الأربعاء، 19 مايو 2010

قراءة في مجموعة " الطافش " لحسن الجوخ

أصدر الأستاذ / حسن الجوخ مجموعته الأخيرة " الطافش " عن دار السندباد للطباعة والنشر عام 2009م وقد أهدى المجموعة التي تضم ثلاث عشرة قصة قصيرة وأقصوصة للمنقذ أو المخلص ، الأمل القادم على طريقة " في انتظار جودو " وذلك بقوله :

" أيها المنتظر ، لم تأخرت كثيرا ومن أجلك تنزف أعصاب أقلامنا بحثا عنك ، نناشدك . إليك أينما كنت ، لعل وعسى ... "
وتبدأ المجموعة بالقصة العنوان " الطافش " التي تعتبر قصة كل منا في هذه الظروف المعيشة التي أظلتنا طوال العقود الثلاثة الأخيرة ، قصة المرء حين يأكله في الغربة الحنين ويشتد به الشوق ويستبد به ، توقا لدفء الأهل ورائحة الأرض . وينسى تماما تلك الدوافع القاهرة والأسباب الطاردة التي جعلته يترك الوطن وكأنه يترك الجحيم ، وفي الغربة ينسى الإنسان ذلك بفعل الحنين الطاغي على البصر والبصيرة ويصدم الإنسان حين يعود طائرا على أجنحة الشوق والهوى – أن كل شيء تركه قد صار أسوأ مما كان وأشد قتامة وأن الحياة تزداد بؤسا وضنكا والناس يزدادون توحشا وشرا ، حينئذ يقول الإنسان أين المفر ؟ ويرضى بنار الغربة بديلا عن سعير الوطن وجحيمه . إن الغربة الحقيقية هي غربة الفقر والضنك في الوطن .. والقصة تسرد بتيار من التذكر تسري فيه روح من الأسى والأسف وهي تسرد بضمير الغائب على لسان الشخصية وكأن السارد كان يستعيد ذلك الشريط الأسيف القاتم .




وأحب أن أنوه إلى توفيق غلاف المجموعة في التعبير عن كثير من قصصها بصفة عامة وعن القصة العنوان بصفة خاصة ، إذ كانت لوحة الغلاف التشكيلية مترجمة بالفعل عن الفرار والطفشان عبر ضربات ريشة الفنان التشكيلي التي أنتجت لوحة أقرب إلى خيال المآتة الذي نراه منتصبا وسط الحقول في الريف ويقوم بوظيفة فاعلة في طرد الطيور وطوارق الليل عن الزروع خاصة سنابل الحبوب .

أما قصة " الجسر " فيؤدي الحوار فيها دورا رئيسيا ، هذا الدور الذي يفرضه التحقيق مع المزارع فكري إبراهيم بتهمة اقتطاع مساحة متر واحد من جسر ترابي وضمه لنصف الفدان الذي يملكه وبذلك عرض حياة الناس للخطر . إجابات المزارع على أسئلة وكيل النيابة بدت تلقائية ، بسيطة ، هادئة ، خاصة أن المزارع اعتبر أن ما قام به كان عملا اعتياديا يقوم به الجميع فلا يتهمون . ويدهش المزارع من صياغات أسئلة المحقق الرسمية الحادة ذات الإيقاعات القوية والنبرة الرسمية . إصرار المحقق على التزام الجانب القانوني الرسمي ، أوصل التحقيق إلى طريق مسدود ، بعض إجابات المزارع ومونولوجه الداخلي أشارت إلى ظواهر من الفساد المستشري في حياتنا ، يصدم المزارع فكري إذ لم يأمر المحقق بإخلاء سبيله بل يأمر شرطيين باقتياده ، في حين أن فكري كان يتعجل الخروج لجلب طعام لزوجته وأولاده الذين ينتظرونه .

أما " صيد " فهي نموذج للمثل القائل " حاميها حراميها " وقفلة القصة أتت مفاجئة ، مدهشة ، كما أن القصة محتشدة بالأمثال الشعبية السائرة ، السائدة في ريفنا المصري وإن قصة " العم خضر " تقول : إن حياة آمنة عاشها ريفنا المصري في سكينة وسلام عبر آلاف السنين قد ولت ولم تعقب ، إن تحولات حادة وعوامل كثيرة تفاعلت ، أوصلت مجتمعنا قرى ومدنا ، ريفا وحضرا ، إلى حالة مخيفة من الإحساس بعدم الأمان .
القصة محتشدة بالمثل الشعبي واحتوت صـ 28 على صورة مجازية قوية وموحية في قوله " تنهد تنهيدة صاهدة حرقت ألف شيطان " .

