الجمعة، 22 يناير 2010

حول مؤتمر مثقفى مصر وقضاياه " نقد الثقافة " الرهان على المستقبل " نحو خطاب ثقافي جديد

في القلب من تلك المسألة الحيوية ، و أعني بها قضية الإصلاح الثقافي التي تتقدم كطليعة ، و تبادر ممهدة للإصلاح الشامل ، و في توقيت مطلوب ، أحب أن أشير وأعرض لكتابين هامين فى هذا الصدد وحول هذه المسألة الهامة وهما كتابا : " نقد الثقافة " للأستاذ الراحل سامي خشبة ، و " الرهان على المستقبل " للدكتور جابر عصفور ، والكتابان يطرحان ماله صلة حميمة و مباشرة بهموم و قضايا الإصلاح الثقافي و تجديد الفكر العربي ، خاصة و أن كلاً من الرجلين كان أحدهما ( سامى خشبة ) ، ومازال الآخر ( د . جابر عصفور ) - في خضم العمل الثقافي مسئولية و مشاركة و إدارة ، و كلاهما معروف في الأوساط الثقافية و الأدبية بالجهد الواضح في الإنجاز النقدي الأدبي و الفكري ، و كلاهما صاحب سعي دءوب لدفع العمل الثقافي و تأكيد قيم التعددية و الاستنارة ، و احترام حق الاختلاف و الاجتهاد في إطار من الفعالية الثقافية الخلاقة و بأساليب الحوار الأكثر تهذيباً و تحضراً .

و أحسب أن الكتابين بما ناقشا من قضايا و ظواهر في حياتنا الفكرية و الأدبية ، و ما تضمناه من قراءة واعية للوضع الثقافي العربي الراهن ، و ما ميز منهجهما من نزعة نقدية بناءة - أحسبهما بهذا جهدين مشكورين يمكن أن يثريا النقاش حول قضايا الإصلاح ، و يقودا بدورها إلى طرح العديد من الاقتراحات و البدائل .

و من واقع قناعتي بأن الإصلاح أفعال و ممارسات ، و أنه تعبير عن نوايا مخلصة و جادة ، و لا يمكن أن نؤمن به ، و نتعامل معه إلا من خلال إرادة و إصرار حقيقيين على التغيير و التحديث ، و السعي إليهما بكل قوة ، من هذا المنطق أحاول أن أقف بالقارئ و المتابع لقضايا وسائل الإصلاح على أهم ما ورد في الكتابين أو هاتين المشاركتين من قضايا و ظواهر و أهمها .

1. أولويات الثقافة و ضروراتها :

يتفق كل من جابر عصفور في " رهانه على المستقبل " و سامي خشبة في " نقده للثقافة " ، على أن الفارق الحاسم بين التقدم و التخلف يبدأ من الثقافة ، و يتركز حول إمكانات النقد الإيجابي الذي يزدهر به الوعي الثقافي العام ، و يتأسس به حضور هذا الوعي الفاعل في حياتنا ، ذلك الحضور الذي يسمح بالمبادرة الفردية ، و يشجع على التجريب و المغامرة الإبداعية ، و يقبل المغايرة و المعارضة بوصفهما الوضع الطبيعي لثقافة تزخم و تثرى بالحوار الذي هو علامة التنوع و التسامح

2. الإصلاح التعليمي و الدخول في معترك الثورة المعلوماتية :

و يرى المؤلفان أن نقطة الانطلاق الأساسية ، و علامته الهامة الموجبة إنما تبدأ من التنشئة و التكوين حيث التغيير الجذري لكثير من المفاهيم الأسرية و المجتمعية من جانب ، و المؤسسات التعليمية إصلاحاً و تطويراً من جانب آخر ، مع التأكيد على التفاعل مع آفاق الثورة المعلوماتية و إنجازات الانفجار المعرفي ، وضرورة التماشي معهما ، من واقع رؤية علمية و مستقبلية لعديد من خبرائنا في مجال المعرفة و المعلوماتية و منهم : الدكتور إسماعيل سراج الدين و الدكتور نبيل علي ، اللذين يؤكدان ، على سرعة التحرك لملاحقة هذه الإنجازات ، و يحذران بقوة من أن التأخير سوف يبعدنا كثيراً و يزيد من الفجوة المعلوماتية بيننا و بين ميادين التقدم العلمي المزدهرة و محافل العطاء الثقافي الصاخبة ، و ساحات التقدم التكنولوجي المائجة بالحركة و النشاط في العالم من حولنا ، و أنه لابد من تفاعل ضروري مع نقلة كيفية هائلة ، تتم الآن في تكنولوجيا المعلومات ، من المقرر كما يؤكد الخبيران استخدامهما خلال مدة وجيزة .
و من التصورات المطروحة في هذا الصدد : أن تكون مكتبة الإسكندرية كما يقترح سامي خشبة – مركزاً للاتصال و الربط في مجالات البحث العلمي و الدراسات الإنسانية و المستقبلية بين مؤسساتنا التعليمية في مصر و العالم العربي ، و بين نظائرها في سائر العالم و هي خطوة نحو المشاركة في إنتاج و صناعة المعرفة ، و مبادرة للتواصل يمكن أن تتم على مستويات عدة لمراكز و مؤسسات البحث العلمي .

