السبت، 1 مايو 2010

" عابرو المجاز" وإشكالية النوع الأدبي

هذا هو العمل الخامس للقاص والروائي إبراهيم صالح ، أصدره الكاتب عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة عام 2009 ، وقد نوقش العمل في شعبة القصة الرواية بمقر اتحاد الكتاب بالقاهرة في 7 مارس من عام 2010م . وربما كانت أكثر مسائل العمل عرضة للجدل والنقاش ، هي إشكاله النوع الأدبي الذي ينتمي إليه نص " عابرو المجاز " ، فقد كان واضحا حرص الكاتب علي تحديده وتضيفه بكلمة " رواية " والتي كتبت علي غلاف العمل ، بخط واضح باللون الأحمر .

وتحمل صورة الغلاف طائرين أحدهما ملقي جثة هامدة والأخر يقف على جثته نائحا يندبه ويبكيه . وقد أيد أحد اثنين من النقاد المناقشين للنص ما ذهب إليه الكاتب من تحديد النوع الأدبي وهو الناقد الأستاذ ربيع مفتاح ، بينما طالب الناقد الآخر وهو الدكتور مدحت الجبار بأن نتحلي بالحرص عند تضيف العمل ولا يكون تصنيف المؤلف أو تحديده هو القول الفصل في هذه المسألة ، فالكاتب له مطلق الحرية في أن يصنف نصه ما شاء له التصنيف ، أما الدارس والناقد كذلك طلاب الدراسات العليا ممن يطلبون النقد والكتابة ، فالأمر لدي هؤلاء يختلف إذ إنه حينئذ يخضع النص للفحص ومن ثم التصنيف المطمئن .

ويقع نص " عابرو المجاز " في مائة وسبع صفحات ، يكونها ثلاثة فصول أو أقسام تحت العناوين الآتية : عابرو المجاز – الجنة والجحيم – غيمات من غربة داكنة

ويؤلف القسم الأول خمسة عشر مقطعا ، لكل مقطع عنوانه الداخلي الجانبي مثل : الخريف ، ميرام ، سمر ، القاهرة ... إلخ . وبعض العناوين يكونها جملة مكتوبة بحروف سمكها مختلف في نفس الوقت تأتي العبارة مفتتحا للنص الداخلي ، مثل قوله أتبوأ صدارة إحدى الغرف ... أو أوقات الغروب تصبح قصيرة ، أو يرحل سبتمبر الحزين ... .

أما القسم الثاني ( الجنة والجحيم ) ، فيؤلفه تسعة مقاطع هي أشبه بمذكرات سيرة ذاتية تحت عناوين من مثل : 20 مارس 2003 م ، أبريل من عام 2003 م ، شهر الربيع ... إلخ

ويتألف القسم الثالث ( غيمات من غربة داكنة ) ، من ستة مقاطع هي : شوارع باردة ، عم سيد ، صفية ، عبد القادر ، القطار ، المشهد . ونموذج " عابرو المجاز " يطرح مؤلفه باعتباره ذاتا سردية ، تدخل مجال النص بقوة الحضور السردي ، والحادث في النص ، هو نوع من التغيير في ترتيب البيت الداخلي لنظام النص وذلك انسجاما مع التحول الذي تعرفه المواقع في علاقتها بالمواضيع . إن النص يتبدي نموذجا للانزياح عن عنصر اكتمال الحكاية ، من خلال اعتماده مبدأ الاشتغال علي الخطاب السرد الذي اهتم بمظاهر تشخيص الحكاية أكثر من الاهتمام بضمان حكاية قابلة للأخذ بها دفعة واحدة ، وهو ما يعرف في الدرس النقدي بالتشظي الحكائي .
وبناء علي ما سبق فهو نص غير مقيد بالخط الأفقي للحكاية ، بل إن الحكاية تنتعش بتعدد زوايا الذات الساردة وحالاتها وملفوظها ونمطها من الوعي وكلها وضعيات للذات الساردة ذوات علاقة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي وهي وضعيات تميل إلي تحرر اللغة وشكل الكلام .

