الجمعة، 6 يناير، 2012

بين غواية الكرسي واستحقاقات الضحايا

نشرت صحيفة التحرير في صفحتها الاولى يوم الاربعاء 4 يناير 2012 – أن الشيخ ياسر برهامي أحد قيادات التيار السلفي – أقترح أن يقبل أسر المصابين والشهداء دية القتل الخطأ ونشرت الصحيفة في نفس المكان أيضاً أن الدكتور محمد غزلان المتحدث الرسمي باسم جماعة الاخوان المسلمين قال : إن أهالي القتلى والمصابين أمام خيارين : اما ان يعفوا ويقبلوا الدية وإما الخوض في معارك قضائية لا طائل منها أو معارك في الشارع قد تؤدي الى كوارث. وقال : إن قتلة الشهداء والمصابين في أحداث التحرير أو محمد محمود ومجلس الوزارء غير معروفين حتى الآن. وقال غزلان : إن العسكري إذا كان يريد خروجاً آمناً من السلطة دون مسائلة قانونية لاعضاءه فلنعطه وإلا فسيكون الخيار هو التشبث بالسلطة وهو ما سيؤدي إلى صراع "الله اعلم بعقابته" وذلك على حد قول غزلان. وقد ذكرت الجريدة أقوالاً مماثلة في هذا الصدد للقيادي السلفي الشيخ محمد حسان.



ومجمل ما سبق أن قيادتين من أكبر تيارين فازا في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وهما قيادتان دينيتان قبل أن يكونا سياسيين – يحاولان إقناع المواطنين وبخاصة أهالي القتلى والمصابين منذ يناير 2011 وحتى نوفمبر 2012 بأن يتنازلوا عن حقهم الشرعي الثابت في القصاص لأبنائهم وفلذات أكبادهم الذين زهقت أرواحهم وسفكت دمائهم دون ذنب أو جريرة سوى المطالبة بمطالب ثورتهم المشروعة والتي انبهر بها العالم أجمع .. هكذا بكل بساطة ! ومن أجل ماذا ؟ من أجل ان تسير العملية السياسية سيراً طبيعياً ويحتل التياران الفائزان مقاعدهما في مجلس الشعب. أي ان مقاعد مجلس الشعب هي أغلى وأثمن من دماء الشهداء وأن هذه المقاعد هي الأسمى غاية والأعلى مقصداً وهدفاً من أرواح هؤلاء الشباب الطاهرة. ونؤكد أن هذه التصريحات إذا كانت قد صدرت عن هذين القياديين فإنهما تفقدهما دون تفكير مصداقيتهما على الفور وتدفع الأغلبية التي صوتت لهما في الانتخابات الى إعادة حساباتها في موقفها فيما تم طوال مراحل هذه الانتخابات من دعم وتأييد لحزبي التيارين الإسلاميين وهما الحرية والعدالة والنور السلفي.



واذا كانت قيادات هذين التيارين تتطلع إلى إنهاء الفترة الانتقالية بسلام ومن ثم البدء في إجراءات العملية السياسية وفق خريطة الطريق المعروفة للجميع والتي تنتهي بإنتخاب رئيس جمهورية جديد ، فإنه لا يصح ابداً أن تسير سفينة الوطن وتبحر الى مقصدها في سلام وأمان وهي تخلف ورائها بركاً من الدماء واشلاءً من الجثث ومئات القلوب المحروقة والنفوس الغاضبة والعيون الباكية لأهالي الضحايا والمصابين.




إن تجاوز هذه المسألة الحيوية لهو أمر يناقض الدين والقانون ويخالف مبادئ الانسانية والأخلاق هذا فضلاً عن أنه تكريس لشريعة القتل والفوضى دون حساب رادع أو عقاب نازل بالمجرمين والقاتلين والمفسدين.

لقد كان الجميع يتوقع أن تربأ قيادات التيارات الاسلامية عن هذا الموقف الانتهازي والرأي البراجماتي وان تصر على تطبيق العدل والقانون فالعدل هو أساس الملك الذي هم على وشك الدخول فيه وممارسته وأن بديل العدالة والقانون إنما هو الفوضى والتخريب وتهديد أركان الدولة فكيف يغفل هذان القطبان عن هذا المبدأ ؟ وكيف يتجرأ أحد على تجاوزه ؟



إن كوارث كبرى وأحداث عظمى وجرائم يندى لها الجبين من سعي بالفساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل واطلاق لأيادي العبث والفوضى والتخريب وعشرات من التجاوزات الانسانية والأخلاقية وقعت وتمت أمام أعين الملايين في الداخل والخارج وذلك منذ 11 فبراير وحتى هذه اللحظة ولربما كانت الفترة الانتقالية التي طالت وامتدت من أسوأ ما مرت به مصر من فترات حتى من أحلك فترات النظام السابق والعهد البائد.



لقد روع وصدم العالم أجمع من مشاهد القتل والتنكيل والاعتقال وانتهاك الحرمات والأعراض التي حدثت بكل حقد وقسوة وانتقام من أجهزة الدولة في كل من أحداث مسرح البالون والعباسية وأحداث ماسبيرو ومحمد محمود وأخيراً احداث مجلس الوزراء التي انتهت بفاجعة انسانية وثقافية وهي إحراق المجمع العلمي ذلك الصرح الثقافي التاريخي الذي هو ملك للبشرية قبل أن يكون ملكاً لمصر ويتضح أن حارقيه ومدمريه ما هم إلا مجموعة من البلطجية والفوضوية والغوغاء الذين حضروا بقوة في كل هذه الأحداث مدفوعين ومأجورين من فلول النظام السابق ومن الحاقدين والموتورين من الثورة والثوار.



وآخر هذه الكوارث تلك الهجمة التي حدثت على مقار منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والتي قوبلت بشجب واستنكار من اطراف كثيرة مؤثرة في المجتمع الدولي. إننا نؤكد على أن المسيرة الآمنة نحو المجتمع الصحيح لن تكون سليمة تماما دون التخلص من آثار هذه التجاوزات والمظالم حتى يدخل المجتمع الى فترة جديدة نقية تماماً ومن ثم وجب التحقيق الجاد في كل ما مر في هذه الفترة الانتقالية من أحداث وكوارث أحاقت بالوطن والمواطنين ودون ذلك لن يكون هنالك استقرار أو احساس بالثقة والأمان وأجدر بالقيادات الإسلامية وغيرها من القيادات أن يصروا على ذلك ويسعوا إلى عودة الاستقامة وتوزان كفتي ميزان العدالة وإعادة الحق لمن وقعت به الأضرار التي أصابت الجميع بالصدمة والتحسر على ثورة شعبية كبرى لم يحصد منها أهلها سوى المرارة والآلام.

مشاركة