الأربعاء، 24 فبراير 2010

"دراما تلفزيونية " "الحاج متولي " بين المعالجة الفلكلورية والتناول الأكاديمي

توطئة :

ربما كان مسلسل "الحاج متولي" من أكثر المسلسلات الدرامية العربية إثارة للجدل وطرحاً للنقاش بعد أن حظى بكم كبير من الاهتمام والنقد والتعليقات ، سواء من الكتاب والفنانين أو من الجمهور العادي .وكان من أبرز هذه الكتابات مقال الدكتور محمد بدوي ، الأستاذ بآداب القاهرة ، في صفحة "دراما " ، بعدد الجمعة 30 ديسمبر 2001م من جريدة أخبار الأدب القاهرية ، بعنوان "ابتسامة الحاج متولي " . وفي مقاله أشار د . محمد بدوي إلى افتقادنا للتقاليد الراسخة ، في تلقي الفن الرفيع ، وتعليمنا المنهار ، وتفشي الأمية الثقافية والفقر ، الذي يستبدل ثقافة الصورة الجماهيرية بأجناس الدراما الراقية .

ومع احترامنا لكتابات الأستاذ الدكتور وبالرغم من اعترافنا بهذه الظواهر التي أشار إليها ، إلا أن كل هذا لا يمنعنا من الإقرار من نسبة متابعة عالية ، وصدى من النجاح كبير خلفه هذا المسلسل في الشارع المصري والعربي . وعلى كثرة ما عرض قبله وبعده من أعمال ومن ضمنها أعمال قليلة جيدة لكتاب دراما متميزين ، إلا أنها لم تحظ بما حظى به " الحاج متولي " من نجاح ، وما أثاره من جدل ونقاش شمل كل الطبقات وكافة الاتجاهات الاجتماعية .

إن هنالك نوعاً من القناعة ، بأن الحس الجماهيري العام ، إذا أجمع على شئ ، فإن هذا الشئ لا بد أنه يعبر في طياته عن هم شعبي أو أشواق جماعية ما ، ضف إلى ذلك هذا الكم من النجاح المستفز الذي آثار حفيظة الكثير من المثقفين والمبدعين والفنانين ، مما يؤكد أن وراء هذا العمل ما يستند إليه من قيم جمالية ومجتمعية ، ضمنت له قدراً غير عادي من القبول والنجاح .
الرد على ابتسامة الحاج متولي :

ومقال الأستاذ الدكتور ، كان محاولة منه كما يقول :

" لتفكيك هذه الدراما من خلال التوقف لدى بعض علاماتها " ، وبالرغم من أن تفكيك الأستاذ الدكتور كان يجب أن يتعامل مع أمور فنية بحتة من حيث أنه يتناول عمل درامي ، إلا أنه :

1. استهل تفكيكه بمقدمة نظرية طويلة عصماء ، استهلكت من سيادته ثلثي مقاله ، فضلاً عن مقاصد أخرى أكثر أهمية لديه من التفكيك ، وهى مقاصد أراد الكاتب أن يبوح بها ويفضفض ، فبدت نبرته فيها شئ من التحامل ، فضلاً عن الولوج في بعض الدروب الوعرة ، حيث تحاورت المقالة مع حقائق كبيرة لا يُماري فيها ، بأسلوب بدا واضحاً فيه نزعة الانفعال والتحامل .

2. لقد حاولت مقدمة أستاذنا الدكتور ، أن توجد علاقة ما بين عمل درامي نضج واكتمل ونسجت خيوطه قبل 11 سبتمبر الشهير ، فذهب إلى أن دراما الحاج متولي " أعدت خصيصاً للإسهام في الرد العربي الإسلامي على تحدي ما بعد 11 سبتمبر " !!

ولو تمادينا مع كاتبنا في صحة هذا الافتراض " الاستراتيجي " الهام ، لاعتبرنا المسلسل "علامة " في تاريخ الدراما العربية والإسلامية ، وحملناه ما يحتمل من روعة النبوءة ، ونفاذة الاستبصار ، وغور الاستبطان !

وهنا سنواجه بمحاذير " عوالم الغيب " ومخاطر الميتافيزيقا !

واعتقد أنه أمر لا يحبذه كاتبنا ذو النزعة العلمية الموضوعية الحاسمة !

