الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

آليات السرد الحكائي في مواجهة إشكاليات الواقع .. دراسة تطبيقية

لا يخفى على المرء، أن الواقعي والراهن مثقل بإشكاليات معقدة ومتشابكة، سواء على مستوى اغترابات الفرد وأزماته أم على مستوى الكثرة الكاثرة من الضرورات الاجتماعية النافية والناقضة تماما للتحقق الذاتي والجمعي معا، أم تلك الضرورات الناجمة عن أزمات وإشكاليات كونية نتجت عن عولمة الثقافة وثقافة العولمة، المهددة للخصوصية الثقافية، والمنذرة بأخطار عدة على الهويات الوطنية.

إن التطورات الحديثة في مجال السرديات تثبت توسع المفهوم واحتضانه لاختصاصات عديدة لم يكن بالإمكان وصفها قبل ذلك تحت هذا الاختصاص. لقد صاحبت التوسع في مفهوم الحكي توسعا دلاليا حرر الحكي ، ليس فقط من كل الأشكال الأدبية ، وإنما من كل أنواع تجلياته النصية ولقد كان مفهوم "ليوتار" حول الحكايات الكبرى grand narratives في كتابه "الوضع ما بعد الحداثي" أحد هذه التوسعات. لقد ميز ليوتار بين نوعين من أنواع المعرفة يطلق عليهما "المعرفة الحكائية والمعرفة العلمية" ، يرتبط الشكل الأول بالمجتمعات التقليدية ، بينما يرتبط الشكل الثاني بالمعرفة العلمية التي يتميز منطوقها بقابليته للتحقق في الحاضر من خلال التدليل ، كما ان القضية الجديدة لا يمكن القبول بصحتها إلا بدحض القضية أسبق عن طريق الإدلاء بالحجج والبراهين.

وهناك فيما يرى ليوتار ثلاثة مظاهر تميز الحكايات الكبرى عن القص الصغرى little stories التي نتبادلها في حياتنا اليومية.

إن اهتمام الحكايات الكبرى يكون موجها إلى الكينونات المجردة وليس للأفراد المتعينين. إنها بمثابة معتقدات جمعية وليست رسالة لنص محدد ، إنها ترث الدور الأساسي للأسطورة لعلاقتها بالمجتمع ولا تروى من أجل قيمتها الحكائية كنادرة أو كلون من ألوان التسلية.

إن الحكايات الكبرى والقصص الصغرى تشترك في بعد زمني ، ولكن في الوقت الذي تروي فيه الأولى أحداثا تاريخية أو شبه تاريخية ، أما الثانية فتتعامل مع التاريخ بشكله العام.

لقد مهد الوجود الضمني للحكايات الكبرى بالإضافة إلى طبيعتها التفسيرية والتجريدية ، الطريق لحكايات السلالة ، والعرق ، والطبق ، والجنس ، وحكايات الهوية في الدراسات (1) الثقافية المعاصرة ، ومنها ما أسماه الباحث صلاح صالح في كتابه "سرديات الرواية العربية المعاصرة" ، بـ "سرد الشئون المحلية".

وسرد الشئون المحلية هو سرد معني برصد الخصوصيات الثقافية للبيئات التي تتصف بصفة المحلية من منظور قارئ الرواية ، وهذا ما يفضي إلى القول بنسبية مفهوم المحلية ، فكل بيئة هي بيئة محلية بمعنى من المعاني ولها سماتها الثقافية التي تميزها عن البيئات الأخرى. (2)

ويؤكد د. سيف ضيف الله ، على أن هناك أفضلية محفوظة مسبقا للسرديات المحلية التي ينهض بمهمة السرد فيها راو (داخلي) من أبناء البيئة المحلية ، على تلك السرديات المحلية التي ينهض بالسرد فيها راو غريب ، وذلك لما للراوي الداخلي من قدرة على رصد الجوهر وعلى الوقوف عند المظاهر البصرية أو الخصائص السطحية للبيئة.

كما تمتاز روايات الشئون المحلية فيما بينها أيضا بالانتقاء الكيفي للمادة التي تنفرد بها البيئة وليس مجرد الحشد الكمي لمظاهر الخصوصية الثقافية.

وموضع دراستنا التطبيقية مجموعة "حكايات عن البحر والولد الفقير" للقاص قاسم مسعد عليوة.

والمجموعة في عمومها نص حركي في زمنين متباعدين ، يحكى ضمن الماضي لكنه يدخل في خضم الواقعي والراهن ، ويحق عبر منطق السرد حوار بينهما ، ولعل الإشارات الحاضرة في الزمن الراهن ، هي التي تذكر القارئ بأن الحكي ، وإن اعتمد على نصوص الذاكرة فإن مآلها الزمن الحاضر.



إشكاليات الواقع .. إشارة موجزة :

لا يخفى على المرء ، أن الواقعي والراهن مثقل بإشكاليات معقدة ومتشابكة ، سواء على مستوى اغترابات الفرد وأزماته أم على مستوى الكثرة الكاثرة من الضرورات الاجتماعية النافية والناقضة تماما للتحقق الذاتي والجمعي معا ، أم تلك الضرورات الناجمة عن أزمات وإشكاليات كونية نتجت عن عولمة الثقافة وثقافة العولمة ، المهددة للخصوصية الثقافية ، والمنذرة بأخطار عدة على الهويات الوطنية.

إذا كان ما سبق من إشكاليات ماثلا ومتحققا بل ومحاصرا حياتنا الراهنة بكل قسوة وإحكام ، فإن الثقافة بكل وسائلها وتجلياتها ، إنما هي الكائن الأصلب والأداة الأجدر بالصمود والمواجهة وتفكيك حلقات الحصار المضروب.

ولأن الأدب هو قلب الثقافة النابض وهو المؤثر والمتأثر بالهوية وكل منهما يأخذ من الآخر ويعطيه في علاقة جدلية لا انفصام لها ، وكلاهما يقوم على التفاعل الحي متعدد المستويات بين الذات الفردية والذات الجمعية ، ولأن الأدب وهو في جوهره – وعاء لغوي – لكل ما سبق فإن الأدب ينظر إليه كمدخل عظيم الأهمية في تحديد الهوية سواء على المستوى الفردي أو الجمعي ، والفصل بين الأدب والهوية يكاد يكون فصلا مستحيلا.

