الثلاثاء، 23 سبتمبر، 2008

محمد فايز جلال الشاعر العصامي 1910 - 2005

وإذا كانت تجارب هؤلاء الشعراء ومنهم شاعرنا – احتوت مضامين تثور وتحتج على تراث المدرسة الكلاسيكية فقد كانت قوالبهم الشعرية أيضا تعبيرا عن ضجرهم من قيود الشكل العمودي للقصيدة ومثلما كانوا يحملون على شعر المناسبات والمحاكاة كانوا أيضا يتوسلون بالشعر المرسل أو شعر المقطوعات يمارسون تحررا ما من قيود القافية ، والمقطوعات الشعرية كانت أكثر القوالب استخداما والشكل المفضل لشاعرنا مع التزامه ببحور الشعر العربي والدوران فى مدارات أفلاكه .. يقول الشاعر فى قصيدة "سياحة"

محمد فايز جلال شاعر عصامي من مواليد 16/11/1910م ، كانت حياته صفحات طوال من المثابرة والإصرار بغية مواصلة عطاء الفن واستمرارية صوت الفنان – منذ أربعينات القرن العشرين راسل جريدة (منير الشرق) لصاحبها الشاعر المعروف علي الغاياتي وكتب فى المقال والقصة والشعر كما أفسح الشاعر خليل جرجس صاحب مجلة (صوت الشرق) – مكانا يختص أشعاره منذ عام 1956 وحتى أوائل الستينات من القرن العشرين ، وعلي كثرة ما تقلب على فايز جلال من ألوان المعاناة وتصاريف المحن إلا أنه ظل مخلصا لفنه ، عاشقاً للشعر .

جمع محمد فايز جلال أشعاره ما نشر منها و مالم ينشر - فى ديوان "فايز" الذي ضم معظم إنتاجه الشعري وكان بين الآونة والأخرى يقوم بنشر مختارات من هذا الديوان فى أعداد محدودة منسوخة بخط اليد يقوم بتصويرها ثم نشرها وتوزيعها بلا مقابل على إخوانه ومحبيه . وقد قرأت لمحمد فايز جلال إحدي هذه النسخ المصورة التي تحمل عنوان - "من الأعماق" مختارات من شعر فايز جلال- وأسجل هنا مجموعة من الهوامش كانت نتاج لحظات بين قصائد هذه المجموعة وأبدأ بقصيدة بعنوان "مستكشف" يقول فيها محمد جلال :
مستكشف ضل الطريق

فقد (البصيلة) والرفيق

يسعي به التيار كيف

يشاء فى البحر العميق

ولرب خالف ذلك التيار

فى كشف مشوق

أسرار هذا الكون

تلفحه بشوق كالحريق ص5
إن مقطوعة فايز جلال هذه تستكشف وتتأمل ، وتنطق بالحيرة والوحدة ، وها هو الشاعر يقف أمام ظواهر الكون وأسراره فى شوق جارف لرفع ، الحجب وفك الطلاسم ولكنة لا يعود إلا بلافح شوقه وحزن الحيرة الدفين فإذا به يردد فى قصيدة "شجن" :

أري العصا فى يد الليالي

تهزها دائما لمثلى

أهيم فى عالم غريب

كأنه لم يكن لأجلي

أبني رمالاً من الأماني

فيهدم البحر ما أعلي

أبكي إذا ما بكي شتاء

ملاعبي والصبا المولى ص6

إن شعورا واضحا من الحزن وأحاسيس الوحدة نستشعرها فى قصائد الشاعر ، انظر الى توالى الفعل المضارع وهو يستحضر هذه المشاعر ويملأ بها حياة الشاعر ثم هذه المفردات التى توحي بوحدته وحزنه البالغ مثل "العصا – غريب – رمالاً – شتاء" ، ويبدو أن هذه القصيدة تنتمي الى مرحلة متقدمة فهو يقول :

"الصبا المولى" ولم يعبر عنه بالفعل الماضي ، واعتقد إن استحضار الوحدة والحزن بهذه الكثافة والتجدد ربما لا يجدي معه البكاء فى الشتاء فقط، بل فى كل الأوقات إلا إذا كانت هذه المشاعر قرينة الشتاء بصفة خاصة .

