الثلاثاء، 1 ديسمبر، 2009

الحروب الصليبية التي لم تنته بعد ...

1- عن المأزق الأمريكي في آسيا الإسلامية :

تتعرض إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى ضغوط شديدة سواء من اللوبي الصهيوني في مجلسي الشيوخ والنواب ، أو من المؤسسة العسكرية في البنتاجون ، لتكثيف وتعزيز الوجود الأمريكي في أفغانستان وزيادة ميزانيات الإنفاق العسكري الذي تتطلبه عملياتهم القذرة في آسيا الإسلامية والتي تشمل منطقة واسعة تأتي في مقدمتها أفغانستان وباكستان وإيران وبعض جمهوريات روسيا الإسلامية التي لم تنل استقلالها بعد بالرغم من استقلال سائر الجمهوريات بل وانضمام بعضها للإتحاد الأوروبي والبعض لحلف شمال الأطلنطي.

وقد دلت الأحداث الأخيرة على أن ثمة تغييرات طرأت على السياسة الأمريكية في التعامل مع الشأن الإسلامي الأسيوي ومنها :
إن زيادة عدد القوات العاملة في أفغانستان أمر له أولوية خاصة في ظل الهزائم الأخيرة المتوالية لقوات التحالف وإدراك كثير من الحكومات الغربية بعبثية الحرب في أفغانستان واتجاهها لسحب قواتها أو تخفيض عدد هذه القوات .
إخلاء الأمريكان للمنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان وترك مواقعها لقوات الجيش الباكستاني ، بعد تكبد الأمريكيين خسائر فادحة وصلت ذروتها في الشهور الثلاثة الأخيرة من هذا العام الجاري 2009م .

الدفع بالحكومة الباكستانية للدخول بقوة في حرب شاملة ضد طالبان في منطقة وزيرستان والضخ بملايين الدولارات لتمويل هذه الحرب للقضاء على طالبان الباكستانية ومن ثم إضعاف الذراع القوي لها في أفغانستان .
تجديد الثقة في نظام حامد كرازاي العميل بالرغم من تزويره الانتخابات الأخيرة وتصاعد الاتهامات ضد حكومته بالفساد والعجز عن حماية أمن البلاد .

تنشيط وتسخين المنطقة الحدودية بين باكستان وإيران والدفع بجماعات سنية معارضة للنظام الإيراني للتسلل فيما وراء الحدود الإيرانية والقيام بهجمات إرهابية وتخريبية مع تحريك عناصر محدودة من المعارضة الإيرانية التي خسرت في الانتخابات الأخيرة لزعزعة الاستقرار وإثارة القلاقل في الشارع الإيراني .

القيام بين الحين والآخر بشن هجمات جوية على المدنيين في كل من أفغانستان وباكستان وهي هجمات متعمدة يهدف بها الأمريكيون إثارة الرعب والفزع حتى يكف هؤلاء المدنيون عن دعمهم وتأييدهم لحركة طالبان ذات التأثير الكبير خاصة في الشارع الأفغاني.
الاتجاه على الاعتماد على العنصر الوطني بديلا عن المواجهة الأمريكية المباشرة لطالبان مع إثارة المزيد من بؤر الصراع المذهبية والقبلية واستغلال الخلافات السياسية.

والدور الأكبر موكول إلى الحكومتين الأفغانية والباكستانية أن يكفيا الأمريكيين مؤونة الخسائر الفادحة وأن تقوم الحكومات بهذا العبء ، أي ضرب الباكستاني بالباكستاني والأفغاني بالأفغاني وأيضا كلاهما بالإيراني وتظل المنطقة ساخنة تطحنها الصراعات المسلحة وتظل أفغانستان على سلم الأولويات الأمريكية والغربية .

2- الملف النووي الإيراني :

كتبت فيما سبق في هذا الباب ، عن الملف النووي الإيراني ، وكيف أن الولايات المتحدة ومن ورائها أوروبا المتعصبة تتخذه ذريعة للضغط على النظام الجمهوري الإسلامي في إيران ، سواء عن طريق مجلس الأمن ، أو عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكلها أدوات دبلوماسية توجهها مصالح الدول الكبرى ، وقلت : إن الإيرانيين أظهروا براعة فائقة في إدارة ملفهم النووي ، وأعطوا دروسا فائقة لدول العالم الثالث في كيفية التفاوض والكر والفر واللعب مع الكبار واستثمار متناقضات المجتمع الدولي وإظهار الندية الدبلوماسية والبراعة التفاوضية .

