الأربعاء، 10 أبريل 2013

"برد مُحتَمل " تنويعات على آلام الذات ورغباتها الموءودة

يُعد القاص الشاب - إبراهيم صالح - أحد الأصوات القصصية الواعدة ، فقد لفتت أعماله أنظار بعض نقادنا الكبار ، كالدكتور يوسف نوفل في كتابه " القصة بعد جيل نجيب محفوظ" - دار المعارف 2000م ، وبعض دراسات للدكتور رمضان بسطاويسى عن الكتاب نُشرت بين أعوام 99 ، 2001م والتى تناولت مجموعاته القصصية : " أجواء خريفية" 1996 ، “فتاة القطار” 1998 ، “برد مُحتمل” 1999 ، وأخيرا رواتيه “ السماء كم هى بعيدة” عام 2001م ، وعبر جهده الإبداعى بين القصة القصيرة والرواية ، تبرز سمتان لكتابة إبراهيم صالح رصدهما نقاده وفهم القاص والكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة وهما :

1. اهتمام القاص بالتجريب وتقديم أشكال سردية عدة ، كالرسالة واليوميات والحلم ، والتداعى لتيار الوعى ، جنباً إلى جنب مع تقنيات الحدث السردى الخَطى الحاضرة شخوصه في الزمان والمكان الواقعيين .

2. الحضور المأساوى لطقوس الذات المُعذبة ، برغباتها الموءودة في احتفاءٍ واضح بالزمن على كل مستوياته ، مع إحساسٍ طاغٍ بتلاشى المكان .

وربما تتبدى هاتان السمتان في مجموعته “برد مُحتمل” والتى تشكل قصصها الثلاث عشرة - إضاءات مُركزة للحظات زمنية دالة ، يتناولها الكاتب برؤى الذات الساردة المُعذبة ، مُستعرٍضةً ألواناً متكاثرة من الإحباطات لواقع تتجذر في تربته كل عوامل بؤسه وشقائه ، وترتد تناقضاته الصارخة ، تصفع بكل وحشية - ذواته التى كانت تحلم بقدر متواضع من الأمن والسلام النفسى ، فلا تجد سوى قبض الريح ، وسط ظروف ومعطيات نافية لإنسانية الإنسان ومُمصادرة لأحلامه ، ومن ثم تنكص الذات تبحث عن خلاصها في أحلام الطفولة المُجنحة البريئة أو تستدعى تواريخاً وحقباً كان للإنسان فيها الفعل والحضور فإن لم تسعفها ذاكرة الطفولة ومطالع الشباب أو مشاهد التاريخ ذى الاحتفاء بالحضور الإنسانى - لجأت إلى الإذانة والسخرية المريرة التى تصل إلى تخوم العبثية والعدم .
" مضتْ المركبة الذهبية مع الأميرة النائمة وسط الأحلام ، ومضى عهد الطفولة ... جميع عهود الطفولة بائدة ! راحت حكايات ألف ليلة تدور في أروقة ذهنى غالب أيامى ، فأنتظر بلهفة مصباح علاء الدين وأفكر بشوقٍ في البساط السحرى ... كله راح ! "

[برد محتمل ص 86]

وترتد الذات الساردة إلى واقعها حيث لا إحساس بأبعاد المكان والذى لايكاد يُعرض إلا في سطر واحد في قوله :

" خطوط المكان عرضية وطولية ، ألوانه بُنية غامقة ، أشجاره المُظللة ساقعة وارفة [ص85] .



وحين تكون الذات مرتدة يهيمن عليها قلق طاغٍ يزيح أبعاد المكان فإن هذه الذات لا تبصر ولا تتعاطى إلا حصادا من المرارة والغُصص :

" حين تطول شفاهى الكوب سوف تعرف الطعم ، النيران تتلظى فيها الأجساد ، تتهدل الشهور وينبعث الرعب في العيون ... الماء ينسرب إلى بلعومى بارداً ، تعبث قطة ضالة بطرف المنضدة ، تحك رأسها في ساقى ، يحوم ماسح أحذية من حول القدم يرقب الحذاء بقلق ... شيئان لا ثالث لهما الحياة والموت " [ص 86] .