نعم ... إن ذات المؤلف وإشكالياتها ، تظهر بوضوح إلا إنه من الخطأ التعويل مباشرة علي مسألة المطابقة بين المؤلف والسارد والشخصية حيث لا بد من وضع اعتبار للمرجعية التخيلية ، ضف إلي ذلك وجود تجاذب بين استعمالات الضمائر حيث يتردد ضمير الذات المتكلم بصفة خاصة في القسم الأول ، وبدا ضمير الغائب مهيمنا في القسم الثاني ، في حين أن ضمير المخاطب كان له الحضور الأوحد في القسم الثالث . إننا أمام نص يلتقي فيه السيري بالروائي أو بمعنى أدق ، تحكي الذات فيه عن نفسها وتفضفض وتبوح ويختلط في هذه العملية العام بالخاص ، والجزئي بالكلي ، والموضوعي بالذاتي ، أي أننا أمام نوع من المحكيات يختلط فيها الواقعي الذاتي بالتخيلي فيبدو النص كرواية سيرة ذاتية لكنها سيرة في صورة حالات ومواقف متشظية وهو ما دعا الكاتب السعيد صالح بتصنيفها بقوله : " متتالية قصصية " ، أي أنها وفق تعبيره مجموعة من القصص بؤرتها الذات الساردة .

ومجمل القول : فإن النصوص الروائية التي غدت تمطرها سماء الساحات الأدبية خاصة الشبابية منها – يلاحظ فيها تمردها علي التقاليد التي كانت متبعة في الرواية التقليدية ، وأن هذه النصوص مزقت إهاب النوع الروائي وتحررت من سطوته إلا أن مساراتها جميعا لم تتبلور ولم تتخذ لها تقاليد أو أشكال ثابتة حتى الآن . ونحن نسجل هذه الملاحظة لأنه حتى الآن ما زال استخدام النوع الأدبي باعتباره نموذجا سائدا في الدراسات السردية والتحليل النص ، كذلك في ظاهرة التناص أو رصد أفق التوقعات لدي القارئ عند أصحاب مدارس التلقي .

داخل النص:

وإذا كان نص " عابرو المجاز " بؤرته الذات وغايته البوح ، فإنه بذلك يعد نصا غنائيا ، أي منتميا إلي شعرية السرد ، أو ما يمكن تسميته بنص " الحالة " حيث يتبدى ككل نصي غنائي مفتوح المواجع والمسارب ، يعبر فيه السارد عن علاقته بالحياة والموت ، ورؤيته ومواقفه من الشخوص والأحداث ، ويطرح فيه همومه وأسئلته ويجعله رحبة لعرض أحلامه وعذاباته ، أمله ويأسه ، غضبه ومزحه . إن النص يبدو حالة تحسس وبوصلة استرشاد ونوع من الاستشفاء الذاتي بالبوح ، يعكس تشكلات حالات الوعي ، ذلك لأنه منغمس في حياة يمارسها ربما دون أن يعرف هويتها .

في القسم الأول :

يبدو الراوي حائرا ، مهموما بقضية الموت ، طارحا لأسئلة عديدة حوله ، مجسدا وقعه عليه ، وذلك من خلال تفجر هذه القضية في حياته أكثر من مرة مع أناس أحبهم وارتبط بهم ارتباطا وجدانيا وثيقا ، ويبدو الراوي في مشاهد هذا القسم مصابا بالصدمة ، تائها ، حيران بتأثير مشاعر الفقد . لقد تخطف الموت العديد من أقاربه أو معارفه أو أصدقائه بعد أن أضناهم المرض ليعبر بهم الموت إلي منطقة " المجاز " وهو عالم البرزخ ، حيث تنتقل الروح إلي هذه المنطقة في مرحلة ما قبل البعث . إنه عالم طالما أثارت مجهوليته أسئلة الراوي وحيرته ، وتأتي الحالات التي تناولها الكاتب فرائس للموت ، شاخصة بأسمائها التي هي "عناوين" المشاهد كنوع من الاستحضار والمعايشة مع هذه الشخوص من أمثال : زوجه أخيه " ميرام " وزميلته " فريدة " وزوج شقيقته : " شريط أموات العائلة بدأ يلاحقني ، أرى نفسي مسجي فوق الفراش ويشرف من فوق رأس عزرائيل ، ماذا سأفعل وقتها ؟ ماذا سيكون شعوري ؟ ليتني أستطيع أن أعرف ! " .