"إن الجماعات الإنسانية بحاجة إلى تعرف ذواتها وتتصدى لأسباب اغترابها ومحاولات إذابتها أو إفنائها وذلك بالوقوف على معالم وخصوصيات هوياتها والفزع إليها ، وطنية وثقافية – غير أنها لا تستطيع أن تحقق هذه بغير وعي وإدراك حقيقيين للذات في تفردها ، والذات في انصهارها الجماعي.

إن الوعي بالهوية هو شرط تجليها وهي لا يمكن تحديدها أو الإشارة إليها ما لم يكن الوعي قد احتواها واحتوته" (3) ولا يكون هذا إلا في سياق يجمع بين الذات والجماعة المنتمية لها ، فهنا وهنا فقط .. تتجلى قوة الهوية ، ولا مفر أمام جلاء الهوية وحضورها المادي والمعنوي في حياة الأفراد والجماعات من أن تنحسر ضرورات القهر وتتحلل عوامل التهميش والإزاحة ، وتنسحب بلا رجعة محاولات الإذابة أو الإفناء للخصوصيات الوطنية.

توظيف آليات السرد الحكائي ، استنفارا ومقاومة :

إن محل هذه الدراسة المجموعة القصصية التي سبق الإشارة إليها وهي تتشكل من قصاصات حكائية سردية ، وهو تشكيل كما أشرنا آنفا ، يتم عبر زمانين يتعانق فيهما الماضي بالحاضر.

وتنفتح المجموعة على مشاهدات وذكريات متنوعة زفيها تأتي كل حكاية مشبعة بذاكرة الحكاية السابقة ما يجعلنا إزاء نوع من "الإشباع السردي".

إن كل حكاية تذكر بالحكاية السابقة وتنتعش من هذا الامتلاء القصصي وبالساردين الرواة الذين يتضمنهم المؤلف / السارد ابن بيئته بخصوصياتها ومعاناة إشكالياتها ، كما تنتعش الحكاية في نصوص المجموعة بنوعية الشخصيات المهمشة في الواقع (الولد الفقير ، الأب الأجير ، الطالب المقموع ، البائع المحروم إنسانيا وجنسيا .. الخ) ، وكل هذه الشخصيات تصبح لها وظيفة في تفعيل الأحداث. "ولعل دخول هذه النوع من الشخصيات إلى المجال السردي ، يحرر المجال من سلطة راسخة في الملفوظ ونوعية الخطاب وطريقة التبليغ والترميز. إن الشخصية الساردة تدخل إلى المجال السردي صاحبة ملفوظ ومنطوق ولغة وصوت ونمط من الوعي وكلها بوضعيات ذات علاقة بالسياق الاجتماعي والاقتصادي وضعيات تحرر اللغة وشكل الكلام ومعجمه" (4)

وقد لاحظنا أثناء تعاطينا القرائي الفاحص للمجموعة والتي أسماها الكاتب نفسه "حكايات .." أنها تندرج ضمن سرديات الشأن المحلي وأنها تتوسل آليات السرد الحكائي بكل وضوح وجلاء وهو ما سنحاول بيانه في دراستنا للمجموعة ، ومن هذه الآليات التي تم توظيفها إبداعيا :

1) انفتاح الذاكرة بالسرد المحكي.

2) الاحتفاء بخصوصيات المكان وجمالياته.

3) توظيف العناصر الفلكلورية البيئية.

والكاتب إذ يوظف ما سبق من آليات وتقنيات حكائية فلا شك أن غاياته الجمالية تأتي على سلم أولويات طرحه الإبداعي ، في نفس الوقت الذي لا نستطيع تجاهل أو إنكار ما في توظيفاته وتقنياته وأيضا مضامينه المطروحة – من سعي وجهد يتسم بالوعي على التصدي بهذه الجماليات والتقنيات – لتشوهات الواقع وانكساراته ، وقبح معطياته السالبة المتنامية على ساحته والملبدة بقتامة غيومها الكثيفة لآفاقه.


آليات السرد الحكائي في مواجهة إشكاليات الواقع .. دراسة تطبيقية

على مجموعة "حكايات عن البحر والولد الفقير" لقاسم عليوة


"حكايات عن البحر والولد الفقير" هي آخر مجموعة صدرت للأديب قاسم مسعد عليوة، وقد أخرجتها مطابع الهيئة العامة للكتاب عن سلسلة اشراقات جديدة في أوائل صيف 2007 م،

وتتألف المجموعة من سبع حكايات ، وهى وفق ترتيبها :

" مركب بساجيرى " ، " صديق العمر " ، " حكايات عن البحر والولد الفقير " ، " خبطة رأس " ، " فوق اللسان الصخرى " ، " بالقرب من القرية السياحية " ، وأخيرا " بط البحيرة " .

والمجموعة تشغل حوالي 120 صفحة تقريباً من القطع المتوسط وهي مشفوعة بدراسة للكاتب الكبير محمد جبريل تشغل عشر صفحات، والدراسة تحت عنوان "هذه الحكايات عن البحر".

يتصدر المجموعة إهداء الكاتب على النحو التالي:

"إلى روح أبي الرجل الذي أورثني حبين: حب البحر، وحب بسطاء الناس"

ثم يتبع الإهداء بملاحظة للقارئ وهي أنه:

"أينما ووقتما وكيفما وليت وجهك شطر البحر، عثرت على حكاية"

ثم يردف في الصفحة التالية هذا النداء:

"يا جمرة الحب بين الضلوع.. اتقدي.اتقدي يا بورسعيد"

والملاحظ حول تلك العتبات الممهدة للمجموعة مايلي:

اولاً: أنها أول مجموعة لقاسم عليوة يتعمد تحديد النوع الأدبي لها بأنها "حكايات" وليست قصصاً أو مجموعة قصصية كما عهدنا في مجموعاته السابقة.

ثانياً: أنها من مجموعاته التي يهديها لوالده.

ثالثاً: تأكيده على مرجعية البحر وحضوره مادة كتابة، ومصدر إلهام لإبداعاته سواء أكانت قصصاً ام حكايات.

