السبت، 9 يناير، 2010

"هؤلاء علموني الحب" - دعوة إلى الصدق والشفافية

إن السرد يكشف لنا عن بعض جوانب تلك البيئة التي نما فيها الحب ونشأ ، إنها القرية المصرية الأصيلة قبل أن قبل أن تدهمها تعقيدات المدنية ، وُتغير عليها قيم التسليع والمادية ، وتخترق أسطح بيوتها أمواج العولمة العاتية .. إنها البيئة التي مارست حياتها في الأمس الذي غدا بعيداً – ببساطة – وألفة وتكافل اجتماعي وإنساني نادر .

"هؤلاء علموني الحب" هى المجموعة القصصية التاسعة ، للكاتب الكبير الأستاذ فتحي سلامة ، وقد صدرت عن الهيئة – المصرية العامة للكتاب عام 2009م ، ولكاتبنا الكبير إنتاج متعدد ، فله فضلاً عن ذلك حوالي أربعة عشر رواية وإحدى وثلاثين مسرحية ، وسبعة عشر دراسة ، وأما ما كتب عنه فلا يقل الآن عن ثمانية كتب .

وتضم المجموعة ثمانيى عشرقصة قصيرة ، يبدأ الكاتب بالمتوالية عنوان المجموعة "هؤلاء علموني الحب" وفيها يحكي الراوى بضمير المتكلم الجمع ، عن ذكريات حميمة دافئة في قريته الصغيرة التي نشأ فيها ، ربما من أهمها ، الحكاية عن أشخاص ، يعترف لهم بالجميل والفضل الكبير في تعليمه – وهو لم يشب عن طوق الطفولة بعد – دروس الحب الإنساني الخالص ، وكيف يكون .

إن الراوي يستدعي زمن الطفولة بصيغة المضارع الآنى ، ما يعكس حضوراً قوياً في وجدانه ، وذكريات لا تزال ماثلة حية في مخيلته – عن دروس لا ينساها ، تعلمها آنذاك عن الحب الصادق ... دروس تلقاها بالسلوك والممارسة ، لا بالعظات أو الأقوال المرسلة .

يمهد الكاتب حكايات المتوالية بتقديم سريع لشكل البيئة الخارجي وطبيعتها بتمهيد مُوحٍ ، فيقول : " قريتنا تحتضن فرع النيل المتجه إلى دمياط ، تتماسك البيوت الطينية مكونةً مربعات سمراء ، تتخللها شوارع ضيقة ، تتلوى الشوارع وتكثر بها المنحنيات ، وداخل البيوت يسكن أهلى ، في الشتاء يغطي البرسيم بخضرته اليافعة حقول القرية ، كما تغطي عيدانه المقطوعة المتناثرة أرض الشوارع وصحن الدار .. " المجموعة صـ 5 .
ثم سرعان ما يلج الراوي داخل هذه البيئة إلى صحن دارهم حيث " ينام أهلي في القاعة ويتربع الفرن الذي نستخدمه في صناعة "العيش" يبعث الدفئ في الغرفة التي نطلق عليها القاعة وفيها يحلو السمر في ليالي الشتاء ، نلتف حول جدنا يحكي لنا الحكايات ويصنع لنفسه القهوة" المجموعة صـ 5 .

إن السرد يكشف لنا عن بعض جوانب تلك البيئة التي نما فيها الحب ونشأ ، إنها القرية المصرية الأصيلة قبل أن قبل أن تدهمها تعقيدات المدنية ، وُتغير عليها قيم التسليع والمادية ، وتخترق أسطح بيوتها أمواج العولمة العاتية .. إنها البيئة التي مارست حياتها في الأمس الذي غدا بعيداً – ببساطة – وألفة وتكافل اجتماعي وإنساني نادر .

وفي قاعة المنزل حيث ليالي الشتاء الدافئة بحكايات الجد الآخذة بخيال الأطفال وألبابهم ، يتعلم الراوي أول دروس الحب .

