الأربعاء، 9 يونيو، 2010

السعيد صالح ورواية " قلوب الغرباء "

السعيد صالح مثقف راق وكاتب واعد وجيد من كتاب بورسعيد وهو عضو اتحاد كتاب مصر ، صدر له ثلاث مجموعات قصصية هي " المرأة وأشياء أخرى " 1997م ، " تراتيل الزمن الحزين " 2001م ، " رتوش ملونة على بورتريه حزين " 2004م .

وها هو يصدر روايته الأولى عن دار " اكتب وانشر " في طبعتها الأولى عام 2010م ، بعنوان " قلوب الغرباء " ، ويبدو السعيد صالح من خلال قراءتي لأعماله ، مهموما بالعاطفة الإنسانية ، خاصة عاطفة الحب ، وما يحيط بهذه العاطفة الجوهرية في حياتنا من تقلبات وأنواء ، وما يكتنفها من أحوال ومفارقات ، وما تعصف به على النفس الإنسانية من رياح عاتية أو ما يمكن أن ترسله من نسائم على قلوب المحبين وأرواحهم ، تملأهم بردا وسلاما وتحيل حيواتهم روحا وريحانا ، وفي هذه الأجواء أيضا تأتي رواية " قلوب الغرباء " ، لتتناول هذه العاطفة الغالية وذلك على أكثر من مستوى إنساني من زوايا وأبعاد تختلف باختلاف النفس الإنسانية وطبيعة ميولها ونوازعها إلا أنها تجتمع جميعا على هدأة القلب وراحة البال وسكينة الحياة واستقرارها بإشباع ذواتها وتحقق وجودها بهذه العاطفة التي تعد أهم العواطف الإنسانية وأكثرها نبلا وشمولا ، لما تحتويه من فضائل وقيم عليا من الضروري أن يعول عليها لتحقيق الأمن الإنساني لأسباب عديدة :

منها فطرية هذه العاطفة ورسوخها في النفس البشرية على اختلاف أزمانها وعصورها وبتعدد ثقافاتها وحضارتها وبيئاتها ، وهي أيضا ، أيسر السبل وأقصر الدروب قاطبة وأقلها تكلفة وعناء ، لتحقيق السلام البشري على جميع مستوياته : ذاتيا وأسريا ، مجتمعيا وإنسانيا . إلا أنني لاحظت أن اهتمام الكاتب بهذه العاطفة وانشغاله الدائم بها وتفكيره المستغرق فيها ، يجعل أدواته وعناصره الفنية قصصية كانت أم روائية ، تتوجه بصفة أساسية لهذه العاطفة وتفصيلات علاقاتها وتوجهات نوازعها وأهوائها ، ما يجعل واقع الشخوص يبدو مجرد مسرح وخلفية لأحداث العاطفة وحضورها الطاغي في العمل ، بحيث يبهت ما عداها من عناصر الواقع وظواهره المتفاعلة حتى لو كانت أمورا تؤرقنا جميعا أو كانت حاضرة بقوة في حياتنا . ولا أزعم أن الكاتب ينفي هذه الظواهر أو يتجاهلها ، وإنما هو يذكرها ويشير إليها في سرده وحواريات شخوصه لكنها لا تمثل خيوطا درامية جوهرية في العمل أو يجعل منها أو بعضها موضوعا أساسيا لمعالجته الفنية .

الرواية :


وتتناول رواية " قلوب الغرباء " ، ثلاث علاقات من الحب ، تربط بين شخوصها وتهيمن على حركتهم وهي : علاقة الكاتب بعواطف بالمرأة الرقيقة الفاتنة " لبنى " ، وعلاقة د. خالد بممرضته المثيرة " سناء " ثم علاقة الفنان التشكيلي جمال بماريا ، المرأة اليونانية الأصل الإسكندرانية الهوى والموطن .

والشخصيات كلها تنتمي بوضوح إلى الطبقة المتوسطة ، وإن كان د. خالد أكثرهم تطلعا وطموحا ، حتى كاد أن يصل إلى تخوم الطبقة الأرستقراطية ، مستثمرا في ذلك علاقاته ببعض ذوي النفوذ وعارضا خدماته الطبية لهم ولضيوفهم .

