السبت، 8 مايو 2010

محاولات للإبصار ... لوسيم المغربي وملامح من الكتابة الشبابية الراهنة

من الحقائق الأدبية التي يكاد يجمع عليها المبدعون والنقاد إزاء مشهدنا السردي الأدبي الراهن – أن هذا المشهد مهموم إلى حد كبير بمعاناة الذوات الإنسانية التائهة ، المتخبطة في أنفاق مظلمة يملأها إحساس متزايد بالفقد والضياع ، وسط علاقات اجتماعية شائهة محتقنة ، ومظاهر استشرت بالفساد واللامبالاة والمحسوبية مع غياب أي دور للشباب ومعاناة الإزاحة والتهميش ، مما خلق شعورا عاما وعلى جميع المستويات بأن المجتمع في حالة انهيار وقد صار ريشة في مهب رياح عاصفة تتقاذفه وتلهو به حيثما هبت إقليميا أو دوليا ، رياح وعواصف لا تولي وجهتها إلا شطر مصالحها فقط ، غير عابئة بمعاناة الشعوب ، أو مبالية بأنات الملايين ولم تعد رياح وتيارات السياسة الإقليمية والدولية ترحم أحدا ، بل أنها ربما كانت أشد قسوة بالمجتمعات المنهارة تحت وطأة الفساد والقهر وممارسات حكم الفرد ، حيث النظم تتذرع بقوانين الطوارئ ، وتحتمي بالأجهزة القمعية والبوليسية ونظم المعسكر ، مجتمعات أتى الفساد والقهر على ما تبقى لها من قوة أو كرامة .

تتجلى هذه المآسي بوضوح ، وتنعكس بحديتها واحتقانها على البنى الروائية حيث يحل بها الخواء والتشوهات التي تعاني منها الشخصيات الروائية ، وتتدفق فيها تيارات من الوعي واللاوعي وتفرغ سردا يبتغي علاجا ودواء بالإفضاء والتدفق ، وينشد راحة بالبوح الذي خالطته خيالات وتهويمات قد تكون حاملة بقدر كبير من الظواهر الصحية ولكنها دون شك تحمل قدرا كبيرا من الظواهر المرضية ، إنها كسور وشروخ المجتمع وتصدعاته وانهياراته.

إنها بالفعل الكتابة التي تبحث عن ماهية الذات في مجتمع ضائع تائه .

إننا نلمس ظواهر هذه الكتابة في كل الأجناس الأدبية تقريبا ، ولقد تجسدت بوضوح فيما تتدفق من إنتاج روائي منذ أواخر عام 2001م وحتى وقتنا الحالي .

إن كثيرا من الدارسين والنقاد عبروا عن قلقهم وحيرتهم إزاء العجز عن متابعة هذا الكم الروائي بعد أن ظنوا بشباب المبدعين كل الظنون ، حيث لم تكن هنالك أعمال مميزة وبهذا الكم وتلك الكثرة .

لقد رأينا مثلا " بهجة العمى " لياسر إبراهيم ، " فتنة الصحراء " لأحمد أبو خنيجر ، " لصوص متقاعدون " لحمدي أبو جليل ، " أن تكون عباس العبد " لأحمد العايدي ، " عمق البحر " لشريف حتاتة ، " باب السفينة " لسعد القرش ، " قانون الوراثة " لياسر عبد اللطيف ، " مدينة اللذة " لعزت قمحاوي ، " أن ترى الآن " لمنتصر القفاش ، " سقوط النوار " لمحمد إبراهيم طه ، " شباك مظلم في بناية جانبية " لفؤاد مرسي ، " خط ثابت طويل " لمحمد طلبة الغريب ، " وقف على قبري شويا " لمحمد داود ، وتتوالى الأعمال ، ومعها أسماء جديدة في السرد الروائي تفرض نفسها ، وتؤسس لكتابة جديدة لأمثال : طاهر البربري ، محمود حامد ، شحاته العريان ، إبراهيم فرغلي ، ناصر الحلواني ، السيد نجم ، سمير عبد الفتاح ، سيد عبد الخالق ، وتتسع الدائرة لإبداع المرأة وجيل من المبدعات الشابات اللاتي شكلن مع جيلهن من الشباب ملامح الكتابة الراهنة مثل : مي التلمساني ، نورا أمين ، ميرال الطحاوي ، نجوى شعبان ، غادة الحلواني ، منصورة عز الدين ، نجلاء علام ، منال السيد ، هويدا صالح ، عفاف السيد ، منى البرنس ، مي خالد ، أسماء هاشم ، وغيرهن من شابات الإبداع الروائي والقصصي .
ويزداد الانفجار الروائي كما واتساعا على امتداد الوطن – حتى ليصل إلى رقم غير مسبوق في تاريخ الإبداع الروائي العربي كله ، ويتم حوالي رصد 55 رواية مصرية صدرت عام 2005م فقط أي بواقع 5 روايات كل يوم .