لقد كان الجد يشترط على أحفاده بعد أن يسمعوا حكاياته ويستلقوا فيحضنه استعداداً للنوم – أن يقوموا ليصرفوا طيور البيت الداجنة إلى أعشاشها حماية لها من البرد ،ومع تكرار الأمر كل ليلة أصاب الأحفاد السأم وقرروا رفض تنفيذ الأمر ، فما كان من الجد إلا أن صاح فيهم ، آمرهم بحزم أن يخرجوا من القاعة الدافئة ويناموا في صحن الدار ، حيث البرد القارس ، يدهش الأحفاد مُبدين اعتراضهم فيبادرهم الجد بأول دروس الحب وهو أنه لا يليق بهم أن يخشوا على أنفسهم من البرد ويرضون بذلك لطيور أليفة تعجز أن تنطق بالشكوى ، يشعر الأحفاد بالخجل ويقومون على فورهم بتنفيذ أمر الجد .

وثاني دروس الحب ، تعلمها الراوي من "شخلول" مجذوب القرية ، لقد رآه الراوي رمزاً للعطاء في كل أحواله ، هذا المجذوب الذي ما إن يراه أطفال القرية حتى يتحلقوا حوله ، صائحين ومشاكسين إياه وأحياناً يلقون عليه سبابهم وحجارتهم الصغيرة في الوقت الذي كان يمد يده في مخلاته ثم يبسطها لهم بحبات الحلوى والسكر – يراه الراوي جالساً على حافة الجسر ، يُطعم قِطاً بفمه قطع الخبز المُبللة ، وبعدها يستلقي في نوم عميق ، يرى الراوي إمرآة تأتي لتضع بجوار شخلول طبقاً من طعام بجواره بعض النقود ، يقترب الراوي من شخلول ليضع بدوره كل مصروفه اليومي ، يسأل المرآة هل تعرفينه ؟ تجيبه : إذا أعطيت لا تسأل .. يقترب من شخلول وينظر إليه "كان يبتسم وهو نائم ، لم أر ملابسه المتسخة ، بل رأيتني أحبه" صـ9

أما درس الحب الثالث فقد تعلمه الراوى وهو شاب من زوجته ، لقد استشعر بعد مرور عشر سنوات من الزواج أنه يفتقد في حياته حرارة الحب ، ما يبحث عنه ليجده في فتاة ، تمنى أن يقضى عمره كله معها ، يأخذ حبها من بيته وزوجته ، تصبر الزوجة على نزوته وهجره لها الليالي والأيام الطوال وفي الوقت الذي كان يعب فيه من حلاوة الحب وروعته ، إذا بفتاته تتركه فجأة وتختفي من حياته دون إنذار سابق ، يلزم بيته حزيناً مكتئباً ، لم يجد من يواسيه ويمسح عنه أحزانه سوى زوجته التى فاجأته بمعرفتها قصة حبه ، يحاول أن يدافع عن نفسه ، تقاطعه الزوجة في ابتسامة حنان – لتعلمه درسها ، وهو أنه "في الحب الحقيقي دائماً مكان للاعتذار" .

والكاتب إذ يؤكد في مفتتح المتوالية على روح الجماعة المتماسكة بقوله (قريتنا) و (داخل البيوت يسكن أهلي) ، وإذ يروي عن أسمار الجد وحكاياته ، وإذ ينحو سرده إلى طرائق الحكى الشعبي ، وإذ يميل إلى بلغته إلى أسلوب لغوي تميزه البساطة واستخدام المفردات الشعبية ، فهو بذلك يعمد إلى وضعنا في أجواء الجماعة الشعبية وحكاياتها وبعض ما تستدعيه هذه الأجواء من قيم جمالية ودلالية ، قيم نحن بالفعل في أشد الحاجة إليها ، ربما بقليل من التأمل والوقفة مع النفس نصحح كثيراً من مفاهيمنا الخاطئة ، أو نعدل سلوكياتنا إزاء الآخر ، الآخر بمعناه الإنساني الواسع . ومن حكايات الجد إلى حكايات الجدة في قصة (عين السمكة) صـ48 وفيها تحكي الجدة لحفيدها عن الحب حين تجسد في حياتها الزوجية مع جده في صورة رائعة من صور المودة والوفاء .. تحكي الجدة للحفيد عن جلستهما اليومية – الحميمة عقب عصر كل يوم ، يرتشفان قهوتيهما بعد أن تضع الجدة أمامه طبقاً من البلح .. في كل مرة يسألها عن البلح تتدلل وتدعى نفاذه حتى تدفعه لتكرار السؤال والإلحاح في الطلب ، لقد كانت تحب منه ذلك ، ثم تأتيه به بعدها ، ويحكي لها الجد عن يومه الحافل بالأعمال ومشاغباته مع أقرانه من الشباب وزياراته للأهل والأخوان ، وهى تزداد إعجاباً به وزهواً ولمراعاته الواجب والأصول .

