السبت، 1 مايو، 2010

بورسعيد حضارة وتاريخ ... سفر جليل لكاتب نبيل

في السابع والعشرين من سبتمبر من عام 1988م ، أنهى الكاتب والمفكر الأستاذ سمير معوض ، سفره التاريخي الممتع "بورسعيد حضارة وتاريخ" ، لكن لظروف أشار إليها المؤلف في تقدمة الكتاب ، لم ير سفره هذا النور إلا في عام 2009م ، وذلك وفقا لرقم إيداع الكتاب وترقيمه الدولي عن دار النشر الطابعة له الصادرة في طبعتها الأولى وهي دار الإسلام للطباعة والنشر بمدينة المنصورة .

إن قرابة واحد وعشرين من الأعوام فصلت ما بين زمن الانتهاء من الكتاب وزمن طباعته ، ظل الكتاب فيها حبيس ظلمات الأدراج ، رهين لطبقات من غبار النكران ، أسيرا لأكوام من أتربة الموجدة والحفيظة . وظل صاحبه معها متحليا بالصبر ، متذرعا بالأمل ، راضيا بمشيئة الله ، مقتنعا بحكمته وتقديره سبحانه اللحظة والمكان المناسبين .

وتسفر شمس الأمل وتنكشف غمامات المحنة وتنداح سحب الظلام ليظهر الكتاب بين أيدينا سفرا جليلا وإنجازا كبيرا ومرجعا أصيلا من مراجعنا التاريخية الحديثة والمعاصرة ، إضافة إلى كونه يتألق صفحة ناصعة من صفحات تاريخ مدينتنا الساحرة المعشوقة بورسعيد ، تظل مدعاة للاعتزاز ، مصدرا للمباهاة والفخر ، ومثابة للباحثين يهطعون إليها طلبا للحقيقة وسعيا إلى الكشف .

إن الكتاب الذي بين أيدينا ليس مجرد بحث وارتياد تاريخي ممنهج ومدقق ، وإنما تستشعر وأنت مبحر وسط مياه محيطه ، أنه يتجاوز غاية التأريخ والتحقيق ، متطلعا لإنجاز ما هو أكبر من ذلك وأعلى طموحا .

إن مجرد نصوع الحقيقة التاريخية بعد إيراد البراهين على جلائها وسوق الأدلة بغية إثباتها وتأكيدها هو في حد ذاته قيمة وإنجاز يستحق منا كل تقدير ، لعلمنا ما يترجمه لنا هذا من جهد وطاقة وعمل متواصل وكد مستمر وارتحال مضن بين الدهور والعصور ، والتحلي بقدر كبير من الدأب والمثابرة بين المرجعيات التاريخية القديمة والوسيطة والحديثة فضلا عن غيرها من المصادر والمعاجم الجغرافية والدراسات المورفولوجية والسيوسيولوجية .
إن من يضع بين أيدينا الحقيقة ناصعة متألقة ، ويفصل القول فيها إقرارا للحق وراحة للنفوس وإقناعا للعقول وهداية للدارسين وبوصلة للباحثين ، إنما يقدم لنا خدمة جليلة وعطاء كريما غير مجحود ولا ممنون ، عطاء يستوجب الشكر المبذول والامتنان الموصول جيلا بعد جيل وعصرا بعد عصر .

إن الكاتب لم يكتف بانتصاب قامة الحقيقة واستوائها ولم يقف قانعا بعد سطوع أنوارها ، وإنما أنجز إضافة إلى ذلك ما لا يقل قيمة ولا ينقص قدرا من الفوائد والمنافع .

لقد تطلب إبحار الكاتب في محيط الزمن الشاسع الامتداد اللاجب الأمواج ، الحافل بالعواصف والأنواء – تطلب منه فوق ذلك ، التحلي بالصبر والتذرع بالصمود والمثابرة – وأن يستند لحقائق الجغرافيا ومعطيات التاريخ الاجتماعي وإنجازات العمران البشري .. إنها دراسة متكاملة لمكان عبقري بأبعاده الزمنية وتطوراته الجغرافية وصراع الإنسان فيه ومجالدته لكبح جماح ثوراته المناخية وترويض عوائقه التضاريسية مدفوعا بغريزة البقاء وفطرة التمكين ونزعة التواصل والاستمرار واستغلال عطاءات الخالق الواهب والانتفاع بخيراته وطيباته .