وبمتابعة أحداث الرواية وتشابك وتنامي خيوطها الدرامية ، نكتشف إلى أن الكاتب نجح إلى حد بعيد في أول تجربة روائية له ، ويبدو أنه لم يكتبها إلا بعد تفكير متمهل وإعداد جيد وتصور تخطيطي موفق ، ذلك لأن قارئها يستشعر أن الكاتب يبدو متمرسا بالكتابة الروائية وما تتطلبه من طول نفس وتأن وتحريك حذر واقعي جدا لأحداثها وتنامي شخصياتها وباختصار نحن بإزاء رواية فنية جيدة بمقاييس الرواية الخطية التقليدية . وبهذه المقاييس نرى أن الرواية قد استوفت عناصرها الفنية من زمان ومكان وأحداث وشخصيات وصراع ، ثم حل وانفراج لحبكتها الدرامية . وما زالت هذه العناصر تمثل إشباعا فنيا لكثير من القراء .

العناصر الفنية للرواية :

تقع أحداث " قلوب الغرباء " في فترة السبعينات من القرن العشرين الماضي وتقريبا من منتصف هذه السبعينات ، حيث بدأت تتحرك هذه الأحداث بعد انتصار أكتوبر وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل وعودة مهجري مدن القناة إلى منطقتهم ومنهم من كان قد استقر في مواطن الهجرة فلم يعد واقتصر على زيارات بعض الأهل والأصدقاء بين الآونة والأخرى ، ومن هؤلاء الشاب البورسعيدي " يوسف مراد " الذي استقر بمدينة الإسكندرية بعد تخرجه في كلية الآداب ، ثم عمل بعدها بالصحافة الأدبية بمساعدة أحد أبناء بلدته ممن كانوا متطوعين أثناء الهجرة للعمل العام وخدمة أبناء بلدتهم من المهجرين ، واستطاع يوسف مراد بحبه للأدب وتميزه في مهنته ، أن يشق طريقا له في عالم الصحافة الأدبية وأن يصير ناقدا أدبيا مشهورا .

الفضاء المكاني ووضعية الشخصيات فيه :


وتتخذ الرواية من مدينة الإسكندرية وبورسعيد مسرحا لأحداثها وإن تركزت الأحداث بصورة أكبر في الإسكندرية ، حيث كان يعيش معظم شخصيات الرواية ومنها : تلك المرأة الرقيقة بنت الطبقة البرجوازية والعائلة العريقة " لبنى " والتي أرغمها شقيقها لطفي على الزواج بمن لم تحب وذلك بعد وفاة أمها فتزوجت من صديقه الدكتور " خالد " وكان محظوظا ، حيث وجد في " لبنى " المرأة التي يمكن أن يتباهى بها في الصالونات وأن تضفي على حياته مزيدا من الرونق الاجتماعي . وكان خالد طبيبا طموحا ، يحب مهنته ويتطلع لمزيد من التألق الاجتماعي والتميز الطبقي . وبالرغم من نجاحه المهني وسعيه للانخراط في الحزب الوطني وتقديم خدماته الطبية لوجهاء الحزب وأصدقائهم ، إلا أن حياته الزوجية مع لبنى كانت فاشلة يكتنفها الصدود والازدراء فلبنى امرأة مثقفة ثقافة فرنسية وتتسم بالرقة والعاطفية الشديدة وهي تريد أن تشبع هذا العطش الرومانسي فيها . وخالد على العكس من ذلك تماما ، فهو يتسم بالعملية والواقعية ويتمتع بفحولة ذكورية ولبنى بالنسبة له ما هي إلا جسد يأتي إليه في ساعة متأخرة من الليل بعد يوم كامل يقضيه في مستشفاه ، ليرتمي عليها دون نظرة عشق أو كلمة حب وهكذا يطفئ أوار شهوته ، تاركها وكأنها فتاة ليل من بائعات الهوى .

صراع التنافر وقوة الانجذاب والائتلاف :

ومع مرور الأيام ، تزداد الفجوة ويتعمق الازدراء والصدود بين الزوجين ، الدكتور خالد ولبنى التي اختنقت من ملل نهارها وجفاف ليلها ووحشته ويزداد ظمأها إلى إرواء كيانها بعاطفة الحب التي تنشدها وتحلق معها في سماء الرومانسية والعشق ، في الوقت الذي يخرج فيه الكاتب يوسف مراد من مأساة إنسانية وعاطفية إثر وفاة حبيبته " شيماء " في زلزال 1991م الشهير ، فيتحلق حوله الأصدقاء للمواساة والتخفيف وإخراجه من أجواء الكآبة وقتامة الحزن الذي عاناه لفترة . وها هو يخرج للنقاهة النفسية والعاطفية ، ثم لا يلبث أن يتوق لفتاة ترتاح إليها عواطفه ، مثلما كانت فتاته " شيماء " . أما د. خالد ففي المرات القليلة التي كان يحاول فيها أن يكون لطيفا مع زوجته لبنى ويصطحبها ، مضحيا بوقته الليلي في المستشفى – كانا أحيانا يزوران صديقتها الحميمة وموضع سرها " زيزي " وشقيقها الفنان التشكيلي "جمال" أو يصطحبها أحيانا للمسرح أو السينما أو يغشيان القليل من اللقاءات والندوات في مكتبة الإسكندرية . 

