السبت، 9 يناير 2010

جدلية السيف والكلمة في مسرحية "الحلم والمؤامرة" لمحمد صالح الخولاني

ويبدو الخولاني في مسرحه الشعري ، مهموما بإشكالات واقعه المصري والعربي ، ويأتي مسرحه متماهيا مع أزماته العضال ، ويحفل مسرحه بإشاراته التاريخية والتراثية ذوات الإسقاطات المتعددة ، فتبدو فصوله ومشاهده كأنها المرايا العاكسة. وفي مسرحية "الحلم والمؤامرة" ، يتناول الخولاني قضية الصراع بين المثقف والسلطة ، أو بين الفكر والحكم ، ولا يحدد الشاعر لمسرحيته زمنا تاريخيا معينا ، بينما يختار لأماكن أحداثها مجالس وقاعات وزنزانات سجن في مملكة عربية ما .

أثرى الشاعر الكبير ، محمد صالح الخولاني ، ساحاتنا الشعرية ، المصرية والعربية منذ أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي – بأكثر من ستة دواوين شعرية حتى الآن ، وكتب عددا من الدراسات الأدبية القيمة وأكثر من عمل شعري في أدب الطفل ، كما أنجز للمسرح الشعري أربع مسرحيات هي :

1) "زيارة لبيت القاضي" 1989م.

2) "الحلم والمؤامرة" 1996م.

3) "أيام الدم .. بورسعيد 56" 2000م.

4) "السقوط" 2001م.

ويبدو الخولاني في مسرحه الشعري ، مهموما بإشكالات واقعه المصري والعربي ، ويأتي مسرحه متماهيا مع أزماته العضال ، ويحفل مسرحه بإشاراته التاريخية والتراثية ذوات الإسقاطات المتعددة ، فتبدو فصوله ومشاهده كأنها المرايا العاكسة.

وفي مسرحية "الحلم والمؤامرة" ، يتناول الخولاني قضية الصراع بين المثقف والسلطة ، أو بين الفكر والحكم ، ولا يحدد الشاعر لمسرحيته زمنا تاريخيا معينا ، بينما يختار لأماكن أحداثها مجالس وقاعات وزنزانات سجن في مملكة عربية ما .

ويدير الشاعر أحداثها في تسعة مشاهد موزعة على ثلاثة فصول بواقع مشاهد ثلاثة لكل فصل .
وتتكون مفرداته المكانية في مشهده الافتتاحي الأول – من ديكور عربي أندلسي في قاعة عرش يتصدرها مجلس الملك وقد اجتمع بوزرائه وأركان دولته ، للتباحث في أحداث جسام تقع ، وأهمها ذلك الأمر الجلل المتمثل في خطر عدوان خارجي يتهدد المملكة من جهة الشرق .

ويجسد شخصيات السلطة والسيف في المسرحية كل من :

قائد الجيش – صاحب الشرطة ، المحتسب ، خازن بيت المال ، والملاحظ أنها شخصيات تجمع بين سلطة القوة وسلطة المال . أما شخوص الفكر والكلمة فيمثلهم كل من :

مأمون "وزير الفكر" و "قاضي العدل" ، ويقف بين هذين الفريقين شخصيات تمثل السلطة العليا في البلاد سلطة " الملك" و "كبير الوزراء" وهما السلطتان الموكول إليهما إصدار القرارات العليا الواجبة النفاذ في المملكة .. ويفتح الملك مجال الحوار ملتمسا الآراء ، باحثا عن الإجراءات الكفيلة التي يمكن اتخاذها لدرء الخطر الخارجي المحدق بالمملكة ، ويطلب من وزير الفكر أن يدلي برأيه :



ما رأيك يا مسئول الفكر ؟

لقد اعتدنا –

منذ استحدثنا في المملكة وزارتنا لشئون الفكر

وأقمنا الفكر شعاعا من قبسات الله .

نحتكم إليه .. نستلهمه الرشد ونستهديه

الرأي الصائب

حتى لا نعثر في طرقات الزمن

الملأى بالأوحال –

أن نأخذ رأي وزير الفكر

فيما يدهمنا من أخطاء " الحلم والمؤامرة صـ 9 "

يتحدث وزير الفكر ويفاجأ الجميع بسؤال يطرحه :

أوليس يجوز بأن الخطر القابع في داخلنا

أفدح شرا ؟!

ويمضي فيعمق ظاهرة العدوان وتهديد أمن البلاد راجعا بها إلى أسبابها الجوهرية وعللها الأولى وهي في مجملها شأن داخليا محض ، خلاصته ممارسات غير إنسانية وسياسات أشد تجاوزا ، تقع في حق البلاد والعباد ، نتيجة مفاهيم خاطئة لبعض أركان الدولة ، ويقترح الوزير أن يطلب الملك من الجميع مفهوم كل منهم عن الحق والعدل ، قاعدتي الأمن والاستقرار .

فيرى قائد الجيش أن الحق :

يرتهن بما يملكه جيشي من آلات الفتك

وبما قد يمكن أن يملك الجند

من قدرة قلب قد من الفولاذ

أما العدل فرؤيته له جزئية ، خاضعة لظروف الواقع :

العدل على مدرجة الأيام المحتدمة بالعدوان

ليس كالعدل المطلق في أدمغة السادة

من معتنقي الأفكار المترفعة العليا " الحلم والمؤامرة صـ 16 "

ويكاد يقف صاحب الشرطة في نفس المعسكر فهو يؤيد القوانين الاستثنائية ويدعم المزيد من الإجراءات الأمنية المتشددة ، حماية للوطن وحفاظا على أمنه :



فالأمر خطير

والتبعة تبدو عظمى

والحرص ومسئولية حفظ الأمن العام

قد توجب أن نتجاوز بعض الشيء

عن بعض أمور

قد تبدو عند أناس أيديهم في الماء البارد

خرقا للعدل والقانون .

