الخميس، 12 أغسطس 2010

أثر المتغير الاجتماعي في السرد القصصي نماذج من القصة البورسعيدية القصيرة

إن القصة القصيرة ، ذلك الفن المراوغ ، من أكثر الفنون الأدبية المكتوبة مرونة وأكثرها استعدادا للتطوير والتطويع والاستجابة لروح وإيقاع حياتنا اللاهثة ، ومن ثم ، فإن أساليب القص تغدو سريعة التحول ، كثيرة التنوع ، وهو تنوع يعبر عن تغير شكل الحياة وعلاقاتها ، ويعكس في الوقت نفسه ، تعدد مستويات التجربة الإنسانية في عالم اليوم ، خاصة التجربة الفردية في همها الذاتي وإشكاليات وجودها ورؤاها وثراء علاقاتها بالآخر ، إن سلبا أو إيجابا.


إن الإبداع الأدبي بكل أشكاله يتجسد في لغة ، واللغة ظاهرة اجتماعية وجمالية في آن ، لأنها تسري في سياقات اجتماعية تجمع بين المبدع والمتلقي وما بينهما من علاقات اجتماعية ومعرفة مشتركة في الكلام .

وإذا كان الإبداع الأدبي وليد واقع اجتماعي ، فإنه في الوقت ذاته من أهم مرجعيات الدارس لهذا الواقع من حيث انطوائه على دلالات اجتماعية ، كما أثبت " لوكاتش " نظريا ، و" أدونيس " – في مؤلفة الثابت والمتحول – عمليا ، حين ألقى أضواء مبهرة علي تاريخ العالم الإسلامي في العصور الوسطى .

إن الأدب والتغير الاجتماعي طرفان في علاقة جدلية دائمة ، فالأدب يسهم في طرح الأفكار التي تساهم في التغير الاجتماعي ، كما إنه يوجد ظواهر هذا التغير ، وفي الوقت ذاته فالتغير الاجتماعي يقدم للأدب موضوعات للإبداع ، بل إنه ينعكس أيضا على الأشكال الأدبية .

إن كما هائلا من مجاميع قصصية ، يتوالى صدورها من جميع أقاليم الوطن الثقافية ، يعبر عن نشاط جم للقصة المصرية القصيرة والقدرة علي كتابة مشاهد ومواقف متعددة ، تلفت نظر الكاتب ليقول رأيه فيما هو كائن أو ليصور رؤيته للواقع المتغير سريع التحول.

إن هذا الفن السردي ليمتلك مزايا متعددة :

فهو لديه القدرة علي الرؤية الموضوعية والنظرة القريبة الفاحصة لظاهرة أو موقف إنساني والأداء العميق للقطات ومواقف ومشاهد تؤثر في وجدان المتلقي وتعيش معه .

إن القصة القصيرة ، ذلك الفن المراوغ ، من أكثر الفنون الأدبية المكتوبة مرونة وأكثرها استعدادا للتطوير والتطويع والاستجابة لروح وإيقاع حياتنا اللاهثة ، ومن ثم ، فإن أساليب القص تغدو سريعة التحول ، كثيرة التنوع ، وهو تنوع يعبر عن تغير شكل الحياة وعلاقاتها ، ويعكس في الوقت نفسه ، تعدد مستويات التجربة الإنسانية في عالم اليوم ، خاصة التجربة الفردية في همها الذاتي وإشكاليات وجودها ورؤاها وثراء علاقاتها بالآخر ، إن سلبا أو إيجابا.

وفضلا عما سبق ، فإن فن القصة القصيرة ، أثبت أنه يمتلك القدرة علي استيعاب الأجناس الأدبية الأخرى ، سردا أو شعرا ، فهو يجري " كيميائه " الأدبية هضما وامتصاصا ، ليستوعبها ويهضمها تماما ويدخلها في نسيج بنيانه الفني بحيث تصير عنصرا أصيلا من عناصر تكوينه . 




