السبت، 29 مارس 2008

مصطفي نصر في " سينما الدورادو"

في تقنية سردية تمزج بين الفن الروائي والقصصي والسرد السينمائي ، يقدم لنا الروائي والقاص السكندرى " مصطفي نصر " آخر أعماله الروائية ،وهي رواية " سينما الدوراو " ، والرواية يؤلفها سبعة عشر فصلاً تقع في أقل قليلاً من مائتي صفحة من القطع المتوسط ، صادرة عن سلسلة الكتاب الفضي بنادى القصة بالقاهرة . وفصول الرواية مسرودة بنزعة عميقة من الحنين والوفاء ـ للإنسان والمكان ـ عبر حزمة من " الذكريات السينمائية " يوظفها الكاتب ببراعة في خلق عالمه الروائي المتسم بالتشويق ، المفعم بالحياة والحركة والحس الإنساني .

في تقنية سردية تمزج بين الفن الروائي والقصصي والسرد السينمائي ، يقدم لنا الروائي والقاص السكندرى " مصطفي نصر " آخر أعماله الروائية ،وهي رواية " سينما الدوراو " ، والرواية يؤلفها سبعة عشر فصلاً تقع في أقل قليلاً من مائتي صفحة من القطع المتوسط ، صادرة عن سلسلة الكتاب الفضي بنادى القصة بالقاهرة .

وفصول الرواية مسرودة بنزعة عميقة من الحنين والوفاء ـ للإنسان والمكان ـ عبر حزمة من " الذكريات السينمائية " يوظفها الكاتب ببراعة في خلق عالمه الروائي المتسم بالتشويق ، المفعم بالحياة والحركة والحس الإنساني .

تأخذنا أحداث الرواية إلي شوارع الإسكندرية وأحيائها الشعبية ، وبصفة خاصة تلك الشوارع والأحياء التي كانت تقع فيها دور العرض السينمائي حيث كانت منتشرة بكثرة منذ أواخر الخمسينيات وحتي ما قبل منتصف السبعينيات ، نشاهدها ماثلة حية من خلال مشاعر عاشقة لمفردات البيئة وذاكرة مكانية مثيرة للدهشة ، تلم بتفاصيل المكان وما طرأ عليه من تبدلات وتحولات خاصة فيما يتعلق بدور العرض السينمائي التي زالت بفعل الزمن أو تلك التي مازالت باقية : كسينما التتويج وماجيستك والهمبرا والنيل وبلازا و الدورادو وريتس ومحرم بك وسينما فؤاد وغيرها ، ويعقد الكاتب لكل سينما فصلاً يستدعي من خلاله ذكريات من مغامرات الصبا والشباب وتحايل هؤلاء للحصول علي ثمن تذكرة ، تشبع تلك الرغبة العارمة لدخول إحدى دور العرض يدفعهم إليها هيام شديد السحر والجاذبية للشاشة البيضاء ، وما تعرضه من أفلام عربية أو أجنبية كانت دوماً مثار أحاديثهم ومصدراً لإشباع خيالاتهم المراهقة وعواطفهم الحادة ونزعاتهم الجياشة .
والحقيقة أن السرد الذى ينساب في سلاسة وعذوبة وبلغة فصيحة سهلة قريبة التناول ـ يحل به المؤلف ـ أكثر من معادلة صعبة في هذا العمل الشيق .

فالوله له بهذا الفن الساحر، وشعار " أنا بحب السينما هو الشريان الموصول الذى يقبض به المؤلف علي خيطه الدرامي ونبضه الروائي الممتد عبر الفصول .

ثم تأتي الفصول السبعة عشر ، ليتناول في كل فصل فيها ـ ذكرى سينمائية ـ بكل ما يحيط بها من ظرف زماني أو مكاني أو نفسي ، مع معايشة فيلم في إحدى دور العرض .

ومع كل فصل معنون بإسم إحدى السينمات ، يشدنا المؤلف ببراعة حكايته ، لنعيش معه تجربة كاملة تتصل بتلك الذكرى وذلك الفيلم وما يغلفهما من مشاهدو أحداث ومواقف ولحظات إنسانية مرهفة .

’يضّفر المؤلف ذلك كله في ضفيرة سردية تتوازى مع موضوع الفيلم وقصص أبطاله السينمائيين واصلاً حالات أبطال الأفلام بشخصيات فصول الرواية وحالاتهم ، ومن داخل دور العرض وأحداث الفيلم يقترب المشهد الواقعي المسرود بالمشاهد المعروضة علي الشاشة وتمتزج الحالة بالمشهد ، وهنا يتم التقمص والتمازج وتبادل الأدوار والانفعالات ، ونستشعر أن "عدسة" السارد ازدادت حساسية ورهافة ، وارتفع إيقاع سرده الفني والإنساني وكأنه يتصاعد مع إيقاعات خفية لموسيقي الفيلم التصويرية التي ما زال صداها يتردد في الذاكرة السمعية للسارد ، وبالصورة يداعب مخيلته .

يروى المؤلف عن بطله حسني في الفصل الثاني تحت عنوان "سينما ماجيستك" ؛ يحب "حسني" ـ "عبد المنعم إبراهيم " ـ ويحرص علي مشاهدة أفلامه ، لماذا لا يذهب لمشاهدة فيلم "سر طاقية الإخفاء" ؟

عندما رأى عبد المنعم إبراهيم ’مستضعفاً في الحي ، بكي حسني ، تذكر ما حدث له .... أحب خميسة ابنة المعلم "عبد العظيم " صاحب البيت الذى يقع فيه دكانهم... رآها عندما ذهب إلي بيتها في شارع الكعبة لدفع الإيجار .... ذهبت أمه لخطبتها ، ما إن سمع إبن عم الفتاة الذى يسكن مع أهله في البيت المواجه للدكان بأمر هذه الخطبة حتي جن جنونه وأذاق حسني العذاب وانتهي به الأمر إلي إشعال النار في الدكان ، يومها حملوا حسني مغشياً عليه من أسي وتأثير النار .... ماإن وصل عصفور ( عبد المنعم إبراهيم ) إلي طاقية الإخفاء واستطاع أن يقهر عدوه القديم ( توفيق الدقن )، حتي ابتسم حسني وضحك بصوت مرتفع ، وعندما صفعه عصفور علي وجهه وقفاه ضرب حسني معه ، وصفع غريمه الذى يرميه بالطوب من شرفته ، ويصيح دون خوف ؛ ـ لازم أخليك تسيبها ". هكذا يعرض لنا المؤلف أرشيفه السينمائي حياً نابضاً ملتحماً عضوياً بالمكان والإنسان وروائح الزمن الجميل في صفحة من ذكريات كتاب العمر هي بلا شك أحلي وأجمل صفحاته

مشاركة