ونلمس ظواهر عامة توسم هذه الكتابات الشابة حيث تأتي بنياتهم السردية متعددة الإحالات ، تتلاشى فيها الأخاديد الفاصلة بين خصوصية السيرة الذاتية وعمومية الموقف التاريخي ، كما ينمحي فيها الفصل بين الواقع والخيال ، وتستخلص معظم الموضوعات من التجارب الشخصية وترتبط بالأمكنة المعايشة ، لذلك لم تنفصل كتابة النص الروائي عن معايشة الواقع ، وإن بدا في بعض التجارب غير ذلك ، ولكنها في الحقيقة مبطنة بإشكالاته ويغدو الواقع متشكلا بالمعايشة ، ومن ثم لم يعد القص أو السرد عملية خلق تشيد خلالها بنية نصية محددة الملامح ، بل صار عند الكثيرين منهم دفقات سردية مستجيبة لعمليات تحسس وتعرف وبحث عن ذواتها وعوالمها .

إن سردهم يحاول أن يلم بأشتات متناثرة ، ويعيد تركيب مفردات وشظايا كثيرة مفككة ، ونلخص لهذه الظواهر الفنية العامة فيما يلي :

· اعتماد ثيمات الملاحقة والمطاردة والكابوس والقهر الاجتماعي .

· الالتباس بتراكب الشخوص والأمكنة والضمائر .

· اقتحام ما وراء الواقعية وتمزق النسيج الواقعي .

· الولع بتفصيلات المشهد – المسمع – الملمس ( مدركات الحواس ) .

· الانتقال من الرصد الخارجي إلى الغوص الداخلي والعكس .

· الشعرية في جوهر الرؤية ، أي أن كثيرا الحداثة الروائية المعاصرة ، لا تكتفي بالشعرية أسلوبا للكتابة فحسب ، بل مدخل للرؤية ، ولذا نرى كثيرا من النصوص – روائية وقصصية – تصل إلى تلك المنطقة التي لا يمكن تعريفها أو فضها ، وهي منطقة الشعر بامتياز .

مع المجموعة :

يهدي المؤلف " وسيم المغربي " مجموعة " محاولات للإبصار " " إلى كل محاولة لإبصار المساحة بين الأحرف الضئيلة والكون الشاسع " ... المجموعة صـ 5

وتقع المجموعة في حوالي تسعين صفحة تقريبا من القطع المتوسط وهي تحمل غلافا دالا هو في حد ذاته ترجمة تشكيلية معبرة عن العنوان ومضمون المجموعة معا .

وقد قسم المؤلف مجموعته إلى أربعة أقسام ذات عناوين تضم جميعا حوالي اثنتين وثلاثين قصة قصيرة ، والعناوين الأربعة هي : تقاطع – تواز – فاي المجموعة الخالية – ما لا نهاية.

والمجموعة بصفة عامة – جدل – بين الذات المبدعة وعالمها المحيط ، أو هي محاولة لفهم (الموضوع) واستيعاب ما يجري حول الذات من خلال تأملاتها وانعكاسات الموضوع عليها .

وتحت العنوان الفرعي الأول " تقاطع " نقرأ قصة " تمرد " ، ويقع التمرد من إحدى شخصيات كاتب مؤلف ترفض أن تموت كما رسم لها الكاتب ، وهي قصة حوارية مكثفة وينجح تكثيفها في إحداث التأثير وترك انطباع قوي وسريع ، وهي تأخذ المتلقي إلى مساحة من التأويل وإعادة النظر . والقصة منتجة من أربع حركات ، حركتان من صنع المؤلف ، وحركة للشخصية الورقية المتمردة ثم الحركة الأخيرة التي تعلن عن انتصار الشخصية رغم مشهدية الموت ومغزى القصة أنه ليس كل موت هزيمة أو خسارة .

أما قصة " صفحة الأدب " فقد تضافر فيها السرد والحوار مع انتقالات لحال الشخصية من خلال الحدث وهي تجسد معاناة الكثيرين من أزمات النشر ، كما تلمح أن معظم هذه الأزمات لا علاقة لها بمقاييس الجودة ، لكنها مسألة تتدخل فيها عوامل المصالح والمنافع المتبادلة .