رابعاً: أن النداء الذي يوجه الكاتب إلى مدينته بورسعيد والمصاغ بتصوير إستعاري ممثلاً إياها بجمرة الحب بين الضلوع، وتأكيده التكراري لطلبه الإنشائي بالفعل "اتقدي" للحث والحفز – يوحي في صياغته وبين طياته ببركان ينشد الكاتب إثارته، وينبئ عن طبقات كثيفة تراكمت من الرماد – يتحرق الكاتب شوقاً لأن تتفاعل وتتقد من تحت أثقالها الجمرات لتضئ بوهج نارها ما جثم على المدينة وعلى صدر الوطن من أثقال التردي وأحمال التدهور وعوامل التشوه والانكسار.

وإذا ما تأكد لنا جميعاً على ضوء ما عايشنا وعانينا – أنه مع نهاية العقد الأخير من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة – قد شهد عالمنا تحولاً تاريخياً نحو هيمنة القطب الأوحد وسيادة ثقافة العولمة وطغيان أمواجها الإعلامية العاتية، وتوجهاتها النافذة من جهة، وشهدت منطقتنا من جهة أخرى مزيداً من التراجع والهزائم والاندحارات، وتواصلت جراح مصر بصفة خاصة في الاتساع والنزيف، وازدادت آلامها وأوجاعها احتقاناً وعمقا، وتعرضت مدينة الكاتب للتهميش وتداعت عليها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، وازدادت جموع المهمشين بالمدينة وكثرت الأحياء العشوائية فيها، ومورس التغييب على دورها ودور مثقفيها ونخبها السياسية والمدنية، وتم إزاحتها عن مركزية المشهد الوطني الذي طالما ارتبط بنشأتها ونموها وتطورها، وسادت فيها وهي جزء حميم من الوطن – ثقافة الاستهلاك و ( التيك اواي ) والالهاء والتسلية الرخيصة المدفوعة بطغيان العولمة وسياسات السوق المفتوحة وآليات الشركات المتعدية الجنسيات – وما نتج عن ذلك كله من خمول روح المدينة وانطفاء جذوتها، وهيمنة إحساس عام شديد الوطأة باليأس والتيه والضياع .

إزاء كل ما سبق، فلا حيلة لأي كاتب ذي حس ورؤية ، أو حتى أي مواطن بسيط، ، إلا أن يلوذ محتمياً بأصالته، لائذاً بصبره، محاولاً جهده الاعتصام بهويته، والفزع إلى جذوره لاستنفار آليات المقاومة، والدفع بحرارة الحياة لجينات الحصانة ضد ضرورات التشوه، وضروب الضياع، والتصدي لعوامل الهزيمة والانكسار سواء أكانت هذه العوامل داخلية قاهرة أم خارجية مهيمنة متوحشة.

إن ما يؤيد مدخلنا لقراءة المجموعة، يحدد معالم التعامل مع عالمها:

1- استدعاء لفظ "الحكاية"، وما يذخر به من دلالات ويستدعيه من طرائق تكوين الحكاية نفسها، وما تضمنه من "ثيمات فلكلورية".

2- إهداء المجموعة إلى الأب رمز الأصالة الذي يورث أبنائه حب البسطاء من الأغلبية المقهورة.

3- حضور البحر المهيمن وتواجده بقوة في حكايات المجموعة يبثها من روحه الطليقة، وعنفوانه الفتيً الذي لا يشيخ.

4- ذلك النداء الحار لجمرة الحب "بورسعيد"، أن تتقد وتنفض عنها طبقات الرماد وغبار الموت الخانق وحث بركانها أن يعتمل وإرادتها أن تصمد وأن تقاوم.

هذا فضلاً عن العديد من الظواهر السردية والطرائق الفنية التي سنعرض لها خلال عملية القراءة والتعاطي الفني مع عالم المجموعة.

أولاً: الذاكرة تستحضر "أعراف جماعة وملامح مدينة" :

لعل الحضور الفاعل للذاكرة ، يعد القاسم المشترك في حكايات المجموعة السبع، وهو يبدو أكثر حضوراً في الحكايات الثلاث الأوليات: ( مركب بساجيري، صديق العمر، حكايات عن البحر والولد الفقير ) .

ويتبدى هذا الحضور في عدة مظاهر:

1- استدعاء التقنية السردية لضمير المتكلم "أنا – نحن".

2- استحضار بعض أعراف الجماعة الشعبية وبعض من الملامح الماضوية للمدينة.

3- وقوع زمن الحكي في مرحلة الطفولة والصبا للراوي / الرواة.

وبداية، فإن الذات أو الذوات الساردة حين تضطر إلى الدخول في عالم الذاكرة، فإنها تدخله غالباً تحت ضغط من الواقع المعيش، وفي آلية دفاعية إزاء عدوانيته، فعالم الذاكرة هو واحة الذات المشتهاة وقلعتها الدفاعية، وبمقدار ما تتيح الذاكرة لهذه الذات سفراً دائماً، هو انعتاق من أسر الحاضر، فإن الذاكرة تنفي حدة اغتراب الذات في واقعها، ولا تتبعد الذات عن الحاضر في الزمان أو المكان إلا لتعود إليه، ملحة عليه بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، فهذا الحاضر هو العنصر المهيمن الذي تتحدد بإشاراته الخفية مناطق التوقف في رحلة وعي الذاكرة لمكوناتها عبر الزمان والمكان.

وإذا كانت رحلة الذاكرة قد تعدت الزمان والمكان الحاضرين بصورة جلية في حكايات: مركب بساجيري، صديق العمر، وحكايات عن البحر والولد الفقير – فإنها تعود بدورها إليهما في حركة دائرية في حكايات: خبطة رأس، بالقرب من القرية السياحية.

أي أنها تنطلق من حاضر الكتابة وتنتهي به مهما تباعدت عنه.. وفي هذه الدورة بين القصص الخمس، يبرز الكاتب لنا مفارقة حادة شديدة التباين بين واقعين عاشتهما المدينة كان زمانها في كل منهما مختلفاً كل الاختلاف،

أحدهما زمن تألقت فيه المدينة، وكان لها حضورها الطاغي حين تفتح عليها وعي الرواي الضمني في مرحلة الطفولة والصبى وشطراًُ من شرخ الشباب، والآخر الذي شهد مرحلة التدهور والأفول منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وبالتحديد عقب كارثة العام السابع والستين.

