا الشيخ الذى أصبح وكأنه قدره ، خاصة وأن الشيخ كان كثير الزجر والمعارضة له واعتاد أن يناديه باسمه دون ألقاب، منبها إياه أمام الفلاحين ومحذرا : " حرام عليك يا أبو جريدة ... اتق الله فى ناسك يابنى " فلما ضاق إدريس بالشيخ ذرعا وأخذته العزة بالإثم فعل فعلته مع الشيخ ، وكان من الآثمين ، ورجع إدريس بعد الواقعة مغتما مقبوض النفس .

ويأتيه " أبو جريدة " فى نومه وسط كابوس مرعب يصرخ فيه :" يا كافر .. بطنك شبعت حرام " ويضربه بجريدته ويقبض وجهه بين كفيه عاصرا إياه بعنف ، ويهب إدريس من كابوسه مفزعا وقد أصابته لعنة الشيخ ، وبعد أن قنط من الطب والعلاج تيقن أن شفاءه عند الشيخ ، فبعث رجاله يجوبون أرجاء الجزيرة ويمشون فى مناكبها بحثا عنه إلا إنه كان فى إحدى سياحاته فى أرض الله الواسعة ، ولما عاد أتى إدريس وسأله عن سبب بحثه عنه فما كان من إدريس إلا أن ارتمى على قدميه طالبا مسامحته ، سائلا إياه نصيحة ناجعة لعلاجه . قال الشيخ : " طهر بدنك .. طهر روحــــك " ، ويستفسر منه إدريس عن الكيفية ، فيجيبه ويختفى ، وهنا يأتي الدور الخطير لبلغــــة " وصيفى " ، حين يبصره " بسطويسى " شيخ الخفراء وهو يلقى بها من طين مجاور بعد أن يرتدى بلغته الجديدة ، فينقض عليها بسطويسى مسرعا بها إلى سيده العمدة ، الذى أخذها وأغلق عليه باب حجرته وظل يهوى بها على وجهه وتلك كانت وصفة الشفاء .



قد يكون اختزال القصة على النحو السابق قاصرا ومخلا ، ذلك لأنه ليس هنالك أضر على الفن من التلخيص والاختزال، فجمال الفن ينبع فى كثير من الأحيان من صياغة التفصيلات الصغيرة واللماحات الإنسانية المضيئة ، كما أن تأثير الحدث وفعاليته إنما يكون أوقع حين يقدم مصورا ، ملتحما بالإنسان والمكان والزمان معا ، وقد عبر الكاتب بالأحداث عن عالم القرية وعن رؤيته لما يقع فيها .

ومن البراعة أن تكون نقطة البداية بسيطة ، شخصية ، محدودة وضيقة ، إلا أن الكاتب وهو يمتلك رؤيته وأدواته – ينطلق من حكاية البلغة التى استعارها وصيفى من مصيلحى ليربطها بتفاصيل منسوجة منها ، ويتتبع هذه التفاصيل مع تحليل لدواخل الشخصيات وطبيعة علاقاتها فى الجزيرة وكذلك تفسير ردود أفعالها وتحولاتها فبدت انتقالات " البلغة " مصعدة للأحداث ودرامية المواقف وفى خلال ذلك يستدعى الكاتب أحداثا سالفة قديمة مرتبطة ومفسرة ومنتجة للحدث الحاضر .

إن الكاتب المستوعب لتراثه الريفى يستثمر بنية الحكاية الشعبية المرتبطة بالمعتقدات ، ليصنع منها قصته ويسلط من خلالها أضواء الوعى الفنى على طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنتاجية السائدة فى الريف المصرى ، متخذا من " الجزيرة " مثالا ونموذجا .

وهو أيضا يضفى على " بلغة وصيفى " الفلاح المعدم الفقير طابعا أسطوريا وحين يخلق لها علاقة ما بالشيخ " أبو جريدة " يعمق هذا الطابع فتبدو مع جريدة الشيخ وكأنهما أشبه بعصا موسى .

خلال حركة البلغة وانتقالاتها يكشف الكاتب عن عوالم من المفارقة وعن طبقية صارخة واستغلال قاس للفلاحين الفقراء ونرى فى شخصية وصيفى التحول السريع من سرعة الاستثارة والغضب إلى الهدوء والسكينة بمجرد أن يصير فى حضن امراءته ، وسلوكيات " مصيلحى " الذى يمقت العمدة ويأكل لحمه فى غيبته فى الوقت الذى يسارع فيه لخدمته والعمل فى أرضه متطوعا بلا أجر ثم حيرة تصيب وصيفى من أهل قريته الكارهين لعمدتهم كراهية عمياء فى الوقت الذى لا يبادرون فيه بفعل شىء لردعه عن ظلمه وقسوته بهم .