ومع كسب الإيرانيين الوقت ومضيهم في تطوير برنامجهم النووي ، فقد الأمريكيون وحلفاؤهم الغربيون صبرهم وعادوا لطبيعتهم العدوانية في التهديد والتلويح بالحصار وفرض العقوبات بعد أن دفعوا وكالة الطاقة لإصدار قرار يهاجم الإيرانيين ويتهمهم بعدم التعاون الكامل مع الوكالة ، في حين أن إيران سمحت لمفتشي الوكالة بتفقد مواقعها النووية ووافقوا بالفعل على صفقة تبادل اليورانيوم ولكن مع بعض التعديلات التي تضمن مصالح إيران وتنبئ عن عدم الثقة في نوايا الغرب ضدها ويرد الغرب المتربص بإيران وطموحها النووي برفض التعديلات الإيرانية ويمارسون الضغط على الروس لتأجيل تعهدات الأخيرين باستكمال تعاونهم النووي مع إيران .

وتواصل الأمة الإيرانية إصرارها على حقها في امتلاك الطاقة النووية وترد بنفس المستوى من الشدة والضغط ، بعدم التعاون مستقبلا مع الوكالة التي لم يستطع رئيسها المصري الدكتور محمد البرادعي أن يستغل أيامه الأخيرة فيها للإعلان عن موقف تاريخي كان يمكن أن يسجل لشخصه وللوكالة إذا لم يرضخ للضغوط الأمريكية .

كما ترد إيران أيضا بالإعلان عن إقامة عشرة مفاعلات جديدة وهو ما أثار غضب الغرب ، فعدم التعاون أو تقليصه مع الوكالة يعني أن الغرب لن يستطيع التجسس على نشاطات إيران النووية ومتابعة حجم تطويرها ، وإنشاء مفاعلات جديدة يعني ثبات الإيرانيين على مواقفهم ونيتهم المستقبلية في توسيع نشاطهم النووي خاصة في مجالات الاستخدام السلمي ، مما يؤدي إلى زيادة قدرات الإيرانيين ودعم القوة الذاتية الإيرانية التي هي جزء لا يتجزأ من قوة عالمها الإسلامي .

أما على المستوى العسكري فقد كان الرد الإيراني أيضا فاعلا وحاسما على المناورات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي استمرت أياما واتسمت بالشمول والاتساع ، والتدريب بصفة أساسية على توجيه ضربات سريعة لمنشآت إيران النووية وصد أي هجوم يمكن أن يكون متعدد الأطراف سواء من إيران أو حزب الله أو حتى حماس في غزة !!

لقد ردت إيران باستعراض قوي لإمكاناتها العسكرية والتدريب بصفة أساسية على صد أي هجوم محتمل على منشآتها النووية ، وتبدو المسألة صعبة جدا أمام الغرب إذ أنهم لا يتعاملون مع نخبة أو حكومة محدودة يمكن أن تباع في سوق النخاسة السياسية أو بورصات العمالة الدولية ، بل إنهم يتعاملون مع أمة بأكملها ، أمة عرفت طريقها وتبينت من نوايا عدوها ، أمة تثق في قدراتها وتتعامل بمنطق على مستوى عال من الوعي والواقعية ، منطق يفهمه الغرب جيدا ويحترمه .

وباختصار ودون استخدام مصطلحات دبلوماسية ، فإن الغرب واليهود يبذلون أقصى ما في وسعهم من طاقة ويلجأون إلى كل الوسائل المتاحة لضمان عدم حصول إيران على القنبلة الذرية التي ستمثل بالقطع عامل ردع هام في المنطقة ، ومعادلة توازن حيوية ومطلوبة خاصة إزاء قوة إسرائيل النووية وإمكاناتها العسكرية المتنامية .

وعلى العكس من الإيرانيين تماما يبدو السوريين مذعورين أمام طلب الوكالة المزيد من الإيضاحات حول موقع لنشاط نووي في الزور سبق وأن سوته طائرات إسرائيل الحربية بالأرض ، وعلى عادتهم كان رد الفعل السوري هو الشجب والإدانة وتكذيب لوجود أي نشاط نووي لديهم والسوريون يعتقدون أن مثل هذا الخوار والضعف يمكن أن يجلب لهم الأمن ويضمن لحكومتهم السلامة ، ولم تعتبر حكومة البعث السورية أن عمل إسرائيل هذا كان عملا عدوانيا من أعمال الحرب ، كذلك غيره من الضربات الإسرائيلية لسوريا ومن ثم فلم يتم الرد على هذه المهانة والإذلال رغم إدعاء البعث السوري الوريث في دمشق بأنهم ينتهجون المقاومة طريقا والرفض أسلوبا ، لكنها في الحقيقة مقاومة كلامية ورفضا هلاميا يستخدمه البعث السوري الوريث لابتزاز بعض الدول الخليجية ، في الوقت الذي يسعى فيه البعث الوريث لاسترضاء الأمريكان والإلحاح في عقد مفاوضات سلام مباشرة مع اليهود ، وهم في سبيل الرضا الأمريكي الحامي لنظامهم من الانهيار – على استعداد للتضحية بعلاقاتهم مع إيران وأيضا مع حزب الله في لبنان – فالبعث السوري الوريث لا مبدأ له ولا اعتبار إلا التواجد في السلطة وممارسة الفساد البعثي على أوسع نطاق ولأن سياسات البعث السوري أمريكية / صهيونية التوجه ، لذا فإن أمريكا حامية الحريات والديمقراطية كذبا وبهتانا تغض الطرف عن ممارسات هذا النظام الوحشية وأساليبه القمعية في سحق معارضيه .

