الثلاثاء، 17 مارس 2009

لذة النص ودور المروي له قراءة في مجموعة " وفيم أنت تفكر ... " لمحمد الدسوقي

تظل عملية القراءة الفاعلة والكتابة الواعية مغامرة استكشافية إبداعية ذات شقين مؤثرين هما : المبدع ، والمتلقي ، وبينهما النص الأدبي الذي تعلو أدبيته وتزداد قيمه ، حين يتعامل المبدع معه ، وكذلك القارئ والناقد – تعاملاً مؤجلاً ، بمعني ؛ أن نتعاطى النص إبداعاً وقراءة وتأويلاً كمنتج يظل طامحاً للتعديل والارتقاء والتطلع إلي إنجاز قدر ما يستطيعه من القيمة الفنية ، وبالتالي يظل محفزاً لأطراف العملية الإبداعية علي استمرارية عملية التلقي والتأويل ، وتحويل المسلمات إلي إشكاليات لا تتعالي علي التساؤل والبحث والطرح الحر .

هنا نغدو في حالة متصلة من الاستفزاز الجمالي والإثارة الذهنية ، والتفاعل الخلاق ، وأزعم إن بين يدي مجموعة قصصية وهي :-

" وفيم أنت تفكر " للأديب محمد الدسوقي – من تلك النوعية من الإبداعات المسيلة للعاب القراءة ، المثيرة للدهشة ، الطارحة للتساؤل ومن ثم فهي دافعة قارئها دفعاً للدخول في حوار مع نصوصها ، ومحفزة إياه للتعليق وتسجيل الهوامش علي صفحاتها .

ومن خلال حواري مع نصوص المجموعة ، ومن مجموع تعليقاتي علي المنتج ككل ، طفقت أمارس دوري كقارئ في الحديث عنها ، ولكن هذه المرة بصوت مجهور بعد أن كان مهموساً أثناء عملية القراءة والتلقي .



ومجموعة الدسوقي " وفيم أنت تفكر " ، هي المجموعة الثالثة للكاتب وقد أصدرها هذا العام 2008م عن " دار المرسم للإبداع " وذلك بعد مجموعتيه الأخريين ، الأولي " محاولة أخري للسقوط " عام 92 ، والثانية " قراءة في وجه الحبيبة " عام 99 والفائزة في المسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة ، هذا بالإضافة إلي كتابات ودراسات أدبية ونقدية أصدرهما في كتابين هما : " وجوه وتأملات " و " الحركة الأدبية في جنوب سيناء " .

وربما تبدأ فواصل الإثارة والدهشة في المجموعة التي بين أيدينا مع مداخلها من لوحة وغلاف وعنوان وافتتاح .

أما اللوحة ، فهي للفنان أحمد الجنانيني ، وهو صاحب دار النشر وكون الناشر أدبياً أو فناناً لاشك أنه أمر يريح المبدع ويخدم العمل ويضيف إليه . الغلاف ، يبدو بهويته ذات القطع المستطيل وهو القطع المميز لدار المرسم – يبدو محاولة للاختلاف عن السائد والمشاع .

وتأتي اللوحة لتشغل ثلثي مساحة الغلاف الأمامي ، وهي تصور شخوصاً ذوات وجوه مطموسة تلتف حول رؤوسها غلالات من سحاب أبيض ، فتبدو كأنها في حالة غياب أو دوار أو انعدام وزن . تحت اسم المؤلف وعنوان المجموعة ، نري عنوانا جانبياً ذا منحي تصنيفي ، يقول للقارئ بأن المجموعة " ثنائيات قصصية " أي ، أن كل نصين مضفان تحت عنوان واحد ، في الوقت الذي تحتفظ يه كل قصة بعنوانها الخاص .

نأتي للعنوان نفسه " وفيم أنت تفكر .." ، وهو عنوان أحد ثنائيات المجموعة ومقتطع أيضاً من سياق السرد من قصة " تربص " ، وهو يبدو بهذه الصيغة الظريفة الزمنية المفتوحة قابلاً لكل الاحتمالات ، أي ، وفيم أنت تفكر حدث كذا وكذا ، أو اكتشفت كذا وكذا وغيرها من التأويلات الممكنة علي مستوي الفعل الواقع بشكل فجائى وغير متوقع .

تبدأ المجموعة بالقصة المفتتح تحت عنوان " تذوق " وهي عبارة عن مشهد مكثف متتالي الإيقاع الحدثي في شكل جملة من القول الشعري المنثور .