موضوع الدراسة :

تحاول هذه الدراسة ، أن تبين أثر المتغير الاجتماعي على القصة القصيرة ولما كانت المتغيرات كثيرة ومتلاحقة والتطورات عديدة ولاهثة بفعل آثار العولمة تلك الناتجة عن مكتسبات العصر نتيجة الانفجار المعرفي والتطور المذهل في وسائط الميديا والاتصال ، فقد كان من الأفضل للدراسة أن تحدد متغيرات معينة . ولما كان قرار تحويل بورسعيد إلي منطقة حرة للتجارة ، يعد من أهم القرارات تأثيرا على حياة المدينة وتركيبها السكاني وانعكاسات ذلك على العلاقات الاجتماعية والبنى الفكرية والثقافية وما يتصل بهما من نتاج أدبي ، فقد آثرنا أن نتناول هذا المتغير الهام وذلك من خلال نماذج من القصة البورسعيدية القصيرة ، خاصة تلك النماذج التي رصدت فيما بعد هذا التحول الهام والتي بدأت بصفة خاصة تتوالى منذ مطالع ثمانينات القرن المنصرم العشرين والتي جاءت في رؤاها وقضاياها المهمومة بها وكثير من تقنياتها ومتغيراتها السردية معبرة عن ذلك التحول وما أفرزه من أزمات وإشكاليات كان لها مردودها بالغ الأثر على المجتمع ونتاجه الثقافي خاصة الأدبي متمثلا في القصة القصيرة . وقد ركزت الدراسة بصفة أساسية على هذه النتاجات خاصة الشبابية منها ، لما تتسم به من حساسية التغير والشعور بأنواء التحول والمعاناة إزاء رياحه العاصفة وأمواجه العاتية والتي ما زال المجتمع المصري بعامة والبورسعيدي بصفة خاصة يكابد آثارها ويعاني إفرازتها حتى هذه اللحظة التي تتم فيها الدراسة .



ما قبل المنطقة الحرة : ملامح وسمات عامة للقصة البورسعيدية القصيرة :

تتعدد سفن ومرافئ السرد البورسعيدي ، منذ أن أرساها علمان بورسعيديان يشار إليهما بالبنان وهما : عبد الرحمن شكري وعباس علام ، وأولهما أحد الأضلاع الثلاثة الهامة في مثلث مدرسة الديوان الشعرية ، وكتب في القصة القصيرة ، أما الآخر فكان رائدا مسرحيا كبيرا ، وكلاهما كان له فضل الريادة في بواكير العطاء السردي للمدينة خاصة في فن القصة القصيرة ، فضلا عن ريادتهما التي لا يستطيع أحد إنكارها في مجاليهما الرئيسيين : الشعر والمسرح .

وتتدفق بعد هذين الرائدين قوافل السرد ، فيكتب القصة القصيرة أجيال توالت ، أحيت هذا الفن وهامت به عشقا نذكر منهم :

المبدع المؤسس ، مصطفي حجاب ، وممدوح بدران ، خليل سجاع ، أحمد أبو النور ، علي بدوي ، رجائي العشماوي ، سيد سعيد ، المحمود إبراهيم ، محمود بقشيش ، محمد كامل داوود ، فؤاد صالح ، أحمد عوض ، مرسي سلطان ، قاسم عليوة ، السيد زرد ، زكريا رضوان ، سكينة فؤاد ، ابتهال سالم ، أحمد زحام ، مجيد سكرانة ، ممدوح الباقوري ، د. أحمد عبد العال ، محمد خضير ، ويأتي بعد ذلك جيل الوسط يمثله : د. زين عبد الهادي ، محمد العباسي ، إبراهيم راجح ، صلاح عساف ، حامد موسي ، أسامة المصري ، سوسن عبد الملك ، ثم تتوالى أجيال القص التسعيني ، ذات الاتساع والتنوع والظاهرة الشبابية ، نذكر منهم : جمال قاسم ، السعيد صالح ، إبراهيم صالح ، أسامة كمال ، صلاح عنتر ، طارق حلمي ، مازن صفوت ، وليد منتصر ، محمد الأقطش ، إبراهيم عبد الكريم ، سامح الجباس ، عادل ضمراني ، محب فهيم ، منى الديب ، أسماء السحراوي ، منى أبو الخير وسمية الألفي وإن أصدرت مجموعتها الأولى متأخرة جدا عن الجيل الذي تنتمي إليه.

والحقيقة الهامة التي يمكن أن نقف عليها بعد الإشارة إلى أجيال السرد البورسعيدي القصصي تقرر: أن المدينة علي محدوديتها الجغرافية والسكانية وبالرغم من كونها من المدن المصرية حديثة النشأة ، إلا أنها شديدة التميز بعطائها الثقافي والأدبي مما يفوق بالفعل مدنا كبيرة ذات تواجد أصيل وقديم على الخريطة الأدبية المصرية وهي حقيقة تحتاج إلى دراسة خاصة للوقوف على عوامل هذا التميز وأسبابه وظواهره .