3. مدارات الإصلاح فضاء متصل و علاقات عضوية :

يؤكد د. جابر عصفور بأن الخطاب الثقافي الجديد ، إنما ينتج عن لغات متعددة للممارسات الفكرية المتحاورة و المتجاوبة بما يضيف إلى حضارة الأمة و يدفعها إلى التقدم ، و لا يمكن لهذا الخطاب أن ينبثق في فضاء مطلق بلا متغيرات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و فكرية عميقة و ملموسة تعمل على سرعة تولده و إفرازه و زيادة تأصله و رسوخه ... من هنا تبدو المراجعة الجذرية لجميع أوجه حياتنا و ممارستنا و أنظمتنا شرط أولي و بداية حقيقية للإصلاح .. مراجعة لكافة نظمنا التعليمية و التثقيفية و الإعلامية و الأمنية و التشريعية في موازاة أوضاعنا الاقتصادية و الاجتماعية ، فأصل العلل أشمل من أن يرجع إلى سبب واحد ، و أعقد من أن تبرأ منه الأمة بأبسط أنواع الدواء .

و من هنا فإن الواقع الاقتصادي الكئيب المختنق بأزماته و تداعيات مشكلاته يفرض حتمية الإصلاح و التغيير ، حيث أن الأزمات الاقتصادية تؤدي إلى تزايد معدلات الفقر ، وعدم العدل في توزيع الثروات الوطنية ، والانفجارات السكانية ، وانحسار معدلات التنمية الشاملة ، بما يتسارع بإيقاع التخلف وتزايد تجمعات وعشوائيات العواصم التي تزخر بالمهمشين الواقعين لا محالة فرائس للفقر والمرض والجهل وهي الأسباب الرئيسية لتولد التطرف والعنف ، كل ذلك لا ينفصل عن احتمالات الفساد السياسي التي لابد أن تطوي عليها أبنية الأجهزة القائمة على مركزية الرئيس لكل جهاز ، الذي يفهم في كل شئ ، ويفتي في كل شئ ، ويرجع إليه في كل شئ ، كأنه الوجه الآخر من الإمام الأصولي ، في مدار مغلق من النسق السياسي السائد الذي لا يعترف عملياً بحق الاختلاف ولا يؤمن بالتعددية .

وفي تشخيص دقيق لبعض أسباب الخلل في النظام التعليمي يفسر د . جابر عصفور خلل الأجهزة التعليمية بأنه وجه آخر لخلل الأنظمة الإعلامية والتثقيفية التي لا تخلو من مركزية الصوت الواحد ، والشخص الواحد ، والرأى الواحد وتتدعم بالتلقين أكثر من الاجتهاد ، وتحرص على الدعاية وتغييب الوعى أكثر من إنارته وجعله وعياً خلاقاً ، ولا تفارق الخوف من التجديد والتجريب ، بل لا تكف عن استفزاز المحرومين من الأغلبية الصامتة للشعب ، كما يدعو المؤلف إلى ملاحقة الفساد السياسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى فقدان الثقة في الدولة ، وضياع الآمل في الحق والعدل ، وبالتالي تغلغله وانتشاره ، مما يؤدي إلى تزايد إحساس الشرفاء بالغربة المكانية والانطواء على الإحباط ، وضعف الانتماء الذي يؤدي إلى ظهور أشكال وممارسات عديدة للتراخي واللامبالاة والعصيان المدني ، أشدها عنفاً ممارسات التطرف وسلوكيات الإرهاب .