إلى أن يأتي عصر يوم يضع الجد القهوة ويطلب البلح ، لكن الجدة لا تعلم ما الذي منعها هذه المرة من ادعاء نفاذه والغريب في الأمر أن الجد لم يكرر الطلب .. يسيطر على الجدة شعور قابض من الخوف ، خاصة بعد أن تراه لأول مرة يحمل فنجان قهوته بيدين مرتعشتين ، ولأول مرة يترك مجلس العصر الحافل بحديثهما الحلو ومشاعرهما الفياضة ، ليرتدي جلبابه الصوفي ويخرج من الدار دون أن يلتفت .. إحساسٌ من الوحشة كان أشبه بنذير لرحيل الجد ، الذي خلفّ وراءه فراغاً في حياتها هائلاً ، والجدة لا تفتأ أن تملأ هذا الفراغ بالذكرى ولا تنفك كل يوم تحكي لأحفادها عن حياتهما وجلسة كل عصر وتشتكي لحفيدها أنها لم تعد تلك المرأة التي أحبها جده ، بل صارت عجوزاً ساخطة ، يرفض الحفيد هذا الحزن العميق الذي يملأ قلبها ، لأنه يحبه ويؤكد لها أنه وسائر أحفادها يعلمون كم كان الجد متعلقاً بها وكانوا يلاحظون حبهما الرائع .. إنها عيون السمك المفتوحة على سيرة من الحب والوفاء .

وقصة "عين السمكة" تدور في فلك المتوالية مفتتح المجموعة ، حكاية وسرداً وأسلوباً وبالتالي كان من الممكن أن تلحق بالمتوالية أو على الأقل تأتي في الترتيب الموضوعي بعدها .

ومن عالم الحكاية إلى إشكاليات الفرد وأزماته المعاصرة التي يعالجها السرد بأدوات قصصية مغايرة ، كما في قصص : "اللافتة" ، "لماذا لا يتكلم الرجل الآخر " ، "أودعكم وأنا أبتسم" و "نوى المشمش" .

وفي هذه القصص نجد أنفسنا أمام نماذج أو أنماط شخصية تنتابها حالات مزاجية أو انفعالية متباينة وأحياناً عبثية أو طفولية ، شخوصٌ تمتاح من الأحلام والكوابيس وتنطق أحياناً بالهذيان واللاوعي .

ففي قصة "اللافتة" تطالعنا بداية ، تلك المفارقة المتجلية بين دال العنوان ومدلوله ، فمعروف عن اللافتات أو الإعلانات أنها قد تصير علامات على أماكن أو تكون مصادر اهتداء ، لكن القصة تجعل منها موضوعاً للتيه والتشتت ، على المستويين المادي والعقلي ، فالرجل الذي جهد على مدار أسبوع من العمل الشاق في صنع اللافتة وتثبيتها جيداً بجوار المبنى الذي يسكن فيه ، يصاب بدهشة تصل إلى حد الصدمة حين يصبح فلا يجد لافتته في مكانها بل يجد فراغاً :

إن اللافتة التي يعتز بإنجازها اختفت !!

يسرع الرجل إلى داخل المبنى .. إن مطلع المدخل غير معهود له ، لا بد أنه دخل المبنى الخاطئ ، يذهب إلى مبنى بشارع آخر يكتشف أن المبنى في ذاك الشارع أيضاً ليس المبنى الذي يسكنه ، فمبناه ، محاط بسور خارجي ، يقرر الرجل أن يترك قدميه تقودانه إلى منزله ، ، فالأمر يحدث هكذا كل يوم بصورة آلية ، يشعر برعدة البرودة تهاجمه مصحوبة بإعياء ثقيل ، يبرره بالإرهاق ، يقرر أن يتذكر كل شئ ، لكن ألماً في ظهره و بطنه يؤلمه ، يتجاهل الأمر و يقفز قفزات في الهواء يستعيد بها نشاطه ، يعاود سيره محافظاً على دفع قدميه في ثبات ، يُحصى عدد البلاطات التي قطعتها قدمه لمدة دقيقة واحدة ، يغريه العدد بالمزيد ، يُغذى السير ، يستشعر شيئاً من الراحة ينسى أمر اللافتة ، جعل يحسب عدد البلاطات التي يمكن أن يقطعها إذا ما ظل سائراً لمدة مائة ساعة !!