وفي إحدى هذه المرات تحضر لبنى إحدى ندوات يوسف مراد النقاشية حول رواية عاطفية ، تكون مناسبة لأن يدلي الكاتب فيها برأيه واعتقاده في عاطفة الحب وما يجب أن يسود من مشاعر وعلاقات بين المحبين . وترتاح لبنى كثيرا لآراء الناقد يوسف ونظرته للإنسان والحب والمرأة وتصرح بهذا لصديقتها الوفية " زيزي " والتي قدمتها في نهاية الندوة ليوسف مراد الذي استشعر وهو يصافحها بقدر كبير من السلام النفسي والراحة الناعمة ناظرا إلى عينيها العسليتين الساكنتين ويستمع لنبرتها الهادئة الرقيقة . ومنذ ذلك اللقاء وكلاهما يحرص على متابعة أخبار الآخر والاهتمام به وبأحواله . وتعرف لبنى من زيزي وهي صديقة يوسف وكذلك شقيقها جمال – أن يوسف خارج لتوه من شبه صدمة نفسية وعاطفية فتزداد اهتماما به ، في نفس الوقت الذي تبلغ الأزمة النفسية والعاطفية بلبنى مداها ولا تستطيع أن تستجمع شجاعتها وتصرخ لزوجها باختناقها من هذه الحياة التي تحياها ، بما يملأها من ملل نهارا ووحدة أو قسوة جسدية ليلا ، نتيجة العلاقة التي يمارسها خالد معها دون حب أو بادرة انسجام أو شيء من رقة العاطفة أو الإنصات إلى ما تعانيه ، وإنما يكتفي بممارسة الجنس معها ، هكذا جافا خشنا ، تنفيسا لرغبته وإشباعا لشهوته فقط .

الحبكة والتعقيد الدرامي :

وتزداد آلام لبنى ومعاناتها حتى تكاد تصرخ ، توقا للتخلص من هذه الحياة الزوجية غير المحتملة والتي تكاد تقتلها قتلا . وتبوح لبنى لصديقتها زيزي بما تكابده ، من معاناة وصراع فتنصحها زيزي بأن تصارح زوجها بذلك وتخبره باستحالة استمرار الحياة بينهما على هذا النحو ، فتتردد لبنى في بادئ الأمر ، ثم لا تلبث أن تستجمع شجاعتها وقواها وتصارح خالد بما تعانيه وتطلب منه الانفصال . ويقع الأمر عليه وقع المفاجأة والصدمة وينصحها بأن تعطي لنفسها الوقت للتفكير وإعادة حساباتها ولكنها كانت مقتنعة تماما ومطمئنة إلى ما تفعله ، إنها تريد أن تحيا من جديد وتعوض ما عانته من سنين الحرمان والإهمال .

بالنسبة للصديقة المخلصة زيزي فقد وهبت حياتها وقد تعدت الأربعين بقليل – لعملها – مشرفة ومديرة لمدرسة خاصة ولخدمة شقيقها الفنان " جمال " وكانت شديدة التعلق به والاهتمام لحياته وعمله ، حتى أنها طالبته أن يقيم معها في فيلتها وتخلي له الدور السفلي منها ليحوله مرسما وأحيانا تحيل الردهة الواسعة إلى آتيليه لعرض لوحاته ورسوماته في مناسبات يشهدها الأصدقاء ويلتقون فيها للسمر والنقاش واستعادة الذكريات . وكانت لبنى ما تنفك تشجع يوسف خاصة وأنه كان موهوبا حتى استطاع أن يقيم أكثر من معرض فني ناجح وأن يصل به فنه إلى إقامة معارض خارج مصر .. إلا أنها كانت شديدة القلق لحياة يوسف العاطفية الفارغة وعدم انشغاله بأمر الاستقرار العاطفي والتفكير في زوجة يحبها ويكّون معها أسرة سعيدة مستقرة . وظل جمال على ذلك حتى قابل ذات مرة في المركز الثقافي البريطاني " ماريا " ، المرأة اليونانية الأصل المصرية الموطن والتي كانت عاشقة لمدينة الإسكندرية وبحرها ، وكانت ماريا على قدر كبير من الحساسية المفرطة والشاعرية المرهفة وبالرغم من إحساسها بميل وارتياح للفنان جمال شقيق زيزي إلا أنها قررت الهرب إلى اليونان لفترة بعد أن صارحها بحبه وطلب منها الزواج ، ولم يكن يدر جمال بتلك العقدة والنفور الكبير الذي تحمله ماريا لفكرة الارتباط والزواج بعد أن عاشت مأساة أخت لها تزوجت من مصري وجلبها معه لبلدته حيث تعرضت لظروف قاسية أدت بها إلى الانتحار .