إن البلغة الأسطورة الرمز تنجح فى صنع معادلة تجمع بين متعة الحكى وفنية القص .



فى قصة " ابنان من رحم الليل " ، تتفرق السبل بصديقين وزميلى مقعد دراسة واحد ، أحدهما خرج بعد دراسته الابتدائية للفلاحة والأرض ثم بعد سعى من أبيه عند العمدة ، يعمل خفيرا ، أما الآخر ، فقد انخرط فى عالم السرقة وصار شقيا كثير الهروب للمدن البعيدة والموالد الكبيرة يعود ثم يسرق ويقبض عليه ، وهكذا تباعا.. إلى أن جمعهما الليل ، الخفير واللص .

وتتعدد سرقات " عصفور " ابن الليل فى القرية ، إلا أنه من الغريب أن هذه السرقات لم تتم فى حصة صديقه القديم أو نوبات خفراته .. فى إحدى الليالى تفزع القرية على صوت ( أبو إسماعيل ) وزوجته وصراخهما يشق الظلام ، لقد اكتشفا سرقة الجاموسة الوحيدة التى يعتمدان عليها فى تسيير أمور حياتهما ، ويسرع الشاب الخفير وسط البستان الكثيف مطاردا صديقه القديم ، يطلق أعيرته النارية ، ويبهت إذ يجده أمامه جالسا يلهث والدماء تنزف من وجهه الشاحب ، وصرخات تتجاوب وتتقاطع مع صرخات أخرى من أماكن أخرى .. ينوى الخفير أن يصوب فوهة بندقيته لرأس عصفور فيخلص القرية من شروره وآثامه لكن عصفورا ينظر نحوه متحاملا على جذع شجرة ، مشيرا بكفه فى الظلام : " جاموسة أبو إسماعيل ... خذها الله يسترك .. رجعها له "

- تسرق جاموسة الرجل الطيب الفقير يا عديم الرحمة والإنسانية ؟

- أرجوك .. فى عرضك .. بحق العيش وزمالة العمر .. رجعها له .

يعود الخفير بالجاموسة ، يفكر فيما قاله عصفور " عيش وملح وزمالة عمر " ويخرج إليه أهل القرية الذين استيقظوا وأولهم أبو إسماعيل وزوجته ويستقبلونه استقبال الأبطال ، يعود متواريا عن الأعين صوب الشجيرات التى ترك عندها عصفور ، مازال ناقما عليه إلا أن عصفورا كان ينتظر مساعدته بلهفة ويناوله مفتاح بيته القريب من سور البستان فيأخذه ويحمل عصفورا وهو مثخن بجراحه ويشعل له مصباحه الغازى ويساعده على كره - فى تنظيف جروحه وتضميدها .

فى أثناء ذلك يحكى له عصفور عن رفاقه من اللصوص القدامى الذين عرضوا عليه مشاركتهم فى العملية القادمة لكنه رفض وبحاسة اللص الخبير يخرج ورائهم فيكتشف سرقتهم للجاموسة ويشتبك معهم فى معركة حامية كاد يقتل فيها لولا صراخ أبو إسماعيل عند اكتشافه السرقة .

يعود الصديق القديم وقد أدرك مغزى مقالة عصفور " عيش وملح وزمالة عمر " يكاد يصرخ فى قلب الليل : أن أفيقوا أهل قريتى ، ما أنا ببطل ، وما عصفور باللص الخسيس .. " يا أهل قريتى ، عصفور ابن الليل المثخن بالجراح هو الذى أعاد الجاموسة إلى صاحبها ، لم يسمعنى أحد من أهلي وناسى ، لم يسمعنى سوى أبينا الليل " . وتقوده قدماه إلى خارج المكان .. يقول : " تلفت يمينا ويسارا ، ثم غرست قامتى فى بحر العتمة "



فى القصة يبرز الليل بعتمته وغموضه مسرحا زمنيا مهيمنا على الأحداث وحركة الشخصيات .

فى الليل حيث الظلمة والخفاء ، تبرز حقائق جديرة بالكشف والنور والعلن ، لكن الأثرة والخوف على وضعية الذات تحجب الحقائق وهو ما جسدته قفلة القصة المصاغة بتصوير فنى رائع تداخلت فيه استعارة موحية بتشبيه بليغ يعتصر مغزاها مبرزا إياه خاصة وأنه مصاغ فى سياق اعترافى على لسان الأنا اللوامة .