وتشير الذات في تنقلها بين الزمانين واختلاف طبيعة ومكونات كل منهما – إلى ما يؤكد تشوقها وإلحاحها على تجاوز أزمات حادة وهو ما يعبر عن رغبتها في استعادة توازنها وتكاملها إزاء قسوة واقعها الذي بلغ درجة قصوى من سوء الأوضاع، وفقد كل شروطه الإنسانية تقريباً.

ويلاحظ الباحث هيثم الحاج علي، على تواتر ضمير المتكلم "أنا – نحن" في كثير من قصص مبدعي المدينة، ويفسر ذلك بما يؤكد ما ذهبنا إليه بقوله:

أنه "ربما نتج عن حالة من التشظي والإحساس بالعزلة، وربما هو نتاج للانقلابات الاجتماعية التي أصابت المدينة، وقد يكون ناتجاً عن إحساس ما بتهميش دور المدينة بعد أن كانت في صدارة المشهد الوطني لفترات طويلة من عمر الوطن "1".

وفضلاً عن الظلال التراثية الكامنة في ضمير المتكلم وتجذره في تراث الحكاية العربية، وما له من "قدرة مدهشة على إذابة الفروق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعاً، إذ كثيراً ما يستحيل السارد نفسه في هذه الحال إلى شخصية كثيراً ما تكون مركزية، ويجعل الحكاية المسرودة أو الأحدوثة المروية مندمجة في روح المؤلف، فضلاً عن أنه يجعل المتلقي يلتصق بالعمل السردي ويحلق به متوهماً أن المؤلف فعلاً إحدى الشخصيات التي تنهض عليها الحكاية، كما أن هذا الضمير يتيح للسرد وللسارد معاً مساحات للمناجاة والبوح"2.

وكذلك تقديم الشخصيات من الداخل على نحو ما نلمسه بوضوح في الحكايات التي أشرنا إليها.

في "مركب بساجيريه"، وعلى لسان ثلاثة أصدقاء يستدعي السارد أشتاتاً من ذكريات المدينة، وأشياء عن ملاعب الطفولة ومراتع الصبا، فيتحدث عن تلك الصيحة وذلك النداء: "مركب بساجيريه" الذي كان يتناقله أبناء البلد في حي العرب وأفاعيل هذا النداء السحرية في الناس، مما يحيل الحي إلى خلية نحل وشعلة من نشاط لتنطلق منه طوائف عدة من صغار التجار وعمال البحر والبمبوطية الى جهة الشرق حيث الميناء ، التماساً للرزق واستجلاباً لخيرات البحر الآتية مع مراكب المسافرين "البساجيريه":

"نتسلل من بين الأجساد والأشياء لنصبح في قلب الشارع عند سور الميناء .. نقف نرقبهم وهم يخرجون التصاريح والبازابورتات ويحاولون المرور بأجسامهم وبأشيائهم من الأبواب المزدحمة بحرس السواحل والمخبرين، يبهرنا البمبوطية وهم يسارعون إلى فلايكهم يفكونها ويدفعونها بالمجاديف بعيداً عن "القزق".. على الرصيف يفرد باعة الأنتيكات حمولاتهم، بالنهار يضعون مظلات من المشمع الفقير، وبالليل يوقدون الكلوبات، وفي مواجهة الكل ترسو باخرة الركاب شامخة ، نظيفة ، متلألئة ، ومئات الرؤوس تطل علينا من سطحها ونطل عليها" 3.

ويستعرض السرد ألوان الخيرات التي كانت تجلب مع مراكب البساجيريه من أكياس الشاي الجيد وخراطيش السجائر البحاري وقزايز الريحة الفرنساوي والساعات الروسكوف القيمة والأزياء الإفرنجية من دنجريه وبلمات وكاسكتات حتى حبال الغسيل وجراكن المياه والصور الفاضحة التي تتناقلها أيادي الصبية في السر. كلها جائت من البحر.

ويقف السرد ملياً عند ذكريات عبث الصبيان في حي الإفرنج مع نسوان الخواجات خاصة في شارع السلطان حسين الموازي للميناء ومطارادتهم لباعة الأنتيكات الجوالين ، ومعاكاساتهم لأصحاب محلات الصيارفة، ويتناول السرد إحدى مغامرات الصبية الثلاثة "الراوي وصديقاه حنفي وعزيز ابن أبلة تريزة"، حين تعارفوا على ثلاث سائحات إيطاليات هن: سوزانا وإيلينا ومارتا، وكيف اطمأنن إليهم وابتهجن بشقاوتهم ، وحديثهم إليهن ، ومن ثم ذهبن معهم في جولة بحنطور الأسطة زرمبة طائفاً بهم شوارع الثلاثيني والتجاري وكسرى ، وكيف كن منبهرات بحي العرب وما يعج به من حركة وحياة ، واستمتاعهن بمناظر الترسينات وروائح محلات العطارة وطريقة بيع وشراء السمك وأبراج الحمام فوق أسطح البيوت.

وتزداد مغامرة الأصدقاء إثارة حين يقودون صديقاتهن إلى قلب حي العرب ليشاهدن مباراة كرة قدم بكرة "الطُزة" بين فريقي حارة "أبو دنيا" وحارة "أبو قورة"، وتبلغ الإثارة قمتها حين يعترض مجموعة الاصدقاء وصديقاتهن سيرجينت إنجليزي مرة وثلة من جنودهم مرة أخرى، المرة الأولى في شارع الميناء والثانية في شارع كتشنر حيث لا يسمح لأولاد البلد العبور إلى حي الإفرنج إلا بتصاريح ومن مكان محدد هو بداية شارع الاشكاربية المتقاطع مع شارع محمد علي الذي يفصل بين الإفرنج وحي العرب.

ويبالغ السرد في وصف المطاردات بين جنود الإنجليز وبين الصبية مستعرضاً أسماء الكثير من الشوارع والمعالم البورسعيدية الشهيرة كشارع ديليسبس وحارة اليهود ومدرسة البونباستير وشارع فؤاد الأول ومقهى البسفور ومبنى المحافظة وجنينة فريال وبار سيسل وكازينو سبلندد وغيرها من المعالم والشوارع، وينجح الأصدقاء أخيراً في الفرار تاركين ورائهم خيبة الجنود والسرجنت الإنجليزي بعد أن أوسعوه ضرباً.