" طرحة سوداء طويلة " – أيضا قصة ريفية خالصة محتشدة بالمثل الشعبي ، ترجمت بصدق عن مشاعر الإخلاص والحب واللهفة وعمق الأواصر الحميمة ومتانتها التي كانت تربط الأسرة في الريف وعكست الدور المركزي الكبير الذي كان الأب يؤديه وينوء بحمل مسئولياته ، كثرت في القصة التعبيرات العامية الريفية المغرقة في المحلية ، إلا أن بعض السلوكيات الواردة في القصة ، كاستخدام لمبة الجاز ذات الشريط ، واعتبار شرب البيبسي حراما كالخمر ، تعتبر الآن في ذمة التاريخ ، بعد التحولات الانفتاحية وكثير من الظواهر الحضارية والمعاصرة التي عرفها الريف المصري بتأثير عوامل كثيرة منها الهجرة وطغيان العولمة وسماوات الفضائيات المفتوحة واقتحام ذلك كله لمجتمعاتنا بجميع بيئاتها وعوائدها . وقد ورد في صـ 40 عبارة تدخلية توضيحية من الكاتب كان من المفيد الاستغناء عنها .

قصة " مكابرة " يلعب فيها ضمير المخاطب دور المكاشفة ومنح الذات مساحة للبوح ، في القصة تنديد بوحشية الحياة المادية المدفوعة بالخوف من الغد وافتقاد الأمن وهو أمر يطال الجميع غنيهم وفقيرهم .
ودفقة البوح السردية التي تشكل القصة في معظمها جاءت محلاة بجمال اللغة وشفافية الوجدان وإيحاء الصورة . مثال صـ 44

في " موت .. حياة .. موت " – قصة تكررت في تراثنا الأدبي القديم والحديث ، إنها قصة تضحية الأخ الأكبر وإيثاره إخوته بعد وفاة الأب . ومع انتهاء المهمة الجسيمة ، يكتشف الأخ أن الآمال قد ولت وأن العمر قد سرق .. فيصبح هذا النموذج الإنساني أمام أمرين : إما أن يواصل حياته بصورة عادية راضيا بتضحيته غير نادم عليها ، وإما أن يندم على ما قدم ومنح فيقع فريسة الأسى والتمزق والألم فالإحباط والاكتئاب .

وقد كانت شخصية القصة من ذوي الاختيار الثاني ، وقد رأينا في هذا الاختيار تحولا مغايرا تماما وغير معبر عن تاريخ الشخصية نفسها وذلك بناء على تقديمها للقارئ ، فلما عادت الشخصية إلى رشدها ، وسلكت درب الأمل بفضل سكينة الإيمان والرضا ، يفاجأ القارئ كرة أخرى ، بتوقف الشخصية عن معالجة شرخها ، وتجمدها عن مواصلة طريقها ورعاية أملها .

وبإحساس القارئ المتعاطف مع الشخصية ، أرى أن نهايتها كان يجب أن تنتهي مع آخر صـ 53 في ضوء رؤيته للحياة والناس وأن الخمسة أسطر في الصفحة صـ 54 كانت مفاجأة للقارئ والمتلقي ، مفاجأة مشوبة بصدمة حقيقية غير متوقعة . وأريد أن أقول ليست كل قفلة مفاجئة موفقة .

مراعاة للوقت والمساحة ، أقف على القصص القصار أو الأقاصيص الواردة .
وأبدا بأقصوصة " نزف " والتي اتسمت بلغة سردية حادة ، سريعة ، مختزلة ، لذا فإنها تترك انطباعا قويا لدى المتلقي ، وهي في عمومها جسدت مشهدا ونموذجا للشبق المسعور المستنزف لجسد الآخر وكنت بالفعل أؤثر عنوان " استنزاف " بديلا عن " نزف " للتعبير عن النهم وكثرة الطلب .

أما أقصوصة " عطش " ، فقد جسدت ارتواء الصادي بعد جفاف العطش ، العطش للأرض والناس ، وقد صيغت لغتها بوجدان الحب ومشاعر الانتماء ، وصنعت المفارقة بين الشعورين المتباينين حالا بعد حال ، وبالتالي صنعت توازنا وانسجاما وجدانيا لدى المتلقي . وقد تم الارتواء في القصة على بعدين ، بعد واقعي وبعد رمزي وهو ما عبر عنه مشهد الشخصية وهي تعب من الماء عبا .

أما " لمسة " فهي بالفعل تلمس مشاعر وعواطف تتكرر كثيرا لدى الآخرين إلا أنها كلوحة فنية جاءت جميلة مبدعة .

وأما قصة " السقوط لحظة " فهي قصة أخلاقية خالصة .

وأخيرا تأتي قصة " الفأر الذكي " والتي ذيل الكاتب عنوانها بقوله : قصة يمكن أن يقرأها الأطفال والكبار .. صـ 81 ، فهي قصة مستوحاة من تراثنا العربي الإسلامي وهي تنحو منحا تربويا وتعظم من قدرات الإنسان وطاقاته العقلية الكامنة حين يكون ضعيفا ويستعيض عن ذلك بالذكاء وحسن التدبر . وتبقى ملحوظة هامة وهي أن اللغة التي تسرد بها المجموعة جاءت سهلة ، تنساب سهولة ووضوحا وتجعل المتلقي يعايش الأحداث ويتعاطف مع الشخصيات إلا أنها أسرفت في استخدام العامية خاصة الريفية وكان يمكن أن يستعاض عن ذلك بالعامية الفصحى السهلة ، ونحن في انتظار المزيد من إبداعات حسن الجوخ الذي لا يزال وفيا لقلمه وفنه وأحد عشاق القصة القصيرة .

مشاركة