الثلاثاء، 6 أبريل 2010

البريد الكوني المعجز في مسرحية سليمان الحكيم

إن اللغة لم تعد تعني الكلمات فحسب ، وإنما تعني النسق اللفظي الذي يتسع ليستوعب عناصر أخرى من أنظمة العلامات السمعية والبصرية أو يعيرها آلياته الاتصالية ، حيث الصورة البصرية تحل محل الصورة الصوتية أو توازيها إن لم تفقها في الأهمية ، وحيث الخطاب لم يعد مجرد المحادثة اللفظية التي تقع في المنطقة ما بين الذاتية التي تصل الأفراد وإنما أصبح يشمل بالإضافة إلى ذلك كل الأوجه التبادلية للرسائل اللغوية في التشكلات الخطابية التي أصبحت تجمع بين عناصر بصرية وسمعية متعددة ..

تعتبر الرسائل المكتوبة والأخرى المبرقة والالكترونية ، إحدى وسائل الاتصال الهامة والحيوية في المجتمع ، بما تحمل من " خطابات " على المستوى الفردي أو الجماعي ، وهي بطبيعتها التداولية ، تمثل إحدى سمات عصرنا ، عصر الإنجاز المعرفي والتقنيات الدقيقة والوسائط فائقة السرعة ، وهي وسائط تلعب أدوارا هامة في صياغة الأفكار وصناعة الخبر والإعلام وبالتالي في توجيه القيم وتعزيز المواقف والسلوكيات .

ونظرا للأهمية الخبرية والإعلانية للرسائل ، فقد صارت في ضوء نظريات الاتصال وإنجازات علم اجتماع الأدب إحدى اهتمامات مصطلح " علم الخطاب " ، إذ إن مصطلح الخطاب discourse ، يشير في النقد المعاصر إلى عدة مدلولات ، تقع جميعها في نطاق مناهج تحليل النصوص ، سواء كانت هذه المدلولات :

تتابع مسجل للمنطوقات ، أو نصوص منطوية على نسق محدد من المفاهيم أو الممارسة الشاملة على وضع معرفي بعينه ، أو الرسائل اللغوية المتبادلة بين الأفراد في مواقف الحياة اليومية ، أو المحادثة .. وكلها تشير إلى دلالة الفعل الاتصالي الذي يصل بين الأفراد والمجموعات بوسائل متعددة من أشكال الأداء الذي تتحول به الإشارة أو العلامة أو اللغة نفسها إلى فعل تداولي ، ودلالة هذا الفعل الاتصالي لها مغزاها الملازم للإيقاع المتسارع للعصر .

إن اللغة لم تعد تعني الكلمات فحسب ، وإنما تعني النسق اللفظي الذي يتسع ليستوعب عناصر أخرى من أنظمة العلامات السمعية والبصرية أو يعيرها آلياته الاتصالية ، حيث الصورة البصرية تحل محل الصورة الصوتية أو توازيها إن لم تفقها في الأهمية ، وحيث الخطاب لم يعد مجرد المحادثة اللفظية التي تقع في المنطقة ما بين الذاتية التي تصل الأفراد وإنما أصبح يشمل بالإضافة إلى ذلك كل الأوجه التبادلية للرسائل اللغوية في التشكلات الخطابية التي أصبحت تجمع بين عناصر بصرية وسمعية متعددة .. هكذا اقترن مصطلح الخطاب بدلالات جديدة ، تشير إلى أدوات معرفية واعدة ، كما تشير إلى أدوات معرفية تعين على فهم الواقع في ممارساته الخطابية المختلفة . إن أية نظرية عن الخطاب بعامة ، تتضمن نظرية عن المجتمع بالضرورة وتحديدا ، نظرية القوة والشرعية والسلطة في تلازمها الدائم مع المعرفة ذلك التلازم الذي حدده " فوكو " هي عباراته الشهيرة التي تؤكد أنه لا توجد علاقات لا تقوم بتأسيس ما يلزم عنها من خطاب معرفي ، ولا توجد معرفة لا تفترض علاقات قوة تؤسس لها.

وموضوع دراستنا هذه " البريد الكوني المعجز في مسرحية سليمان الحكيم " الذي يأتي في إطار احتفاليات هيئة البريد المصري بملتقاها الأدبي الثاني (دورة توفيق الحكيم) – يتناول الرسائل التي تم تبادلها في المسرحية خاصة بين الملك سليمان وبلقيس ملكة سبأ وسرعة هذه الرسائل المعجزة في بعدها الكوني من جهة وبيان أثرها من جهة أخرى في أبعادها الفنية ، وقد ألمحنا في إلمامة سريعة عن البريد وتطوره كما أشرنا إلى عراقة البريد المصري وذكرنا أنواع الرسائل البريدية والإلكترونية وذلك للوقوف على بيان ما في رسائل المسرحية "الكونية" من بعد إعجازي مقارنة بأكثر رسائل عصرنا تطورا وإنجازا .



1- نبذة عن المؤلف والمسرحية :

ولد توفيق الحكيم بالإسكندرية في 9 أكتوبر عام 1898م وتوفي بالقاهرة في 26 يوليو عام 1987 . ويعتبر الحكيم من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي الحديث . وقد ترك الحكيم من المؤلفات ما يقترب من السبعين مؤلفا ما بين رواية ومسرحية وقصص ومقالات مجموعة. وكانت مسرحيته المشهورة " أهل الكهف " عام 1933م . حدثا هاما في الدراما العربية ؛ إذ كانت بداية لنشوء تيار مسرحي عرف بالمسرح الذهني.