3. ويعتبر كاتبنا والذي ذيّل عنوان مقاله بالآية القرآنية " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " بطريقة وبمغزى الله أعلم بنواياها – يعتبر هذه الدراما :"تمجيداً لنظرة الثقافة التقليدية للمرأة ، وتكريساً لنمط الرجل البطريرك " ، وفي وقت غير ملائم ويقصد به ( إبّان الحملة الأمريكية على أفغانستان ) ، ويضيف إلى ذلك قضية ختان البنات وغيرها من القضايا الأخرى التجارية التي تم التعامل بها آنذاك في الشارع المصري ، بما لا تستحقه من مبالغة إعلامية ، وذلك ليؤكد ما ذهب إليه ، أما مسألة الرجل البطريرك والمجتمع الذكوري القامع للمرأة ، و ... و ... . ومثل هذه المذاهب من القول والملقاة علينا من سماوات مفتوحة ، تعج مضطربة بالغزو الفكري ومصحوبة بنزعة عرقية متحاملة على مجتمعاتنا ، وهم يصنفوننا قسراً وقهراً بأننا مجتمعات ذكورية على اعتبار أن هناك في تصنيفاتهم مجتمعات " أنثوية" وأخرى "بين بين" وهي تصنيفات لا تعنينا في شئ وذلك لأن تصنيفهم الآري للبشر يضع المجتمعات "البيضاء" و "الأنثوية" و "البين بين" في دائرة العالم الحر المتحضر والمفترض أن تعيش كائناته على كوكب دريّ ، أما مجتمعاتنا وفق تصنيفهم فيجب أن تعيش على ، كوكب القرود " !!

وبما أننا قرود فإننا لم نعي بعد ، و بيدو أننا لن نعي إنجازات فرويد التطورية أو شدة بأس نيتشه في مذهبه الفلسفي أو تشريحات فوكو المذهلة أو تفكيكية دريدا المعجزة !

ونحن نفتقد أيضاً طبقاً لكاتبنا وتصنيفاته الغربية لقواعد ثقافية أو إرث حضاري أو حتى منجز نظري راسخ مثل "الميلامين" الجامد المتين صناعة الستينيات وأوائل السبعينيات إياها !

ومن منطلق أحكام كاتبنا الغربية جداً ، فنحن نتعامل في مجتمعاتنا مع البشر على أنهم كتلة من الغرائز فحسب ، ولدينا مؤسسة ثيوقراطية أرجع إليها الكاتب كل نكباتنا ونكاساتنا ، ولا أدري لماذا لم يجعلها أيضاً سبباً في نكسة 76 !؟

4. وهذا الكلام الذي يقال عن سطوة المؤسسة الدينية والرجل القامع والمرأة المقموعة .. إلخ قد يبدو للمجتمعات الغربية المنبهر بها الكاتب صحيحاً ، لأنها بالفعل مرحلة تاريحية مرت بها مجتمعاتهم وبالتحديد في عصورهم الظلامية الوسطى . ولكن ، ما دخل هذا كله بنا ونحن مجتمعات أسسها الإسلام ، وهو دين إنساني بامتياز ويحتفي بالنوع الإنساني كله ذكراً كان أم أنثى ، أبيض كان أم أسود . دين حرم احتكار التدين وكره أتباعه في التفرقة والتراتب والبطركة .

5. ولم يكتف الكاتب بنقل الأفكار والأوصاف الغربية الحداثية وما بعد الحداثية ويسحبها على مجتمعاتنا بل انبرى يفكك حسب زعمه – فلسفة الزواج والحكمة من تشريعه من وجهة نظر المؤسسة الدينية التي يزعم أنها تحكمنا ، فيقول : " إن الزواج عرض وقبول ، أي شكل من أشكال المقايضة : الآلة الجنسية والتناسلية واستقلال هويتها ، في مقابل صداق يدفعه الرجل ، معجلاً أو مؤجلاً ".

ولا أدري من أي غابة من الغابات استمد الكاتب هذا التعريف " الغوريلليّ " للزواج والذي يختزل كينونة المرأة في مجرد هالة تناسلية مسخرة لمتعة الرجل ، ليس فقط المتعة ، وإنما متعة مصحوبة بقمع بمناسبة وبغير مناسبة .

إن هذا الافتراء معناه أن الكاتب يتجاهل زوراً وبهتاناً – كل الحقوق والأهلية والاعتبارات الشخصية والمدنية التي كفلها الإسلام للمرأة وهي حقوق وأهلية لم تنل نصفها المرأة الأوربية حتى هذه اللحظة .

ويلجأ الكاتب إلى أسلوب انتقائي يبدو فيه متأثراً بصفحات الحوادث ليعمم حالات نادرة مريضة ، على مجتمع وحضارة كاملة ، كبعض حوادث قتل الأزواج للزوجات والعكس ، والقارئ الموضوعي أو المطلع على مثل هذه الحالات ، يعلم أنها حالات قليلة جداً بالنسبة لمليار مسلم وعربي يعيشون على الأرض ، في الوقت الذي لم يشر الكاتب فيه إلى مثل هذه الحوادث والتي تقع بمعدلات عالية جداً في الدول الغربية . وتحلليلنا الموضوعي الهادي لمثل هذه الحوادث والحالات هو في الحقيقة يكمن – وعلى عكس ما يزعم الكاتب – في عدم التزامنا بهدي ديننا وتعاليم رسولنا الكريم في حياتنا الزوجية والسرية وكثير من واقعنا المعيش .. إنها حوادث تقع نتيجة طموح طبقي عارم ، أو ظمأ جنسي متهور ، أو مرض نفسي مدمر وهي أمراض نفسية واجتماعية دواؤها الأساسي وأول خطوات علاجها هي تعاليم الدين السمح الحنيف .