إن الحالة / القصة تتوق إلى الدفء و القرار و السلام مع النفس في "رمزية" بحثها عن المنزل ، و لكن الشخص الذي لا يعلمنا السرد شيئاً من ظروفه أو حياته اللهم إلا الشعور بالنسيان و الإرهاق ، نعلم جيداً أن لافتته ضاعت و ضاع معها منزله أي شعوره بالسلام و الأمان ، فما كان إلا أن فقد توازنه و دخل في دروب المتاهة .. إن ضياع الجهد و الإنجاز يعني حياةً من العبث و اللاجدوى .

و تنتمي قصة " لماذا لا يتكلم الرجل الآخر" إلى أجواء "اللافتة " لكن هذه المرة ليس شخصاً واحداً تائهاً و إنما بضعة شخوص ، يجدون أنفسهم مدعوين إلى مجلس ، يأتي إلى المجلس رجل يهم بالحديث إلى القوم ، لكنه ينصرف فجأة دون أن يتكلم .. يتوجه " عم محمود " إلى الشخوص باللوم و الزجر الشديد بسبب انصراف الرجل فلو تكلم لانتهت المشكلة ، يفشل الشخوص تماماً في تذكر أين قابلوا ذلك الرجل ، لكنهم لا يجدون إجابة ، بل هي محض أوهام .. يتساءلون عن المشكلة و لماذا حضروا المجلس أصلاً ؟ و من وجه إليهم الدعوة ؟ لكنهم يعجزون تماماً في الوقت الذي يؤكد لهم عم محمود أنهم سبب الأزمة و لكنهم لا يشعرون . يستسلمون للأمر الكائن ، تشابكت أيديهم وسط دائرة من القوم ، تقدموا .. تأخروا ، خلعوا قمصانهم و سراويلهم ، نهرهم عم محمود ، حاول أحدهم أن يخترق دائرة الحصار المضروب ، رده رجال ملثمون إلى الدائرة مرة أخرى .. بعد ساعات طوال من الحصار و الجوع ، أخبروهم بصدور حكم الإعدام و أنه سينفذ فجر اليوم التالي .. ربما يأتي .. إنهم لم يعودوا يأبهون .. إن القصة لا تسمى الشخوص و إنما تؤكد على رمزيتهم كحالة ، لكنها هذه المرة جماعية ، فالمتحدثون متهمون بلا تهمة ، و الرجل الذي انصرف و لم يتكلم مجرد وهمّ ، وهمّ ، تأسست عليه ذريعة استدعائهم و حصارهم .. ،هم أشبه بأصحاب الأتوبيس لا ناقة لهم و لا جمل ، إنهم في كل الأحوال ضحايا و قرابين ، لأنه قد تقرر أن يكون هنالك ضحايا و قرابين !

و من حالة " المتهمين بلا تهمة " إلى حالة تودع العالم بأساً و إحباطاً بعد فقدانها الثقة في الآخر و في عقد إجتماعي إنحلت عراه و انفرط عقده و الحالة في القصة تسرد مأساتها و مآسي الأصدقاء الذين تهاوت أسرهم و انحرف بعض أبنائهم ، فها هو يزور أحد هؤلاء الأصدقاء في مشفى للأمراض العقلية ، لقد قتل زوجته مهووساً بحبها ، وهو يتحدث مبدياً ارتياحه و قناعته أنه لم يقتلها فهي دائماً معه لا تفارقه لقد غاب عقله و سكنت صورة الزوجة كيانه ، فكيف يتهم بقتلها ؟ أما الراوي فزوجته التي يحبها و قضى أجمل ذكرياته معها – تلح عليه في طلب الطلاق بلا سبب ، و هو يحاول استرضائها بكل السبل دون جدوى ، و من جانب آخر ، يسمع عن المرأة التي أراد أن تختبر إخلاص زوجها و حبه لها ، فتطلب منه الطلاق على محمل الهزل متوقعة أن يبدي صدمته ، لكن الزوج يأخذ الأمر على مجمل الجد و يسارع بتطليقها على الفور ، فتقسم المرأة أنها سوف تكيد له و تتزوج من " سيد سيده " .