ويعتبر الحكيم من أوائل المؤلفين الذين استلهموا في أعمالهم المسرحية موضوعات مستمدة من التراث المصري عبر عصوره المختلفة ، سواء أكانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية.

درس الحكيم القانون في مصر وبعثه والده إلي فرنسا لاستكمال دراسته لكنه عاد عام 1928م بعد ثلاث سنوات قضاها في باريس بين المسارح والمكتبات والمتاحف ، وبعد عودته عمل وكيلا للنائب العام 1930 ، ثم عمل بالمحاكم المختلطة بالإسكندرية ، ثم انتقل بعد ذلك إلي المحاكم الأهلية . وفي عام 1934 ، انتقل إلي وزارة المعارف ليعمل مفتشا للتحقيقات ثم مديرا لإدارة الموسيقي والمسرح بنفس الوزارة وذلك عام 1937 ، ثم إلي وزارة الشئون الاجتماعية مديرا لمصلحة الإرشاد الاجتماعي . وفي عام 1954 نقل الحكيم مديرا لدار الكتب المصرية وفي عام 1956 عين عضوا عاملا في مجمع اللغة العربية ثم عضوا متفرغا في المجلس الأعلي للفنون والآداب وفي عام 1959م عين مندوبا لمصر بمنظمة اليونسكو ثم مستشارا وعضوا بمجلس إدارة مؤسسة الأهرام عام 1971م وظل بها حتى وفاته .

مسرحية "سليمان الحكيم" :

أصدرها المؤلف عام 1943م ، وقد ترجمت ونشرت بالفرنسية عام 1950م وباللغة الانجليزية عام 1981م. يقول المؤلف في مقدمتها:

" بنيت هذه القصة علي كتب ثلاثة : القرآن والتوارة وألف ليلة وليلة وقد سرت فيها علي نهجي في " أهل الكهف " و" شهرزاد " و " بجماليون " من حيث استخدام النصوص القديمة والأساطير الغابرة استخدما يبرز صورة في نفسي لا أكثر ولا أقل " .

ويعالج الحكيم في المسرحية فكرة الصراع بين العاطفة والقوة ، أو بين منطق القوة وسلطة القلب ، وأنه لا يخشي علي الحكمة من شئ إلا القوة القامعة ، وإن الحكمة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان كيف يحكم قدرته المادية ويهذبها ويوجهها التوجيه السديد .

ومن أجل هذه الفكرة الذهنية وحتى يبرز المؤلف كما صرح في المقدمة صورة في نفسه ، قام المؤلف بعدة تحويرات وتعديلات أساسية علي سيرة النبي سليمان الحكيم وشخصيته نفسها تحقيقا للفكرة وتجسيدا لها ربما كان من أهمها ، التعامل مع شخصية النبي سليمان تعاملا بشريا خالصا ، مجردا إياه عن مقام النبوة وما يتطلبه هذا المقام من توظيف فكره وعواطفه وجهده للرسالة المكلف بها وتسخير حياته وإمكاناته لها ، وجعل المؤلف النبي سليمان مهموما بكيفية التأثير علي بلقيس التي أحبها حبا جما والبحث بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة للاستيلاء علي قلبها الذي توجهت عواطفه كلية نحو إنسان آخر ، وبغض النظر عن هذه التعديلات الأساسية ، فإن موضوع دراستنا يتناول الرسائل الإخبارية والإعلامية التي وردت في المسرحية والتي تم تبادلها بصفة أساسية بين الملك سليمان والملكة بلقيس وطبيعة هذه الرسائل وأثرها الفاعل في تطور الإحداث والصراع ومن ثم الوصول إلي ذروة العقدة فالانفراج والحل .

وتعتمد الدراسة بصفة أساسية علي نص المسرحية كما أصدرها الكاتب وسوف تستنير الدراسة أيضا بالمرجعية القرآنية التي كانت مصدرا رئيسيا من المصادر التي اعتمد عليها المؤلف نفسه علي ضوء ما صرح في المقدمة .