وإذا حاولنا الوقوف علي أهم الظواهر والمتغيرات الاجتماعية منذ خمسينيات القرن الماضي حيث كانت المدنية ذات خصوصية فريدة وتتمتع بقدر كبير من البهاء والجمال والهدوء والاستقرار الاجتماعي والتفاعل بين كافة الطبقات الاجتماعية وقناعة المدينة بأنها من أكثر بقاع مصر انفتاحا على العالم وذات طبيعة كوزموبوليتانية متسامحة . إذا علمنا ذلك ، سنجد أن السرد والقص آنذاك كان يبرز ذلك كله ويؤكد علي مفردات المدنية الطبوغرافية ويهتم بأزمات الشريحة البرجوازية من زواياها العاطفية والاجتماعية . وقد سجل ذلك سردا قصصيا وروائيا أيضا الأستاذ محمد فتحي حسن المحامي وهو أبرز كتاب خمسينيات ومنتصف ستينيات القرن الماضي ، كما كتب الأستاذ أحمد عبد اللطيف بدر سردا قصصيا بهدف تحقيق غايات أخلاقية وتعميق جوانب وأبعاد تربوية وسلوكية ، إشباعا لعاطفته الدينية وإضافة لمسئولياته الوظيفية كرجل تربوي . وكتب في هذه الفترة أيضا كتاب أقاموا في المدينة حينئذ وهاموا بها عشقا كطاهر الطناحي .

أما فترة الستينات والتي احتشدت بكتاب السرد القصص وأعلام الكبار بدءا بمصطفي حجاب وليس انتهاء بأحمد عوض ، مرورا بعلي بدوي وهارون غزي والسيد عبده النعناع وغيرهم فقد تميزت كتاباتهم بالالتصاق بالأرض ، والاهتمام بالفلسفة الإنسانية وإبراز مفردات البيئة المحلية والاحتفاء بالمكان احتفاءا كبيرا ، كما ظهر عند البعض منهم توجيه النقد للواقع الذي أفرزته بعض سلبيات الفترة الناصرية ونكستا الوحدة 1958م ويونيو 1967م ، وهي أمور لم يستطع كل كتاب مصر تقريبا أن يتجاهلوها أو يغضوا الطرف عنها خاصة وأن الجميع كان مصدوما مذهولا . فقد كانوا يتقلبوا في سكرة الحلم الجميل ويتعاطون منتشين أوهام العظمة والمجد ، فإذا الوطن بأسره يهب من سكرته النشوى وحلمه الجميل علي هزيمة 1967 ، الأشد قوة ومرارة والأكثر فجيعة وألما في تاريخ مصر الحديث والمعاصر والتي لا زلنا نعاني مرارة تداعياتها وسلبيات نتائجها حتى هذه اللحظة . ولا مبالغة في ذلك إطلاقا فالجميع يعلم كيف تدهورت أحوال البلاد والعباد منذ يونيو 67 ، وكيف سارت الأمور إلى المزيد من الأسوأ والأفدح وعلى نحو لاهث ومتسارع حتى الألفية الثالثة .. وهكذا وصلنا إلى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ونحن نعايش وطنا ومدينة في فترة من أسوأ فترات تاريخنا حتى ليذكرنا ذلك بتدهور البلاد وانهيارها في أواخر العصرين المملوكي والتركي . ولم ينقذ البلاد من هذا التدهور وشيوع المجاعات والفساد والأمية والجهل والوقوع في براثن التبعية سوى الملهم محمد علي الكبير مؤسس مصر المهابة القوية الحديثة .

فهل نحن في حاجة ماسة وضرورية إلى محمد علي آخر ؟

أعتقد ذلك . ويا ليته يتشكل الآن في رحم الغيب !