ونلاحظ إن مختتم المجموعة " قصة " أيضا عنوانها " ... واجترار " ، وكأن المبدأ والمنتهي يصيغان جملة اسمية هي " تذوق واجترار " بدليل واو العطف والفراغ الكتابي قبل " اجترار " ، وبين " تذوق واجترار " يقع المتن ذو الثنائيات القصصية .


والسرد المنثور في المنتج " تذوق " يأتي علي النحو التالي :

في وقت ما ...

كنت أشرب الشاي

وكانت هناك

هناك ، في الشرفة المقابلة

امرأة

أعضاؤها انتثرت

وكلما رشفت رشفة من الفنجان

استطعمت مذاقها في فمي

لكني عندما انتهيت

ولعقت آخر قطرة

ملأت المرارة حلقي ! المجموعة صــ7

والمشهد الافتتاحي كما سجلناه لا يتوسل بلغة حيادية ، وإنما يعول علي اللغة الانفعالية الشاعرية المحملة بالرمز ، وبداية المشهد " في وقت ما " أي أنه عهد لا يتذكره الراوي بالتحديد ، لكنه علي يقين بحدوثه فهو كان يشرب شاياً وكان هناك في الشرفة المقابلة له امرأة ، وهو أمر يعيد تأكيده بتكرار ظرف الزمان " هناك " ، وتلك المرأة رأها الراوي أثناء تناوله للشاي تتشظي وتتناثر ، وعبر عن ذلك بالجملة الاسمية " أعضاؤه تناثرت " زيادة في الحدوث والتحقق ، وظل الراوي يستطعم مذاق المرأة في حالة من السكر والغفلة ، ولكنه يكتشف مع آخر قطرة أنه كان يتجرع المرارة والألم .

وخلاصة ما سبق أننا ندلف مع المؤلف إلي متن المجموعة من خلال تهيئة وإثارة لأجهزة التلقي ، فنحن كثيراً ما نستقبل الأحداث والأشياء استقبالاً غير صحيح لأنها قد تكون مزيفة بالإبهار والبريق ، أو مموهة بالتدليس والخداع ، أو ملتبسة بالمغالطات ، وطالما أن استقبالنا للأمور كان بهذه الكيفية ، فالنتائج وردود الأفعال ستكون المزيد من الخداع والتزييف ، أي المزيد من التهميش والتغييب .

بعد هذا المفتتح نأتي إلي المتن وهو مؤلف من قصص عشر هي :

تهيؤ ، وانفعال ، عشر جنيهات ( هكذا مكتوبة بتذكير لفظ عشر ) ، ثم امرأة أخري ، ابن جاد الله ، ... وابن من ؟ ، تربص ، استلاب ، الحكاية ، وما أدراك.

وهي موزعة ثنائيات تحت عناوين خمسة هي :

ليل ونهار ، إلا أن تكوني امرأة ، تداعي ، وفيم أنت تفكر ، هكذا .

1- الثنائيتان :

" تهيؤ وانفعال " المطروحتان سردا ، موضوعهما " المرأة " وطرف من قصة الراوي معها.

في " تهيؤ ": نشاهد الراوي " شبه نائم " في حجرته المظلمة ، يحاول جاهدا التماس الراحة بالنوم ، يفاجأ بظل ( خيال ) حبيبة قديمة له – ودعته من سنين – تزوره في قلب الليل .

في البداية حين رأي الظل أحس بالخوف والرعب الشديد ، حاول الفرار ولم يستطع ، هم الظل بالظل ، جاهد ليخرج من الحجرة ، خرج بالفعل ، نظر إلي الحجرة يستوثق " فإذا ظله يعانق ظلها ويذوبان في توحد عميق المجموعة صــ14 .

- أما ( وانفعال ) :

فالراوي فيها يقابل المرأة التي أحبها بعد ثلاثين عاما في فراق مفاجئ غير متوقع وغير مبرر بالنسبة له ، وكانت عودتها في وقت هجرته الأغاني وهجرها ، عودة المرأة أيقظت فيه عواطف وأحاسيس قديمه ليثور صراع في داخله بين رغبته فيها ورغبته عنها ، ففي أعماقه جرح منها لا يندمل بعد فراقها القاسي له ، المرأة تراوده عن نفسه ، بل تشده إلي مخدعها ، لكن رغبته تنطفئ في داخله حين رآها أنها ليست المرأة التي عرفها ، لقد فقدت روحها وانطفأ بريقها ، أصر علي الرحيل والابتعاد لما تذكر خداعها له إضافة إلي قسوتها .