وفي مسرحية " سليمان الحكيم " ، تقع الملكة بلقيس في حب لا قبل لها به لأسيرها الأمير "منذر" ، والأخير لا يبادلها حبها العارم بل يحب وصيفتها " شهباء " ، لكن شهباء وفاء لمليكتها لا تستطيع التصريح بحبها لمنذر ، أما بلقيس نفسها فقد وقع الملك سليمان في حبها من قبل أن يراها وهو أمر غير مبرر دراميا وهو يزداد شغفا بها ، في إثر زيارتها له بعد أن يطالع جمالها الباهر ويصرح لها بذلك بالرغم من أنه كان يتزوج من النساء ألف امرأة كما تقول الروايات ، ويحاول الملك سليمان بالتقرب والتودد إليها والمبالغة في الحفاوة بها وبالحوار والمناقشة ، أن يستميل قلبها إليه ، لكن كل هذه الوسائل تذهب دون جدوى ، فيضطر مستعينا بإمكاناته الخارقة التي منحها الله إياها والمفترض أن تستخدم لخدمة الدعوة إلا أنه في المسرحية يستخدمها استخداما ذاتيا ، بغية إشباع هوى ذاتي ورغبة شخصية محدودة وكأنه لم يعد يشغله في هذه الحياة سوي أن يلين قلب بلقيس ويستجيب لنداء قلبه ، ولما لم تفلح كل هذه الوسائل ، يلجأ الملك سليمان لأسلحته الخارقة التي سخرها الله له ومنها جنوده من الجن ، ويستجيب سليمان لفكرة من أفكار الجني " داهش بن الدمرياط " !
هكذا في رضا واستسلام ، ليقوم الأخير بمسخ الأمير منذر وتحويله إلي تمثال من الحجر ولا يصبح ثمة وسيلة أو مخرج لإنقاذه سوي سكب ماء العيون . وفي وسط الهم والحزن والكرب العظيم تفرغ الملكة بلقيس نفسها لسكب الدمع الهتون كي تنقذ حبيبها ، بشرط أن يمتلأ الحوض حول التمثال بالدموع .. وتظل بلقيس علي ذلك الأمر المحزن لا تكف عن البكاء حتى امتلأ الحوض عدا دمعتين تسكبهما شهباء وعندئذ تفتت الحجر ودبت فيه الحياة لينهض منذر ويلقي بنفسه في أحضان آخر من سكبت الدمعتين وهي حبيبته شهباء . ويظن منذر أن التي بكته وفدته بدموعها وصبرها إنما هي شهباء لكنه لا يعلم أنها بلقيس وبعد أن عرف ذلك لم يستطع أن يحبها رغم ذلك إذ لا سلطان له علي نداء قلبه ، فقلبه يهوى شهباء .

وتتجه المسرحية نحو نقطة التنوير ، حتى يستوعب الجميع الحقيقة ويخضعون لسلطة القلب التي لا تقهرها قوة ويثوب الجميع إلي الرشد بما فيهم الملك سليمان ، متأكدين أن القلب البشري إنما مفاتحه بيد الله وحده وهو سبحانه الذي يقلبه كيفما شاء . ويكتفي سليمان بصداقة بلقيس وتكتفي هي بصداقة منذر ويذهب كل حبيب بحبيبه .

ذلك هو الطرح الذي طرحه نص المسرحية ، واصلا بالمتلقي إلي الوقوف علي القصد الذي ابتغاه المؤلف.

والمعلوم أن معالجة توفيق الحكيم للمسرحية وتكوينه للشخصيات وأولويات الأحداث لديه وتوجيه دفة الحوار والصراع ، إنما كانت عناصر موجهة لخدمة هذا الطرح والقضية التي عرضتها المسرحية وهي انتصار سلطة القلب علي قمع القوة .

2- إلمامة عن البريد وتطوره

تعود كلمة " بريد " إلي أصل فارسي وهو " دم بريده " بفتح الدال آو كسرها، ومعناها "مقطوع الذنب " ، والمقصود حيوان البغل حيث إن بغال البريد كانت تتسم بهذه الظاهرة ، وعربت الكلمة إلي " بريد " وجاء في مختار الصحاح : والبريد أيضا ، اثنا عشر ميلا ، وصاحب البريد قد ( أبرد ) إلي الأمير فهو ( مبرد ) ، والرسول " بريد " ، وقال الأزهري :

قيل لدابة البريد " بريد " لسيره في البريد ، وقال غيره : البريد ، البغلة المرتبة في الرباط ، وهي تعريب " بريد دم " ثم سمى به الرسول المحمول عليها ، ثم سميت به المسافة.

وتعود أول وثيقة ذكر بها البريد إلي عهد الأسرة الثانية عشرة الفرعونية حوالي 2000 ق.م ، وهي وصية من أب لولده ، يطلعه فيها علي أهمية صناعة الكتابة وما ينتظر الكاتب من مستقبل لامع في وظائف الحكومة . وقد قام الفراعنة بتنظيم نقل البريد خارجيا وداخليا وكانوا يستخدمون سعاة الأقدام يتبعون ضفتي النيل في غدوهم ورواحهم ويسلكون إلي الخارج الطرق التي تسلكها القوافل والجيوش . أما العرب فقد ساروا في نقل أخبار الدولة علي نفس النظام الذي وضعه الفرس والبطالمة من قبل ، وقيل إن معاوية هو أول من نظم البريد في الإسلام وكان يستخدم في نقل البريد السريع طرقا معينة مقسمة إلي محطات متساوية لتغذية الخيول والتزود بالمؤن وقد تطورت نظم البريد بتطور وسائل النقل والمواصلات ، فمن الخيول والبغال والعربات ، إلي القطارات والسيارات فالبريد المحمول جوا بتقدم وسائل النقل الجوي ومع عصر الانفجار المعرفي والتقدم المذهل في وسائل الاتصال منذ أواخر القرن العشرين الماضي ، وحتى هذا العقد من الألفية الثالثة وما تشهده وسائط المعرفة ووسائل الاتصال مع تطور متلاحق وتقنيات بالغة الدقة ، ينتقل البريد نقلة تطورية كبري ليحل البريد الإلكتروني مدفوعا بالانجازات المعلوماتية والاستخدام الواسع لشبكة الانترنت عبر نظم اتصالات إليكترونية وسنشير فيما بعد بإيجاز إلي التعريف بالبريد الإلكتروني ومزاياه .