المدينة وما بعد المنطقة الحرة :

لقد أدرك كثير من كتاب حقبة الستينيات المحتشدة – فترة السبعينيات وما بدأ يطرأ على المدينة من بوادر تحول وشيئا من التغير نتيجة التهجير ثم العودة العشوائية فقرار تحويل المدينة إلى منطقة حرة ثم معاهدة السلام مع إسرائيل وهي أمور أريد بها استقرار البلاد وإشاعة الرخاء ولكن الواقع كان يقول شيئا آخر تماما . وإذا أخذنا مثالا على ذلك كتابات الموهوب مصطفي حجاب ، سنجدها كانت تعبيرا بليغا عن لحظات في عمر المدينة تلخص وضعا عاما . وبصدق تجسيداته وقدرته وحساسيته الفنية العالية ، استطاع إبراز هذه اللحظات خاصة تلك اللحظة المفصلية التي تحولت فيها المدينة من رمز بارز للأصالة والصمود إلى نموذج للسوق الانفتاحي العشوائي ، في انحناءة اجتماعية وإنسانية حادة وغير مدروسة .

لقد كان " بطل " مصطفي حجاب ابن البلد العادي ، محاصرا بالفقر والفراغ ، مأزوما في الغالب ، يؤرقه البحث عن العدل ويتوق إلى التحرر ، مقاوما في صمت – صنوفا من الهوان محيطة به ، وهو يتراسل مع ذاته والحياة والطبيعة من حوله باحثا عن إجابات للأسئلة الكبيرة التي تضغط عليه وتؤرقه بحضورها .. إنها الأسئلة التي أفرزتها تناقضات الواقع.

أما سيد سعيد فقد تبدت المدينة في كتاباته سواء أثناء حرب 56 وقبل عدوان 67 وأيضا إبان الهجرة ، وصور شيئا من معاناة التهجير في كتاباته .

أما أحمد عوض الذي كان يجيد استخدام الرمز وتشكيل اللوحة التجريدية ، فقد كانت ذوات قصصه مهمشة ، مشوشة ، تكاد تبدو عاجزة عن الفعل والحركة ، قد تمكن منها البؤس وأجواء الإحباط ..

كتاب المد السبعيني وقد تميزت فترتهم بالتألق والازدهار الأدبي نتيجة سعيهم للتواجد عبر فعاليات ومنتديات أدبية متعددة وذلك بعد العودة من التهجير والاستقرار وعقد المؤتمر الأول لأدباء بورسعيد . ونقف على نماذج منهم لبيان آثار التحولات علي كتاباتهم ومنهم زكريا رضوان ومرسي سلطان وقاسم عليوة والسيد زرد .

أما زكريا رضوان فقد تناول في مجموعته " البوابة الخامسة " و " الرسوة " بصفة خاصة كثيرا من آثار التحول الانفتاحي التي سحقت المواطن البورسعيدي ، وأحيانا يصنع المفارقة بين المكان والزمان والإنسان في مرحلة ما قبل الانفتاح وما بعدها ، أي بين زمن التألق والبطولة وزمن النهم المادي والهوان ، ويصور ابن البلد الأصيل غريبا مهمشا . وهو في كتاباته مولع بإبراز روح البلد الأصيلة وتضمين الأغنية واللحن الشعبي ، وتطل بورسعيد ومفرداتها المكانية في كتاباته بوضوح ويبدو أبطاله هائمين بها عشقا.

ويأتي الموهوب " مرسي سلطان " أحد أبرز كتاب السبعينيات ، ليجسد من خلال حيوات أبطاله عواصف الاضطراب ورياح التغيرات الحادة وكيف تحولت مياه الحياة الدافقة إلي برك آسنة وهو باختصار ، يبرز اضطراب دورة الحياة وتبدل طبيعة العلاقات الإنسانية وإحساس أبطاله العميق بالاغتراب وافتقاد والحب والتواصل ودفء الحياة . ويعتبر مرسي سلطان رائدا . لاتجاه ساد بعده في السرد الروائي والقصصي وهو ذلك الاتجاه المعني بأزمات الفرد وإشكالياته وقد صار الآن ونحن في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة هو الاتجاه الطاغي علي فنون الأدب العربي وأجناسه .