وإذ تقع عين السارد "بضمير المتكلم" على ماسح الأحذية الفقير ذى الإلحاح المُضجر ، وعلى عجوز قابع منكسر في الركن المقابل ، تطفو صورة الجدة على صفحة تيار التداعى مُتشحةً بطرحتها السوداء التى أحالها العوِز والقدم للون رمادى باهت ، تَحكى له مُلهبة لخياله الطفولى ، وإذ بامرءة مُتفجرة بالأنوثة تمر أمامة فتوقظ في بدنه رغبات فوارة طالما حاول وأدها ليظل هكذا جائعاً مسعوراً .

" تمضى بأقدامها الثقيلة وجسدها الفائر ، تخلفنى جسماً قلقاً جاراً تعصف به الشهوة وتجنح بهدوئه الرغبة " [ص 89] .



وفي قصة "رأيت فيما يرى النائم" ، يوظف الكاتب سردية الحلم ، فيرى النبى "نوحاً " عليه السلام - يطوف بسفينته : " يلوح للناس يقول لهم : هلموا الطوفان آتٍ .. أىُ طوفانٍ يقصد !؟ غرقت الأرض فعلاً منذ آلاف السنين ، ومات مًنْ مات " [ص 33] .



وتزول دهشة الراوى حين يفيق على قسوة الواقع وخشونته بالطوفان تلو الطوفان حين تطالعه عناوين النشرات والصحف بحطام الطائرات وأخبار الكوارث ومشاهد الدمار في عالمنا ، ويتمنى الراوى لو استطاع أن يتثبث بأطراف رداء نوح فيُلقى به على سطح سفينه النجاة ، ولكنه يخفُق في إدراك أمنيته حتى في الحلم ‍‍... إن كوارث الواقع ومآسى الإنسان تتجاوز بكثير آلام البشرية في أى عصرٍ مضى ، ويزيد الأمر مأساة أن عصرنا يفتقد المنقذين ... إن أسباب الاختناق ودواعى الحصار والألم تفرض نفسها جزءاً أساسياً في بنية الوجود السردى للذات الراوية وتأتى عبارة القاص التى تشكل عوالمه موجزة مشحونة بطاقات لغوية ودلالية تختصر الأزمنة وتصنع المفارقة ، ولا مجال فيها لحشوٍ أو استطراد



" أنظرُ إلى الصحراء الموحشة فتنتابنى الكآبة ، هنا آخر بلاد الدنيا بحيث جاء الإسكندر الأكبر ... قالوا لى : هى الواحات ، لايوجد غيرها مكان غنى وجدير بالدراسة ، والدراسة مجالها واسع ، وداخلى ظمأ لا يهدأ ، والوحشة تجثم على أنفاسى العطشى ، وآسى عميق يجتاحنى ... كهنة الإسكندر هناك غارقون في سُباتهم الأبدى ، الإسكندر لا وجود له ، ولا وجود لأحلامه ... قمبيز أندثر واختفى مع جيشة الكبير ، كل هذا صار وهماً وشذرات أفكار عن لا شئ .... من قال أن هناك كانت حياة ذات يوم ؟؟ " [المجموعة قصة مسافر ص29]



هكذا تُفصح اللغه عن بعض رؤى الكاتب وزمنه الوجودى ذى الحدة والشعور العدمى والذى تبوح به موهبة قاص ذى حساسية مفرطة شعورية وفنية تحت وطأة علاقات لامعقولة أفرزها واقع طبقى ذو معطيات لا إنسانية تسحق قسوتها النفوس والأجساد وتسلب من البوساء أدنى درجات الحُلم .

مشاركة