نبذة عن البريد المصري :

أنشئ البريد المصري بصورة إدارية منظمة عام 1840 في عهد محمد علي . هذا وقد بلغت عدد مكاتب مصلحة البريد المصري في عهد الخديوي إسماعيل إلى 210 مكتبا منتشرة في الإسكندرية والقاهرة والأقاليم ، وتعد مصر الدولة الوحيدة عربيا و أفريقيا التي اضطلعت بتنظيم المؤتمر العالمي للبريد في دورته العاشرة عام 1934م ، ولذا فإن إدارة البريد المصري من الإدارات المؤسسة للاتحاد البريدي العالمي وهي الدولة المقر للاتحاد البريدي الإفريقي واللجنة العربية الدائمة للبريد .

وقد صدر القرار الوزاري رقم 55 لسنة 1982 الخاص باللائحة المالية لهيئة البريد المصري وهي لائحة خاصة .

وفي عام 1999م ، تم إنشاء وزارة الاتصالات والمعلومات كي تتولي الإشراف علي الهيئة القومية للبريد والشركة المصرية للاتصالات والمعهد القومي للاتصال.

البريد التقليدي والبريد الإلكتروني :

تنقسم أنواع البريد التقليدي إلي:

عادي – سريع – جوي – مسجل بعلم الوصول ، ولا تزال هذه الطرائق تستخدم في نقل الرسائل والطرود البريدية ولا زالت صناديق البريد العامة والخاصة تستخدم علي نطاق واسع حتى ظهور البريد الإلكتروني الذي يعلن عن حلوله مستقبلا محل الطرائق القديمة .

البريد الإلكتروني ومزاياه :

البريد الإلكتروني أو ما يسمي أحيانا بالإيميل ( E-mail ) هو: " أسلوب لكتابة وإرسال واستقبال الرسائل عبر نظم الاتصالات الخاصة داخل الشركات أو المؤسسات أو المنازل ".

ويتميز البريد الالكتروني بعدة مزايا تجعله وسيلة البريد المستقبلية والتي يتسع استخدامها الآن شيئا فشيئا عبر دول العالم وفقا لإمكاناتها وتطورها . ومن مزايا البريد الإلكتروني :

1- إمكانية إرسال رسالة واحدة إلي عدة متلقيا .
2- إمكانية إرسال رسالة تتضمن نصا صوتيا أو فيديو أو صور وخرائط .
3- لا يستغرق إرسال الرسالة سوى بضع ثوان لتصل للمرسل إليه .
4- يمكن للمستخدم أن يستخرج الرسائل من صندوق بريده ( inbox ) عن طريق برنامج البريد الذي يمّكن المستخدم من مشاهدة الرسائل .
5- يمكن للمستخدم أن يختار رسالة من الموجز ويعرض نظام البريد الإلكتروني محتوياتها وبعد مشاهدتها يختار المستخدم العملية التي سيتعامل بها ، إما الرد علي الرسالة ، أو تركها في صندوق البريد لمشاهدتها ثانية عند الحاجة ، أو الاحتفاظ بنسخة منها في ملف أو القيام بإلغائها .

وسنري في المسرحية ، كيف أن الرسائل التي كان يبعثها الملك سليمان من أجل إنفاذ الدعوة وتصريف شئون الحكم والدولة والرسائل التي بعث بها أيضا إلي بلقيس ملكة سبأ – كانت رسائل ذات طبيعة خاصة ومحمولة بطرق غير بشرية و منجزة بسرعة لا تقاس بنسب السرعات البشرية المحدودة ، وإنما هي سرعات كونية القياس حيث لا نسبية ولا حدود للزمان والمكان .

3- مسرحية " الملك سليمان " واحتشادها بالرسائل الدالة:

وتحتشد سيرة الملك " سليمان الحكيم " بالرسائل الدالة والخطابات البلغية تلك الرسائل والخطابات التي اتصلت اتصالا مباشرا وارتبطت وظائفها عضويا بدعوة النبي سليمان بن داود عليهما السلام إلي الله وإخلاص العبادة له سبحانه وحده . وقد أرسل الله النبي سليمان الحكيم إلي بني إسرائيل وارثا الحكم والنبوة عن أبيه داوود عليه السلام في زمن من أزمان البأس والقوة ، زمن الممالك القوية والعروش العظيمة والجيوش ذات العدة والعتاد ، الجيوش المتحفزة للزحف والكر والمتأهبة للغزو والبطش والعدوان.

ووسط هذا العصر المشحون بمنطق القوة وبأس الحكم والتوسع ونزعة السيطرة ، بعث الله سليمان عليه السلام وأرسله مستكملا لمسيرة العقل والحكمة ، مستأنفا لدعوة الإيمان والتوحيد تلك المسيرة المباركة التي بدأت بأبيه داود عليه السلام ومن قبله أبناء إبراهيم الخليل عليه السلام . وإذا كان الله سبحانه وتعالي قد عضد ملك داوود عليه السلام فقال سبحانه " وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب " [ سورة ص الآية 20 ]

