الخميس، 29 مارس 2012

قراءة في رواية "متاهة الصعود" لهشام الخميسي

... نتحلق اليوم في أمسية من أمسيات نادي الأدب بقصر ثقافة دمياط حول عمل روائي أصدره الكاتب هشام الخميسي وهو أحد أفراد كتيبة متميزة من الأدباء في محافظة دمياط .

صدر لهشام الخميسي مجموعة قصصية عن إقليم شرق الدلتا الثقافي بعنوان " للبكاء أنواع " ، كما أن له أيضاً رواية تحت الطبع بعنوان " زنبيل الزعيم "

أما روايته هذه التي بين أيدينا " متاهة الصعود " فقد أصدرها عن دار أرابيسك للطباعة والنشر في طبعتها الأولى عام 2011 م وذلك في 134 صفحة من القطع المتوسط تضمنها أحد عشر فصلاً .

والرواية تتناول باسلوب خطي " تيمة " جاذبة ومغرية دائماً للكتابة وهي تيمة شخصية متطلعة الطموح التي تخلف وراءها على طريق طموحها العديد من الضحايا والكثير من القيم الموؤدة والمبادئ الصريعة .

وهذا النموذج الروائي من الشخصيات وخاصة النموذج السلبي يظل على اختلاف شرائحه الاجتماعية وتنوع تكويناته المادية والمعنوية نموذجاً ثرياً ومادةً خصبة للكتابة ، فدائماً يجتمع في هذه الشخصية الذكاء بالمكر ومعسول الكلام بالاحتياج ، هذا فضلاً عن اتسام الشخصية بالنفاق والانتهازية لكل الفرص المتاحة وهو ما لمسناه بالفعل في الشيخ سعد الشخصية الرئيسة في الرواية .

والشيخ سعد يطرحه المؤلف ليس على سبيل أنه مجرد نموذج روائي فحسب لكنه يطرحه أيضاً رمزاً لفئة اجتماعية متواجدة بقوة وحضور واضح في مجتمعنا ربما طوال العقود الخمسة الماضية وحتى هذه اللحظة وربما يكون هذا النموذج الانتهازي المغامر عاملاً مشتركاً في المجتمعات النامية التي يحول دون تقدمها عوامل التبعية الخارجية من جهة ونظم القمع والانحراف السياسي والإداري من جهة أخرى وهي شروط إقليمية ودولية ومجتمعية تقود حتماً لصياغة هذه المجتمعات التي تحركها المصالح ويقنن مساراتها منظومة وحلقة جهنمية من الفساد . ولقد عمل في خدمة هذه الطبقة الحاكمة شريحة تالية تنوعت أدوارها ما بين الخدمة والسدانة وأداء دور المبرر أو المشرع أو البوق الإعلامي ، مثلتها مجموعات مصالح من رجال الأعمال الأصغر حجماً ومن بعض محترفي السياسة من الحزبيين وأيضاً من الإعلاميين والمثقفين وهؤلاء كشفتهم الثورة وعرتهم تماماً أمام الشعب ودونت أسماؤهم في قوائم سوداء عرفت بقوائم "الفلول" أو قوائم العار الصحفية والثقافية ، وللأسف الشديد فإن الفترة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ 11 فبراير 2011 م وحتى الآن أتاحت برخاوتها وغموض موقفها بل وانحياذها لأعداء الثورة – أتاحت لهم حرية الحركة وإعادة تجميع الصفوف وترتيب الأوراق وإعلان الحرب على الثورة إعلامياً وسياسياً وتنظيمياً وتجسد ذلك في ارتفاع وتيرة أحداث البلبلة والقلاقل والاضطرابات وجرائم البلطجة اليومية والاعتداء على الآمنين ومحاولات تخريب مؤسسات الدولة وقطع الطرق وتعطيل مصالح المواطنين ودلل على ذلك وقائع شهيرة طوال هذه الفترة المظلمة القاسية بدأت بأحداث فتنة إطفيح الطائفية ولم تنته بمأساة استاد بورسعيد مروراً بأحداث البالون وفض اعتصام أسر الشهداء في ميدان التحرير بالقسوة والعنف المفرط وأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء ضف إلى ذلك أن العديد من الوقفات الاجتماعية والاضطرابات العمالية يقف وراءها ويمولها رموز كثيرة من الفلول وأعداء الثورة الذين أتاحت لهم الفترة الانتقالية الانتقام من هذه الثورة المجيدة ومضاردة رموزها من الشباب والوطنيين من المثقفين والإعلاميين وكثير من ناشطي الأحزاب والجمعيات الأهلية والمدنية ومعظمهم الآن إما قيد السجون الحربية أو تحديد الإقامة أو المراقبة أو التوقيف .
لقد اختار المؤلف ولربما لقرءآته وثقافته الدينية نموذجاً مجتمعياً سلبياً ، هذا النموذج تاجر بمبادئ الأخلاق والقيم ولعب على عواطف الناس ووجدانهم الديني ، ليحقق من خلال ذلك شعبية كاذبة وثراءً واسعاً وحضوراً مجتمعياً لافتاً وهي نماذج رأيناها بالفعل طوال نصف قرن سلف . وشخصيتنا النموذج في الرواية هو الشيخ سعد ذلك الشخص الذي تحول بعد حين من الدحر من حياة الفشل الدراسي والصعلقة والشقاء واحتراف التسول وإدمان المخدرات – تحول إلى شخصية عامة ذات نفوذ اجتماعي وتواجد اعلامي وثراء مادي فاحش وزيجات متعددة .. ولما كان طريق صعود الشخصية حافلاً بالآثام ، لذا فإن الرواية قد صاغت من وجهة نظر الكاتب النهاية المفترض وجوبها وحتميتها وهي سقوط الشخصية وانهيارها المأساوي ، ومن ثم اختفاؤها تماماً بالموت من مسرح الأحداث مخلفة كل شئ ورائها وهي خاتمة قد تكون منطقية مبررة إلا أنها ليست بالنتيجة الحتمية الواجبة اللهم إلا في نماذج واقعية قليلة أرضاها الموت احياناً أو حرقت وأدينت اجتماعياً وسياسياً ولم تحل السلطة دون سقوطها لحسابات سياسية واقتصادية خضوعاً لمنطق المصالح وتضارب صراع القوى وإعمالاً لسياسة تغير التحالفات وتبدل المواقف ، أي سياسة الغاية تبرر الوسيلة .