والحالة التي تطرحها القصتان متشابهتان لا متطابقتان ، في الأولي يمهد السارد لمناخ القصة تمهيداً موفقاً ومكثفاً ، مدخلاً القارئ معه أجواءها الضبابية وسرعان ما يمارس اللعب بالظلال والصور المتحركة والتضفير ما بين الحقيقي والوهمي مع إيغال في الإيهام بتوظيف شئً من القص القرآني من سورة يوسف، وتكوين الصورة الممتدة اللاهثة مع التداخل في حركة الضمائر ما بين متكلم وغائب ومخاطب ، ما يجعل الراوي أحياناً خارج المشهد وأحياناً داخله ، ويظل يمارس الإيهام حتى جملة القصة الأخيرة ليزداد معها الغموض وبالتالي حيرة القارئ ويظل يتساءل هل يمكن أن يرسو مع نهاية القصة علي ضفاف من الحقيقة ؟ أم أنها مارست ألعاب الإيهام لتكون مبحرة بالدلالة والتأثير في عمق الوهم السحيق؟

في القصة الثانية ( وانفعال ) يتعامل السارد بصورة واضحة مع الواقعي في صورة حوار متجادل بين الرجل والمرأة علي المستويين الخارجي الملفوظ والداخلي المعتمل ، إلا أن نهاية القصة الأولي تميل إشارياً إلي استمرارية حالة المكابدة والصراع بدليل عنوانها ( ليل نهار ) ، بينما نهاية الثانية فيها حسم ووضوح وإن عاني الراوي بعض الشئ – وتمثل هذا الحسم في هروبه منها وحرصه ألا يقع في شباك فتنتها وذلك بعد عملية الاستجلاء التذكري المستدعي من ذاكرة شائكة تدفع إلي الإعراض والصدود عن تلك المرأة .

والدلالة المشتركة بين القصتين تشير إلي أثر الزمن ومتغيراته وتحول المشاعر الإنسانية .

2-أما ثنائيتا " إلا أن تكوني امرأة " وهما :-

" عشرة جنيهات " و " امرأة أخرى " ، فالقصة الأولي مروية بأسلوب المخاطب وهو الأسلوب المفضل لدى المؤلف وجاءت علي لسان امرأة بادئة أيضاً بالحوار ولكنه كان حواراً عاصفاً ثار فيه الرجل علي المرأة متخذاً قرارا بإنهاء علاقته بها ، تواجه المرأة الراوية للقصة ثورته بعتاب مفعم بالأسي والصدمة ، فهو قرار يأتي بعد حياة أو علاقة استمرت خمسة وعشرين عاما ، وكان رده :

" كنتِ أى شئ ... أي شئ ... إلا أن تكوني امرأة " المجموعة صــ6 .

لقد كان رداً مربكاً ومهيناً ما جعل المرأة في حالة من الشتات في الوقت الذي كان فيه ينفث دخان سيجارته الأجنبية في وجهها ثم يتركها داخلاً حجرة أخرى ، أما هي " فراحت تتلوي مثل قطة خائفة وهي تفكر هذه المرة بالفرار " صــ26 .

أما نفي الأنوثة عن المرأة . فمن أي جهة يأتي ؟

وخاصة حين تضع في الاعتبار أن الأنوثة مفهوم كامل يتضمن البيولوجي والنفسى والاعتباري ... ألخ

ولماذا انتظر الرجل ربع قرن من الزمان ليأخذ قراره ؟

وما سبب ارتباك المرأة وتفكيرها هذه المرة بالفرار ؟

أنها أسئلة قصد الكاتب ألا يشير إليها في صياغته للقصة ، فالصياغة تركت مساحة كبيرة من الفراغات أحاول إن أشرك القارئ للمجموعة في البحث معي عن إجابات لها .