فإنه سبحانه قد من علي ابنه سليمان بالنعم الكبري والعطايا العظمي ، ذلك لأن طموح سليمان عليه السلام في زمن البأس القوة كان طموح نبي عظيم ، طموحا يملأ قلب نبي بحب الله وتحقيق دعوته ونشرها في الأرض ، إنه لم يكن عاشقا للملك المجرد أو تواقا إلي الكبرياء والعظمة لكنه أراد أسباب القوة والملك ، ليحارب الظلام والقسوة التي انتشرت في الأرض وينشر نور التوحيد الذي تكرمت به السماء علي الأرض . ولقد استجاب رب العزة لدعوة نبيه وأجزل نعمه عليه خاصة وأنه كان عبدا شكورا ، فمع تسخير الجن والطيور وقدرة سليمان علي فهم لغاتها ، سخر الله سبحانه له الرياح يتحكم فيها ويستطيع أن يركبها هو وجنوده وبذلك ضم جيش سليمان عليه السلام جنودا طائرين في وقت لم يكن حلم الطيران قد راود الإنسان بعد . ولعل هذه المعجزة التي وهبها الله لسليمان كانت سببا في مجده العسكري قال تعالي : " وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون " [ النمل – آية 17 ]

وقال تعالي : " فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد ، هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " [ سورة ص الآيات 36 – 40 ]

وقال تعالي : " ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ، ومن يزغ عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " [ سورة سبق الآية 12 ] .

4- رسائل المسرحية في ضوء النص:

ورد نص أول رسالة في مسرحية " سليمان الحكيم " حين تفقد سليمان عليه السلام الطير وبقوة ملاحظته ومتابعته الدقيقة لشئون ملكه ومملكته ، لاحظ بين مئات الأنواع من الطيور اختفاء الهدهد وكان سليمان عليه سلام قد بعثه في مهمة استطلاعية ، ليدله وجيشه علي موضع ما من مواضع الماء ، فلما لم يجد الهدهد بين الطيور تعجب مستفسرا عن سبب غيابه وهل كان بعذر أم لا ؟ وتوعد الهدهد بالعذاب الشديد إذا كان غيابه بلا عذر ولا حجة ، ولما عاد الهدهد مضطربا وجلا ، دار هذا الحوار بينه وبين نبي الله سليمان عليه السلام :

سليمان: ( للهدهد ) : أين كنت ؟ وأين موضع الماء الذي أرسلتك تبحث عنه وتدلنا عليه ؟ أجب ؟ ولا تخفض رأسك وذنبك ؟ خبرني ما حجتك وما عذرك ؟ ... " المسرحية ص 26 "

فيخبره الهدهد ، بأنه أحاط بما لم يحط به نبي الله نفسه ، وأنه جاءه من سبأ بنبأ يقين ، لقد وجد هناك امرأة تحكمهم وأوتيت من كل شئ يزهو به الملوك ولها عرش عظيم من ذهب وفضة مكلل بالجواهر واليواقيت وأنها وهو الأمر الجلل العظيم لا تعبد الله الواحد ، بل تسجد وقومها للشمس من دون الله !

وإزاء هذه الرسالة الخطيرة وهذا الخبر الجسيم يتذرع سليمان بالتريث والحكمة ويحاول أن يتأكد أولا من صدق الخبر وحقيقة الرسالة ويوجه حديثه للهدهد :

سليمان : أيها الهدهد ! .. سننظر أصدقت أم كذبت ! يا صادوق ( الكاهن في مملكة سليمان ) – اكتب كتابا باسمي واختمه بخاتمي .. ادع فيه ملكة سبأ إلي المجيء إليّ وعرض أمرها عليّ .. واربط الكتاب بساق الهدهد ثم أطلقه في الفضاء.

صادوق : ( يتناول الهدهد ) سأفعل يا نبي الله . .. " المسرحية ص 28 "

2- الرسالة الثانية :

وحملها الهدهد مكلفا من قبل سليمان عليه السلام إلي " بلقيس " ملكة سبأ بعد أن خطها صادوق كبير الكهنة وختمها بخاتم الملك سليمان العظيم ، يدعو فيها ملكة سبأ للمجيء إلي عاصمة مملكته في القدس " أورشليم " لتعرض أمرها وأمر قومها عليه ... قال تعالي : "اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ، ثم تول عنهم ، فانظر ماذا يرجعون " [ سورة النمل الآية 28]

ويختزل الكاتب تفاصيل نقل الرسالة وتسليمها من أورشليم إلي مملكة سبأ في اليمن مثلما اختصرها السياق القرآني في سورة النمل وينتقل مباشرة في المنظر الثاني من المسرحية إلي قاعة العرش في قصر الملكة حيث تجلس علي عرشها يحف بها وزراؤها ورؤساء جندها وهي تقرأ عليهم رسالة سليمان وتستطلع الآراء بشأنها .

3- الرسالة الثالثة :

وكانت رسالة ظاهرها مادي وباطنها ينطوي علي ذكاء وحسن تدبر من الملكة . فبعد أن استطلعت آراء وزرائها قررت أن ترد بهدية قيمة يحملها وفد رسمي نائبا عنها إلي سليمان ، فإن زاغ بصر سليمان أمام بريق الهدية العظيمة فهو رجل يحب المال ويزهو بأسباب الملك والقوة وإن لم يحفل بها ، فهو رجل له شأن آخر غير شأن سائر الرجال والملوك . فالمعهود أن الذهب يذهب الأبصار ويأخذ بأعنة الألباب ويذل أعناق الرجال.

4- الرسالة الرابعة:

وهي رد من الملك سليمان الحكيم علي رسالة الملكة بلقيس ذات الدلالة والمغزى وهو مغزي فهمه سليمان ووعاه ، ورد عليه ردا حاسما واضحا . وتنقل لنا صفحات المنظر الثاني وقائع الرد من خلال ذلك الحوار بين الملكة وكبير رسلها إلي سليمان :

الرسول: أيتها الملكة ...