أما د. خالد فقد تعجب لتلك الشجاعة التي تحولت بها لبنى من كائن هادئ رقيق وديع إلى امرأة قوية تصر على الانفصال وتطالبه بالطلاق بعد أن أيقنت أنها مجرد شيء في حياته يتباهى به اجتماعيا في المناسبات والصالونات وجسدا يطأه فقط لإشباع النزوات ، وتلتقي لبنى بالكاتب يوسف في أكثر من مناسبة ويتيقن الاثنان أن قدرهما وحياتهما أن يلتقيا ويرتبطا على درب واحد ، ولن يهنأ لكليهما حياة إلا إذا نعما كلاهما بروعة الحب ومتعة القرب ويودعان معاناة الفراغ والحرمان .. لقد صارا يستشعران بقوة أن كلا منهما لم يخلق إلا للآخر وأنهما نصفان ، لا بد أن يلتقيا ويتضاما ، فتكون الهدأة والسكينة والاستقرار والاكتمال .

أما د. خالد فقد استسلم للأمر الواقع ، إزاء إصرار لبنى وقناعتها التامة بضرورة أن تبدأ حياة جديدة ، ووجد ضالته التي كان ينشدها ويبحث عنها في اللاوعي منه – مع سناء الفتاة الممرضة الفقيرة النشأة والتي سعى أحد أصدقاءه لديه ، لتعيينها في مستشفاه . وكانت على قدر كبير من الفتنة والإثارة التي طالما كان يبحث عنها . ومنذ أول لقاء في حجرة مكتبه لإتمام إجراءات تعيينها ، أحس خالد بميل شديد نحوها واشتهاء عارم لجسدها ذي الإمكانات والمفاتن التي تدير الرؤوس وتطيح بالألباب ، مما جعله يعيّنها ممرضته الخاصة والقريبة دائما منه .. وبدهاء الفتاة وحسها الأنثوي العالي ، استشعرت سناء جموح رغبته ولهفته العارمة لاقتحام جسدها والالتذاذ بثماره اليانعة الناضجة ، والعبّ من منهله المسكر حتى الثمالة .. فبدأت تزيد من إثارتها له وتستفزه بمفاتنها حتى تتهاوى قلاعه ، فيرفع راية الخنوع والاستسلام . وقد تعمدت أن تنصب له الشرك وتخدعه بطعمها ، فيعتقد أنها سهلة قريبة المنال ولكن هيهات فقد كانت تعرف جيدا ماذا تفعل ! إنها تريد أن تزيده لهيبا وسعارا وتتركه يعاني آلام الحرمان حتى يستسلم تماما . وقد مارست معه لعبة الإثارة أكثر من مرة . وحين اندفع نحوها كالحيوان الكاسر الأعمى ، انقلبت سناء فجأة لتؤدي دور الفتاة الحريصة على عفتها وسمعتها وأفهمته أنها أبدا ليست كما يظن . وفي آخر مرة من أداء سناء لهذه التمثيلية المخططة بإحكام ، يفاجأ خالد بدخول زوجته عليهما وقد ضم سناء إلى صدره وهو يحاول جائعا أن ينهش جسدها الفائر ، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير . وساعتئذ لم يجد خالد مفرا من تحقيق رغبة زوجة كارها ، قانعا ، بأن قدره وحياته لن تكون إلا مع هذه الفتاة الجامحة ولن يجد سعادته وإشباعه إلا بعد الغرق في أعماق فتنتها والارتماء بين لطمات أمواجها الصاخبة الثائرة . ومن هنا لم يجد بدا من طلبها للزواج .