والملاحظ من الحكاية ما يلي:

1. أنها جاءت في صورة ذكريات مستدعاة من حياة الطفولة والصبا وبالتالي لم تحكم بخط درامي ثابت مبنى عليها حبكة محددة ، وإنما هي ذكرى تقود إلى أخرى حتى يصل الكاتب إلى التعرف على السائحات الإيطاليات ليطرح من حواشي حكايتهن صوراً إضافية للمدينة وبعض عاداتها، بالإضافة الى إبراز العنصر الوطني والتحرشات التي كانت تحدث بين أبناء البلد وسلطة الانجليز في الخمسينيات من القرن الماضي.

2. إن استخدام ضمير المتكلمين أتاح للكاتب أن يعبر عن صوت الجماعة وأشواقها ، واستدعاء الكثير من أعرافها وعوائدها وملامح المكان الذي كان تمارس فيه الجماعة حياتها.. فذكريات الصبية الثلاثة تكاد تكون هى نفس ذكريات كل صبي بورسعيدي كان يعيش في حي العرب أو حتى في حي المناخ في ذلك الوقت.

3. إن حركة السرد ما بين الشوارع والأحياء ولمسات الوصف السريعة لحياة البمبوطية وبعض العادات البورسعيدية في التعامل مع مراكب البساجيريه، تعكس مشاعر التصاق وانتماء واعتزاز بالمكان من جهة وتحاول من جهة أخرى التذكير بجدعنة وأصالة أولاد البلد خاصة مع شخصيات الصاغ رضوان والأسطى زرمبة والسيد سبرتو.

4. إن الحاح كل من السرد والوصف على استعراض الكثرة من أسماء الشوارع والمعالم والعادات ليس مجرد نوع من النوستالجيا فحسب وإنما أيضاً وهو نوع من المواجهة مع الواقع الذي أصابه الكثير من التشوهات على مستوى المكان والإنسان معا.

ومازال زمن الطفولة والصبى تعج جعبته بالذكريات وبالأماكن والأعراف والعادات التي شكلت ملامح ذلك العصر الجميل، وكأن الراوي الضمني يستشعر أن حكاية واحدة لن تفي حتى وإن تفرعت عنها حكايات ولذا نجده في قصتي "صديق العمر" و "حكايات عن البحر والولد الفقير"، يستكمل ما بدأه في "مركب بساجيريه".

ففي قصة "صديق العمر" يستأنف الراوي السارد بضمير الأنا حكاياته فيروي عن سيرته مع صديق عمره " حمادة " وعن لهوهما وجدهما وطبيعة المشاعر والأحاسيس المعقدة التي فجرتها تلك العلاقة .. علاقة "الاصدقاء الأعداء".

علاقة طفولة وصبا نشأت وتوثقت وتوطدت مع ثنائيات من الحب والغيرة، التلاقي والتباعد، التكاتف والمنافسة حتى بلغ الاثنان مرحلة شرخ الشباب، وعلى هذه الثنائيات المتجادلة وحولها دارت حكاية صديق العمر" مستعيدة أيضاً لعادات تلك الفترة وطبيعة المكان فيها.. ويصدر الكاتب حكاياته بهذا المشهد التنافسي وهو أحد المشاهد الكثيرة التي تعكس طبيعة تلك العلاقة حتى أثناء اللعب بسفن الأطفال الصغيرة:

"تحركت سفني في قلب العاصفة.. في المواجهة مادت سفنه، شفاهنا تنفخ وتدوم. واللعبة تقضي بالاشتباك. من يغرق سفن الآخر ؟ من الفائز ؟ .ناورت وسبقت وتفوقت، لكن سفن حمادة انتصرت !" .

تلك كانت مشكلة الرواي، أنه دائماً كان الأسبق والأكثر بذلاً وجهداً ولكن الفوز والانتصار كان في النهاية من نصيب ذلك الصديق حمادة الذي بدا بمثابة قدر للراوي لا يستطيع منه فكاكاً، فالراوي لا ينفك يحصد الحسرات ويجني الإحباطات جراء صداقته لحمادة في نفس الوقت الذي لا يستطيع فيه التخلص من داء صداقته، بل إن هذه الصداقة تفرض عليه الأعباء والتكاليف نزولاً على عادات أولاد البلد الذين ينشأون ويكبرون في حارة واحدة وحي شعبي واحد.

وفي مشهد آخر من مشاهد المنافسة يحكي الرواي:

"تحديت أن يصعد الفنار فصعده. أكثر من هذا تشعبط في الساري الملاصق للشمعة وألقى علينا قراطيس الرمل التي حشى بها عبه. فنصبه العيال زعيماً للربع كله وعزلوني إلى بيدق من بيادقه" 7.

وتتوالى مثل هذه المشاهد المستعرضة لعادات لعب ولهو الصبيان كصيد الحناجل ، وجمع البكلويز من البحر والبحيرة ، وصيد الثعابين من المزرعة ، ومطاردة الخنازير الشاردة في شوارع وحارات حي العرب قبيل الفجر، وحرق دمية اللنبي في شم النسيم ، وحروب أولاد الحارات بالطائرات الورقية والرقص على نغمات السمسمية مع الصحبجية... إلخ وكلها يفوز فيها حمادة ويعود وحده ناهباً كل اللذات، مكللاً بالانتصارات.

ويأتى اليوم الأكثر مرارة والأشد إحتباطآ ، حيث يضطر الراوى بحكم الصداقة والجيرة اللصيقة ـ أن يدعم حمادة ويخدمه يوم فرحة وزفافه والأمر الأنكى من التى ستزف إليه ؟

إنها " منال " بنت الحارة التى هام بها الراوى حبآ ، وكعادته خطفها حمادة !