وفوق ذلك كله يسوق لنا الكاتب حقائقه بعبارات ذات أسلوب عربي ناصع ورصين ، يتسم بقوة النسج ومتانة التراكيب وفرادة اختيار اللفظة المعبرة وانتقاء المصطلح الوافي حتى لتصير الجملة والعبارة ثرة بالعطاءات اللغوية من جهة ، طارحة قوة الدلالة وجلاء الحقيقة من جهة أخرى .. وهكذا نستمتع دائما بكتابات الأستاذ سمير معوض ذات الفتنة البيانية والروعة اللسانية وقوة المنطق حتى ليذكرنا ذلك بأساليب أمراء البيان في النثر العربي بدءا بعبد الحميد الكاتب وليس انتهاءا بالقاضي الفاضل مرورا بالجاحظ وابن المقفع وابن العميد وأبي حيان التوحيدي وغيرهم من ناظمي عقود الدر وناسجي تواشيح الجوهر . واقتبس من صفحات السفر بعض هذه العقود وشيئا من هاتيك التواشيح على النحو التالي :

يقول الكاتب في الفصل الأول بعنوان "جذور الحضارة" متحدثا عن سمات الشخصية المصرية ومقوماتها :

"ولأن آثار السير تدل على المسير ، فلنا أن نتدبر حقيقة بوسعها أن تكشف لنا الغطاء بحثا عن أصول النشأة في جوهر الشخصية المصرية ، ونرجع البصر كرتين لمعرفة أن عماد هذه الحقيقة هو أن فلسفة الحضارة المصرية الفرعونية كانت فلسفة فكر نشأ في كنف كهنة وسدنة المعابد في محاريبهم وهياكلهم فهي فلسفة حملت في كل دقيقة من دقائقها روح التأمل وإمعان الفكر المتملي لأبعاد الحقائق ، ومن ثمت خلعت هذه الفلسفة على الدين طابعها المتصل بضرورة أن يكون العالم خادما للعقيدة ، وطريقا ينتهي إليها لأن هذه الفلسفة كانت غايتها القصوى هي السعي إلى نفخ روح الدين بمظاهر وظواهر الدنيا التي تمثل أعتابا يتعين اجتيازها إلى عالم الـ ما وراء والتأهب الدائم للانخراط فيه بما هو جدير به من مسوغات روحية ومادية ، وبمقتضى ذلك نهضت العلوم والمعارف ونضجت على أيدي الكهان وحوارييهم – الذين يتشبهون علماء اليوم في معاملهم ومختبراتهم – في أبهاء وحجرات المعابد ، التي كانت الأرحام الأولى التي خرجت منها حضارة تتحلى بالفضائل والشمائل الدينية والدنيوية ." صـ 38

ويقول في الفصل الثاني بعنوان "في البدء كان الماء" في معرض حديثه عن تاريخ مدنية مدينة "تنيس" :

"وكان قد تم في عام 1227 ميلادية القرن السابع الهجري نقل سكان المدينة ومناسجها ودور صناعاتها والعمالة الماهرة فيها إلى مدينة دمياط التي تقع إلى الشمال الغربي منها ، مما أتاح لمدينة دمياط ومينائها أن يكتسبا أهمية تجارية وصناعية جعلت منها مركزا تجاريا وبحريا وصناعيا في هذه المنطقة ، وفي أعقاب إخلاء المدينة وإجلاء أهلها هدم السلطان الكامل محمد بن العادل أبو بكر بن أيوب ، حصونها وسوى أسوارها بالأرض لتمسي تلك الآكام والبروج المشيدة أطلالا ينطمر ركامها تحت ما يهيله كر السنوات من نسيان ، وتقلب غير الدهر لتمسي بعدها جزيرة مهجورة لا تحظى بأي أهمية ، تستقطب إليها أفواجا من بشر تهوى أفئدتهم إليها بفعل ما يتوافر بها من عوامل الجذب الاجتماعية والاقتصادية لزيمة الازدهار العمراني الذي يفتح الأبواب على تراحب منطلقات الحياة ، وما تعج بها ميادينها من مناشط ، تقوم عليها أسس الرخاء الاقتصادي ، والنمو الاجتماعي للمدن ." صـ 108



يقول الكاتب في الفصل الثالث بعنوان "إنها جغرافيا جديدة" متحدثا في إطار تناوله لنشأة مدينة بورسعيد :