على أي حال فنحن فى إطار شاعر احتواه وغيره من شعراء جيله تيار المد الرومانسي آنذاك والذي كان شعرهم تعبيرا عن تأملات ونظرات للنفس الإنسانية ، وكانت تجاربهم متطلعة إلى مثل عليا مجاوزة لواقعها وهاربة منه مع امتزاجها بنزعة من الألم والتشاؤم . وإذا كانت تجارب هؤلاء الشعراء ومنهم شاعرنا – احتوت مضامين تثور وتحتج على تراث المدرسة الكلاسيكية فقد كانت قوالبهم الشعرية أيضا تعبيرا عن ضجرهم من قيود الشكل العمودي للقصيدة ومثلما كانوا يحملون على شعر المناسبات والمحاكاة كانوا أيضا يتوسلون بالشعر المرسل أو شعر المقطوعات يمارسون تحررا ما من قيود القافية ، والمقطوعات الشعرية كانت أكثر القوالب استخداما والشكل المفضل لشاعرنا مع التزامه ببحور الشعر العربي والدوران فى مدارات أفلاكه .. يقول الشاعر فى قصيدة "سياحة"



خذ بيدي إلى نعيم الراحة

ودلني على طريق الواحة

وطيب بها يا أخي جراحتي

عانيت ما عانيت من سياحتي

لم يجد فى علمي ولا فصاحتي

بنفحة الحب والاطمئنان

ومطمح الأنفس والأبدان

ومهبط الإلهام للفنان

وغاية التائه والحيران

أمدد يديك للشقي العاني ص 8

وتحت عنوان " فى شتاء" ، نكاد نلمح طيف مطران رائد الرومانسية يبتدي من خلال أبيات القصيدة :

الشمس غابت والعواصف هوج

والبحر يهدر هائجا ويموج

والريح تعوي كالذئاب ينوشها

جوع وفرط شراهة فتهيج

والسحب تذرف أدمعا مقرورة

فيعود قلبي لاعج ونشيج ص 21

إن هذه المقطوعة تستدعي على الفور قصيدة " المساء" لمطران ، وتستلهم تجربتها الشعرية .

وخلاصة القول فى تجارب فايز جلال فى هذه المجموعة من القصائد – أنه من الأجدى إدراكا وتذوقا – أن نتعامل معها على ضوء ظروف عصرها والموقف الشعري العام لذلك العصر، حينئذ نستطيع أن نقف على قيمة لصوت شعري انضم الى قافلة الرومانسيين ، فلم تحرم بورسعيد أن يمثلها أكثر من مشارك فى إسهاماتهم ، وقد يجد المرء صعوبة فى الحديث عن فايز جلال مقارنة بصوت شعري بورسعيدي يعتبر أحد المؤسسين البارزين لجماعة الديوان وهو الشاعر عبد الرحمن شكري (1886 – 1958) .. ولكن حسب محمد فايز جلال أن يعلن عن تواجد بورسعيد فى ساحة المشهد الشعري آنذاك ، هذا التواجد الذي عبر إليه ساعيا على درب من المكابدات والمحن أهونها عصاميته التى تطلبت منه انشغالاً بطلب أسباب العيش عن نيل قسط من التعليم وأكثرها ألما أن نجحد أو نتجاهل شاعراً مخلصاً أحب الفن موسيقي وتصويرا وعشق الشعر أداة وتعبيراً .

رحم الله محمد فايز جلال الشاعر العصامي الذي توفته المنية عام 2005 عن عمر يناهز 95 عاماً .

مشاركة