إن مأساة الراوي تزداد و تتفاقم مع توالي إحباطات الآخرين ، يناجي ابنه معتذراً له بعجزه عن احتوائه بين أحضانه ، مشفقاً عليه من شرنقة الألم والوحدة ، الاضطراب يملأه و العقل تغطيه الغيوم ، و ها هو يودع العالم مبتسماً ، إنها ابتسامة السخرية و المرارة من بعض عبثيات اللامنطق الذي يسود حياتنا .

و مدخل القصة يحاول أن يثير في القارئ التشويق و الفضول حين تبدأ القصة بعبارة على لسان الراوي الذي يسأل : هل تذكرون الرجل الذي قتل زوجته ؟ والعبارة المدخل و إن كانت مصاغة بأسلوب إنشائي غرضه الاستفهام إلا أنها تتضمن وظيفة سردية ، إذ أنها تنبئ عن بدء عملية سردية من الحكي و الإخبار ، و لذا سرعان ما نجد السرد بعدها يتدفق ليعقبه حوار بارع بين الراوي و صديقة بالمستشفى ، يكشف لنا عن اضطراب شخصية الصديق و معاناته الخلط و تداخل الأزمنة و الأمكنة ، في نفس الوقت الذي يكشف فيه بوح الراوي عن معاناته هو أيضاً شيئاً من الاضطراب و فقد الثقة بالنفس و تزداد هذه العوارض مع الراوي كلما ألحت الزوجة على طلبها ليكبر إحساسه بفقدها شيئاً فشيئاً ، و تبدو عملية البوح للراوي مفعمة بروح السخرية المريرة تعبر عنها بعض العبارات التعريضية مثل قوله : " و قادني رجل رث الثياب إلى عنبر متسع، مكتظ بالأسّرة التي كانت في يوم من الأيام بيضاء " ، أو قوله : " هل زمن الرجال ذهب ؟ ذهب يا عم نجيب ؟ أين " سي السيد " أين هيبة الرجال ؟ ، إلا أن بعض العبارات تتجاوز أحياناً التعبيرية إلى التقريرية ، مثل قول الراوي : " تنازلا هما الاثنان عن السيادة ، لم يعودا إلى عصر الكرامة ، دخلا عصر الطعام الجاهز و العلاقة السريعة و الأعصاب المفلوته و ضاعت هيبة فرويد و أرسطو و أفلاطون ، كما ضاعت الكلمات التي قبلت و التي كانت تقال " المجموعة ص 34 " .

و نأتي إلى قصة " نوى المشمش " ، فقد بدت سطورها الأولى تناسب في رقة و هدوء ناعم ، لكنه الهدوء المنذر بالعاصفة ، فحين أوشكت السطور أن تشكل مشهداً يضع فيه الزوج أمام زوجته طبقاً مزخرفاً فيه حبات من ثمار المشمش ، سرعان ما يكتشف القارئ أنهما في جلسة مواجهة و مصارحة ، يعلو إيقاع الجلسة شيئاً فشيئاً حتى تصل بهما إلى الصدام ، وبين المواجهة والصدام تنتاب الزوجين مشاعر و انفعالات شتى من الحنو والقسوة التنازل و الكبرياء ، التردد والحسم ، الكراهية والحب ، ما يفضي بعنصر الصراع في القصة لأن يلعب دور البطولة .

لقد كان الصراع يعتمل و يشتد احتداما و قد ترجمه بوضوح سلوك كل من الزوجين في الأفعال و ردود الأفعال التي وصل وضعها إلى العنف و بالرغم من حدية الموقف إلا أن الشخصين لم يصدر عن أي منهما كلمة واحدة ، لقد كان الداخل بما يموج به من مونولوج هو محل ذلك الصراع و يبرع الراوي الغائب الكاشف لبواطن كل من الشخصين في سرد وقائعه بتدرج و تصاعد واصلاً به إلى نقطة الانفجار ، و هو يحرص كراوِ على إبراز جانبيه الباطني المعتمل و الظاهري المتشنج في توازن محكم و دقيق ، و يزيد الحدث تأثيراً توسله بمعادل موضوعي و فني يعمقه و يثري دلالته و كان هذا المعادل " ستارة " نافذة الحجرة التي تواجه فيها الزوجان ، و بانخلاع الستارة و تمزقها كأثر من آثار عنف المواجهة و ما خلفته من حطام ، تنتهي القصة بتصدع حياتهما الزوجية و تحطمها .