أما "حكايات عن البحر والولد الفقير" والتي هى عنوان المجموعة ، فهي تتناول مشاهد من حياة أسرة فقيرة كأغلب الأسر التي تقطن أطراف حي العرب وأيضاً حي المناخ بأكمله حيث تعيش تلك الأسر على الكفاف وعلى ما تجلبه من رزق يكاد يقيم أودها ، تتحصله يوماً بيوم ومعظمهم من الصيادين أو صغار الباعة وأرباب المهن، ومع هذا يحكي الراوي عن ذكريات دراسة المدرسة ، مما يدل على أن هذه الأسر رغم عوزها فقد كانت حريصة على تعليم أولادها.

وتطوف حكايات الرواي وذكرياته حول تنافس أولاد الحارة على حب عفاف زميلتهم في المدرسة ولهوهم على شاطئ البحر ومشاهد الصيادين وأنواع الأسماك والطيور البحرية إلا أن الذكريات المتدفقة بالحكايات تركز على صراع تلك الأسر في الحياة ضد الفقر والحرمان ومدى معاناة أربابها في جلب الطعام لأولادهم، فالأب حين يسمع عن الباخرة التي ألقت بحمولتها من صناديق التفاح في مياه القناة نتيجة لحادث بحري، نراه يترك محل الفحومات الذي يعمل فيه شيالاً ويهرول ناحية بيته ليسحب أولاده وراءه منطلقاً ناحية باب عشرين ملقياً بنفسه في مياة القناة ليتحصل على صندوق أو صندوقين يدفع بهما لأولاده الذين يرون ويسمعون عن التفاح ولكنهم لا يتذوقونه. وحين يعود أصطفانوس وإبنه مكرم بالصيد من عرض البحر بخيرات من الأسماك الكبيرة، يتقاطر عليهما صبية الحارة ليلتقطوا ما يتركانه من عظام وزعانف بعد تقطيع السمك وينطلقون إلى أمهاتهم ليصنعن لهم شوربة من تلك الزعانف والعظام.

وببراءة ولغة السارد بطفولة الوعي ـ يتحدث الراوي عن وقوع الأب فريسة الإنهاك والمرض واضطرار الأم للعمل في البيوت حيناً والتقاط الأسماك الصغيرة الواقعة من شباك الصيادين حيناً آخر، وتتناول ذكريات الرواي بعض عادات تلك الأسر البسيطة في الأفراح والأتراح، ويتحدث عن صديقه فوزي الذي أصابه داء السل "فانتزع منه اللحم وجعد الجلد ولم يبق منه إلا العظم وفجوتي العينين"، بعد أن كان الأولاد يلقبونه "بالعجل الاسترالي"، ويحكي عن محاولاته للتودد إلى عفاف وصدمته بمعايرتها له بابن الشيال ثم يعود الراوي لمأساة فوزي المحجوز في مستشفى الصدر وتكهرب جو الحارة حين أتاها العساكر والمخبرين للتحقيق في انتحار فوزي صديق الراوي بعد أن عثروا على جثته طافية عند اللسان الصخري تاركاً رسالة يقول له فيها: "زهقت من المستشفى والإبر. سلم لي على أمي وأبي، ولا تفكر في عفاف" ، حينئذ يصاب الراوي بالصدمة والغضب ويفزع إلى البحر يبثه شجونه وآلامه:

أما في قصة "فوق اللسان الصخري" ، فالراوى يتحول إلى سارد غائب ليحكي حكاية واقعية ولكنها ذات روح رومانسية – عن تلك الفتاة التي تسكن الفيلا وتقع في حب الفتى الفقير بعد أن أنقذها بشهامته وجرأته من محاولة بعض الصبيان المدللين المستهترين ـ للتحرش بها، وكيف أبلى بلاء حسناً في الدفاع عنها عند اللسان الصخري حيث كان قابعاً منهمكاً بصنارته يصطاد السمك.. يعتاد الحبيبان اللقاء عن اللسان. علمها الصيد بالصنارة وعلمته قراءة دواوين الشعر. يعلم أهل "نورهان" بحكايتها مع الولد الفقير " محمد ". يمنعوها من الخروج فتتحايل الفتاة وتنفلت من الفيلا بعد أن انحبست بها عدة أيام يلتقي الحبيبان وينسيان وحشة الفراق بفرحة اللقاء ودفء العناق يفزعان على جلبة وأصوات وأقدام تهرول فوق اللسان. إنهم الصبية الثلاثة الذين ضربهم محمد، أتوا ليأخذوا بثأرهم فيما يبدو خلفه أهل نورهان ووالد محمد يتجهون ناحيتهما أيضاً ومع الأب حفنة من أولاد الحارة، جاءوا جميعاً لإنقاذهما.

وتبدو فوق "اللسان الصخري" قصة خارجة عن إطار تقنية الحكاية التي انتهجتها المجموعة، إذ يتوافر لها عناصر البناء القصصي من تكثيف ، وحدة في الحدث ، والانطباع والتأثير ، حيث يشعر المتلقي بأن عاطفة الحب النبيل جديرة بأن تتجاوز كل العوائق بما فيها متواضعات الطبقية والفوارق الاجتماعية.

وربما ينطبق هذا المقياس الفني على قصة أخرى من قصص المجموعة وهي قصة "بالقرب من القرية السياحية"، والتي تتناول حادثة غرق لزوجين من رواد إحدى القرى السياحية ويتحول فيها الراوي أيضاً إلى مجرد سارد مشاهد متفرج يحاول أن يبدو محايداً بعد أن كان سارداً أشبه بالمشارك في "فوق اللسان الصخري"، بل كان أشبه بالسارد الغائب المتخفي وراء الأنا الراوية، حيث لم يخف تعاطفه مع الفتى والفتاة وأعطانا انطباعاً في آخر القصة بما يوحي بنهاية سعيدة، إلا أنه في هذه القصة يتحول إلى "عين كاميرا" تلتقط ظواهر حدث الغرق وأبعاده المادية والنفسية وتسهب في رسم مشاهد الفزع والخوف الشديد، مستعينة بكل من المدركات البصرية واللحظة القصصية العامرة بالرعب


ثانياً: العنصر الفلكلوري والثيمات الشعبية:

كما أن حضور الذاكرة كان آلية دفاع ومقاومة ضد ضرورات الواقع ، وإزاء تنامي الدواعي المنذرة بالخطر، المهددة لهوية الشخصية والمكان، فإن الإلحاح على العنصر الفلكلوري واعتماد الثيمات الشعبية في الأشكال الفنية المختلفة ومنها حكايات هذه المجموعة – يعد أيضاً إحدى آليات الدفاع والمقاومة وخاصة حين نعلم أن حضور العنصر الفلكلوري يعني امتدادية الجذور ، واستنفاراً للهوية ، وتعبيراً عن وقاية أعراف الجماعة ، ورغبة في تحصين ثقافتها الأصيلة من علل التدهور وأدواء النسيان وأخطار الذوبان خاصة وسط ظروف تكبيل الوطن والمواطن ، وازدياد وطأة الأزمات بأنواعها والإمعان في قسوتها، وقد ألمحنا إلى بعض معطيات هذه الظروف داخلياً وخارجياً


إلا أن الخطر يدنو اقتراباً ، وتزداد دقات نواقيس التحذير حين يزداد تجريف الوعي وتنتشر الأمية الوطنية ، وتتراجع ثقافة المقاومة ، وتنكص أجهزة الثقافة الرسمية عن تحمل مسئولياتها ، خضوعاً لمتطلبات اللحظة الدولية ومصالح الظروف الإقليمية والمحلية


وحين تتخلى الثقافة الرسمية عن مسئولياتها وتتنكب عن ممارسة أدوارها ، هنا لابد من إحياء ثقافة الانتماء ، ومحاولة كسر الحصار لتنشيط خلايا المقاومة متمثلة في صورة جماعات أدبية أو منتديات ثقافية جديدة موازية بديلة ، وبسياسات وأساليب مختلفة


ومن هذه الأساليب والطرق استدعاء العنصر الفلكلوري وتعاطي الفن بالثيمات الشعبية وهو ما سنحاول توضيحه من خلال حكايات المجموعة.

ويمكن التماس المادة الفلكلورية وعناصرها في حكايات المجموعة في أكثر من ظاهرة فنية منها:

1) تجليها واندياحها في فضاء بناء الحكايات
2) وسيطرة روح الأداء الشفاهي
3) اعتماد لغة السرد للغة المتداولة "لغة الفهم" فصحة أو لهجية أو تطعيم إحداهما بالأخرى
4) تضمين الحكايات مجموعة من المعارف والعادات والتقاليد الشعبية


ومن المعروف أن بناء الحكاية الشعبية يقوم على ذكر حدث أصلي يتفرع منه أحداث ثانوية ثم يرتد الراوي إلى الحدث الأصلي، فالبناء الفني قائم على الاستطراد وتراكم النوادر الفرعية، وهذا التراكم يؤدي بدوره إلى تفريج الأحداث الأصلية للحكاية، فالتراكم يعمل على نقيضه، أي يؤدي إلى الانفراج


يقول الأستاذ رشدي صالح: "إن وظيفة النوادر الفرعية أنها تساعد على ترتيب الحكايات الأصلية وشرحها وإيضاحها وتفسير ظواهر الطبيعة والبشر". 10

وهذا التكنيك المتبع في بناء الحكاية الشعبية لمسناه بوضوح في "مركب بساجيريه" و "صديق العمر" و "حكايات عن البحر والولد الفقير" ، حيث تقوم ذاكرة الراوي المنثالة باستدعاء حشد من الصور والحكايات المنبثقة من الحكاية الأصلية، وقد رأينا كيف أن إطلاق نداء الإعلان عن وصول مركب بساجيري إلى الميناء وهو تقليد كان متبعاً في المدينة – يستدعي هذا النداء تدفق ذكريات السارد عن البمبوطية وعمال البحر ومهارتهم وسرعة حركتهم وبعض عوائدهم في البيع والشراء مع الأجانب، كما قاد ذلك إلى الحديث عن أنواع البضائع المجلوبة من البحر، وذكريات الكبار والصغار عن المراكب والعطشجيه والاشكاربيه، وتقاليد الأولاد الأفندية من حي العرب في التجوال عند حجر ديليسبس وشارع السطان حسين ومعاكساتهم للسائحات الأجنبية، وهذا يقود بدوره إلى تناول مغامرة الأولاد في اصطحاب السائحات لحي العرب والتعرض لوصف قطاعات من هذا الحي وبعض عوائد سكانه والأنشطة التي كانوا يمارسونها خاصة ألعاب الفتيان والشباب بالكرة " الطزة " سواء لعبة القدم أو "اللجم"، والألعاب بالطائرات الورقية وبكرات "البلي" وأغطية الزجاجات الغازية، ومشاجرات حارات الحي المعتادة كالمشاجرات المشهورة بين حارتي "أبو دنيا" و " أبو قورة "، وهكذا..

وفي قصة "صديق العمر"، وعلى هامش توصيف العلاقة بين الراوي وصديقه حمادة، يسهب السارد في وصف تقاليد الأسرة البورسعيدية البسيطة عن إقامة الأفراح كما يتحدث بإسهاب عن مغامرات الصبية عند البحر والبحيرة وصيد الأسماك وأنواع الطيور المهاجرة كالسمان والبئير وغيرها، وعوائد أهل الحي في بعض المناسبات الاجتماعية والوطنية كعادة حرق دمية " اللنبي " في أعياد شم النسيم، وتحلق أولاد البلد من الصحبجية حول السمسمية في مسامراتهم واستعراض مهارتهم في الرقص والغناء على إيقاعاتها.

وهكذا أيضاً صارت "حكايات عن البحر والولد الفقير"، وفيها يطيل السارد الحديث عن الأعمال الشاقة التي يعمل بها البسطاء والفقراء من أهل البلد، ويقف على مهنة الصيد وأنواع الأسماك وتسميات البورسعيدية لها، وكيفية طهيها، كما يقف على بعض المهن التي انقرضت كمهنة الاشكاربيه وبيع الفحومات .. وعند سرد ذكرياته عن الأسرة يقف على بعض العادات والطقوس في المعيشة والميلاد، وأيضاً ما يحكيه البسطاء من موروث شعبي عن

" إلقاء خلاص المولود في البحر " وحكاية الترسة التي تكلمت ودمعت عند" ذبحها وغيرها من المعتقدات والمعارف الشعبية .

