الأربعاء، 3 أغسطس 2011

ثورة يناير ويوليو العصيب

.. وأخيرا تنفس الناس الصعداء بعد أن أوفى الدكتور عصام شرف بوعده للشعب بإعلان التشكيل الوزاري الجديد ، وعلى ضوء ذلك طالب الكثيرون بفض الاعتصامات والتظاهرات حتى نعطي الوزارة الجديدة الفرصة والوقت لتحقيق مطالب الشعب والثوار ، والأهم إنجاز المطلب الأساسي وهو محاكمة رموز النظام البائد وأكثرهم وكما هو معلوم من عتاة الإجرام والفساد . وبالرغم من مطالبات الهدوء والاستقرار في هذه المرحلة العصيبة إلا أن أكثر الاعتراضات على التشكيل الوزاري الأخير – كانت منصبة على منصب وزير العدل ، فكل القوى السياسية تكاد تجمع على ضرورة وجود وزير جديد على رأس هذه الوزارة ، لأنها بحاجة ماسة وملحة إلى الاستقرار وإعادة الهدوء للبيت القضائي المصري العريق مع كفالة توفير العدالة لكل المحاكمات الجارية ..

لقد كان يوليو 2011م من أكثر شهور ما بعد الثورة توترا وقلقا وكانت أيامه وأسابيعه الأولى بصفة خاصة – أشد خطرا على مصر وعلى ثورتها التاريخية خاصة بعد صدور أحكام براءة لبعض رموز الفساد وإطلاق سراح الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين في مدينة السويس غداة ثورة يناير وتورط السيد – مدير أمن السويس في تهريبهم وإخفائهم ، مع شعور متزايد من كافة أبناء الشعب ونخبه السياسية والقانونية بالتلكؤ الواضح في إجراء المحاكمات والتأجيلات المستمرة للقضايا والتهاون إلى حد بعيد في حقوق الشهداء والمصابين بالإضافة إلى تلك العلقة التاريخية الساخنة التي نالها الغاضبون وأسر الشهداء عند مسرح البالون وفي ميدان التحرير ، ثم هجمة منظمة من عصابات البلطجة والفوضى على المعتصمين وأهالي الشهداء في ميدان التحرير وتكرار نفس السيناريو الفاشل في ميدان الأربعين بمدينة السويس ، وفي هذه المرة الأخيرة رأينا البلاطجة لا يمتطون ظهور الإبل والجياد ، بل يتخفون معظمهم في هيئة باعة جائلين ، يجرون عربات يد وقد دججوها بأسلحتهم وعصيهم وأكوام من الحجارة لقذف المعتصمين والاعتداء عليهم ، كل هذه الأحداث والوقائع الخطيرة حدت بشباب الثورة والأحزاب السياسية وهيئات المجتمع الأهلي والمدني – أن تبدي استياءها الشديد لما يحدث وأن تتعاط وتساند شباب الثوار في اعتصاماتهم ومليونيتهم الشهيرة يوم الجمعة 8 يوليو 2011م .


وقد أعقب ذلك بيانات من مجلس الوزراء والمجلس العسكري تفاوتت عليها الردود والتعليقات – ما بين الارتياح والغضب ، إذ رأى شباب الثورة – أن بيان السيد رئيس الوزراء د. عصام شرف – كان يميل إلى العموميات ، وأن بيان المجلس العسكري علت فيه نبرة التحذير والتهديد ، ويظل شباب الثورة معتصمين حتى يجتمع ببعض ممثليهم السيد رئيس الوزراء ثم يلقي بيانا آخر يعلن فيه عن تشكيل وزاري جديد وفي نفس الوقت يقبل استقالة نائبه د. يحيي الجمل والذي كانت تصريحاته مثار جدل وتعليقات في الشارع المصري اتسمت كلها بالرفض والاستياء ويواكب ذلك الإعلان عن حركة وزارة الداخلية للعام 2011م وفيها تم إعفاء الكثير من قياداتها من الخدمة مع تعيين مدير جديد لإدارة الأمن الوطني ( أمن الدولة سابقا ) .

ولم تكن مظاهر الغضب والاستياء المنتشرة في الشارع المصري وليدة أحداث يوليو 2011م ولكنها ظاهرة بدأت في التصاعد من قبل مليونية المحاكمة الشهيرة والتي قرر فيها الثوار الزحف إلى شرم الشيخ والقبض على الفاسد المخلوع ، إلا أن وعود المجلس العسكري وتعهداته بإنجاز محاكمته وحرصا من قيادات الثوار على أمن البلاد واستقرارها ، جعل الجماهير تقرر عدم الزحف إلى شرم الشيخ ، وربما كان هذا التراجع أمرا أطمع المجلس العسكري في مواصلة سياسة التلكؤ والتأجيل والتسويف ، اعتمادا على عامل الزمن من جهة والتلويح بعصا السلطة العسكرية من جهة أخرى ، سواء من حيث إصدار البيانات العسكرية شديدة النبرة ، أو من حيث المحاكمات العسكرية السريعة لشباب الثوار واتسام هذه الأحكام بالقسوة والسرعة معا ، في حين يتم إطلاق سراح المجرمين والفاسدين أمام محاكم مدنية ، وحتى هذه اللحظة لم يتم محاكمة أحدهم أمام محكمة عسكرية بالرغم من ثبوت أدلة وقائع الخيانة والعمالة والتفريط عليهم طوال ثلاثة عقود من الزمان ، كانت من أسوء فترات مصر وأشدها قسوة وظلاما في تاريخها الحديث والمعاصر . والآن وبعد مطالبات عصام شرف وقراراته ، ماذا يرى المراقبون عن كثب من ظواهر يمكن أن تؤشر لجديد ؟

- يرى البعض ، أن ما صدر من المجلس العسكري ومجلس الوزراء من قرارات وتوصيات ، إنما هي خطوات على الطريق الصحيح .

- والبعض الآخر ، يكاد يفقد الثقة في كل ما صدر ويصر على مواصلة التظاهر والاعتصام حتى تتحقق مطالب الثوار على الأرض بصورة عملية ناجزة .

- ويرى فريق ثالث ، سرعة التعجيل بإنشاء مجلس رئاسي مدني يقود البلاد في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة حتى صدور إعلان دستوري ثم تجرى الانتخابات ويكون من مهام المجلس الرئاسي التمهيد لانتخابات رئاسة الجمهورية .

- في حين يرى المجلس العسكري ، أنه الجهة الأضمن والأقدر على قيادة البلاد في هذه الفترة الحرجة حتى تتم الإجراءات المشار إليها ويتم تسليم دفة الأمور إلى رئيس وحكومة مدنية ديمقراطية منتخبة . وجل جماهير الشعب لا تشك في أمانة هذا التوجه ولكن ما يؤلم الملايين ويلهب نيران غضبها وينكأ جروحها ، إنما هو ذلك الاتجاه الخطير في معاملة المجرمين من رموز وفلول النظام السابق ، وهو ما يعتبره الكثيرون نوعا من التعاطف مع هذا النظام ، بل يرونه أمرا يمهد الطريق ويهيئ الظروف لعودة النظام الفاسد نفسه ويرى عقلاء القوم أن ذلك يعد أمرا مستحيلا ذلك لأن عجلة التاريخ قد تحركت وإذا تحركت عجلة التاريخ وصار الشعب حارسا على ثورته العزيزة النادرة ، فلن تكون هنالك عودة للوراء حتى لو اجتمع العالم كله على هذه الثورة الطيبة المباركة .


مشاركة