في قصة " صيد " يؤكد الكاتب فكرة القصة السابقة " تمرد " وهي أن " المتعوس متعوس " ، وأن لحظات متعته القليلة النادرة لا تكاد تحدث حتى تتحول إلى لحظات ألم ، وفي القصة يقول الكاتب : " سحب الصنار فوجده خاويا " وكثافة القصة تفرض على الكاتب التخلص من الزوائد كحرف عطف في " وجده " والصورة في قول الكاتب " أشعة الشمس تلتهم بشرته كما تلتهم الأسماك طعمه " ... صـ 14 جاءت بسيطة معبرة ومعمقة لحالة الراوي .

أما قوله عن السمكة : " وأفلتت دون أن تلحظ منقار النورس " فالتعبير بالمصدر الصريح "دون ملاحظة" أنسب وأوفق من المصدر المؤول " أن تلحظ " . وذلك توافقا مع ومض اللحظة وسرعتها الفائقة .

إن الشخصية في القصة بدت ضائقة متبرمة إلا أن تعاملها جاء يتسم بقدر كبير من الموضوعية من جهة واللايقينية من جهة أخرى وذلك باستخدام موفق جدا للفظ " ربما " الذي صاغه المؤلف مع الكلمات الأربع الأخيرة .

وتأتي قصة " الآخر " محاولة للمصالحة مع الذات المنشطرة على نفسها وهي تقرأ أحوالها من خلال ( الظل ) ، ظل الإنسان والقصة فيها نزعة تأملية يجعل الكاتب فيها للظل وجودا مجسدا يجادله ويحاوره وينفعل بالصراع معه وفكرة القصة فيها حدة وطرافة .

وفي القصة ملحوظتان تتعلقان بالصياغة والتعبير ، أما الأولى فهي قول الكاتب " لا تجعل حاجبك الأيمن يرفع فوق أخيه الأيسر " والمعنى استهلك من الكاتب جملة كاملة ، وكان يكفي قوله مثلا : لا ترفع حاجبك تعجبا أو لا تندهش .

والثانية في قوله : " لكنك لا تدرك معنى غياب الشمس أن تتوارى " وهذه الصياغة جعلت المعنى مبهما خاصة في عدم وجود نقطة تشير إلى التوقف أو فاصلة بين الوقفات ، أضف إلى ذلك قوله " أن تتوارى " لا يضيف جديدا بعد " غياب الشمس " .

وتعالج " لزوجة " الضيق والتبرم من بعض مساوئ نظام التعليم والتعامل في الجامعة ومعاناة الكثير من الرتابة والملال وسوء المعاملة أحيانا .

وفي القصة أيضا ملاحظات صيغية وتعبيرية منها : قوله في مطلعها : " قرر أن يرتقي عن الاستماع إلى المحاضرة " ونزعم أن الأوفق قوله " أن يعرض " .

وقوله : " فبداخله أشياء تنافي ما يدرس ، وبعقله مدارك فشل ما بالكتب في الاقتراب منها " .

والجملة بهذا التركيب وقعت ضحية الالتباس والغموض الشديد خاصة في عدم وجود علامات ترقيم !

ونزعم أن الأوفق " ... كما أنه يدرك فشل ما بالكتب " انظر القصة صـ 117 .

وأما قوله في نفس الصفحة : " صدمه السؤال وجمده مكانه في الوقت الذي قفزت فيه عيناه بأرجاء المكان ... "

فنزعم أن قوله " في الوقت الذي " من الزوائد غير المستحبة والأوفق أن يقول : صدمه السؤال وجمده مكانه ، قافزة عيناه بأرجاء المكان .

أما قوله في صـ 18 " تلقي فتات في وجهه " ويقصد الأوراق التي كان يكتبها أثناء المحاضرة ، فالأوفق أن يقول : تلقى مزقا في وجهه .
ومن الأداء الموفق في القصة ، ذلك النعت في قوله : " تلقي كلمات منزوعة الأوصاف " وهو وصف يتلائم مع الموقف ويزيده ثراء ، كذلك التعبير بالمضارع في قوله " تطأها " كان شديد التوفيق في ترجمة حالة الألم والشعور بالقسوة التي كانت تنتاب الراوي ، أثناء قيام الدكتور بوطء أوراقه ، كما أن المضارع جعل من المشهد حالة مستمرة وممتدة .