أما قاسم عليوة فأدبه القصصي بصفة عامة ، نستطيع أن نعتبره مؤشرا أو رسما بيانيا ، يشير بحساسية اجتماعية وبوعي فائق ، إلى صراع الطبقات وحراكها وكذا التغيرات والتوترات الاجتماعية والسياسية المتفاعلة ليس في بورسعيد فحسب بل علي مستوي الوطن بأسره وذلك خلال أكثر من نصف قرن من الزمان وما استدعي ذلك من تشوه العلاقات الاجتماعية وزيادة مساحة التهميش والفقر وتصاعد عنف السلطة وخمود روح المقاومة والسخرية الشديدة من الهوة الواسعة بين ما نعانيه على أرض الواقع وما يرفع من شعارات وتصرخ به حناجر المناضلين من وراء الميكرفونات . وتهتم قصص عليوة اهتماما خاصا بأدب الحرب والمقاومة كذلك الاحتفاء بالبحر والقناة وابنتها بورسعيد ، حتى ليصير أدبه مرجعا هاما من مراجع المدينة سواء من حيث الطبيعة الطبوغرافية أو تلك الاجتماعية والإنسانية وذلك بعد أكثر من اثنتي عشرة مجموعة قصصية لعل من أهمها : صخرة التأمل ، وتر مشدود ، حكايات عن البحر والولد الفقير ، عربة خشبية خفيفة .

وأخيرا ومع أحد كتاب السبعينيات اللامعين في ذلك الوقت وهو الكاتب المحامي " السيد زرد " ، ومن خلال مجموعتيه : " من أزمنة العشق والارتعاب " 1990م ، و " إمساك العصا " 94 ، نجد كتاباته مثل زميله مرسي سلطان – مهمومة بالذات الفردية المغتربة وهي موضوعة الأثير ، وهو يجيد تصوير مشاعر الفقد والحصار وشخصياته تلازمها أحاسيس عميقة من الضيق والعدمية وأحيانا الإرهاق والعجز النفسي والجسدي ، ويتميز السيد زرد ببراعته في الكتابة الكاريكاتورية ويفيض سرده سخرية وتهكما وتتسم لغته بالتمكن والرقي وهو يبدي اهتماما فائقا بسلامتها وقصديتها ودقة تعبيرها .



بروز أثر التحولات علي الجيل الثمانيني :

وفي عجالة نشير إلى أبرز هموم هذا الجيل ومعاناته من خلال تجسيداته القصصية ، فممدوح الباقوري مثلا يكتب بتشكيل فنتازي جامح وتستجيب كتاباته للتمادي مع الوعي أحيانا وكذا مقتضيات الخيال التجريدي وكثير من صوره ولوحاته القصصية تخضع لتهويمات الصور الشائهة والممسوخة أكثر ما تخضع لمعطيات الواقع ، إنها الكتابة المفارقة للواقع والتي تبدو كنوع من الاحتجاج والرفض .

ويهتم حامد موسي بصنع المفارقة بين مشاهد المدينة الحرة في مواجهة مشاهد من قريته في الصعيد حيث تنتمى جذوره ، محاولا بنبرة مفعمة بالحسرة أن يستعيد بسرد التقابل بعضا من سمات الروح المصرية الأصيلة التي ما زالت بقاياها هنالك ، قابعة في الصعيد ومفتقدة في مدينته التي صار فيها غريبا . وتعمق قصص موسى ، أحاسيس الاغتراب والعجز حتى لتصل شخوصه إلى حالات نفسية حادة مستعصية .

وتتعالي صرخات أسامة المصري في قصصه ضد مشاعر عميقة متمكنة من القهر والتشوه الإنساني ، وتحاول بعضها التنفيس عن آلام مبرحة ينوء بها جيله المحاصر حصارا مميتا .

أما صلاح عساف ومن خلال " أغنيته الحزينة " فشخصياته مهمومة بدأب تصدعات الحياة وتطبيب شروخ الروح وانكسارات الواقع التي يتعاطي مرارة مفرداتها اليومية جيل المأساة الثمانيني .





المدينة في كتابات التسعينيات وما بعدهم :

وأهم ما يتسم به هذا الجيل هو الاتساع والتنوع والتعدد والتحلي بروح التحدي ومحاولة إنجاز التحقق ، خاصة وأن كلهم من الشباب الذي يحاول أن يعيش عصره بكل مكتسباته ومفرداته الجديدة واستيعاب حقائقه ودقائقه بقدر الممكن والطاقة – عصره بإيقاعه اللاهث وتدفقه المعلوماتي المذهل . ويبرز في وسط هذا الجيل من أهم أكبر سنا مثل: محمد العباسي وإبراهيم راجح وكل منهما ، جسد متغيرات المدينة بأسلوبه وعبر عن شعوره إزاء التغير والتباين بطريقته ، فالعباسي ، يعزف علي لحن الزمن المنصرم الجميل ، محتفيا بالمكان مشكلا جماليات مفرداته وهي تحتوي الإنسان البورسعيدي الأصيل بعوائده وأعرافه وما كان يتسم به من أصالة وشهامة نادرة ويبدو العباسي عاشقا للبحر وما يتصل به والبحيرة وما كانت تحفل به من نشاط وبصفة عامة حياة المدينة فيما قبل المنطقة الحرة وما كانت تنعم به من دفء وأصالة وحميمية ، وقد تجلى ذلك في مجموعاته القصصية " شمال شرق الوطن " ، " نوة الفيضة " و " خريف أخير لصياد عجوز " .