4- سلبيات الثقافة العربية وعنف خطاب المثقفين :

ويأتي نقد جابر عصفور لسلبيات الوضع الثقافي الراهن أكثر صراحة وأشد حدة من منطلق مسائلة الذات والمراجعة الموضوعية لمجمل أحوال الوضع الثقافي المتردي أخلاقياً ... إنه يأتي مناخاً فاسداً وغير صحي على الإطلاق ولا يمكن أن يؤدي أي إصلاح تجنى ثماره وتُحصد نتائجه دون التصدي لمثل هذه الظواهر والسلوكيات السلبية المتمثلة فيما يلي :

· رفض الآخر وإنكار حق الاختلاف وعدم الاعتراف بحق الاجتهاد والخطأ .

· عدم وجود أسس ديمقراطية تسمح بالتعددية الحقيقية .

· رفع رايات الحوار ورفض شروطه والإعلان عن حق الاختلاف مع عدم السماح بوجوده .

· ارتداء أقنعة القطرية والإقليمية بما ينفي التعددية الحوارية المتفاعلة ويكرس لتعدد المراكز المتصارعة ، المتسلطة .

· تبدى هذه الظواهر الثقافية في حواريات فضائيات العواصم العربية في ظاهرة شديدة السلبية تدعو إلى الأسف على ما آلت إليه أوضاع الثقافة العربية .

· عمليات مزدوجة ، تعتمد في جانبها الأول على الترويض والتدجين والتطويع وفي جانبها الآخر على التهميش والإزاحة والقتل المعنوي والمادي .

· سوء الظن بين المثقفين بالآخر وفي الآخر .

· التشكيك في كل اجتهاد مغاير أو تجريب مخالف .

· التراشق بالاتهامات والمبارزة بتبادل النعوت والصفات السالبة ، المشوهة لكل رمز ومعنى وإيحاء .

· جلسات المثقفين التي تحولت إلى جلسات للنميمة وتبادل الاتهامات .

· غياب القضايا الكبيرة عن حوارات المثقفين .

ومجمل القول ، فقد تحول المشهد الثقافي إلى ساحة من ساحات العنف وصار مادة رائجة لصحافة الفضائح الثقافية ، وللأسف فإن الدوافع والمنطلقات لهذا المشهد الدرامي كلها جائرة وضيقة وغير موضوعية ، فهي إما طلباً لشهرة أو ابتزاز أواغتصابا لمغنم أو انتقاما من خصم أو إغاظة لصديق في نوبة غضب ، وهنا أتذكر بدوري قول الله الحكيم : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " . صدق الله العظيم

5 - الانفتاح على الآخر ، محاورته والاستفادة من تجاربه :

وفي هذا الاتجاه بصفة خاصة وحول هذه القضايا يدور كتاب "نقد الثقافة" للراحل سامى خشبة ، مركزاً على طرح مشكلات ومسائل هامة مرت بها تجارب أمم وبلدان متقدمة وتمر بها الثقافة العربية في مراحل التحول الراهنة ومنها :

· الاستفادة من التجربة الألمانية من جهة وتجربة الوحدة الأوربية من جهة أخرى في تأكيد مبدأ التعدد في الوحدة ، والوحدة في التعدد وذلك بالتبادل الفعال والتكافؤ المثمر نحو تأكيد هوية عربية في عالم تدهمه موجات العولمة موجة في إثر أخرى .

· الاستفادة من التجربة السابقة أيضاً في الاعتزاز باللغة ومالها من أولوية مطلقة في تجميع الأمة ونشوء وتطور ثقافتها والمشاركة بإنجازات أبنائها في صنع المعرفة ، والإيمان بأن اللغة والثقافة الواحدة المحتضنة للاختلاف هما دعامتان لتقدم الأمة ومظهراً جلياً لوحدتها .

· لفت الانتباه إلى سلبيات مرحلة الحداثة خاصة حين بدأت منذ عقودها الأولى حين كانت الحداثة تتحرك بنزعات عنصرية واستعلائية ودعوات قومية متعصبة ونهم لا يشبع نحو التصنيع وتراكم رأس المال والصراع على مناطق النفوذ وما نتج من أثار بالغة الضرر لحقت بالإنسانية والبيئة على السواء ونشوب حربين عالميتين مدمرتين قادتا إلى تقسيم العالم وأدتا إلى صراعات أيدولوجية وحروب باردة .

· نقد سياسة عولمة عالمنا المعاصر ذات النمط الاستهلاكي وسيادة قيم القطب الأوحد التي تلغي الهويات وحق الإنسانية في التعدد والاختلاف .

مشاركة