الانفراج التنويري ، بالإلف والإيلاف :

.. وهكذا أخذت خيوط الأحداث المتشابكة تتحلل وتنفك وتسفر عن إلف القلوب وإيلاف العشاق الوالهين بروعة الحب وتواقين لحلاوة الوصال .. بعد معاناة صراع التنافر وتجاذبات الاختلاف .. وهكذا أيضا نرى كيف أن الكاتب جعل من عاطفة الحب البطل الحقيقي لروايته وأن إشباع هذه العاطفة وإحداث التوازن النفسي والانسجام الحياتي بتحققها ، يعتبر في نظره من الأولويات ، وأن الكاتب من هذه القلة من الكتاب التي ما زالت مخلصة لقناعاتها واعتقادها في الرومانسية وحاجتنا الملحة إليها ، على اعتبار أن حياتنا ومنذ عقود من الماديات الطاغية والإلهاء الحسي ، صارت حياة لا تحتمل ولا تطاق .

ويبقى أن نشير إلى أن الرواية عرجت على بعض الأحداث الفرعية والأماكن الثانوية كزيارات الكاتب يوسف مراد لبلدته بورسعيد وعلاقته بصديقه هشام الموظف في أحد البنوك والإضاءة بعض الشيء على أزمات الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام من خلال هشام ووضعه الوظيفي ثم وفاته بعد ذلك .

كذلك نحب أن نقف على بعض الملاحظات التي عنّت لنا أثناء القراءة مثل :

· قول عائشة حبيبة يوسف الأولى – في حوار لها – معه :

" العمل عبادة للرجل والمرأة " وتستشهد في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء " ويقصد عائشة رضي الله عنها . وكأن عائشة رضي الله عنها كانت متفرغة للعمل بتدريس أمور الدين .. وهذا خلط وخطأ كبير فلم تكن عائشة متفرغة تماما لذلك وإنما كان يحدث في أوقات محددة سلفا أن تلقي دروس على نساء الصحابة أو تحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجال من وراء حجاب .. ضف إلى ذلك مقولة العمل عبادة وما يثار حولها من خلاف ، فالعمل ضرورة ولكنه ليس عبادة ، فالعبادة ما تعبد به المسلم لربه ، بأداء الفروض وإتمام أركان الإسلام.

· لوحظ ورود بعض الصفحات التي بدت وكأنها استعراض ثقافي من الكاتب مثل الصفحات صـ 47 ، 48 ، 74 .

· حديث الكاتب عن انتحار " مارتا " شقيقة " ماريا " بقوله :

أنها بعد انتحارها " تحولت إلى طيف مضيء " ولا أدري كيف يكون إزهاق الروح أمرا بهذه الشفافية والروحانية ، وهو من أقبح الأفعال التي يمكن أن ترتكب على الأرض !؟ فقتل النفس أعظم جرائم الدنيا بعد الشرك بالله والمنتحر معلوم من الدين أنه يظل متقلبا في انتحاره حتى يوم الحساب وهو أمر نؤمن به ويعتقده الناس جميعا ، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين .

· قوله صـ 33 عن خطيب " سناء " السابق :

" ثم جاء مختلفا .. أطلق لحيته .. لبس الجلباب القصير .. أصبح عابس الوجه .. إلخ " ولا أدري إلى متى يظل هذا التحامل على مطلقي اللحى وربط ذلك بالجلباب القصير وعبوس الوجه .. إن هناك ملايين ولا أقول الآلاف من المسلمين مطلقين لحاهم ، لكن ذلك غير مرتبط بالعبوس ولا بالجلباب القصير ! لقد آن لنا ، أن نحيّد عواطفنا الشخصية وميولنا الذاتية إزاء ظواهر يطعننا بها أعداؤنا ، وللأسف يخوض فيها بسوء نية – المحسوبون علينا ، من العلمانيين والإلحاديين ودعاة التحلل من مرضى القلوب .

وفي نفس الوقت الذي نسجل فيه هذه الملاحظات نسجل أيضا كثيرا من الإيجابيات منها ما يلي :

1. حرص الكاتب على السيطرة على عناصره الروائية .

2. اهتمامه الفائق بسلامة اللغة وحساسيتها .

3. تألق لوحات سردية متعددة في ثنايا الرواية تصل إلى أفق الشعرية لغة وصورا ودلالة كتلك اللوحات الجميلة في الصفحات : 33 ، 122 ، 133 ، 150 ، 151 .

4. قناعة الكاتب وإصراره على إبراز الحب ، وإيمانه بدوره الإيجابي في سلامة النفس البشرية واطمئنانها من جهة ، وشيوع السلام الاجتماعي ، ومن ثم الإنساني من جهة أخرى .

وأخيرا فكنت أود أن يختار الكاتب عنوان " روعة الحب " لروايته ، فقد استطاعت شخصياته بإصرارها وإيمانها بالحب أن تتجاوز غربتها وتتخطى معاناتها وتحلق في آفاق الروعة .

مشاركة