"أنشئت مدينة بورسعيد كما هو مدون في شهادة ميلادها ، في أواخر العقد السادس من القرن التاسع عشر وجاء وجودها محصلة لتضافر النظريات الهندسية السائدة في غضون القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، بفكر الجغرافيين الذين اجمعوا بعد ما تجشموه من مشقات الدراسات المتعاقبة الحلقات ، أن مكان بورسعيد هو أصلح الأمكنة لشق قناة ملاحية ، مع فكر الاقتصاديين الذين ربطوا واقع ومستقبل القناة والمدينة بأبرز ثمار الفكر الاقتصادي الأوروبي في تلك الحقبة ، والتي تمثلت في عقائد حرية التجارة العالمية التي تتحكم في تصاريف شئونها وضبط إيقاعاتها وتحديد مساراتها مجموعة الدول الأوروبية من خلال ما تفتحت عنه العقلية التجارية الأوروبية ، من خلال مبدأ دعه يعمل كما يشاء ودعه يمر إلى أي مكان أو أي هدف يريد ، وأخيرا مع فكر المؤرخين الذين لم يستنكفوا ترداد نصائحهم وآرائهم عن أهمية منطقة الشرق الوسطى لأوروبا ، لأنه بدونها لن تكون أوروبا ناهضة ولا متطورة ." صـ 190 ، 191



وفي الفصل الرابع بعنوان "لمن تدق الأجراس" وعن بعض تكوينات وطبقات الشخصية البورسعيدية يقول الكاتب :

"وبقدر ما كان المجتمع الأوروبي في المدينة يسعى حثيثا إلى استدماج مجتمع المواطنين في آلية وخيوط نسيجه بدعوى تحويله إلى جزء من المجتمع الأوروبي الناهض ، لإفراغ الحياة الاجتماعية والثقافية للأهالي عن مضامينها وتحويها إلى أنساق تدعم وجوده وتزكي سيطرته ، من خلال الاستلاب الذي يفضي إلى إضعاف الخصوصيات الثقافية والحضارية القومية ودفعها إلى التلاشي ، فإن الوعي الحضاري على بساطته لدن هؤلاء الآهلين قد اتجه إلى الحفاظ على كل الرموز والقيم والمفهومات والممارسات التي تسد كل الذرائع أمام عمليات التطويع والتهميش لذخيرة التماسك في البنية الاجتماعية والثقافية للآهلين ، الذين لم يفسحوا المجال أمام هذه المحاولات الدائبة ، وإن لم يغلقوا الأبواب أمام أشكال غير محدودة من التعايش والتداخلات المحسوبة فيما بين العالمين ، وكان أرقى ما وصل إليه الاتفاق الجماعي لحل هذه الإشكالية ، هو الإبقاء على مستويات من التعاون الاقتصادي ، دون أن يتحول ذلك على المساس بالهوية الثقافية والحضارية القومية ، وقد أدى هذا إلى تعمق وصلابة الشعور الديني والقومي مما وقف حائلا شديد الصلابة دون تسرب القيم الأجنبية إلى الحياة الاجتماعية الراسخة ومع مرور الوقت برز الشعور القومي لدى سكان المدينة مكتسيا بمسحة من المغالاة المبررة والمعروفة الأسباب وأوشك أن ينقلب إلى نوع من التعصب ." صـ 213 ، 214



ومن الفصل الخامس والأخير بعنوان "مدينة العالم . بذور وجذور" نقتطف هذا المقتبس من حديث الكاتب عن فلسفة التخطيط العمراني للمدينة يقول :

"والتخطيط العمراني لمدينة بورسعيد يعد محصلة حوار متناوب تارة ومتصل طورا ما بين الطبيعة والهندسة لإيجاد تناغم ووحدة تمهد السبيل لاجتذاب أقوام من البشر يحشدون في هذه البقعة لأداء الرسالة التي من أجلها انبجست المدينة من بين أمواج الماء وزبده مثل الإلهة مينرفا في الأساطير الرومانية ، وقد تصرف المهندسون في حدود ما أتيح لهم من معارف وما توافر لهم من أدوات علمية وتكنولوجية عصر ذاك ، وتصرفت الطبيعة في إطار ما يمكن لها أن تهبه ، ومن تفاعل هذا التزاوج أو الاقتران فطرت مدينة بورسعيد لتكون أول مدينة في هذه المنطقة وجدت بفعل تصارع القوى العظمى ، وبقيت مثارا للتصارع فيما بينها حتى وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ." صـ 302 ، 303