ويدهمه موت " ميرام " زوجة أخيه الشابة ، وكان موتها صدمة مفجرة للأسئلة ذات العيار الوجودي الثقيل: " ماذا أكون ؟ ولم ولدت ؟ ماذا تعني حقا كلمة الموت؟ لماذا رحلت ؟ لماذا رحلت ؟ " . إنه حزن عميق وأسى دفين يملأ الوجدان. وتنتهي الأسئلة الممضة بحيرة ممزوجة بخوف ورعب من الموت وتزداد ارتباكات حيرته بإحساسه بمفارقة الحياة الكبرى " فكم هي جميلة ولكن ما أقصى أن نفارقها بلا أدنى اختيار ! " .

ويوغل الراوي مع مسألة الموت ويتساءل إلي أين ستذهب روحه إذا ما اخترمه هادم اللذات ؟ أم أن هذه الروح ستؤول إلي تلاش وزوال ؟ ... وهكذا يظل ليال طوال ، يرعي القلق والخوف وآلام الفقد ، حتى إذا غارت النجوم وانبلج النهار توجه إلي عمله وقد نال منه الإرهاق والإعياء . وقد تخالج الراوي وهو غمرة خوفه وقلقه - نوبة من تحد وإصرار ، فيقرر ألا يستسلم لهاجس الموت المحفوف عالمه بالمخاطر والغموض ، وأن يترك قياد نفسه للحياة ، يعيشها ويعب منها ، حتى إذا ما استقر علي ذلك إذا بالأحلام والكوابيس تنغص عليه سباته وتكدر نومه فيصحو فزعا لا يجد حواليه سوى الفراغ والصمت !

وحين يتعرض الراوي لحالة فقد زميلته " فريدة " ، يقف برهة أمام آلام المرض وصراعها المضني معه شهورا طويلة ، ويبدي الراوي حزنه وإشفاقه علي أولادها الثلاثة الذين خلفتهم صغارا ونستشعر في سرد الراوي عن الموت وحيرته أمام عالم البرزخ - رهافة حس وتعاطف إنساني عميق من ماتوا ومن تركوهم خلفهم ، إلا أن مثل هذه المشاعر سرعان ما تزول مع استبطان ماهية الموت وعالم المجاز وهنا يعايش الراوي أحوالا سلبية يمكن أن نسميها " فوبيا الموت " والتي تصل به إلي وضع أشبه بالمرضي .

وتكشف لنا " الخريف " و " سمر" عن عوامل مساعدة في تكثيف هذه الحالات وازدياد مضاعفاتها وأهمها عاملان :

أولهما: حياة الوحدة التي يحياها دون زوجة أو أنيس .

ثانيا : توافق ظروف موت البعض مع قراءات للراوي عن الروح والموت مثل كتاب " رجل من التت " للمؤلف " لوبي سنج " .

كما توضح لنا مشاهد " عابري المجاز " جوانب وأبعادا أخرى من حياة الراوي ، تعمق إحساسه بالوحدة والألم مثل : إحساسه بقيود الوظيفة وإسارها ، افتقاده للحسم والقدرة علي أخذ القرار خاصة في موضوع الحب والزواج ، فكم من فتاة جميلة تمني مغازلتها وكم من أنثي حلم بمضاجعتها ، وكم من زميلة رغب أن يقضي عمره معها ، ولكن تردده أضاع عليه حياة الأمن والاستقرار ، وهكذا يرتد إلي عالم الوحدة والفراغ والشعور بقسوة المدينة الكبيرة وضياعه فيها : " بقيت الحسرة ، وترسب الشعور بالندم . الندم علي أشياء كثيرة فعلتها وأشياء لم افعلها ، أشدها وقعا بنفسي ، تلك الفتاة الجميلة الرقيقة ذات العينين المتموجتين كسطح البحر ... سمر " الرواية صـ 25

القسم الثاني:

ويتألف من تسعة مقاطع ، أشرنا إلي أنها أشبه بمذكرات ذاتيه يومية ، تحكي أحداثا هامة وقعت في حياة الراوي ، مبينة أثرها عليه ومواقفه تجاهها ، وهي أحداث يمتزج فيها العاطفي الوجداني بالوطني ، بالهم القومي ، أهمها الغضب والفوران الشعبي الذي ثار ضد الغزو الأمريكي للعراق ، واحتجاجات بعض القوى والأحزاب السياسية ضد الفساد والتوريث .