3- جنون "الإسلاموفوبيا" الأوروبية :

ربما لا يعلم الكثيرون أن معظم الدول الأوروبية تقودها منذ أكثر من عقد من الزمان حكومات يمينية متطرفة ، وبعضها حليف لليهود والصهيونية العالمية وذات نزعات دينية متعصبة ضد الإسلام وأن هذه الحكومات تحشد كل قواها لمواجهة انتشاره في أوروبا بين المواطنين العاديين الذين لم تؤثر فيهم حملات الكراهية والتشويه والعداء السافر ، عداء تزداد وتيرته وتتصاعد كراهيته العمياء للإسلام لمجرد انتشاره وكسب أراض جديدة ، ومع نفاذ مشيئة الله في عباده وكلمته سبحانه الغالبة ، تسفر أوروبا عن وجهها المتعصب الكريه ، فنرى هذا الألماني المدفوع بالدعاية المضللة يقدم على قتل امرأة مصرية مسلمة مسالمة "مروة" شهيدة الحجاب ، وتصدر فرنسا الأعلى يهودية في أوروبا قوانين جائرة تمنع الحجاب وتحظر إقامة مدارس إسلامية مع قطع التمويل عن المدارس القائمة ، ثم تأتي سويسرا وتدفع برلمانها لإصدار تعديلات تشريعية تمنع بناء المآذن والقباب على المساجد فضلا عن عشرات المقالات والرسومات الكاريكاتورية في معظم الصحف والإصدارات التي تهاجم الإسلام وتسيء إلى رموزه في تعصب سافر وكراهية عمياء ، وبالرغم من كل هذا الحقد والتعصب الذي تتوارثه أوروبا منذ الحروب الصليبية فإن كثيرا من الحكومات والمنظمات الإسلامية لا زالت تصدق دعوات الحوار والتسامح وما زالت تنخدع بشعارات أوروبا الكاذبة حول حرية الأديان وحقوق الآخر وما زالت تتم لقاءات لرجال الدين من الطرفين للحوار الخادع والتفاهم الكاذب !!

فهل تكف حكوماتنا ومنظماتنا الأهلية والمدنية والإسلامية عن هذا التهافت وتلبية تلك الدعوات الخادعة المضللة وتتوقف عن إهدار الوقت والجهد بل والاتهام بالغباء إذ تنساق وراء هذه الدعوات والشعارات ؟

وهل تبدأ في حشد قواها وتسخير إمكاناتها لنصرة دين الله وإعلاء كلمته بدعم الدعوة في أوروبا وأن تقوم بواجباتها في حماية المسلمين والدفاع عن حقوقهم وصيانة مكاسبهم التي استطاعوا تحقيقها جيلا وراء جيل من المهاجرين الذين عاشوا وما زالوا يعيشون في بلاد تحاصرهم وتصادر على حريتهم وتشوه صورتهم وتستعدي مواطنيها عليهم ؟

وهل يبدأ المسلمون في الاستعداد لمواجهة حضارية شرسة بالعمل المنظم والإجراءات الواقعية الفعالة بدلا من عقد مؤتمرات للحوار الهدف منها التستر على انتهاكات حكومات أوروبا لحقوق الإنسان ، والتغطية على جرائمهم البشعة وممارسات حقدهم ضد الإسلام والمسلمين ؟

أم هل نسى قومي أن أوروبا اليوم هي أوروبا الأمس التي قادت طوال قرنين من زمان العصور الوسطى حملاتها الصليبية العمياء ؟

هل يعي قومي أن أوروبا خاصة تلك التي تحكمها جماعات اليمين المتطرف ، لا تقل حقدا وخطرا على المسلمين والإسلام من أوروبا الأمس ؟

يا ليت قومي يعلمون أن الحروب الصليبية لم تنته بعد .

مشاركة