الاثنين، 29 نوفمبر، 2010

قراءة في رواية " المستبقى " لحسين عبد الرحيم

ويترك الراوى هذا الخيط ليتذكر صفحة من حياته فى بورسعيد ، ومع ذكريات شباب منطقته فى حى العرب وعن السهر والتجوال فى مقاهى بورسعيد وشوارعها ، ثم يعود كرة أخرى ليتناول شيئا من سيرة " المستبقى " ، الأب ، محمود طلخان الكبير ، مسترجعا أحداثا هامة جرت فى 56 و 67 وما أعقبهما من تهجير ، ثم يأتى السرد بعد ذلك بأصوات الآخرين من المعارف والأصدقاء – عن ذكريات قريبة وأخرى بعيدة ، تتعلق بشخوص الأصوات الساردة وعلاقاتهم بالراوى .

وهى الرواية الثالثة للمؤلف والتى يتمم بها ثلاثيــــة روائية حول مدينته بورسعيد ، وكانت الأولى " عربة تجرها خيول " عام 2000 م ، والثانية " ساحل للرياح " عام 2004 م ، وقد صدرتا عن الهيئة العامة للكتاب ، وأما الثالثة " المستبقى " ، فقد صدرت عن "ميريت " أوائل عام 2007 م

1-حول أحداث الرواية :

وتبدأ بتقديم الراوى لنفسه ، فهو " محمود طلخان " ، البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاما ، يقطن بحى المعادى بالقاهرة ، يعمل معاونا إداريا بمستشفى " أحمد ماهر " التخصصى ، وهو من مواليد بورسعيد ، لكن ظروف عمله تضطره للعمل والإقامة فى القاهرة منذ الثمانينيات تقريبا .

ويبدأ الراوى الفصول الأولى بطرف من سيرته الذاتية ، مركزا على طبيعة عمله ومشاكل المستشفى التى يعمل بها ، ويعرض لمظاهر الفساد والتسيب التى تجرى بداخلها واصطدامه بسبب ذلك – بإدراه المستشفى ، وينقل الراوى ذلك بعين خبيرة مدربة ، وفى أثناء ذلك يزيد قلق الراوى مكالمتان هاتفيتان تأتياه ، إحداهما من شرطة المسطحات المائية بالقاهرة ، والأخرى من بورسعيد ، حيث يستدعيه إبراهيم أبو حجة ويستحثه على الحضور وكلتا المكالمتين تتعلقان بقضية اختفاء الأب " محمود طلخان " الكبير ، وظروف مصرعه ، واختلاف الأقاويل فى موته ، وهل مات منتحرا ، أم مقتولا ؟ وهى المسألة التى تشغل بال الأبن ( الراوى ) وتؤرقه ليل نهار .
ويترك الراوى هذا الخيط ليتذكر صفحة من حياته فى بورسعيد ، ومع ذكريات شباب منطقته فى حى العرب وعن السهر والتجوال فى مقاهى بورسعيد وشوارعها ، ثم يعود كرة أخرى ليتناول شيئا من سيرة " المستبقى " ، الأب ، محمود طلخان الكبير ، مسترجعا أحداثا هامة جرت فى 56 و 67 وما أعقبهما من تهجير ، ثم يأتى السرد بعد ذلك بأصوات الآخرين من المعارف والأصدقاء – عن ذكريات قريبة وأخرى بعيدة ، تتعلق بشخوص الأصوات الساردة وعلاقاتهم بالراوى .

بعدها تتوقف الأصوات عن السرد ، ليأخذ بزمامه الراوى ساردا عن قضية المعلم " ضاحى رشوان " عضو مجلس الأمة والقبض عليه بتهمة الاتجار فى المخدرات ، وذلك على مدار فصلين ، يعود الراوى بعدها ليسرد عن الصغيرة الأمل " ريم " ، ثم الفصل الخامس والعشـــــــرين بصوت " عبده فلاش " أحد أصدقاء الراوى ، ممهدا للفصل الأخير الذى تعود فيه قضية الأب بقوة ليرجح الراوى ما قيل عن القبض على الأب فى مظاهرات يناير 1977 وتعرضه للتعذيب على يد " أمن الدولة " ، ثم التخلص منه بالقتل .

