السبت، 24 سبتمبر، 2011

خيري شلبي .. مرآة الذات ، مرآة الكتابة

.. فأما الذات الإنسانية ، فتلك التي تشكلت عبر مراحلها خلال محطات مؤثرة وهامة . وأول ما تشكلت هذه الذات ، على رؤية صورة مبهرة ومؤثرة في حياة خيري شلبي ، وهي شخصية الأب وصورته . لقد كان أول بطل في الواقع يداعب خيال الطفل خيري شلبي . لقد رآه على أضواء أبطال السير الشعبية وألف ليلة وليلة ، تلك السير والليالي التي قرأها خيري شلبي على نفسه وعلى مستمعيه عشرات المرات ، هذا إضافة إلى الملاحم الشعبية الغنائية التي كان يغنيها المداحون المتجولون . 

إنها جزء من تراث هذا البلد وهذا الشعب ، تراث يأتي متدفقا من أغوار الأزمنة والأحقاب ، زاخرا بخبرة وحكنة ملايين الوقائع وآلاف السنين .. إنها الذات التي كانت تهتم غاية الاهتمام وتعتني كل الاعتناء بردود أفعال مستمعيها وتعليقاتهم حين كان صاحبها يحكي لهم أو يقرأ ، تلك الردود والتعليقات التي لخصت له في كثافة وإيجاز بعض ما تنطوي عليه روح هذا الشعب وسماته . الشعب الذي بدا فنانا بل مفتونا ومكبولا على براعة الحكي ومهارة القص وأيضا رهافة السمع مع نفاذ البصيرة والقدرة على صياغة أبطاله بحسه الوطني وخياله الشعبي وكذا سائر نماذجه الإنسانية التي يعج بها فولكلوره بخيرها وشرها . 

تراث ذو امتداد سحيق مع ديمومة التواصل والإضافة والحذف والتطويل وفقا لمقتضيات عصره وسياقات ظروفه ووقائع حوادثه وأيامه .. إنه التاريخ الشعبي لهذا البلد ، منبع الحكمة وصانع الحضارة .. وإنها الذات الإنسانية التي صار لديها قناعة بعد طول الخبرة العملية والحياتية والمعايشة مع أدب هذا الشعب وحكمته – أن الصدق هو المدخل الأول لقلوب الناس وأن الاقتناع بما يكتب الكاتب أو يقرأه على الآخرين – إنما هو شيئا يجب أن يقع له أولا .. يقول أمير الحكائين خيري شلبي : " لا يصنع مجد الكاتب إلا قدرته على الالتحام بأفئدة الناس والإسهام في إضاءة الدروب المظلمة أمامهم والعمل على ترقيتهم والمشاركة الفعالة في همومهم الكبيرة والصغيرة على السواء ، يحقنهم بمصل المقاومة ، يكشف لهم عن مواطن القوة فيهم ، عن قدراتهم الخفية الخارقة ، يوعيهم بها ، يربطهم بالتاريخ والجغرافيا ، الزمان والمكان " . 




أليس هذا بعض ما يطرحه أدب خيري شلبي ؟ وأنه بالفعل يمثل جزءا هاما من مقاصد هذا الأدب وغاياته ؟ أليست هذه الغايات والمقاصد هي جوهر وظيفة الفن وغاية مسعاه حيث موضوعه الأكبر والأهم هو مخاطبة الجوهر الإنساني والاعتداد به من خلال أدوات الفن والأدب ولغته ، هذه اللغة المتوسلة بالفني والجمالي ؟

.. أقول : يمثل جزءا أو بعدا من أبعاد أدب خيري شلبي وتراثه الفني ذي الطروحات الكثيرة على مستويي المبنى والمعنى ، الشكل والمضمون وكذلك اللغة والتشكيل . نعم ، إن هنالك أبعادا أخرى آن الأوان لأن يلتفت إليها الكتاب ويعكف عليها النقاد خاصة نقاد الأدب الرسمي الذي غاب عنهم خيري شلبي طويلا . أبعادا تتعلق بعوالم كتابته على مستويات : الأزمنة والأمكنة ، بناء الشخوص ، استقصاء الأحداث ، ربط السابق باللاحق من دفقاته السردية ومشاهده المحكية في أداء مرن من الاستباق والاسترجاع أو ثبات المشهد وحضوره المهيمن كذلك ملاحقة أبطاله لتنوعهم وثراء جوانبهم الإنسانية وبراعة رسمهم المستقصي للشخصية الروائية داخليا وخارجيا . وفي كل من ما سبق وخاصة فيما يتعلق بلغته وأسلوبه نجد الكتابة مرآة صادقة لذاته وعالما فسيحا لطموحاته وأحلامه ، أفراحه وأتراحه ، آلامه وآماله . 

إن كتابة خيري شلبي أو سرده الشفاهي وهما وجهان لعملة واحدة كانا يتدفقان من قلبه قبل لسانه بكل ما يحملانه من إثارة وحيوية وشغف فلا نملك إلا الاستسلام لسحر هذا الحكي والاندماج مع عوالمه . تلك الكتابة المنثالة أو قل هذا الحكي السيال بالحميمية والألفة المفعم بالخبرة الحياتية والإنسانية ، الممتزج بعوالم الواقعية السحرية . وأعمال خيري شلبي التي هي مرآة ذاته وذوب روحه وعصارة سياحاته وخلاصة تجاربه وخبراته – أزعم أنها جزء من إنجازنا الأدبي والإنساني . إن كل عالم من عوالم خيري شلبي الفنية أو أعماله الأدبية بدءا بـ اللعب خارج الحلبة وانتهاء بـ إسطاسية مرورا بـ رحلات الطرشجي ، الشطار ، السنيورة ، الوتد ، الأوباش ، وكالة عطية ، صهاريج اللؤلؤ ، نسف الأدمغة ، صحراء المماليك .. إلخ

إنها لبنات في جدارية خيري شلبي أقام صرحها افتنانا بأدب هذا الشعب وانبهارا بتراثه وإسقاطا لأحداثه وشخوصه على واقعنا لاستبصار هذا الواقع وتعريته وكشف سوءاته وعوراته . إنها كتابات العاشق لمصر ، مصر الإنسان والمكان .. الإنسان في بساطته وحكمته وذكائه الفطري وصبره الأيوبي . والمكان في التحامه بهذا الإنسان وهو يثور حياته مجالدا عوامل الفقر والقهر ، مجابها قسوة الحياة ومكافحا قيود الضرورة . كتابة خيري شلبي المنطلقة في براح الحرية ، المفعمة بالبهجة ، المثيرة للسخرية والمفجرة للضحك والبكاء معا .. كتابة خيري شلبي التي اختارت لنفسها أن تكون صوت الشعب وصرخة المهمشين ورسالة المقموعين ، إن خيري شلبي هو الذي أخذ بأيدينا وأولج بنا عوالم هؤلاء الثرية بسماتهم وحياتهم الممارسة لحريتها واختياراتها فيما يشبه التمرد على أشكال الرسمية والقمع والتمايز الطبقي والإنساني ، سواء أكان ذلك على مستوى الحياة أم على مستوى الكتابة نفسها .

مشاركة