أما إبراهيم راجح فهو يبدو في مجموعته " الحصاد " ، صوتا معبرا عن البسطاء والمهمشين في الأحياء الشعبية حيث حياة الكاتب نفسه بين هموم الناس وما يواجهه الفقراء من مكابدة ومعاناة في تحصيل أقواتهم وقسوة معطيات الواقع عليهم وإزاحته لهم.

ويبرز من شباب التسعينين ممن ثابروا ودأبوا على الكتابة ، كل من : إبراهيم صالح ، السعيد صالح ، سامح الجباس ويليهم : جمال قاسم ، أسامة كمال ، محمد الأقطش ولكل منهم مجموعة قصصية واحدة ، ثم يأتي مازن صفوت وصلاح عنتر وطارق حلمي ولثلاثتهم مجموعة مشتركة . ويكتفي محب فهيم بالنشر على فترات ، أما إبراهيم عبد الكريم ، فقد نشر وألف مجموعة قصصية من أعماله المنشورة لكنه لم يدفعها للطباعة بعد.

وإذا تناولنا كلا من هؤلاء على حدة ، سنجد إبراهيم صالح مصدرا لخمسة أعمال منها ثلاث مجموعات قصصية وهو يهتم في كتاباته بتجريب أشكال سردية عدة وغالبا ما يعالج سرده بتيار الوعي والبوح التطهري وهو يجيد إبراز الحضور المأساوي لطقوس الذات المعذبة القلقة وتظهر في قصصه بوضوح تأثيرات التحولات المجتمعية على أبطاله من خلال إحساس عميق بالزمن واستعراض ألوان متكاثرة من الإحباطات الذاتية والأحلام الموءودة.

أما السعيد صالح ، وله أيضا ثلاث مجموعات قصصية فيبدو مهموما بعاطفة الحب وأثره على حياة الفرد وهو يبرز هذه العاطفة بصورة مفصلة ومؤثرة في صياغة حياة أبطاله ومصائرهم . وتبدو في كتاباته نزعته المثقفة وتحليله للعاطفة الإنسانية ، ولا يقف السعيد صالح على تأثيرات البيئة البورسعيدية لأن فضائه المكاني يبدو أكثر تحررا واتساعا ، ويهتم كل من إبراهيم صالح والسعيد صالح بسلامة اللغة والتريث في صياغة تراكيبها والارتقاء بها أداءا وتعبيرا .

أما سامح الجباس ، فقد صدر له روايتان ومجموعة قصصية واحدة وهو بصدد كتابة سلسلة من روايات الإثارة والمغامرات للناشئة والشباب في سلسلة عن دار مزايا للنشر تسمى "البحار" . وقد أصدر عنها الرواية الأولى تحت عنوان " ساحر " ، أما مجموعته القصصية الوحيدة " المواطن المثالي " ، فقد تعامل معها بعين راصدة لأحوال المجتمع والمتغيرات التي طالته ، وتتسم كتابة الجباس بروح عالية من السخرية والتهكم وهو يجيد رسم مواقفها ومفارقتها بأسلوب موظف لخدمة الحدث والشخصية وتنبئ أعماله عن كاتب واع بمشاكل مجتمعه مهموم بها .

أما جمال قاسم وأسامة كمال ومحمد الأقطش ، فقد اكتفى كل منهم بإصدار مجموعة واحدة بالرغم من تميزهم وتطرقهم إلى تقنيات وأساليب جديدة في السرد القصصي . ويعالج سردهم بصفة عامة هموم الفرد وإحباطات الشباب ، ويتميز كل منهم بسمات غالبة ، فأسامة كمال يلح في سرده على عنصر الإيقاع وهو يستثمر تقنيات السينما والصورة البصرية ويتسم سرده بدرجة عالية من التكثيف والاختزال ، أما جمال قاسم فقصصه تدور في عوالم المهمشين الغارقين في غياهب الفقر والحرمان وأحداثها مزيج من المألوف وغير المألوف وكتاباته غنية بالرمز والدلالة وهو يبعد بها عن التقليد والنمطية .