- وتأتي قصة " وامرأة أخري " ، تلك الشابة التي رأي فيها الراوي الشاب المتفوق الطموح ، أنها ستكمل الحلم معه ، ولكن أني يحقق حلمه في بيئة تخنق الأمل وفي خضم شروط مجهضة للأحلام ويصف المقطع الثالث في القصة طرفاً من هذه الشروط كما يلي :

لم يكن يوماً رائقاً

كان في الجو صفرة غريبة

ويبدو الناس في ازدحامهم

ضائعين في لا مكان ولا زمان المجموعة صــ30

لقد أطاحت شروط مجتمع غير سوي بأحلام مشروعة لفتي فائق وثاب ، فقد تلقي ضربتين قاتلتين الأولي : انه ( غير لائق اجتماعياً ) ، وهو ما استوحاه الكاتب من مأساة الشاب المنتحر محمد خريج الاقتصاد والعلوم السياسية ، والثانية ، أن فتاته غنية وهو لا يملك ما تريد وكان يمكن لطموحه الوظيفي أن يحدث فرقاً كبيراً ، وهكذا اتسعت الهوة بينهما ، وكما كان مصير محمد الانتحار بإلقاء نفسه من كوبري علي النيل وسط القاهرة ، كان انتحار الراوي أيضاً في هذه القصة.

وإذا كانت القصة الأولى مؤلفة بنيوياً من السرد والحوار ، فقد كانت الثانية في ستة مقاطع أربعة منها منثورة شعرياً ومقطعين سرديين .

وقد أدت دافعية الاعتمال الوجداني إلي صياغة الجمل بشكل أقرب إلي الدفقات الشعرية تعبيرا عن كثافة الانفعال ودرامية اللحظة .

3- ومع القصتين الخامسة والسادسة من ثنائية " تداعي " :

الأول بعنوان " ابن جاد الله " وفيها يسرد الراوي بضمير المخاطب متهما من يخاطبه بالجبن بعد إن وصلته مكالمة تليفونية تهدده بالقتل ، ارتبك ارتباكا شديدا وصار في حالة مزرية من الذعر والتشتت وجعل يدخل حجرات منزله ويخرج منها خائفاً يترقب وبلغ به الخوف أن يتوهم أن شبحا يطارده ، يداهمه الصوت الأجش الذي هاتفه فيكاد يسقط علي الأرض من شدة الخوف والإعياء ، يضغط علي الذاكرة محاولا استجماع صورة صاحب الصوت ، يعود الوعي خائباً ، يحاول مرة أخرى مركزاً مستغرقاً ، يستحضر مشهداً وهو يصطدم فيه

( بجسد ابن حسونة الذي فقد مؤخرته في ظروف غامضة) ، تخور قواه ويتداعي مع سقوطه شريط حياته المر .

واضح إن الحدث يسرد بشئ من الغموض والتعتيم المتعمد ، إلا أن القصة فنياً تبدو صورة كلية ممتدة مائجة بالحركة والانفعال الداخلي للشخصية وهذه الحركة يرصدها الراوي المتكلم في تنقلاتها السريعة مراوحا الحدث بين الاستباق والاسترجاع .

وكمحاولة اجتهادية للتفسير مع مثل هذه القصة التي نشتم فيها رائحة الثيمة البوليسية نقول : ربما يكون صاحب الصوت هو حسونة والضحية ابنه والراوي له علاقة بالجريمة سواء أكانت قتلاً أم أخذت صورة أخري غير القتل ، وخلاصة الحالة خاصة وهي مروية بلسان المخاطب الذي يواجه فيها نفسه ويعريها – أنها إدانة للذات علي المستويين : الحقيقي والمجازي .

فالراوي يدين ذاته بالجبن رغم أنه ثوري قديم ونزيل معتقلات سابق .

أما القصة الثانية فبعنوان " ... وابن من ؟ "

ويبدو فيها السارد وكأنه أصيب بحالة من الانفصال والانفصام ما بين واقع يسعي إلي التغيير الميئوس منه بالأساليب العقلانية والمنطقية والارتماء في نفس الوقت في حضن الخرافة والوهم بحثاً عن مخرج .

4- تأتي ثنائيات " وفيم أنت تفكر " ، وهما " تربص " و " استلاب " :

والأولي تتعامل بالمفارقة ، فهي تتجاهل معاناة " الضحية " وتبرز معاناة " الجلاد " وتكمن معاناة الأخير وهو رتبة بوليسية كبيرة – في إخفاقه أن يحقق هدفه وهو إذلال الضحية واستسلامها رغم صنوف الأهوال والتعذيب الممارس عليها ، وبهذه التناول المفارق فإن الراوي في الحقيقة يبرز بطولة الضحية .