ويتوازي في الوقائع الفشل العاطفي الذاتي مع القومي والوطني ، إذ يقع العراق فريسة لغزو مخطط وخنوع عربي محبط مع وصول قصة حبه وهيامه بالمناضلة " ثريا " إلي الإخفاق وإسدال الستار علي فصلها الأخير.

ويتعرض الحكي في هذا القسم من النص إلي تفصيلات المظاهرات وما يحدث فيها من كر وفر وعنف واعتقال ومهانة وإذلال يتعرض له المعتقلون ، وتتولد قصة إعجابه بثريا من وسط شرارة المظاهرات ، ويشده إليها جرأة وشجاعة وإصرار ، يستشعر في أعماقه بأنه يفتقدها ، وتبدو علاقته بثريا يكتنفها شئ من الضبابية وعدم الوضوح ، فهو يهيم بها إعجابا ويصرح بحبه لها ، في حين أنها وبعين اليسارية الخبيرة تفطن إلي أنه يشتهيها ويرغبها بشدة وإلحاح ، وتكشف عن جرأتها بحديثها السافر والصريح عن عدم إيمانها بشئ اسمه الحب ، وهي قد أعجبت به ، بعد أن افتداها من هراوات جنود الأمن المركزي في إحدى المظاهرات ، وأنها لا تمنح جسدها إلا لمن ترتضيه ولذلك فهي تختصر عليه الأمر وتطالبه بصورة مباشرة بتحديد الزمان والمكان مما ألهب فيه الشهوة وأوقد في جسده نار الرغبة ، لقد أمضى ليلة صاخبة مع شلة " ثريا " في أحد كوفيهات وسط البلد ، اختلط فيها الصياح بالشراب برقص ثريا حيث استعرضت مفاتن جسدها ومواهبها الأنثوية المثيرة للجنون ، فما كان إلا أن أخذها إلي مسكنه وأطفأ في جسدها نار الشهوة والاشتهاء .

وبالرغم من إحساس ثريا أن معاشرته لها تختلف ، إلا أنها لم تفكر في أن تفاتحه في زواج أو استقرار ، إذ أنها ارتضت لنفسها بحياة تعيشها بلا قيود بين الفن والسياسة والسهر ، وبالرغم أيضا من أن ثريا بدت له في لحظة " مجرد راقصة ماجنة ورخيصة " إلا أن ارتوائه معها دفعه دون روية لعرض الزواج بها ، وإذ ينتهي موسم المظاهرات والاحتجاجات وتعود أمورنا السياسية والحياتية إلي وتيرتها القاتلة كرة أخري ، يمنحه هدوء الأوضاع مساحة للتأمل وتقليب أمر ثريا علي وجوهه ، خاصة وأن شلة " الكوفي شوب " قد انفرط عقدها وولت ليالي المشربية والأتيليه ، وباختصار زالت الظروف التي ولدت إعجابه بثريا وهيامه بها ، فينتهي آخر الأمر إلي " أن ثريا فنانة متقلبة المزاج وهو يجزم بحدوث تحولها يوما ما" ، وهكذا يبرر الراوي لنفسه انسحابه من حياتها .