والمعروف أن معظم الحكايات والمغامرات والنوادر المحتشدة في المجموعة والمنتجة في البيئة البورسعيدية وبخاصة بين أفراد الجماعة الشعبية – كانت ولازالت حتى الآن تشكل تراثاً شفاهياً يتداوله بصفة خاصة جيل المخضرمين من أهل المدينة، وهذا التراث ينتقل من صورته الشفاهية المتداولة إلى نصوص مكتوبة في هذه المجموعة

ورغم انتقال هذا التراث الواقعي من صورته الشفاهية إلى صورة قصص وحكايات مدونة إلا أنه يظل محتفظاً بروحه الشعبية وطرائق الخطاب الشفاهي التي تقوم على التذكر والتجميع والإطناب والاستطراد والتقليد والمحافظة والمشاركة والدفء الإنساني ، حيث يتم خلق مناخ تفاعلي بين المتكلم / السارد والمتلقي السامع / القارئ، ويخضع للتداعي بنوعيه، التراكمي والتقابلي، ذلك أن الإنشاء الشفاهي يعمل من خلال "نوبات معلوماتية" تتداعى على ذهن المتكلم أو الراوية، وهو ما يتضح في المجموعة وربما كان هذا عاملاً اساسياً في قصدية المؤلف بتصنيفها "حكايات".

ومن المهم أن نلفت النظر إلى أننا لا ننشد المأثور الشعبي أو المادة الفلكلورية في حد ذاتها وإنما ننظر إلى إعادة إنتاجها وتوظيفها في النص الأدبي ضمن سياق ثقافي جديد – توظيفاً جمالياً وفكرياً على مستوى البنية الشكلية للنص والبنية الموضوعية "المضمون" معاً، وهذا السياق الثقافي الجديد هو نتاج معطيات واقع الكاتب داخلياً وخارجياً.

ومن الانتماء لروح الجماعة التي تحاول جاهدة، الاعتصام بتكافلها ضد أسباب نفيها وتهميشها، إلى عشق المكان مرة أخرى، والاعتزاز به حيث يشكل الكاتب بقلمه لوحة طبيعية آخاذة رائعة لبحيرة المنزلة وطبيعة الحياة فيها من خلال حكاية "بط البحيرة".

والحكاية لم تكن على ما أزعم هي ما تلح على الكاتب وذلك لبساطتها – بقدر ما كان يلح عليه الخلفية وعنصر المكان الذي تدور فيه ، وهو بحيرة المنزلة، وذلك فالقارئ لا تشغله حكاية الأفندية الذين نزلوا البحيرة فى رحلة لصيد البط– بقدر ما تبهره تلك المقاطع الوصفية الخلابة للبحيرة وطبيعة الحياة الإنسانية والحيوانية فيها، فا لطالما كانت البحيرة مصدراً للسحر والأساطير ، وموطناً ثرياً للذكريات، ومصدراً سخياً للأقوات والأرزاق، ولذا يأتي السرد الوصفي للبحيرة أشبه بلوحة من الفن التأثيري أبدعتها يد فنان عاشق.

وأخيراً نأتي إلى لغة السرد في المجموعة – وعلى ضوء ما اقتبسنا من حكاياتها – نجدها تعتمد الفصحى السهلة الملائمة لروح الحكي، مطعمة أحياناً ببعض الألفاظ العامية، أو ببعض من المصطلح اللهجي البورسعيدي وغيرها من الألفاظ الخاصة ببعض الطوائف في المدينة والتي بدت غريبة بعض الشئ، ولذا نجد الكاتب يضع ثبتاً بها في آخر بعض الحكايات ليوضح ويقرب معانيها للقارئ غير البورسعيدي أو لأجيال من البورسعيديين لم يقفوا على معانيها، وبالرغم من عدم استخدام أكثرها في عامية جيل اليوم إلا أن السياق التذكري المرتبط بالبيئة المحلية وبعض أنشطة أهلها قديماً فرض استخدام هذه الألفاظ على السرد من مثل: البلمة، الدنجريه، النابورتال، الاشكاربية، البراطيم، الكب، الجوبيا.. إلخ .

فالسرد إذن بصفة عامة وغالبة في حكايات المجموعة – يتخذ اللغة السائدة أو الرسمية المفهومة وسيلته إلى جمهور المتلقين، وهو ينتقي منها أسلسها وأقربها مساً للوجدان.. إنها لغة راقية من ناحية وقريبة جداً للفهم من ناحية أخرى وهو ما يزخم جانبا هاما من جوانب الهوية.

الهوامش:

1- "مدخل إلى نظريات الحكي (السرد)" – ص 75 – السيد إمام – كتاب أبحاث مؤتمر أدباء مصر "أسئلة السرد الجديد" ، هـ . ع . لقصور الثقافة – مطروح 2008م.
2- "البحث عن خصوصية سردية" – ص 95 – د. سيد ضيف الله – المصدر السابق.
3- "أثر الأدب في تحديد الهوية" – قاسم مسعد عليوة – كلمة تمهيدية ص 7 – مؤتمر بورسعيد الأدبي السادس – يونيو 2009م.
4- "السرد الجديد وتحولات اشتغال المفهوم" – ص 23 – د. زهور كرام – أسئلة السرد الجديد – مصدر سابق.
5- "الثقافة السائدة والاختلاف"، كتاب أبحاث مؤتمر أدباء مصر في دورته العشرين
(مجموعة باحثين) – الهيئة العامة لقصور الثقافة ص 639 – بورسعيد 2005 م .
6- "في نظرية الرواية. بحث في تقنيات السرد"، د عبد الملك مرتاض – سلسلة عالم المعرفة . الكويت – العدد 240 ص 184 – الكويت ديسمبر 1998 م .
7- المجموعة: " مركب بساجيريه " ص 10 .
8- المجموعة: "صديق العمر" ص 31.
9- ,, ,, ص 32 .
10- المجموعة: "حكايات عن البحر والولد الفقير ص 70 .
11- "مقدمة ألف ليلة وليلة وفن الحكاية" أحمد رشدي صالح ص7 – طبعة دار الشعب – القاهرة 1969 م .
- وأنظر: أحمد رشدي صالح "الأدب الشعبي" ص 28 – مكتبة الأسرة – الأعمال الفكرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2002 م .
12- المجموعة : "خبطة رأس" ص 89.

مشاركة