في قصة " غطاء " تتعامل شخصية القصة مع القفاز ( قفاز اليد ) – كقناع ، وفي القصة بعد سيكولوجي نتج عن ارتباط نوع الهدية وهي قفاز اليد الأسود – بعيد الميلاد وتاريخ الشخصية اللامفرح ومن الجمل الدالة في القصة قوله : " اتكشف حقائق جديدة تضجرني " صـ 19 ، وهي جملة مؤثرة فعالة وبلاغتها في إجمالها وعدم تفصيلها .

أما قصة " هروب " فهي تترجم لحظة من لحظات عملية " سيكولوجية الإبداع " وهي تقول أخيرا : إن الألم يصنع أحيانا – أشياء عظيمة .

أما القصص التي تندرج تحت عنوان " تواز " وليست كما كتبت ( توازي ) فأولها قصة "محاولات للإبصار" وهي القصة عنوان المجموعة وهي تتناول دورة الحياة لشخصية ما (امرأة) ، الميلاد ، تحسس الوجود – الزواج – كوابيس الحياة والقصة تحاول أن تقول : إن التحرر من الأسر ماديا كان أو معنويا ، يجعل الإنسان بصيرا ، وقد يكون هذا الأسر أصلا نوعا من الوهم . وفي القصة تعبيرات ذات إيماء وتكثيف للدلالة مثل قوله : " الماء فيها له طعم الملح " صـ 25 ، وكذلك قوله : " تنظرين نحو الأرض ، يدمع صوتك ... " . والصورة في التعبير الثاني جديدة رائعة التشخيص والتأثير .

أما قصة " ذبابة " فهي قصة نشتم منها رائحة ( كافكا ) وعبثياته وتعبيره بقوله " كم أنا دميم " الذي يختم القصة كان قفلة موفقة جدا وتحتمل كلمة " دميم " القبح بنوعيه المادي والمعنوي .

في قصة " مسافة " تتردد جملة موسيقية رومانسية عذبة وناعمة وهي قوله : " ألمت بقلبيهما نشوة مبهمة ودب في الحشايا نغم " واستخدام النكرة : نشوة ونغم فيه مبالغة وتكثير .

أما قصة " أدمغة " فهي ساخرة ، بسيطة وعميقة في آن ، وهي تؤكد نسبية المعرفة وأن فوق كل ذي علم عليم ، وفيها لفتة تربوية هامة ، وهي أن الأستاذية سلوك تربوي أولا وهي ملاحظة عميقة جسدها الكاتب بسلاسة الحدث الوصفي وبساطة اللغة .. إن قصة " أدمغة " تعتبر من خيار قصص المجموعة .

وتأتي قصة " وكان اسمه حازم " منولوجية ، تجسد غربة الإنسان في عالمه ، فيضطر لصياغة عالم بديل .

وأما قول الشخصية " حتى صرت إليك كتابا مفتوحا " ، فالأصح أن يقال : حتى صرت لك كتابا مفتوحا ... صـ 33 .

وفي بناء قصة " مريد " استدعاء لتقنية السيناريو السينمائي ، ومن براعة البناء ، أنها تلعب على الفراغات بين الوحدات الأربعة المرقمة فيها ، فضلا عن إثارتها للذهن وما فيها من صدمة للمشاعر .. إن القصة تندد بالقسوة وتدين الحرمان ، فالقسوة إما أن تقتل صاحبها أو تحوله وحشا ، والروعة فيها أنها معلقة بين الحقيقة والخيال ، وبين الفن السينمائي الإيهامي وخشونة الواقع الحي .

في قصة " عين .. جسد " نلحظ أن بنيتها العميقة تنطوي على قانون ثابت يقول : إن النظرة سهم من سهام الشيطان والقصة نموذج للاقتصاد اللغوي والدلالة الكثيفة والتركيز المحمل بثراء المعنى .

إن القصة تتناول لقاء محرما بين رجل وامرأة كل منهما يكابد نوعا من المعاناة ، إلا أن اللقاء الحرام ليس شرطا أن يكون مدفوعا بعوامل معاناة أو نقص فأكثره يحدث نتيجة الفراغ والبحث عن المال أو المتعة الحرام وفي القصة خطأ نحوي جسيم هو قوله " هو ذا عين " ! صـ 37 والمعروف أن الصحيح القول ( هو ذو عين ) .

وتحت عنوان " فاي المجموعة الخالية " نقرأ أولى القصص وهي قصة " توبة " ومن العنوان إلى مفتتح موفق يتبدى فيه الأثر القرآني في قوله تعالى : " فاخلع نعليك " إلى معالجة حدثها بضمير المخاطب الكاشف ، المعري للذات حتى ليبدو استخدامه مرآة تعكس عيوب الذات ومحاسنها .