بلقيس: ما هذا ؟

الرسول : الهدية يا مولاتي ... قد ردها الملك سليمان ... قائلا لنا : لا حاجة بي إلي هديتكم ولا وقع لها عندي . ارجعوا إلي بلقيس وقومها ولنأتينكم بجنود لا قبل لكم لها ... إذا لم تأت هذه الملكة إلي وتعرض أمرها علي ...

الرسول مستمرا : الفضة والذهب يا مولاتي أو أورشليم مثل الحجارة والأرز ...

" المسرحية ص 38 ، 39 "

وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه علي الملكة وحاشيتها وهو: ماذا يريد الملك سليمان علي وجه التحديد ؟ وتتعدد التأويلات وتسعف الملكة فطنتها وقدراتها السياسية وتقول: " ولماذا لا نفهم مراده علي وجه آخر ... ملك غني يستضيف ملكة طمع في صداقتها " ...

" المسرحية ص 40 "

ويعلق وزيرها الأول علي فهمها بقوله : " حقا يا مولاتي ... حقا ما السياسة إلا هذه ... براعة تفسير المقاصد ومهارة فهم المراد تبعا لمقتضى الحال . وجهزت الملكة نفسها وبدأت رحلتها نحو مملكة سليمان .

5- الرسالة الخامسة :

وكان مكان أحداثها في أورشليم في قصر الملك سليمان حيث بهو عظيم يجلس فيه وحوله حاشيته ووزراؤه ويتساءل الملك عن المكان الذي سوف تجلس فيه الملكة القادمة إليه وعلي أي شئ سوف تجلس ؟ وتلمع في خاطره فكرة أن تجلس علي عرشها ويتساءل : أيكم يأتيني بعرشها قبل أن تأتي ؟ يتقدم العفريت ( صخر ) ويعرض علي الملك أن يأتيه به قبل أن ينقضي النهار ولكن سليمان والجميع يعلمون أنها سوف تصل أورشليم بعد فترة قليلة ويعتذر الجني لأن ذلك في حدود إمكانياته القصوى وعلي إثر ذلك يتقدم الجني ( داهش ) ويعرض علي الملك أن يأتيه بالعرش قبل أن يرتد إليه طرفه ، أي في غمضة عين .

ويطلب الجني أن يغمض الجميع عيونهم فيفعلون ويفتحونها فإذا بعرش الملكة بلقيس أمامهم.

وتصل بلقيس في موكبها العظيم وتنفخ الأبواق وتفتح الأبواب ويستقبلها سليمان استقبال الملوك العظام ، ثم يقودها نحو عرشها ويعرب في ود لها عن أمله أن تعتبر نفسها في قصرها بسبأ وأن تتصرف بكل راحة ويسألها مشيرا إلي العرش : أليس هذا عرشك ؟

فترد : لكأني به .. فيقول سليمان : أرجو أن يكون هو .

تجيب بلقيس : إنه هو ... شكرا لك أيها الملك الكريم ... " المسرحية ص 69 "

وتجلس الملكة علي عرشها ويجلس سليمان علي عرشه وتبدأ وقائع حفل الاستقبال وطقوس الضيافة . ومضمون رسالة الملك سليمان السابقة المتمثل في إحضار عرش بلقيس وكان الشئ الأبرز في مملكتها - وجهه سليمان بكل لباقة وكياسة إلي الملكة وبطريقة عملية مبطنة بسلوكيات البروتوكول الدبلوماسي إلا أن المغزى يصلها وتفهمه علي أنه استعراض من سليمان لإمكاناته اللامحدودة وقدراته الدنيوية المطلقة والتي فاقت كل حدود إمكانات البشر حتى في أكثر عصورهم سرعة وتطورا . وترتبط هذه الرسالة بأخري بعدها ، وهي الصرح العجيب الذي بنته الجن لسليمان ، وكان عبارة عن أرض من زجاج بللوري شفاف يبدو كأنه لجة ماء وفي صدر المكان تنتظم الفرش والرياش وتأتي الملكة في صحبة سليمان علي بساط الريح ويهبطان شرفة الصرح ويخبرها بأنه شيد الصرح لها ويبادرها سليمان بأن تتقدم وهي تتعجب كيف ستخوض في هذه اللجة من الماء ! فتكشف عن ساقيها ويعرض عليها سليمان أن يحملها ويجتاز بها أرض المكان نحو الفرش . ومضمون رسالة الصرح يسير في نفس اتجاه رسالة العرش داعما استعراض القوة ودلائل القدرة والإعجاز .

وينهمك سليمان ليله ونهاره في التودد والتقرب والتوسل إلي بلقيس ، لكنها بقدر ما هام بها قلبه بقدر ما كانت تتمني رضا منذر عنها وحبه لها . وتأكد سليمان حينئذ ، أن أساليبه يجب أن تتغير إزاء استغلاق هذا القلب رغم كل ما فعله لاستمالته وما قدمه لنيل رضاه .

