الأحد، 10 يناير، 2010

نبض الحياة وحيوية السرد في " قبلات مميتة" لسمير الفيل

وتعتمد الأقاصيص في بنائها على الموقف المكثف أو اللقطة الواحدة المشحونة ، وتفرض طبيعة بنائها في معظمها وجود الشخصية الواحدة مع اتجاه الحدث إلى قوة المفارقة ومفاجأة القفلة المثيرة للدهشة . ومع المجموعة الأولى من هذه الأقاصيص الدافئة وهى "حكايات السرير" وتبلغ حوالي ست عشرة أقصوصة ، تجمعها وحدة المكان وهو السرير ، وبالتحديد "سرير المرض" حيث يقضى الراوى فترة قد تطول من الزمن ، يحاول أن يستثمرها ، محولاً إياها إلى أوقات للتأمل ولحظات للإبداع .

عن دار "اكتب وانشر" أصدر الأديب سمير الفيل أخر مجموعاته القصصية وهى مجموعة "قبلات مميتة" عام 2009م ، والمجموعة تتألف من أربعين أقصوصة تقريباً يضمها أربعة عناوين هى : حكايات السرير – أسود وأبيض – شواهد – قبلات مميتة .

وتطوف العناوين في تجربة سردية جديدة بمناطق من حياة الناس البسطاء ، تتسم بالثراء والحيوية وعلو النبض الإنساني ، ولذا سرعان ما يجد قارئها بينها وبينه ألفة ومودة وبساطة لغة ، تجعله لا يفارق عوالمها النابضة حتى ينتهى من معايشتها معايشة كاملة .

وتعتمد الأقاصيص في بنائها على الموقف المكثف أو اللقطة الواحدة المشحونة ، وتفرض طبيعة بنائها في معظمها وجود الشخصية الواحدة مع اتجاه الحدث إلى قوة المفارقة ومفاجأة القفلة المثيرة للدهشة . ومع المجموعة الأولى من هذه الأقاصيص الدافئة وهى "حكايات السرير" وتبلغ حوالي ست عشرة أقصوصة ، تجمعها وحدة المكان وهو السرير ، وبالتحديد "سرير المرض" حيث يقضى الراوى فترة قد تطول من الزمن ، يحاول أن يستثمرها ، محولاً إياها إلى أوقات للتأمل ولحظات للإبداع .

إن كل شئ قد يقع أو يحدث في حجرة راوى حكايات السرير يتحول برهافة الحس وصدق الوجدان إلى مشهد حى ، قد يسفر عن ضحكة أو ابتسامة تشيع جوا من البهجة والطرافة أو يلقي مشهد أخر ظلا من الشجن ومسحة من الحزن .




وفي وقفة مع بعض من "حكايات السرير" تطالعنا أقصوصة "كوب حليب" .. وفيها تدخل فتاة على المريض / الراوي ، تتجه نحو سريره ، تستلقي ، تحتضن وسادته ، ما لبث أن نامت ، يسارع الراوي بدوره لتغطيتها وستر مواضع الفتنة فيها ، لقد كانت ابنة معلمه .. في هذه اللحظة تعوده (حماته) تسأله في لهجة حاسمة عن زوجته التي لم تجدها في البيت وهل أساء إليها أو أغضبها ، ينفي الراوي عن نفسه التهمة ، تنصرف الحماة ، يمر وقت قصير وتأتي الزوجة مسرعة ومعتذرة عن التأخير ، يخبرها عن والدتها التي أتت لزيارته ، تدهش الزوجة دهشة صادمة ليقع من يدها كوب الحليب ، فأمها كانت قد ماتت منذ سنين !
ويشبهها إلى حد كبير أقصوصة "في خفاء" .. فقد نام المريض وهو يستدعي حنان الأم ويتذكر حدبها عليه بعد أن تركه الجميع وحيداً ، بما فيهم الزوجة والأولاد ، تأتي امرأة تسأل عنه في لهفة ، فيخبروها بمكان العنبر والسرير ، تراه ، تطمئن عليه ، توصى الآخرين بألا يخبره أحد بحضورها .. لقد كانت المرأة هى أمه بالفعل ، أو ربما كان طيفها !
وهكذا تتوالى الأقاصيص من وحى رقدة السرير ، فهي إما أن تكون تعبيراً عن رغبات وأمنيات مكبوتة ، أو توجساً وخوفاً من توقعات ومفاجآت غير سارة .