فى قصة " جمل حمدان " ، يعانى حمدان الفلاح الأجير هجر زوجته " شلبية " له وهو الذى يحبها ويغسل فى أحضانها كدر همومه ورماد أحزانه ، يوسط بينها وبينه أهل الخير فترد بلسان قاطع : " رأسي وألف سيف ولا أرجع للجمل قليل الحيلة " ... يوضح الجمل لأهل الجزيرة سوء الأحوال وقلة الأعمال وشكاية حتى أصحاب الأملاك فما بالك به وهو الأجرى الفقير ، ينصحه البعض بان يوسط الشيخ تهامى ففى يده الحل ، فيأخذ الجمل رأسه بين كفيه وهو يجأر " باّه ه " طويلة ممطوطة بحرقة المضطر ويلفحهم لهيبها ، يضحكون بمكر العارفين بحكايته القديمة " صــ 86

يحمل الجمل كريكه على ظهره وبنفس شاردة وخطوات متعبة ، يتوجه صوب " مضيفة " الشيخ تهامى " الضلالى " كما يلقبه الجمل ، فقد استغل خطأه مع شلبية قبل زواجه بها وصفعه على وجهه موجها له أقذع الشتائم فيرد عليه الجمل بانكسار : " اللى انكسر يتصلح إن شاء الله " وهكذا يتزوج الجمل حبيبته شلبية ويلقى له الشيخ تهامى فى داره الفقيرة التى سيسكنها بمتاع قليل قديم وكان على الجمل أن يعمل مقابل ذلك فى أرض الشيخ عاما كاملا بلا اجر .

لقد كان الجمل عائدا من أحد مصافى الشيخ منفقا فيه جهده نهار يومه ، ويقابله الشيخ فى مضيفته مبتزا إياه مستغلا قلة حيلته :

" البنت رأسها ناشفة يا جمل . باين إنك زودتها هذه المرة "

" ويعرف الجمل أن الشيخ يكذب ليساومه على مصفى آخر يفنى فيه يوما آخر من أيام عمــره " صــ 94

تتقد نيران الجمل بين غضب على التهامى الاستغلالي وشوقه الجارف إلى شلبية وولديه اللذين اعتاد أن يحملهما على ظهره وهو يغنى :

" إدلع يا جمل .. جمل حمدان "

" إدلع يا جمل .. جمل حمدان "

يقسم الجمل على أن يأخذ شلبية من دار أبيها ولو عنوة ، وألا يعمل فى أرض الضلالى أو فى داره طالما يعيش على أرض الدنيا ، ويتوجه الى دار عيسى أبى شلبية وحين يراها جالسة أمام دار عيسى مقرفصة أمام " راكية " مشتعلة تدفع فيها الهواء بطرف ثوبها ازداد أواره والتهب شوقه إليها ووقف أمامها بخلقته البالية المحسورة عن فخذيه كاشفة سره وشوقه وهى تختلس النظر ببسمة أنثوية ماكرة استحالت رغما عنها إلى ضحكة وتشير نحوه :

" لم نفسك يا رجل " ، فينتبه ، غير متمالك نفسه من الضحك ويراه طفلاه فيحضنهما بساعديه ويغنى لهما أغنية الجمل ويعود بأهله إلى داره وسط ذهول الأب عيسى ويتعمد الجمل أن يتجه عصر اليوم التالى إلى فراندة دكان يتخذها الناس مجلسا ليعلن انتصاره أمام الناس على الشيخ تهامى الضلالى ويبهت الشيخ إذ يخبره الجمل بعودة شلبية ويسأله : ومن رجعها لك يا ولد ؟

فيقف حمدان وهو يشير لحيوانه بين فخذيه : " هذا يا عم الشيخ ".. ويتحول تهامى الى مضحكة وسط الناس .

وقصة الجمل يربط فيها الكاتب بين الجنس والحياة ويبرزه قانونا من قوانينها الإنسانية كغريزة وحشية مكتسحة .

ويحول فيها بطل القصة الفقير عديم الحيلة تحويلا مضادا ، فتحت ضغط القهر والاستغلال من جهة ، وحاجته الجنسية الماسة لزوجته من جهة أخرى ، ينتقل حمدان من السلبية إلى الفعل ومن العجز إلى الإرادة والتصرف .

وحركة شخوصه فيها بساطة وتلقائية وفيها نزوع برىء نحو الحياة بمعناها الأكثر بساطة ، يساهم فى ذلك الدلالة القوية للمكان البكر الناصع بما يجعل من سلوكهم ما يشبه قوة القانون الطبيعى الحتمى ، والسرد فى القصة يعكس خبرة بالأعمال الزراعية مثل :

حفر المصافى وتطهير القنوات وحرق الحشائش ونقل السماد وحش البرسيم وغيرها من الأعمال ، كما يخلق الحوار الحى المصور الذى يحيل الجملة الحوارية القصيرة وقد تكون عامية بسيطة إلى باطن الشخصية لتكشف عما فى أحشائها وطبيعة موقفها الذى تفرضه مصالحها .