ونأتي إلي القسم الثالث من " عابري المجاز " :

وفيه يعالج الكاتب حكيه بضمير المخاطب وكأنه بذلك يصل إلي ذروة البوح والمكاشفة مع الذات ، ويتناول الحكي وقائع شخصيات من وحي الفترة التي انتقل فيها للعمل من بورسعيد فالقاهرة فالعودة ثم الترقية بالعمل لمدة عام في مدينة القنطرة شمال محافظة الإسماعيلية . يتحدث الكاتب عن رحلة القطار اليومية الرتيبة - عم سيد العامل الذي يأتيه بقهوته الصباحية - المصلحة - الأرملة صفية - الأستاذ عبد القادر زميله ( الاخواني ) في المؤسسة ، ثم المشهد الأخير . ونلاحظ بالرغم من انتقال الأحداث من مكان إلي مكان آخر بظروف مختلفة إلي حد ما ، فإن رؤى الشخصية ومواقفها الفعلية علي الأرض ، تظل كما هي لم تتغير ، أي تظل في دائرة إحساس عام بالعدمية وعدم الرضا لأسباب يتدخل فيها الشخصي بالعام ، ويظل اشتهاءه للمرأة سعارا يكابده وسوطا يئن تحت ضرباته ، ويظل تردده في حسم أمره مع من يظن أنه أحبها ، يوجعه ألما ، حتى أن التردد يلاحقه والخوف ينتابه إذا تهيأت له الظروف وصارت مواتية لسد جوع الجسد الملعون . إن عم سيد تلك الشخصية الغريبة الأطوار المتزوج من امرأتين في حين أنه عاجز جنسيا ، يعرض عليه بكل السفالة والخسة والانحطاط إحدى زوجتيه ، لكنه تحت تأثير فكرة المؤامرة من السافل زوجها ، يطلب السلامة بالهروب. وصفية تلك المعلمة المطلقة المثيرة الطامحة للاستقرار ، يعرض عليها الزواج العرفي وهي تصر علي أن يكون رسميا ، في نفس الوقت الذي تستمر فيه خطاباته ومكالماته مع سميرة في مقر المؤسسة في بورسعيد .

ومع رحلة القطار صباحا تتشظي نفسه وتذهب بددا مع نظراته الجائعة لفتيات الجامعة المتجهات لكلياتهن ، إحداهن الفتاة " تيسير " والأخرى دأبت علي جذب انتباهه بالنظرات والابتسامات وهو وسط كل هذا الجحيم الجسدي الأنثوي يتفاقم جوعه وتتعاظم آلامه ، يحن أحيانا إلي القاهرة بصخب مساءاتها وحيوية الحياة فيها ، يكره العمل في المؤسسة بقيودها في نفس الوقت الذي يرتعد فيه من فكرة الاستقالة أو أن يصيبه الدور في الخروج للمعاش المبكر ، يتوق للعمل في القاهرة رغم إحساسه أحيانا بالضياع فيها ويصيبه السأم من بورسعيد ، بالرغم من أن حنينه إلي وداعتها وبحرها وشاطئها كان يعاوده أثناء فترة انتقاله إلي القاهرة ، الآن هو يود العودة إلي القاهرة ليشعر بحرارة الحياة والتواجد في حلبة وهجها السياسي والثقافي ، ولذا فهو يتابع بشغف واهتمام شديد انتخابات 2005م وما صاحبها من أحداث ، وارتعاب السلطة الشديد من فوز كاسح للإخوان ولولا الضربات الأمنية وأساليب الترهيب والترغيب والتزوير واحتجاز مرشحي الإخوان ، لكان الأمر مختلفا تماما .

ويشير في حكيه إلي ملاحقات يد السلطة الباطشة لمرشحي الرئاسة خاصة أيمن نور ومضايقاتها المستمرة لحركة كفاية خشيه تداعيات حراك سياسي يمكن أن يؤدي إلي تحريك المياه الراكدة ودفع دماء الحياة في شرايين الجسد السياسي الهامد ، الذي تصلب ، كما يعجب بزميله عبد القادر ، إذ ينبري ليعلن بكل جرأة وشجاعة عن تأييده لمرشحي الإخوان في مجلس الشعب . حماسة عبد القادر واقتناعه بخط حزبه ، تدفعه إلي المزيد من الفاعلية والحراك غير آبه بالعواقب حتى يصل به إلي الأمر إلي تقديم طلب الاستقالة للتخلص من أخطر وهم يقتل روح المصريين وهو وهم الطعام والأفواه الجائعة ، يبدي إعجابه بأفاعيل عبد القادر ، في حين أنه يحجم عن نهج طريقه والتحلي بشجاعته . تنتهي انتخابات الشعب والرئاسة بتكريس الأمر الواقع ، ما يعني مواصلة الذات والوطن لرحلة الجمود والموت ومن ثم يأتي المشهد الأخير وهو مشهد دائري أشبه بالعود علي البدء ، فإذا كان الراوي قد بدأ بالموت فهو ينتهي به أيضا وفي لقطة كئيبة نشاهده يقف أمام جثمان مسجي يحمل ويدفع به إلي فتحه القبر " يقتحمك المشهد الحي المفعم بالبرودة ، اليأس يزيد في أعماقك يرسخ بداخلك أسى لا حد له " .