ويغير سليمان من لهجته في حديثه معها وتتصاعد نبرته منذرا إياها ومتوعدا ، لقد قرر أن يستجيب لفكرة الجني داهش ذات الغاية المزدوجة وهي أن يمسخ حبيبها إلي حجر ، فينزل بها العقاب من جهة ويدفعها إشفاقها عليه إلي الإذعان لسليمان من جهة أخري . وينفذ الجني خطته ويظهر سليمان شماتة واضحة بها ، إذ يعتبر بكائها ودموعها علي حبيبها ليل نهار أشهي إليه من الماء المثلوج في ليلة من ليالي الصيف القائظ .

سليمان: ( ينظر إلى بلقيس ويضحك طويلا ) .
بلقيس: ( دون أن تلتفت ) هذا أنت ...
سليمان : أوليس هذا وقت مجيئي ؟
بلقيس : نعم .. جئت علي عادتك .. تمتع عينك بمرأي دموعي !
سليمان : آه .. لو علمت كم يلذ لي مرآها.. إنها تثلج قلبي .. إنه يغتسل فيها .
بلقيس : إنما أذرف دمعا سخينا أيها الملك .
سليمان: إن قلبي ليحسه رطبا باردا أيتها الملكة .. " المسرحية ص 116 "

وهنا تصل الأحداث إلي ذروتها وتتبلور عقدة المسرحية وحبكتها ويلوح الحل ، في تحقيق الشرط الذي يحدث ويتم بدموع بلقيس ودمعتين آخرتين ، تذرفهما شهباء حبيبة منذر ، ليبتل الحجر وتسري دماء الحياة فيه ، ليجد منذر شهباء أمام عينيه .

ويتيقن سليمان أنه لا قبل له بأحوال القلب وتقلباته ، فيندم ندما شديدا ويتعجب كيف وهو الملك العادل الحكيم كيف فعل هذا ! ويعي أنه أخطأ ودخل في صراع غير متكافئ مع امرأة حتى وإن كانت ملكة ، فهي بالنسبة له بالغة الضعف ، خاصة وأن غاية الصراع كانت غير نزيهة إطلاقا ولا تليق بملك عظيم ونبي حكيم وجب أن ينشغل برعاية شعبه وأمور مملكته والتفرغ لجسام الأمور والتسامي بالعاطفة والهوى في سبيل الدعوة . أدرك سليمان كل هذا واعترف في حواراته مع الكاهن بذلك كله معلنا توبته وإنابته راضيا في النهاية بصداقة بلقيس تاركا حبها لمن اصطفاه قلبها وهكذا تحل لحظة التنوير في المسرحية باقتناع سليمان بأن مفاتيح القلوب بيد الله وحده .

الرسالة الأخيرة

وترد في منظر المسرحية السابع والأخير ، ويبدو هذا المنظر لا علاقة له بأحداث المسرحية التي وجه المؤلف عناصرها الفنية بقصد إبراز الصراع بين سلطة القوة وسلطة القلب ، فالمنظر الأخير يتعلق بموت سليمان وذلك بعد أن غادرت الملكة ديار أورشليم وودعت سليمان قاصدة مملكتها في سبأ ، ولا يضيف هذا المنظر لصراع المسرحية وفكرتها جديدا بعد أن كشفت الأحداث للجميع الحقيقة الكبرى في مسألة القوة والعاطفة وحلت لحظة التنوير ووصول الملتقي نقطة الإشباع الدرامي والفني .

مغزي رسالة موت سليمان الدالة :

وخلاصتها ، أن علم الغيب عند الله وحده ولو كان الجن الخارقون يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين والتسخير المتواصل وحبس الكثيرين منهم من العصاة في القماقم .

فبعد رحيل الملكة ، توجه سليمان آسفا حزينا إلي قاعة الصرح الذي بناه لها ، وأمر الجميع بألا يعكر صفو خلوته أحد واتجه إلي كرسي عرشه ليجلس عليه ، خافضا رأسه ، متكأ علي عصاه ، وظل علي هذا الوضع زمنا ليس بالقليل ، حتى حار كبار حاشيته من طول عزلته علي غير العادة ، متخوفين من الدخول عليه بعد أن نبه بعدم اقتحام خلوته ، ويفاجأ القوم بسقوط جثة سليمان علي الأرض ويسرعون لتفقد الأمر فيكتشفون حشرة أرضة الخشب قد أكلت عصاه من أسفل فوقع هذا المشهد الذي المروع الذي أثار هلع الحاشية وتعجبها معا وحملوا جسد سليمان ثم ما لبث أن شيعوا ملكهم الحكيم في موكب مهيب . وهكذا تحررت جميع الكائنات التي كانت مسخرة لسليمان إلي الأبد . ويتبين للجميع جنهم وإنسهم ، خاصتهم وعامتهم ، أن لا قدرة لأحد علي سبر الغيب وأغواره ، فعالم الغيب وعجائبه وحكمة الله المنطوية فيه ، لا قبل لأي كائن بمعرفته أو حتى مجرد الاقتراب من حصونه المدججة بأسلحة الدمار والاحتراق الفتاكة وأنه سبحانه لا يطلع أحدا من عباده علي شئ من الغيب إلا لمن ارتضي من صفوة خلقه وكان علي هذا الغيب من المؤتمنين .