في أقصوصة "شباك" يبصر المريض فأرا يدخل من شباك غرفته لينسل تحت سريره ، يسمع المريض قرقضته ثم يحل بعدها سكون ، يعرف المريض السبب ، فقد أبصر الفأر متحفزاً أمام فأرة بنية اللون ، الفضول دفع الراوي لرؤية ما سوف يحدث ، ينحنى من فوق سريره ليرى مشهداً مستفزاً يخجل أن يحكيه !

وهكذا يقع الراوي تحت المثل ولكن بعد تعديله ، وهو "من راقب الفئران مات هماً وغماً" . أما المثل القائل " اللي يخاف م العفريت يطلع له " فربما يردده انطباعنا عن أقصوصة "كوب حليب" لنقول بعدها "اللي يخاف من حماته تطلع له " فالحماة معظم الأحوال ليست بملاك .

في أقصوصة "شفاف" و "كوب شاى" يتبدى اللعب الفني على مشهد الحضور والغياب وذلك بتبادل الأدوار بين الراوي والبنفسجة الشاحبة في "شفاف" ، والاستدعاء الحلمي لفتاة الشاي الهندي في "كوب شاي" ، إذ كان المريض تغالبه رغبة شديدة وملحة إلى شرب شاي من النوع "الخرز" من هنا تمثل فتاة الشاي في نهاية مشهد الأقصوصة شاخصة تناول الراوي الكوب بعد استدعائها من "غلاف" باكو الشاي التي كانت صورتها عليه ، هكذا تحولها أمنيات الراوي إلى شخصية حية متعاطفة .

ومن أقاصيص الطرائف أقصوصة "رصاصة" وفيها يرقد الراوي يعالجه طبيب بعد إصابته بطلق ناري ، يأتي محقق ليسأله عمن أطلق عليه النار ، يخبره أن حالته بخير ولم يطلق عليه النار أحد يتعجب المحقق وهو ينبئ المريض بالرصاصة التي استخرجها الطبيب من قلبه . يعرف المريض إنها رصاصة الحب ، اطلقتها الممرضة التي تأتي حاملة المحلول السكري ، حيث كان ينقط في وريده نقطة .. نقطة .

وبعض أقاصيص "حكايات السرير" تفجر دراميتها الساخنة مع مفارقتها المفاجئة ضحك القارئ ففي أقصوصة "حلواني" يعوده أحد الزوار مهدياً إياه صنية بسبوسة لذيذة ، يلتهم المريض بشغف قطع البسبوسة الشهية ، ما هي إلا لحظات حتى يفاجأ بزائره واضعاً على رقبته سكيناً حاداً لم يكن الزائر في حاجة إلى استخدامه ، إذ قام بدس السم في صينية الحلوى ، إنه ينتقم من المريض بعد أن أعلمه أنه عم الفتاة التي غرر بها !

أو علي طريقة فيلم "الخطايا" يبادره زائره بخبر صادم قائلاً له : إنه "ابن الخطئية" ، لقد نام أبوه مع زوجة الزائر في الفراش ، يبدي المريض الدهشة والحيرة معاً ، تملكه الخوف الشديد من رغبة زائره في الإنتقام ، محاولاً تهدئته بقوله : " لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا" .

أما أقصوصة "ريشة" فقد حلقت في ذروة من الفنية والشفافية الإنسانية العميقة ، إذ يجد المريض على فراشه ريشه صغيرة ناعمة لطائر وقف على شباكه وكأنه يحييه شاكراً ، لقد ترك الصغير ريشة من جناحه هدية للمريض رمزاً للامتنان ورداً للمعروف فقد خلص أمه من قبل من آيادي صبية عابثين كانوا يخمشونها بأظافرهم .