وهكذا يختتم الراوي بهذه اللقطة عالما لا محدود من الأسى

نواتج عمليات الحكي والسرد والخطاب:

إن نواتج عملية الحكي في " عابري المجاز " والتي بدأت بخريف عدمي وخواء روحي وانتهت أيضا بمشهد بارد للموت يتجلي فيه الخوف أكثر من الخشوع ، ويتبدي فيه الرعب أجلي من الحكمة والاعتبار تتخلص فيما يلي :

1. الذات محور عملة الحكي منطلقا ومادة وانتهاء .

2. وحدة قاسية وشعور بالاغتراب .

3. حرمان متواصل وظمأ عارم لجسد المرأة .

4. ذات تنشد الانعتاق لكنها مقيدة بالتردد وعدم التحلي بروح المغامرة .

5. حضور قوي للموت فاتحا شدقيه عن هوة مظلمة وعميقة من الخوف المجهول .

6. حضور نوع من الجدل بين الذات وهموم الوطن مع تأثير سلبي متبادل من الطرفين كليهما علي الآخر .

أما إذا تناولنا أهم ما يلاحظ علي عملية السرد فأهمها :

1- إيثار الكاتب التقنية المذكرات واليوميات .

2- احتشاد مواضع المفارقة علي مستوي الحدث والشخصية .

3- تعدد استخدامات الضمائر لكنها تظل متمحورة حول الذات الساردة .

4- الاهتمام بالعنصر الزمني والاحتفاء بظواهره وعلاماته .

5- غنائية النبرة وبالتالي اتسام مواضع كثيرة من النص بالشعرية السردية .

6- يفصح السرد ، عن دراية الكاتب بوظيفة اللغة الأدبية وإدراكه لجمالياتها وطاقاتها الوجدانية والتعبيرية ولا يمنعنا ذلك من الإشارة لعدد غير قليل من الأخطاء اللغوية والنحوية كما في الصفحات 13، 15 ، 16، 24، 27، 31 ، 33، 34 ، 49 ، 53 ، 73 ، 74 ... وهكذا .. وربما يكون بعضها ناتجا عن التسرع ، والبعض الآخر خطأ مطبعي إلا أن الكاتب مسئول في النهاية عن سلامة عمله .

7- إيثار الكاتب للجملة الفعلية ، ونستطيع على سبيل المثال إحصاء اثني عشر فعلا ما بين مضارع وماضي من خلال فقرة واحدة مكونة من أربعة أسطر فقط .. انظر الفقرة الأولي صـ 16 وهو اختيار وتوظيف لغوي ، يترجم عن سرعة إيقاع حركة التداعي وتولده من جهة والتعبير عن ذات قلقة متوترة من جهة أخري .

وأخيرا فعملية السرد في عابري المجاز تتسم بوضوح خطابها ورسائلها خاصة فيما يتعلق : بالموقف من الأنثى – الموت – الوظيفة – إدانة الواقع العربي المهترئ والتعريض بالتبعية ورفض القمع وتكميم الأفواه . ومجمل القول فإن مشروع الكاتب الروائي والقصص بات يلح علي مزيد من التطور الرؤيوي والتنوع التقني والمزيد من مغامرات الشكل السردي ، فجل الظواهر التي رصدناها ، سبق رصدها في أعماله الثلاثة الأخيرة " برد محتمل " ، " السماء كم هي بعيدة " و " أيام سمان أيام عجاف " .

مشاركة