ويلمح الراوى إلى تورط صديقه إبراهيم ابو حجة فى المسألة ومعرفته بكل التفاصيل ، ويسوق فى ذلك إشارات وتلميحات ، وينهى الفصل الأخير بمشهد انتحــــــــــار إبراهيم ويبدو هذا القتل ( الروائى ) وكأنه انتقام لمقتل الأب خضوعا لأحد الأقوال المزعومة الكثيرة التى قيلت فى موته .

2-زمن السرد الروائى :

ويبدأ من منتصف السبعينيات ، ثم لا يلبث بفعل تقنية الاسترجاع والتذكر وترديد أصوات الشخوص – أن يمتد ويغطى الفترة ما بين 56 وحتى زمن السرد الحاضر

3-صور المدينة فى الرواية :

تجلت المدينة فى الرواية على ثلاث صور :

1-المدينة الحلم 2-المدينة (الحرة ) 3-بورسعيد 1956 م

أما الأولى ( الحلم ) :

فهى تلك السبية الجميلة الآسرة التى وقع الراوى فى شباكها منذ أن تفتحت عليها مداركه ، وقد رسم الراوى هذه الصورة بعاطفة الحنين والذكريات ، وفيها بدت المدينة وكأنها ثغر ساحلى متألق لا قبح فيه ولا حزن ولا كدر ، فهى ساحل يسبى السفن ويأخذ بألباب السياح .

وتركزت هذه الصورة خاصة في حديثه عن ذكرياته مع الأصحاب والأصدقاء ، ويتصاعد السرد أثناء ذلك إلي مستوى الشعرية ، مختلطا بمشاعر حنين جارفة كما في الصفحات : 60 ، 61 ، 128 ، 131 ، 164 .

أما المدينة الحرة :

وبفعل تحولات السبعينات ، وبعد غيبة في القاهرة ، يعود الراوي ويتوجه أول ما يتوجه إلي مكانه الأثير قرب كازينو " الايلاند بيتش " ، ليفاجأ بتغيرات واضحة تصيبه بالدهشة والغصة معا .

ويكاد الراوي يقنع نفسه بأنه لم يأت إلي هذه الأماكن من قبل ، إنه كمن يسيطر عليه إحساس بالغربة ، وفي إطار هذه الصورة ، يشير سريعا لبعض التغيرات سواء على مستوى الأنماط الشكلية وأشكال العمارة ، أم على المستوى الإنساني وافتقاد دفء وحميمة العلاقات بين الناس كما كانت قبل تحولات المدينة .

واخيرا بورسعيد 56 وهي الصورة ذات المساحة الأكبر في الرواية :

وقد جاءت بصوت " محمد طلخان " الكبير ، وكان مستبقيا في المدينة .

وفيها يروي الأب عن وقائع غزو 56 وبعض أحداث المقاومة في منطقة الجميل وحي المناخ. وكان حديث الراوي على لسان محمود طلخان الأب أكثر تفصيلا فيما يتعلق بظروف تهجير المدينة عامي 56 و 67 و المشكلات و التعقيدات التي تعرضت لها أسر المهجرين أثناء ذلك. وينقل أيضا ما عاناه الآباء أثناء فترة الاستبقاء ومكابدات المشقة والانتقال ما بين المدينة ومواطن التهجير .

أخيرا : هذه التجربة الروائية :

وفيها يترك المؤلف عالمة الأثير في روايتيه " عربة تجرها خيول " و " ساحل للرياح " ويهبط من عوالم الخيال والفتنازيا إلى أرض الواقع الخشن ، ملتحما به وبشخوصه ، وينعكس ذلك على تجربته اللغوية ، حيث الانتقال من أجواء الحكى العربى القديم وروح هذا الحكى، إلى التعامل باللغة فى مستواها الحيادى ، سواء أكانت عامية أم فصحى .

مشاركة