إلا أن الكاتب ينحى فيها منحى البعض ممن يتحاملون على الدين ويسخرون من شعائره ، ولا غبار على بنائها الفني إلا أن مقولاتها ضعيفة متهافتة مردود عليها ببساطة شديدة فقول الشخصية مثلا ( تمنطق ما سمعت عن الفقه ) فالرد عليه : إن الفقه هو أكثر العلوم الإنسانية خضوعا للمنطق كما أنه يتسم بالرغم من ذلك بالمرونة في التعامل مع الظروف البيئية المحيطة ، كما أنه عالم مفتوح على مصراعيه للاجتهاد والتجديد ويكفي أن ننظر إلى المذاهب الفقهية وانفتاحها وما تزخر به من اختلاف أو اتفاق وهي في اختلافها أو اتفاقها تأتي متسلحة بالمنطق ، فضلا عن الكثرة من الفقهاء الذين طلبوا المنطق ودرسوا علوم اليونان القدماء .

إن الشخصية الساردة تبدو مهزوزة ، مرتبكة ، يسيطر عليها إحساس قوي بمراقبة الآخرين لها ، وعينها لا تقع إلا على ما هو سلبي مثير للضجر .

ويأتي منظر الجثمان داخل المسجد لتؤدى الصلاة عليه – ليقضي على البقية من التماسك لدى هذه الشخصية – إن كل ما سبق يناقض وصفها لنفسها " بأنها مطمئنة " إذ لو كانت مطمئنة ما فرت من المسجد ولم تعقب . إنه موقف في رأينا – استطاع الشيطان فيه – أن ينتصر على الشخصية .

وفي القصة تناجي الشخصية نفسها بالقول ( يصعد في السماء صدرك .. تعثو وسط أفكارك "كلنا مذنبون" ) .. صـ 43

ولفظ تعثو استخدامه هنا غير صحيح فقولهم : عثى عثوا وعثيا أي أفسد فسادا وربما كان تتخبط أو تتعثر أسلم تعبيرا ، أما قوله في نفس الصفحة " وتجاهد لمنع أذنك عن ألا تستطيل " فرسم حرف الجر عن مع أن المصدرية المنفية يكون هكذا " ألا تستطيل " .

أما قصة " الصدع " فهي تجسد الصدع الإنساني والشرخ القاسي على مستويين : مادي ومعنوي تحت قسوة الفقر وقهره حتى لتسيطر على الشخصية الرغبة الملحة في الانتحار . وفي القصة يبدل الكاتب تعبيرا تقليديا بتعبير آخر جديد يوظفه في بداية مشهدها الأول وهو قوله : " ما بالجيب حيلة " وهو تصرف لغوي موفق ودال ، أيضا الصورة التجسيدية الجميلة في قوله : " راتب نحيل كجسد ولده – لم يساعده على الإقلاع عن عادة الاقتراض " ونرى استخدام عن الإقلاع أصح وأنسب .

أما قصة " قبضة " فهي تتناول التربية الخطأ ونتائجها الوخيمة وقد بدأ الكاتب فيها بالمقطع رقم ( 2 ) قبل المقطع رقم ( 1 ) ذي السطر الواحد .

أما " الجنوبي " فهي مشهد لبائع فقير لكنه كبير القلب في حين أن قصة " الزوج " تجسد واقعية حية نابضة أزمة الموظفين والعمال الذي تعرضت شركاتهم ووظائفهم لرحى الخصخصة التي طحنتهم طحنا وألقت بهم في مهاوي الضياع .

ثم تأتي قصة عنوانها مرسوم هكذا " " ! إنه فاي مجموعة خالية بعده علامة تعجب والقصة منولوج يجسد صراعا بين العاطفة والعقل .

وفي القصة خطأ إملائي ونحوي في قوله " إذا لا تثور " والصحيح إملائيا ونحويا " إذن لا تثر " .

أما قصة " تساوي صفر " فهي قصة مبدعة خلاقة تقع في عشر فقرات وهي في مجملها تصور لأحوال آخر الزمان .

ثم تختتم المجموعة بمجموعة من الأقاصيص تبلغ تسعا تحت العنوان الداخلي الأخير " ما لا نهاية " وهي تتناول قضايا فلسفية حول ماهية الوجود والموت والقدر والمصير ، أي أنها إبداع في مساحة ضيقة لكنه يعالج قضية كبيرة عميقة وشائكة وهنا يحقق الفن معادلته الصعبة.

مشاركة