ويبدو مازن صفوت معبرا في قصصه عن شوق عارم لتجاوز هذا العالم الزائف والانفلات من أثقال الضغوط ومعاناة التهميش وحالات الغثيان .

ويبدو صلاح عنتر ذات لغة قصصية أقرب إلى النثر الشعري ولشخوصه حضور في النص وتعالج قصصه ذواتا محاصرة منكفئة على أوجاعها في جزر منعزلة .

ويركز طارق حلمي على نفي الوجود الإنساني بغياب دائم للوجود المادي والمعنوي للذات . وتبدو شخوصه ذاهلة ، محلقة بعيدا أو ساقطة في مهاو سحيقة . ويتميز محمد الأقطش بالتأني والتريث في كتابته وهو يعكف مجتهدا على تخليق صوره ومجازاته الاستعارية حتى تبدو في شكل أكثر جدة وطرافة . وهو يوظفها ببراعة في لحمة السرد . وكتابات الأقطش تعكس نضجا فنيا ورؤى واعية وبرهنت قصص مجموعته الوحيدة على مقدرة في تحريك الأحداث والشخصيات والسيطرة على حركتها ومساراتها .

أما فيما يتعلق بسرديات العنصر النسائي في القص البورسعيدي ، سنجد منهن سوسن عبد الملك عازفة ترانيم لحنها الحزين . وتؤلف منى الديب مجموعة كاملة تحت عنوان " نسمات ربيع خريفية " ، أما هبة عبد اللاه وهي الأصغر سنا فتبدو كاتبة واعدة وممتلكة لأدواتها السردية ولها تحت الطبع في سلسلة إبداعات مجموعتها القصصية المتميزة " مشاعر تحت الميكروسكوب " . وتجيد هبة رصد التحولات النفسية لبطلاتها وأبطالها وتتميز بالقدرة علي تشكيل الصورة الموحية مع توظيف عناصر الطبيعة وتعميق الدلالة بالرمز وتبدو وشخوصها منعزلة باحثة في توق عن الدفء والحب ، مشغولة بهمومها العاطفية .

وتكاد سمية الألفي في مجموعتيها القصصية " زهرة البنفسج " و " عشق الدموع " مشغولة هي أيضا بالبحث عن جوهر الحب والتوق إلى الانعتاق والتحرر وهي تجيد صياغة الأقصوصة المكثفة والجملة القصصية اللامعة مع الاهتمام بشاعرية اللغة واستحضار طاقاتها التعبيرية .

وبهذه الإطلالة علي كتابات جيل شباب السرد البورسعيدي نستطيع أن نخلص إلى النتائج التالية :

1- غلبة الكتابة التقليدية المستقرة على السرد القصصي منذ منتصف الخمسينات وحتى النصف الأول من ستينات القرن الماضي .

2- اتسام الستينات بالاحتشاد القصصي والتعبير عن أحلام تلك الفترة وطموحاتها الوطنية والقومية مع بروز تأثير النزعة البورسعيدية وعوائدها .

3- تعبير كتابات السبعينات السردية عن حالة من الإفاقة والوعي وبداية استشعار هول المتغيرات الإقليمية والتحولات الاجتماعية الحادة .

4- تعبير كتابات الثمانينات عن مآسي الوطن وإخفاقاته وانتكاساته وبروز الذوات المحبطة تحت حصار الفقر والتميز الطبقي الحاد خاصة في ظل اختفاء الطبقة المتوسطة وانتهاء دورها المؤثر في إحداث التوازن النفسي والمجتمعي .

5- اهتمام كتابات الشباب في العقد التسعيني وما بعده بأزمات الفرد وإحباطاته واتجاه سرودهم لتيارات التداعي والبوح وتوظيف الحلم والكابوس والإلحاح على التحليق في فضاءات تدعم مركزية التحرر والتطهر ويتقاطع في كتاباتهم الذاتي والمتخيل ويكاد يقترب الراوي فيها من التطابق مع صورة المؤلف الضمني وتتسم سرودهم أيضا بالتواصل القوي مع جيلهم وهمومه والاهتمام بالتجريب والبحث عن تقنيات سردية جديدة .

مشاركة