إذن فهذا السفر يضم خمسة فصول تؤلف نيف وثلاثمائة صفحة ، يتناول الفصل الأول منها "جذور الحضارة المصرية" وهي الحضارة المصاغة من سيمفونية رائعة امتزجت فيها حضارة النهر بحضارة البحر ، أما الفصل الثاني فقد بسط فيه المؤلف الحديث عن تاريخ المكان الذي ظهرت فيه مدينة بورسعيد في الرقعة ما بين مدينة تنيس التي كانت حاضرة البحيرة الزاهرة ومدينة الفرما التي كانت ميناء تاريخيا عامرا في الطرف الشمالي الشرقي من الوطن ويكاد حديث الكاتب عن هاتين المدينتين اللتين اندثرتا يرد إليهما الحياة ويعيد تمثيل الحركة والحيوية فيهما وكأننا نطالع شريطا سينمائيا نابضا بالحراك متألقا بالألوان ، وكأن المؤلف مخرج سينمائي عالمي وظف كل ما لديه من تقنيات السينما العالمية واستثمر كل طاقات فريق عمله ليمنحنا شريطا فائق الإبهار آخذا بالأبصار ومجامع الأفئدة إذ تتجلى في صنعة الشريط وجودته وروعة صورته أقصى إمكانات الإخراج والتصوير السينمائي والموسيقى الناطقة بأبعاد صناعة السينما الأربعة ، على غرار ما تابعنا في فيلم "آفاتار" الأمريكي ذي البعد الرابع والذي صار حديث الجمهور والنقاد وتم ترشيحه لأكثر من جائزة من كبريات جوائز السينما العالمية وأهمها جائزة "الأوسكار" .

وفي الفصل الثالث بعنوان "إنها جغرافيا جديدة" يسهب المؤلف حديثه التاريخي المدعوم بالوثائق والأدلة – عن فكرة حفر قناة السويس نشوئها وتطورها ومن ثم نشأة وظهور وتطور المدينة مقارنا بينها وبين قناة "سنوسرت الثالث" الفرعونية والتي قامت على فكرة وصل البحرين الأحمر والأبيض بواسطة ترعة عرفت باسم ترعة سيزوستريس أو ترعة الفراعنة .. يقول المؤلف : "وكانت آثار هذه الترعة ظاهرة على الأرض حتى عام 1855م ورسمت في خرائط كبيري مهندسي الحكومة المصرية الفرنسيين : لينودي بلفوند وموجل ، في تقريرهما الذي قدماه لديلسيبس عن برزخ قناة السويس .." انظر صـ 196

ويخصص المؤلف الفصل الرابع للحديث عن التاريخ الاجتماعي للمدينة وأصول الأخلاط البشرية التي وفدت عليها وحدة الصراع الاستعماري بين كل من انجلترا وفرنسا حول الفوز بالقناة والسيطرة على مقدرات الحركة بين جهات العالم من خلالها .

أما الفصل الخامس والأخير بعنوان "مدينة العالم" يتناول تحليل النسيج الاجتماعي للمجتمع البورسعيدي وتتبع خيوطه الحضارية التي صبغت أهل المدينة بطوابع معينة وأكسبتهم شخصية متميزة ذات إضافة للشخصية المصرية ولأرض مصر العبقرية التي كانت وما زالت وستظل بوتقة تنصهر فيها كل الثقافات وتتفاعل بحراك عبقريتها كل القارات دون أن تريم عليها رياح أو تعصف بأصالتها أنواء أو أن تطغى .

كل المحبة والتقدير والامتنان لهذا الجهد القيم وتلك الثمار الطيبة وكل آيات الشكر والعرفان نزجيها لكاتبنا سمير معوض الذي قدم لنا في بلاغة لسان ونصاعة بيان روعة الحقيقة ودرس التاريخ درس اليوم والأمس والغد ، إنها كما يقول مقدم الكتاب الأستاذ سامي هويدي .. درس لأجيال أتت وأدت دورها وأجيال حاضرة تعيش وتعايش وأجيال قادمة من "المأمول" راجين جميعا نفع الكلمة الطيبة وتحقيق رؤاها ومبتغاها واثقين من حصول ذلك إن شاء الله بذلك الغرس الطيب ذي الأصل الثابت الراسخ والفرع المثمر الشاهق ، قال تعالى : "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" صدق الله العظيم

مشاركة