الكاتب وصنعته الروائية :

أشرنا إلى أن الرواية عالجت أحداثها بالتقنية الخطية ذات الترتيب السردي والأحداث المبررة إلا أن الثلث الأخير من الرواية كان السرد فيه لاهث الإيقاع بحيث قادنا إلى نهاية قد تكون سريعة للشخصية وذلك على يد رفيقها في التنظيم المسلح والمدعو صلاح بسبب طموح صلاح التنظيمي وتطلعه الجامح لأن يكون أميراً للتنظيم بعد وضعه لخطة تصفية لأهم العناصر التي يمكن أن تعيقه وتوقف سعيه للإمارة . وموضوع التنظيم برمته أصلاً ظهر فجأة في الصفحات الأخيرة من الرواية وعرفنا أن صلاحاً كان من أخطر عناصره وقد توجس الشيخ منه خيفة خاصة وأن ملفه الإجرامي حافل وخطير . لقد تم اختزال السرد في الجزء الأخير من الرواية حيث صرنا أمام حادث اختطاف سامر ابن الشيخ وتحقيقات الجهات الأمنية ومحاولات الشيخ اليائسة للبحث عن وحيده ، ثم ظهور صلاح والحديث عن التنظيم ، فوفاة الشيخ ومصرعه . وأزعم أن هذا الجزء الأخير من اهم أجزاء الرواية وكان أحرى بالمؤلف أن يعطيه قدراً اكبر من التهيئة السردية والتخديم الروائي إن صح هذا التعبير . وهنالك أيضاً ملحوظة تتعلق بالتدفق السردي وهي ظهور وقفات عدة أعاقت إلى حد ما هذا التدفق وبالتالي أثرت على ايقاع الأحداث وتمثلت مثل هذه الوقفات في ما يلي :

- أحاديث الشيخ في قضايا اسلامية ومجتمعية كالشورى والاقتصاد الإسلامي ونشر الإسلام بالدعوة السمحة وقد أصاب هذه الأحاديث شيئاً من التفصيل وخفف من ذلك بعض الحوارات أثناء السرد .

- إن هذه القضايا تكاد تكون معروفة على الأقل في خطوطها العامة للكثرة من الناس والأغلبية من القراء والمثقفين وكان الأولى أن تطرح قضايا أكثر حساسية وملائمة لأحداث الرواية كقضايا الإرهاب أو الإسلاموفوبيا أو تناول اطروحات الجماعات المسلحة ورؤاهم وتصوراتهم وهي أمور شغلت بالفعل كلاً من المجتمع والنخبة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي .

- الاستطراد والتطويل احياناً عند بعض الظواهر المتعلقة بسلوك الشخصية الرئيسة ، كأن يشرح السارد العليم تفاصيل لعبة الكوتشينة المسماة "31" ، أو يكرر مشاهد التعاطي والإدمان للشخصية ثم جمع شخصية بين أكثر من مادة لهذا الإدمان فقد رأينا سعداً يتعاطى البانجو والحشيش وأيضاً يعاقر الخمر والمعروف أن المدمن دائماً ما يواظب على تعاطي مادة واحدة مفضلة لديه .

- تعددت مستويات الصراع في الرواية ، سواء في صراع شخصية سعد مع ضرورات الحياة ليحقق ذاته منسلخاً عن أهله وبيئته الأولى ، أو صراح أماني بين حبها لسعد وتطلعها لحياة مستقرة نظيفة ثم الصراع بين سعد وصلاح وإن كان مضمراً وخفياً وكل هذه الصراعات المتشابكة والمتقاطعة على السطح كانت في الحقيقة تنبئ عن صراعات أشد احتداماً وأوسع مساحة في الطبقات التحتية من النفس البشرية وأيضاً المجتمع وما يمور في قاعه من تفاعلات .

- لم يسم الكاتب البيئة المكانية صراحة وتحديداً ويفهم من الوصف والسرد أن أحداث الرواية دارت ما بين عشوائيات على هوامش المركز ثم المركز نفسه ثم المدينة وربما أفاد ذلك الرواية من حيث رمزية الأمكنة لظواهر اجتماعية عرفتها البلاد طولاً وعرضاً بداية من حقبة السبعينيات وحتى هذه اللحظة .

- أيضاً لم يكن للأحداث زمناً واقعياً ذا بداية ونهاية تاريخية محددة وهو ما يعني انفتاح الحالات والظواهر وامتدادها وقد جاء التعميم الزماني موافقاً للتعميم المكاني مما قوى المعنى والدلالة .

- يحسب للسارد تميزه في مقاطع ومواطن عدة ما يعكس خبرة مجتمعية ، كحديثه عن سلوكيات الأشقياء من طلبة المدارس أو أحاديثه عن آفانين المتسولين وآساليبهم في استدراج عطف الناس ضف إلى ذلك إجادته تصوير مشهد العشوائية التي كان يسكن بها سعد ومعاناة ساكني العشوائيات ، ما ينبه إلى خطورتها وكيف أنها بيئة مواتية ومفرخة للجريمة وصانعة بإمتياز للقنابل الموقوتة .

- ارتكزت زاوية التبئير السردي في الرواية على الشخصية الرئيسة ودوافعها وسلوكياتها وكان الأقرب إلى رواية التكوين وهي الرواية التي تعنى بسيرة البطل الذاتية .

- اتبع السارد اسلوب التشويق حين تعمد تأخير الوصف الخارجي الدقيق لكل من شخصية سعد وزوجته أماني بالرغم من حضورهما القوي في الأحداث منذ بداية الرواية .

- أتى وصف الشخصيتين ليرسم لنا ملامح إنسانية متكاملة ومع تطور الأحداث بدت الشخصيتان على قدر كبير من التطور والنمو والحيوية الإنسانية بغض النظر عن الجانب الأخلاقي .

- أدت الشخصيات المساعدة أو الثانوية أدوارها بفاعلية فنية أسهمت في تطور الشخصيات الرئيسة وأيضاً في تنامي الأحداث وحيويتها .

- قام الحوار بوظائفه الروائية وإن غلب الجانب المونولوجي خاصة لدى الشخصية الرئيسة وذلك بغية كشف المزيد من طبقاتها التكوينية الداخلية .

- يحسب للمؤلف اختيار العنوان وصياغته حيث أن الصعود اللا أخلاقي والدروب اللا شرعية لا شك أنها تقود في النهاية إلى هاوية سحيقة ودربها يكون مليئاً بمتاهات الآثام والضحايا .

- اللغة في الرواية مزجت بين العامية والفصحى ولكن لوحظ كثرة الأخطاء النحوية والمثال على ذلك صفحات 129،126،45،44،32،31،30 وصفحات أخرى .

في النهاية نقول أن الرواية أفادتنا من حيث تجسيد مرحلة اجتماعية في تاريخنا المعاصر وابرازها لنموذج الانتهازي الذي ساد في الخمسين عاماً الأخيرة في حياة مصر الاجتماعية حيث أدت هذه السنوات العجاف بتراكماتها وفسادها إلى الغضب والاحتقان الشعبي ومن ثم ثورة شباب مصر في 25 يناير حيث نأمل أن تفتح الثورة أبواباً جديدة وآفاقاً أكثر ابداعاً وتألقاً لشباب وشيوخ المبدعين .

مشاركة