الأحد، 4 يوليو، 2004

آفاق واعدة من السرد البورسعيدي : "ريهام عفيفى" "أشواق الانعتاق والسعى نحو التئام الذات"


تعد ريهام عفيفى من أحدث الأجيال الشابة المنضوية تحت سماء السرد البورسعيدى ، بأجياله المتعاقبة ، وآفاقة المتنوعة ، نشر لها مجموعة من القصص القصار في دوريات أدبية بورسعيدية عدة "كنون" و "أصداف" أو غير دورية "المرجان" التى تصدر عن إقليم القناة وسيناء الأدبى .


ورغم أن القاصة ، حديثة العهد بالمجتمع الأدبى في بورسعيد إلا أننا بعد قراءتها نجد أنفسنا دون شك - بإزاء موهبة لديها قدر كبير من الاستعداد وحساسية التناول وامتلاك أدوات سردية هامة ، وقبل ذلك رغبة قوية في التحدى والمواجهة بمواصلة “فعل الكتابة” وهى عوامل كفيلة أن تبشر بميلاد كاتبة واعدة ... وفي قصص ريهام عفيفى تختفى "الحدوتة" ذات البناء الحكائى التقليدى ، ويبرز لديها “المشهد” الواحد المكثف بالمشاعر والتداعيات والمراوحة بين الأزمنة ، نجد ذلك بصفة خاصة في قصتى "ثوب الحداد الأبيض" و “للأباء عدة وجوه” ، ومن خلال المشهد الواحد الذى يتضمنه السرد تطرح عناصره شعوراً عميقاً بتفتت الذات ، وغياب الإحساس بأبعادها ، وشحوب القيمة بهذه الذات وقدرتها على الفعل إنها “الذات” المأزومة وسط “عالم” يعج بالقهر والضر وأسباب الاستلاب ... وتتحدث الشخصيات بلغة الحداد والحزن والموت ولا تستدعى إلا كل ما هو محبط ومؤلم ... “لا تتوقف الحياة بموت إنسان ... أو ببدايات جديدة ... تقبع متحجرة كقطعة من الثلج داخل ثوبها الأبيض الجميل ... عيناها تراقبان الوجوه للمرة الأخيرة !!” من قصة "ثوب الحداد الأبيض" ... إذن فنحن نتعرف شخصياتها من زاوية المأساة المتمثلة في الوحدة والاغتراب والشعور الجارف بالإحباط .. " الحقيقة ... كلمة ثقيلة ، كبلت خطواتها منذ سنين ملا عدها .. ترك أصابعة تستكين بين كفها الصغير في هدوء ، بينما راح يتابع بنظرة متجهمة الكلب الذى يعدو نحو نهاية الطريق الحالحة السواد تماماً" من قصة "قبل نهاية الطريق" ... 




ويتسق مع هذه البِنى من الرؤى أن يعتمد السرد ضمير “الغائب” والذى يعنى حضوراً من نوع ما للراوى الضمنى وهو ما يوافق إحساس الأزمة المنطوية عليها الشخصيات ... وهنا تصبح وظيفة المشهد في سرده وتتابعة أن يعمل على بلورة الشخصية وكشف ملامحها دون أن تساهم الشخصية نفسها في تطوير الحدث أو التطور عبر تحولات المشهد وعالمه المحيط وهو ما يعمق إحساس الأزمة والعجز ، وأتوقف عند ظاهرة إيجابية مع قراءتى لأعمال القاصة وهى تلح عليها من عمل لآخر ، ألا وهى الرغبة القوية في التطوير والتجريب ومحاولة تلمس أسلوب من الكتابة له ملامحه وهويته وهو مسعى مطلوب ومحاولة مشروعة تماماً ... فتارة نجد النهايات المفاجئة المفارقة تماماً للبدايات ، وتارة يلجأ السرد إلى الوصف التكرارى المجرد الجامد الذى يتخلله نسيج واهٍ من ذكريات دافئة سرعان ما تنحل خيوطه من مخيلة ووجدان الشخصية كما أنحلت من قبل من واقعها شديد الإحباط ... وتارة ثالثة يستند السرد على إقامه حوار بين مشاهد اللحظة المسرودة وصور مناقضة مستدعاه من كوامن اللاشعور ، ليس لممارسة فعل الهروب هنا وإنما ليقوم هذا الاستدعاء بوظيفة إكمال مشهد الحاضر وإتمام حلقات الحصار الخانق المضروب حول الشخصية وتتوسل القاصة في ذلك بلغة مفعمة بشاعرية حزينة ، مقتصدة إلى أبعد الحدود لا يغريها المنولوج والاستدعاء بالاندياح والترهل ... إنها قاصة تعى خطوات مخططها السردى إن الإصرار على فعل الكتابة والمحاولة الجادة للتجريب والتطوير وإقامة الذات الفنية لحوار ما مع عالمها لاشك إنما هو في حقيقته نوع من الإنعتاق من شر افق الحزن والقهر وهو أيضاً بحث دائب عن نوع من التوازن وإيجاد انسجام ما بين الذات والموضوع سعياً للتواصل والالتئام وهو ما يفعله هذا الفن الجميل .... فن القصة القصيرة .

مشاركة