وبصورة إجمالية ، فإن قصص القسم الأول لا تنبىء فقط عن حميمية وقوة ارتباط بالمكان حيث القرية مسرحا لهذه القصص ، بل ترصد المكان بملامحه ونكهته وروحه الخاصة ودوره الدلالى ، من حيث كونه كيانا قصصيا يمتلك حضوره الخاص ودوره الدرامى المتفاعل مع إنسانه الملتحم به .

وأخيرا تؤكد هذه المجموعة من القصص ، بتناولها الممعن فى واقعية ذات أبعاد إنسانية - أن واقع الريف المصرى لم يتغير كما كنا نعتقد او نرى على صفحات الجرائد وشاشات السينما والتليفزيون ، وأن امتلاك الفلاح للأرض وارتقاء حياته ، كان ومازال محض خرافات وأوهام .

أما قصص القسم الثانى فهى مجموعة من القصص المختزلة الصغار منها :

" شجيرات حب صغيرة " وهو يهيدها إلى روح ابن القرى " عبد الحكيم قاسم " وهى قصة تنحو نحو الفنتازيا ، تشيع فى النفس البهجة والجمال ، تتحدث عن الفتاة الصغيرة كوثر التى بهرت الأولاد فى سوق المدينة بجمالها الفتان وسحرها الأخاذ وهى القادمة من عزبة صغيرة بعيدة .

لم يصدق الأولاد الذين أذهلهم جمالها عن التوقف عن لعب الكرة- إن مثل هذا الجمال يمكن أن يأتى من احدي العزب البعيدة ..فى كل مرة كانت تأتى إلى السوق كان جمالها يداعب خيالاتهم ويرسم لهم أحلام المستقبل الملونة ، وحين كان السوق ينفض ، كانت تترك طيفها الرائع هناك يضفى سحره على المكان ، يتساءل الأولاد متى يكبرون ويصيرون رجالا؟ كلهم وقع أسيرا لسحر " كوثر " ، وكلهم كان يمنى النفس بها ، وكلهم كانوا يحيطون بها فى حلقه وكأنها احتفالية البهجة والجمال وقد رسموا على جباههم شجيرات ملونة ، ويكبر الأولاد وتكبر كوثر وتتزوج فى قريتها كأى فتاة ريفية أخرى ، ولم يسأل الأولاد لماذا مرت الأيام سريعة ومن تزوجت ولماذا كبروا هم ببطء ولماذا يتفرقون بعد أن يكبروا ؟

لم يسأل احد عن شيء من هذا أو ذاك ، لأن الجميع كانوا يتابعون كوثر أخرى من عزبة أخرى بعيدة وفقيرة وشجيرات حب صغيرة تنمو حولها وتحوطها .

إنها قصة شجيرات الحب الطفولى المفعم بالبراءة والمستثار بنوازع الفطرة حين تؤخذ بالجمال وتسبح فى بحر أحلامه وهى مهداة لعبد الحكيم قاسم عاشق ريفنا المصرى .

والقصة فيها اعتزاز واعتداد بهذا الريف يحاول بها الكاتب أن يزيل ماران على كنوز فتنته من قبح وكدر ، ويصقل إحدى مرايا الجمال فيه على المستويين المادى والمعنوى ، بعد أن تشوهت صورته وتبدلت أحواله بفعل الفقر وعلاقات إنسانية انحرفت فغابت معها القيم .

أما القسم الثالث ، فيضم حكايتين ينسجهما الكاتب مستوحيا تقاليد القص الخيالى العربى فى ألف ليلية وليلة ، القصة الأولى هى " صباح جديد على طائر ابيض صغير " والأخرى " صندوق الدنيا"

والأولى هى قصة البحث عن السلام والأمان فى عالم امتلأ بالكراهية والحروب ، أما الثانية فهى قصة العدالة المعذبة الغائبة حين تصير مطاردة منبوذة فى حين انه من المفترض أن يصير الظلم هو طريد العدالة ، لكن الظلم يسود فهو فقط القائل وهو القاضى والجلاد معا .

والقصتان تنبئان عن مقدرة حكائية ، واستيعاب لفتية الحكاية العربية واستطرداتها الممعنة فى عالم العجائب والخوارق وما يذخر به من خيال خصيب تستقطر منه الحكمة ، مسلطة أنوار وعيها على الواقع ، والخيال فيها يحلق على بسط الريح وجناح العنقاء ولكنهم وبالرغم من تحلقهم فى الأعالي فقد كانت رؤيتهم أكثر تبصرا ونفاذا .. تلك هى متعة الحكاية وفنية القصة عند كاتبنا محمد عبد الله الهادى الذى يقص ويحكى حريصا على أن يمنحنا فى آن - روح الشفاهية ولذتها وحرفية القص ووعيه .

مشاركة