هكذا تتوالد حكايات السرير ، بين لحظات من الأسى والحزن ، الضحك والابتسام ، الاطمئنان والقلق ، السخرية أحياناً أو تجسيد معنى إنساني أحياناً أخرى ، وهكذا يخرج الراوي المريض من زمن الرقاد الطويل إلى ثراء اللحظة وحيوتها جاذباً معه قارئاً ضمنياً أو مستمعاً مفترضاً يقرأ أو يحكى له هذا الحكايات ، وبالرغم من تسميتها تلك إلا أنها تتمتع بقدر عال من الخفة والطرافة مع إثارة الذهن وترك الإنطباع ما ينبئ بأنها أقاصيص فنية لم تتخل عن جماليتها كما ذهب البعض فأقصوصة مكثفة ، مُصاغة بموقف أو مشهد أو لقطة واحدة مركزة ، مسرودة ببساطة اللغة وإنسيابها ، مع انطباع تخلفه في نفس السامع ، أو مفارقة تثير ذهنه وأحياناً تفجر ضحكته ، ضف إلى ذلك العنوان ذى اللفظة أو المفردة الواحدة المُصاغة بروح الأقصوصة ، لا شك أن ما سبق إنما هو نتاج سرد خاضع لشروط الفن وقواعده .

أما مجموعة أقاصيص (أسود وأبيض) البالغة عشراً ، فهي أقرب إلى المتواليات المسرودة بضمير المتكلم ، يجسد كل منها مواجهة مع النفس أو مكاشفة مع الذات ، في وقفات تقييم لأحداث ومواقف وشخوص مرت في حياة الراوي ، لذا فقد جاء سردها في صورة موجات من البوح ، أتت محملة بإنسانية الفعل بكل تناقضاته فضلاً عما تضمنته من حكمة المواقف التأملية وتطهرية المكاشفة والاعتراف .

أما مجموعة "شواهد" ، فقد تبدت أقاصيصها الثمان على هيئة إيقاعات للحن واحد هو لحن الحزن والغربة ، فأقصوصة "صافرات" ، جسدت لنا عاطفة الشوق للزوج النائي في بلاد بعيدة حيث ينهش الحنين قلبه كلما سمع صافرات السفن .

وفي أقصوصة "فراولة" ، تبدو بوادر الحمل على الزوجة وتشتهي ثمار الفراولة الحمراء ، يتم استدعاء الزوج الشاب للخدمة العسكرية ، يتوجس من هذا الاستدعاء المفاجئ ، يجلب لها توجسه حزناً شديداً ينسيها ثمار الفراولة الحمراء .

في أقصوصة "تلك البقعة" ، تتجلى مشاعر الفرحة على أم وقد امتزجت بأحاسيس من القلق حين تكتشف أن ابنتها قد بلغت بعد أن رأت بقعة حمراء على ملاءة سريرها .

أما في "طلاء أحمر" ، فنشاهد زوجة تثأر لكرامتها وكبريائها المجروح – بقتل زوجها الذي خانها مع صديقتها على نفس الفراش . ونرى في أقصوصة "وديع" ، الشاب الذي خنقه الصمت والخنوع فقرر أن يصرخ ، وحين صرخ فاضحاً الفساد ، كان مصيره السجن .

وتأتي خمس أقاصيص في "قبلات مميتة" لتعالج عاطفة الحب وطيبعة العلاقة بين الرجل والمرأة بما فيها من لهفة وجفاء ولوعة وأشواق واشتهاء ، أقاصيص تحاول أن تكتشف تلك العلاقة ذات الطبيعية المحيرة وما يكتنفها من مواقف ومشاعر .

إنها تُجسد لحظات مشحونة بالانفعالات سواء أكانت هجرا وصدا أم قرباً ووصالا .

وهكذا ينتقل بنا الكاتب في مجموعة "قبلات مميتة" بين عوالم إنسانية ثرية متنوعة ، يعالج فيها سرداً يكاد يكون مغامراً بانتقالاته وتنويعاته سواء في نوعية الحدث أو نوازع الشخصية وتناول الضمائر واتجاه خط السرد وبين هذه الانتقالات والتنويعات لا يتخلى عن قصد اللغة وبساطتها ونبرتها الدافئة .

إنها تجارب سردية حاول فيها سمير الفيل كما عهدناه - الإنصات لهسيس الأرض ونفثات الصدور وأنين المحرومين وبدا فيها متعاطفاً مع أبطاله وهو المدرك لحجم مكابدتهم .

إن معايشة "قبلات مميتة" تتيح لقارئها بالفعل حيوية اللحظة ونفاذ وعيها ، لتمنحه مسرات صغيرة ومباهج متناثرة وسط بحيرة عميقة جداً من أحزان القلب على حد تعبير الكاتب .

مشاركة