أعترف بأنا أحيانا ، قد نقسو بعض الشيء

أعني

قد نعمد أن ننتزع كلاما يوصلنا لقرار ما

أن ننزع شعر الرأس

عفوا .. لا أعني طبعا كل الشعر

أو نصلب رجلا فوق التمثال الخشبي " الحلم والمؤامرة صـ 21 "

ويسأل الملك قاضي العدل ، فيؤكد له أن العدل مطلق والحق قديم ، ويتدخل وزير الفكر معترضا على مفاهيم معسكر القوة ، ويرفض استغلال آلام الوطن ومعاناته ، ذريعة لإهدار الحقوق وقمع أصحاب الرأي والإطاحة بالمعارضين – تحت دعاوى أمن البلاد أو شعارات من مثل أن (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) أو .. الخ

ويقترح أن يصوب سدنة الحكم في المملكة مفاهيمهم لمعاني الفكر والحق والعدل ، فهذا كفيل بقهر إرادة الأعداء وإيجاد أمة من الأحرار ، تحمل السلاح عن قناعة ولا تلقيه عن خوف .

ويقتنع الملك بوجهة نظر وزير الفكر ويصدر مرسوما ملكيا يمنحه مراجعة قرارات الوزراء وهكذا يتبدى خلاف جوهري بين المعسكرين ، ما ينذر بعراك درامي وصدام آت لا محالة لإجهاض " حلم الوزير مأمون في إشاعة العدل ورد المظالم وفتح نوافذ الحرية على مصاريعها .

وباتت المواجهة بين الفريقين حتمية وبدأ معسكر "المؤامرة في الرد وإعداد العدة للإطاحة بمأمون الذي قيد حركتهم وحد من أياديهم - أن تعبث بمقدرات المملكة وتعيث في البلاد فسادا .

ويستخدم صاحب الشرطة إمكانات مخافره الكثيرة المتناثرة في البلاد للتلصص والتجسس سرا ومراقبة كل التحركات خفية ، خاصة فيما يتعلق بوزير الفكر ، ويصدر تكليفات محددة بمراقبة كل الكلمات :



أقصد تلك الكلمات اللاتي تلقى في بعض الأحيان

عن شيء كالحرية أو كالعدل

أقصد أفكار مغلوطة

عن هذا المعنى أو ذاك

أو سعي بين الناس بشيء لا ترتاح إليه الشرطة .

خوض في قحة واستهزاء

في حق رئيس .. صاحب جاه ، أو سلطان

شيء من ذلك . تفهم ما أعني لا شك " الحلم والمؤامرة صـ 45 "

وطبقا لمفاهيم صاحب الشرطة ، يصبح مأمون وزير الفكر متهما ، ولإحكام خطة الإيقاع به وضربه بشدة ، فقد دبرت له تهمة أشد وأنكى وهي تهمة التخابر مع أعداء الدولة ، ويتم القبض على مأمون ويودع في زنزانة بسجن المملكة ، تمهيدا لمحاكمته .

ويرى مأمون في السجن أهوالا تقع للمعتقلين من المعارضين أو أولئك الذين صرخوا طلبا للحرية أو ابتغوا العدالة ، ويشاهد بأم عينيه ما يقع عليهم من صنوف العذاب وألوان القهر ، ويتأكد مأمون مما سبق أن أدركه وقرأ حقيقته ، وهو أن الأمر ليس بصراع أشخاص على المزيد من حيازة السلطة وهو ليس بصراع ظاهري بين فريقين ، فحقيقته ومكنونه ، هو ذلك الجدل القديم بين الخير ، متمثلا في الكلمة وتأثيرها والشر مجسدا في القوة والبطش :

كوني المأمون الواثق أو صاحب ديوان الفكر

لست المعنّي بذاتي فيما يبدو

والأمر كما أفهمه الآن

في الفكرة .. لا في شخص الماثل فيها " الحلم والمؤامرة صـ 157 "

وتنعقد المحاكمة ، وينافح مأمون عن نفسه ، دافعا اتهامات الإدعاء الباطلة بالعمالة وإثارة الرعية ويحكي عن الفظائع التي رآها في المعتقل وعن السجون الملأى بالمظلومين والمقهورين .

وتستجوب المحكمة "يوحنا اليعقوبي" الذي اتهم مأمون بالتخابر معه ويؤدي استجوابه والشهادة التي أدلى بها للمحكمة إلى قلب القضية رأسا على عقب ، إذ تتبين براءة مأمون ويتوجه الاتهام لمن دمغوه به إفكا وبهتانا ، ويصدر القاضي حكمه ببراءته وعودته إلى الوزارة ، ويتوجه قاضي العدل إلى المأمون بقوله :





عد يا مأمون إلى ديوان الفكر

وليمض حديثك غيثا في أودية المحرومين

ونصالا في أوردة البغي

وغناء ينشد للحرية

والآن لترفع جلستنا يا سادة " الحلم والمؤامرة صـ 170 "

"ستار"

مشاركة