رسائل المسرحية بين النص والوحي :

من العرض السابق لمسرحية " سليمان الحكيم " ، المحتشدة بالإشارات والعلامات والرسائل والتي عرضنا لأهمها ، علي ضوء النص المكتوب ، يتبين لنا الدور البنيوي الهام الذي لعبته هذه الرسائل في إقامة هيكل المسرحية واستواء بنائها العام ، أحداثا وحوارا وصراعا فانفراجا وتنويرا . ويتفق كل من النص المسرحي والقرآني العظيم - في إبراز هذا الدور ومحوريته إلا أن المعالجة والغاية من الرسائل الكونية الفائقة الحدوث والدلالة ، اختلفت اختلافا بينا في كل من النص المسرحي والوحي القرآني حتي صار بينهما هوة واسعة ، نتجت كما أشرنا من قصدية المؤلف لصنع انحراف فني يخدم فكرته ، ما أظهر النبي سليمان في صورة تجردت من سمو مقاصد النبوة وجسامة مسئولية المهمة وتفاني الأنبياء وتجردهم الكامل لخدمة الدعوة والرسالة المكلفين بها من رب العالمين الذي اصطفاهم من دون الناس ليبلغوا رسالته ويحققوا كلمة التوحيد علي الأرض حتى يعمها الأمن والسلام المفقود .

إلا أن المؤلف يتدارك هذا الأمر فنيا فيبرزه وكأنه لحظة ضعف في حياة سليمان ، نتج عنها ما نتج من أحداث ، ويحاول بنزعة تأكيد وإلحاح - أن يفرد فصلا بكامله ، حافلا باعتراف الملك سليمان بالذنب والتقصير والحيد عن مطلوبات الحكمة في لحظة ضعف إنساني . تلك الحكمة والعدل اللذين عرف بهما بين الناس إلا أننا استعرضنا الرسائل وما أفرزت من أحداث في ضوء سلطة النص ومنطوقه وفقا لفكرة ورؤية مبدعه.

خاتمة :

علي ضوء استعراض أهم الرسائل الواردة في مسرحية " سليمان الحكيم " وبيان أداورها المفصلية في تطوير الخطوط الدرامية وتنافي الحدث في نص " توفيق الحكيم " نخلص بدراستنا إلي النتائج الآتية:

1- إن الرسالة تلعب دورا هاما بالغ الحيوية والتأثير في حياة البشر .
2- إن الرسائل التي احتشدت بها مسرحية " سليمان الحكيم " خاصة التي وردت في النص ، شكلت فقرات بنيوية هامة في بناء جسم المسرحية وتنامي أحداث فصولها السبعة وتوجه حواراتها وصراعها.
3- وفضلا عن الوظائف الحيوية التي قامت بها الرسائل في قصة سليمان النبي وفي نص المسرحية معا ، فإن هذه الرسائل انطوت في طرق إرسالها وطبيعتها ومضامين خطاباتها علي إشارات كونية ومدلولات سماوية فائقة وحكيمة ، تعمق إيمان الإنسان بربه وتؤكد يقينه بقدرة خالقه المطلقة .
4- إن هذه الرسائل لم تكن خطابات لغوية فقط ، وإنما صيغت أيضا من وسائل مادية وأشكال أخري متعددة وهو ما كان فيما بعد موضوعا لعلماء الاتصال وعلماء اجتماع الأدب الذين درسوا كل أنواع الخطابات في المجتمعات وأكدوا أهمية "وسيلة الرسالة" وتأثيرها على طريقة تفكير الناس في المجتمع . وقالوا : إن الوسيلة أهم من محتوى الرسالة وفي هذا الصدد تشتهر عبارة " مكماهون " : " إن الوسيلة هي الرسالة " .
5- إن دراسة أنواع الخطابات والرسائل المتبادلة في مجتمع ما ، تمثل موضوعا رئيسيا من موضوعات النقد ، إذ إن تحليل هذه الخطابات والرسائل والوقوف علي وسائل إرسالها ، يعين علي فهم الواقع في ممارساته الخطابية المختلفة ، فالمجتمعات في نهاية الأمر ما هي إلا حاصل جمع الخطابات الموجودة فيه ، وأن نظرية الخطاب تتضمن بالضرورة نظرية عن المجتمع وتحديدا نظرية عن القوة الشرعية والسلطة في تلازمها مع المعرفة .

مصادر ومراجع الدراسة :

1- القرآن الكريم .
2- مختار الصحاح .
3- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للأستاذ / محمد عبد الباقي .
4- مسرحية " سليمان الحكيم " توفيق الحكيم .

الهوامش :

1- مقدمة مسرحية " سليمان الحكيم " ص 10 مكتبة مصر ، الطبعة الثانية ، القاهرة 1988م .
2- " مختار الصحاح " مادة ( برد ) ص 47 للإمام محمد بن أبي بكر الرازي ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1986م .
3- موسوعة ويكيبيديا العربية، إنترنت.
4- المصدر السابق .
5- راجع في ذلك : د. جابر عصفور :
أ‌) " آفاق العصر " ، مكتبة الأسرة هـ . م . ع للكتاب ، القاهرة 1997م .
ب‌) " نظريات معاصرة " ، مكتبة الأسرة هـ . م . ع للكتاب ، القاهرة 1998م .
6- راجع : أ) د. رمضان بسطاويسي " الخطاب الثقافي للإبداع " ، كتابات نقدية ، القاهرة فبراير 2002م .
ب) أحمد رشاد حسانين ، مجلة الثقافة الجديدة ، العدد 165 ، ص 122 ، القاهرة سبتمبر 2004م .

مشاركة