6. وإذا تغاضينا عن بعض الغمز واللمز الوارد في مقدمة الكاتب العصماء وتعاملنا مع بعض النقاط الفنية ، نجد الكاتب يقول عن حركة الحدث في دراما الحاج متولي :

" إنها كانت يمكن أن تنتهي بالزوجة الثانية ذات الملامح الشعبية والروح المرحة ، وتكون خاتمة المطاف ، لكن في هذه الحالة لن يكون لدينا قصة ، ولكي يكون لدينا قصة ، لابد أن تكون الزوجة عاقراً لا تنجب ، ليصبح ذلك مبرراً لزواج الحاج " .

والكاتب بهذا الرأي الذي يقترحه ، يريد حدثاً درامياً يتنامى وينتهي بطريقته ورؤيته ، وهي رؤية مستلهمة من إعلانات التلفزيون عن "الوحدة الصحية" وقد توحي بها توصيات مؤتمرات السكان والمرأة وكلتاهما تمول من الغرب !

إن الكاتب يتجاهل واقعاً نعيش فيه ويوجد به العاقر والولود ، ثم إن نسبة قليلة ممن لا ينجبن هن اللائى يستطيع أزواجهن الزواج بأخريات بغية الإنجاب .

أما عن عنصر الصراع في المسلسل ، فالكاتب يتهمه بالقول ، بأنه صراع درامي شاحب " بعد أن نحى المسلسل صراعاً كان يمكن تفجيره بين الحاج متولي وابنه " .

والكاتب هذه المرة يريد أن يتدخل في حرية المؤلف والمخرج معاً ويفرض رؤية وطرحه ، وهي أن يترك الولد عمله ومذاكرته ويتفرغ لصراع عبثي غير متكافئ مع أبيه .

7. أما الشخصية المحورية في المسلسل "الحاج متولي" فلم يستطع الكاتب أن يثبت أنها شخصية "مسيطرة قامعة" ولما كان التوفيق غير حليفه في هذه النقطة ، لم يرض أن يعود بخفي حنين ، فنعت الشخصية بعدة نعوت بطريقة مطلقة وانفعالية كقوله : " شخصية مركزية ، قامعة ، متبوعة .. إلخ . ويتهم الكاتب المسلسل بأنه يكرس لتعدد الزوجات ونرد عليه ، بأن التعدد ليس الأصل ، وهو ظاهرة اجتماعية مكفولة فقط للقادر عليها ، الراغب فيها ، ثم إن التعدد محكوم بضوابط ، أقلها تحري العدالة والإنصاف .

ويصنف الكاتب الزواج على أنه نظام مؤسسي والكاتب ضد كل ما هو مؤسسي مفروض ، ويدعو الكاتب إلى الحلول الغربية في هذا المجال وهي في رأيه حلول داعمة للحريات و الاختيارات الشخصية ذات الطابع العاطفي ، أي ببساطة يدعو إلى حرية العلاقات بين الرجل والمرأة ، أي العودة بنا إلى شريعة الغاب واطلاق الرغبات والنزوات دون قيد أو نظام .

وأخيراً ، فإن سر نجاح المسلسل وما تركه من صدى ، يرجعه الكاتب إلى أنه " خلق يوتوبيا من عناصر فلكلورية تعبر عن زمن ماضي جميل كانت سلطة الرجل فيه غير مهددة " .

وإذا كانت سلطة الرجل الآن مهددة كما يقر الكاتب ، فلماذا يتهمنا إذاً بأننا مجتمعات ذكورية تراتبية قامعة !؟ .

أما ما يزعمه من "عناصر فلكلورية " فنرد عليه ، بأن كثيراً من الدراما التلفزيونية تعج بالعناصر الفلكلورية من تراثنا العربي في كل بلد عربي تقريباً سواء فيما يخص العادات والتقاليد والأعراف والسلوكيات .. إلخ ، ومع ذلك فشل الكثير منها فشلاً ذريعاً ، وأما قليلها الناجح ، فلم يرق إلى ما وصلت إليه دراما الحاج متولي من انتشار ونجاح .

يبدو أن الكاتب كان من القلة التي أثار حفيظتها هذا النجاح الباهر وهو لم يرد أن يعترف بذلك ويقر بأن سر نجاح المسلسل هو أنه قد توافر له ولعناصره الفنية كل عوامل النجاح ، بداية بالسيناريو وانتهاء بالإخراج ، وأنه يؤكد على قيم أخلاقية واجتماعية تعرضت لهزات شديدة بسبب عوامل عديدة ومنها الأفكار والأخلاقيات التي يدعو إليها الكاتب والتي هي جزء من غزو فكري وثقافي مسموم يريد استلاب هويتنا وطمس شخصيتنا فتغدو مجتمعاتنا بذلك مجتمعات لا لون لها ولا أصل ويكون من السهل التحكم فيها وفقاً لرغبات الغرب وحساباته الربحية ، فنذهب بدداً ونضيع سدى .

مشاركة