الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

إخراج اليهود من جزيرة العرب ... دروس وعبر

بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم تأسيسه لدولة الإسلام في المدينة المنورة بإعلانه عهدا وميثاقا ، ينظم العلاقات في هذه العاصمة الإسلامية الناشئة ، بين المهاجرين وبين أهلها من الأنصار وممن سكنها من بعض بطون وقبائل العرب وكان فيهم مشركون ، وكذلك من استوطنها وما حولها من قبائل يهودية .

وقام عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على مبادئ واضحة من التعاون والأمان واحترام التعددية الدينية وقبول الآخر ، وهو بهذا يعتبر عهدا مدنيا تاريخيا فريدا من نوعه في تلك الفترة المضطربة من تاريخ البشر .

وارتباط دخول المسلمين المدينة ببناء المسجد وبالعهد الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم لساكنيها ، من قبائل العرب واليهود ، يثبت بما لا يدع مجالا لشك ، أصالة المنهج الإسلامي الثابت وجوهره الأساسي في مناداته بالسلام وبالتعايش الإنساني ، في ظل تعددية عرقية ودينية تسمح بالتعاون وتبادل المصالح والمنافع دون إكراه أو عدوان في ظل المبدأ الإسلامي القرآني العظيم " لا إكراه في الدين " و " لكم دينكم ولي دين " .

ومن جهة أخرى ، فإن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود ، يدلل على أن المسلمين كانوا يتعاملون مع اليهود بحسن نية وسلامة طوية ، مفترضين أن اليهود إن لم يكونوا عونا لهم فعلى الأقل لن يكونوا عونا عليهم في حربهم ضد قوى الشرك والوثنية ، على أساس أنهم أهل كتاب وأنهم كانوا يتوقعون مجيء النبي العربي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة بكل إماراته وعلاماته ، بل وأمرتهم التوراة بإتباعه ونصرته .
بيد أن اليهود غلبت عليهم شقوتهم وطبيعتهم المنحرفة كما هو معلوم عنهم في كل زمان ومكان . ولم تمض أيام على اختلاطهم بالمسلمين حتى شرعوا في إفساح المجال وتهيئة الميدان لطبائعهم الشاذة وفطرتهم المشوهة ، فما لبثوا أن بثوا سمومهم وروجوا الإشاعات الكاذبة ، وعكف رؤوس الكفر والنفاق من سادتهم وزعمائهم ، على تدبير المكائد وحبك المؤامرات ضد الدين الجديد ، الذي هدد وفقا لنظرتهم القاصرة – مصالحهم وسعيهم الدائب القديم للسيطرة على المدينة . ولم يتورع اليهود عن إظهار موجدتهم وحقدهم حين ينتصر الإسلام على الشرك ، وإبداء تشفيهم وفرحتهم حين تكون الجولة لمشركي العرب الذين استنفرتهم قريش لحرب محمد وأصحابه .

وبدأ جس النبض من يهود بني قينقاع الذين كانوا يسكنون المدينة ، حين تحرشوا بامرأة مسلمة فاستغاثت طالبة النجدة ، فوثب رجل مسلم على اليهودي المتحرش فقتله ، فاجتمع أصحاب اليهودي الماجن على الرجل المسلم فقتلوه . وكانت هذه الواقعة سببا في تطاير أولى شرارات الصراع والصدام المحتوم بين المسلمين واليهود . وقبلها صبر المسلمون عامين كاملين على مكائد اليهود وإشاعتهم الافتراءات والأكاذيب ، ولم يتوقع اليهود أن يكون رد الفعل الإسلامي بهذه القوة والحسم ، بحيث وصلت نتائجه إلى خروجهم من المدينة إلى الشام ، ولم يمض وقت قليل على خروجهم حتى هلك معظمهم . والملاحظ بصفة عامة من خلال هذا الصراع الذي لم يهدأ يوما واحدا خاصة من قبل اليهود ، ما يأتي :

1) إن اليهود كانوا يتخيرون الأوقات الأكثر حرجا والأشد تأزما على المسلمين ، فينقضوا لإعمال مكائدهم وتنفيذ مؤامراتهم الدنيئة .

2) إن اليهود بمقدرتهم الفائقة على النفاق والتلون ، ومواهبهم الفذة في ارتداء الأقنعة ، استطاعوا دائما أن يمالئوا الأقطاب القوية في كل عصورهم ويوجهونها لتحقيق مآربهم ، مستعينين بكل وسائل الإفساد والإغراء ، وكل أساليب الخداع والابتزاز .

3) على امتداد الصراع بين المسلمين واليهود ، من بني قينقاع وبني النضير وبني المصطلق وبني قريظة ، لم يجرؤ اليهود على مواجهة المسلمين مواجهة مباشرة حتى في أوقات المسلمين الحرجة وحين كان يصيبهم القرح ، ورغم عداوتهم الدفينة ، لم يتصدوا لقتال المسلمين تصدي الشجعان بسبب الجبن المتأصل فيهم والذي فطروا عليه ، ولو كان اليهودي مفطورا أصلا على الشجاعة ما قامت للحق قائمة على هذه الأرض . وما نراه من اليهود اليوم ليس راجعا إلى شجاعة فيهم وإنما راجع إلى ضعف العرب وتفرق كلمة المسلمين .

4) إن هذه الدين الذي نعتز ونتشرف بالانتماء إليه ، والإيمان به ، لم يتم له الأمر ويترسخ وجوده في شبه جزيرة العرب ، إلا بعد إخراج اليهود منها وتطهير أرض الإسلام ومواطنه الأولى من رجسهم تطهيرا كاملا .

واليوم بلغ اليهود مبلغهم من الطغيان والإفساد وإهلاك الحرث والنسل وعلو علوا كبيرا وقابلوا كل مبادرة سلام وكل يد تمتد بالإصلاح ، قابلوها بكثير من العنت والاستعلاء ، بل والرد أحيانا ، بالإمعان في القتل والاعتقال وهدم المنازل .. الخ ، لذا فقد وجب علينا أن نقف طويلا على الأسلوب الذي اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في تعاملهم مع اليهود ومواجهتهم . وأن نرسخ في أذهاننا ووجداننا تلك الحقيقة الثابتة الخالدة التي نزل بها القرآن العظيم وهي أن اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا .

مشاركة