- أما ( استلاب ) ، فالراوي فيها – وما زال مستخدما لضمير المخاطب – يدين بطانة السوء وحملة المباخر من مستشاري الفراعنة والطواغيت ، ويتوسل في ذلك باستدعاء محنة القرآن الكريم التي كان بطلها الإمام الفقيه أحمد بن حنبل وتدور كاميرا الراوي في إطار بعد من أبعاد المحنه داخل مجلس الخليفة والمأمون وترصد في حركات سريعة بعبارات مكثفة أثر الأفعال وردودها سواء علي المعتصم أم علي الإمام ، وكما يأست شخصية الجلاد في القصة الأولي من استسلام الضحية أيضاً في " استلاب " يتراجع المعتصم أمام ثبات الإمام ويسعفه بعد نظره في أخذ قراره بإطلاق سراح الإمام قبل أن تنضخم مأساته وتتحول إلي فتنة كبري من المؤكد أنها يمكن أن تطيح به .

5- يتبقي ثنائياتا العنوان الأخير " هكذا " وهما :

" الحكاية " و " ما أدراك " وهما مرويتان بضمير الغائب ، أما الحكاية فتري بروح السخرية والتهكم عن كبير البلدة الذي يهدد ويتوعد شاهراً سيفه مردداً عبارات الحجاج المعروفة لأهل العراق ، يستمرئ الكبير في المسألة مستغلاً جبن أهل البلدة واستسلامهم المخزي ، يصل الأمر به إلي تصور نفسه بطلا خارقا لا يقهر ، فجأة وهو يقف أمام باب بيته متفاخراً ببطولات وهمية ورافعاً عقيرته بشعارات ضخمة جوفاء ، وقبل أن ينفض الناس فإذا بكبكة داخل منزله ، يقف مهددا متوعدا هذا الذي جرؤ علي دخول داره في غفلة ، ينتظر الجميع خروج الشخص ، فيفجأون والدهشة تعلو وجوههم ، بكلب يخرج من الدار فاراً ، ومع فراره تعود دماء الحياة إلي الكبير المصياح .

- " ما أدراك " تبدو شخصيتها شبيهة بالكبير في الاستعلاء لكنه لم يكن حنجورياً ، لقد كان يهوى الصيد ولما فرغ من كل الطيور التي تحوم في أفقه ، شجعته رصاصة طائشة صرعت أحد رعاياه – أن يواصل هذه اللعبة معهم فهم يتناسلون ويتكاثرون ويسببون له المتاعب ، شهوته في القتل تزداد وتتوحش وبين ممارسة الشهوة والشهوة نجده يهرع إلى سجادة صلاته ومسبحته .

ومهما كانت نوايا الكاتب ، فإن القصة تفرض علي قارئها ربطاً غير مبرر يين ممارسة القتل ورمزية عبادة إسلامية والأمر بهذه الصورة يسيء بلا شك للدين السمح ويسهم وإن كان بدون قصد – في تدعيم الحملة المسعورة الكاذبة ضده وتلك الصورة المشوهة ذات التفصيلات القبيحة عن الإسلام وعباداته وأحكامه ورموزه .

وتبقي بعض الملاحظات العامة حول المجموعة مثل :

- أنها تتضمن رؤي وتسجل مواقف من الكاتب تجاه الواقع من خلال الذات المحاصرة المثقلة بمشاعر الاغتراب خاصة علي المستوي الداخلي ولذا لاحظنا ضيق الفضاء المكاني للقصص مع اعتماد آلية البوح واستنفار الذاكرة الشخصية .

- أن تذوق واجترار الحالات والمواقف المسرورة في المجموعة فرضت عليها الشكل الدائري الذي يعني أنها حالات ومواقف وتجارب مستمرة باستمرار شروطها ليس خارج الذات فحسب وإنما داخلها أيضا .

- أن إيثار الكاتب لضمير المخاطب يعني المواجهة والمصارحة والدخول سواء مع الذات أو العالم في حوار بهدف المراجعة والمكاشفة والتعديل .

- من سلبيات الأساليب الحوارية في المجموعة استخدام التقليد السردي الغربي في تحديد القائل بعد المقول وليس قبله ويزداد التباساً مع عادة الكاتب في التنقل سريعاً بين الضمائر .

وبعد :

فليس ثمة مخرج من جحيم الحصار علي كل مستوياته سوي المزيد من الإبداع وطرح البدائل من الرؤى الجمالية فهي حينئذ تقترح صياغات جديدة للواقع وتزداد فاعلية تلك الرؤى والتناولات حين تكون متسلحة بأمل التغيير في نفس الوقت الذي لا يحجر فيه علي حقها في البوح والاعتراف طلباً للاستشفاء الروحي والتخفف من ثقل الأرزاء وضغوط الإحباطات وإيجاد مساحة للتنفس لمواصلة درب الصبر والأمل .

مشاركة