لقد تردد لفظ " الستارة " الدال في القصة أكثر من عشرين مرة فقد واكبت الحدث بدءاً و انتهاءاً " تراجع القصة ص 54 " إن محورية عنصر الصراع في القصة و إثراء الحدث بمعادل موضوعي مواز ثم تلك النهاية الموفقة تجعل من القصة نموذجاً فنياً مؤثراً يترك لدى القارئ انطباعاً قوياً .. انطباع يعود به إلى عنوان القصة " نوى المشمش " ، فحياة الزوجين لم يتبق منها سوى طعم النوى المر و ليس مذاق ثماره الحلوة .

و من قصص المجموعة ذات التميز أيضاً ، قصة " الخروج من الدائرة " و فضلاً عن إيحاء العنوان ، فإن شكل القصة أيضاً جاء في صورة دوائر تشكل كل دائرة منها سيناريو علاقة إنسانية ، و تتصل علاقة كل دائرة بالأخرى عن طريق التماس بين هذه الدوائر . في الدائرة الأولى نبصر فتى و فتاة في مشهد رومانسي حالم ، و في الثانية تودع امرأة زوجها " برعي " بصيحات ناقمة ساخرة و هو يخرج متجهاً إلى مكتب المحاماة الذي يعمل فيه لدى الأستاذ " عزت " إلا أن برعي يتجه أولاً إلى محطة الأتوبيس و هو في حالة من القلق ، لقد تأخرت ابنته عن العودة .

و يأتي مشهد الدائرة الثالثة في مكتب الأستاذ عزت ، تدخل عليه سكرتيرته النشيطة الواثقة " هدى " مشغول هو بالتفكير في طريقة لصبغ شعره ، لا يمنعه ذلك من اختلاس نظرة إلى صدر هدى النافر ، سأل عن برعي العامل ، تخرج هدى و يعود بنا سيناريو الدائرة الرابعة إلى الفتى والفتاة و هما يتحاوران عن مشروع زواج مستحيل التحقق إذ ينشب الفقر في حياتهما بأظافره وأنيابه القاسية ، ينتهي اللقاء بالفتاة هاربة باكية و بالفتى يقف شارداً أمام حلمه الغارق في ماء النيل . وعودة إلى مكتب عزة المحامي الذي يكرر سؤاله عن برعي متذكراً حديثاً لبرعي معه عن ابنته الموهوبة التي تخرجت في الجامعة بتفوق . يحضر برعي معتذراً عن التأخير ، يسأله عزت : هل تزوجت الفتاة ؟ يجيبه برعي بالنفي في دهشة من مفاجأة السؤال .. يتقدم عزت من برعي خطوتين و يطلب يد الفتاة مع ذهول السكرتيرة الواثقة الحسناء .

إن الدائرة التي كانت تحكم السكرتيرة هدى ضربها على الأستاذ و مكتبة تم اختراقها حين ألقى عزت بقنبلته وترتب على ذلك خروج ابنة برعي من دائرة فتاها الذي أعجزه الفقر إلى دائرة الأستاذ الذي يفكر في طريقة لصبغ شعره .

إننا مع مجموعة قصصية يشغلها البحث عن الحميمة و الثقة و علاقات الحب الخالص بلا أثره أو غرض وأكثرها لا تعدم فيها روح الحكاية بدفئها المعهود ، و اللغة فيها تتدفق في سهولة وسلاسة ، مستعينة أحياناً باللفظ اللهجي الفصيح و بعض مواضع السرد فيها تصل إلى شعرية الأداء خاصة في المناطق عميقة الوجدانية ، و بعض مواضع السرد تحن إلى الكتابة المسجوعة كما في قصة " الخروج من الدائرة ص 83 " و قصة " لا تنظر إلى القمر " ص 68 و هو توق يشير إلى تعلق الكاتب بموروثه الأصيل من فنون القص العربي و إلهاماته المتجددة .



مشاركة