الاثنين، 20 أغسطس، 2012

قراءة في رواية أيام الإمام وبلاغة المقموعين



"أيام الإمام" هي الرواية الأولى لكاتب السيناريو والمسرحي المعروف الأستاذ عاطف عبد الرحمن ، وقد كتب للمسرح أكثر من ثماني مسرحيات كما كتب لمسرح الطفل أكثر من سة أعمال وكتب مسلسلات وسهرات إذاعية عدة للإذاعة المصرية . صدرت الرواية عن دار "إيزيس" للنشر في طبعتها الأولى عام 2010 م في حوالي مائة وعشرين صفحة من القطع المتوسط وفيها يروي "سعيد سالم" عن رحلته من المنصورة إلى القاهرة وتجربته الحياتية الحافلة حين ارتحل إلى العاصمة ليتسلم وظيفته بإحدى المصالح الحكومية وبحثه عن مكان للإقامة والاستقرار في ظل أزمة معيشية وسكنية طاحنة تتضطره إلى السكنى والإقامة في مقابر الإمام على أطراف العاصمة وهناك يتعرف سعيد سالم لأول مرة على عالم العشوائيات وما يضطرب فيه وما يموج به من علاقات وصراعات وأزمات وما تعارف عليه هذا العالم من أعراف وقيم ومفاهيم ومدى ما يصل مجتمع العشوائيات بمنظومة المجتمع وما يقطعه عنها وتأثير كل منهما في الآخر إن سلباً أو إيجاباً .

وقبل أن نتعامل مع الرواية يجدر بنا أن نلقي بعض الضوء على مجتمع العشوائيات ؛ مفهومه وبعض أسباب وجوده على خريطة الحياة المصرية وانتشاره بصورة خطيرة وذلك منذ أواخر حقبة السبعينيات من القرن الماضي وحتى هذه الفترة الذي نعيشها ونحن على مشارف منتصف الألفية الثالثة . ولعل ما يذكر في هذا الصدد بداية ، هو تعرض عدة باحثين من علماء الاجتماع ونقاد الأدب لظاهرة التهميش والمهمشين والمجتمعات العشوائية ، سواء بالدراسة أو الرصد ونذكر منهم : د. محمد نور فرحات وسيد عشماوي وعلي فهمي وأماني مسعود وابتسام علام 1 .








ومن نقاد الأدب نذكر : د. مجدي توفيق والأستاذ الباحث قاسم مسعد عليوة و د. حسن علي محمد . ومفهوم الهامشية اجتماعياً : "هو موقع اجتماعي تبعي أسفل العملية الإنتاجية أو خارجها غير متكيف أو ضعيف الاندماج يقابل أصلاً السلطة بصورها العامة ويقابل فرعاً الطبقات والجماعات والشرائح التي هي قريبة من آليات السلطة العامة ومستفيدة منها" 2 . والحي العشوائي مثل ذلك الحي أو تلك المنطقة التي تدور فيها أحداث الرواية هو "حي بناه ساكنوه دون الرجوع إلى السلطات أو التوافق مع حاجات النظام العام ، فتأتي هذه الأحياء لا توفر الخصوصية ، تنقصها الخدمات الأولية العصرية وهي بهذا تتحول إلى بيئات معزولة لها مكانة اجتماعية دنيا ، أي هي باختصار تتهمش أو يعيش سكانها على هامش المجتمع" 3 .

أما دلالات التهميش الأدبية فتبدو أكثر تنوعاً واتساعاً سواء ما تعلق منها بذات الكاتب أو موضوعه أو علاقات الشكل والنوع في إطار الثقافة بوجه عام 4 . ووفقاً لذلك التصور الأدبي لدلالات التهميش الأكثر اتساعاً وتنوعاً يذكر الباحث أمثلة على ذلك بروايات لروائيين سابقين ومعاصرين في ساحاتنا الأدبية المصرية كالحرافيش لنجيب محفوظ والسقا مات ليوسف السباعي والضحى والظل العالي ليوسف أبو رية وبعض كتابات محمد البساطي ومحسن يونس . كما يذكر الباحث العديد من روايات التسعينيات ، ومن خلال العناوين المذكورة ندرك أن المفهوم الأدبي للتهميش ينسحب بصفة أكثر وضوحاً على كتابات التسعينيات وكذلك العقد الأول من الألفية الثالثة والتي تناولت بصفة واضحة الذات الروائية أو الإنسانية وهي تعاني أزماتها وغربتها ومحاولاتها للانعتاق بالكشف والبوح ، سواء على المستوى الإنساني أو على مستوى الكتابة وذلك بأدوات ومعالجات روائية جديدة أطلق عليها النقاد مصطلح "الكتابة الجديدة" 5 .

إن المآسي التي عاناها وكابدها جيل الثمانينيات والتسعينيات تجلت بلا شك بحديتها واحتقانها على البنى الروائية حيث حل بها الخواء والتشوهات التي عانت منها الشخصيات الروائية وتتدفق فيها تيارات الوعي لتفرغ سرداً يبتغي علاجاً بالإفضاء ودواءً بالتدفق وينشد راحة بالبوح الذي خالطته خيالات وتوهيمات قد تكون حاملة لقدر كبير من الظواهر الفنية الجديدة لكنها تحمل دون شك قدراً كبيراً من الظواهر المرضية جراء الضغوط الذاتية والمجتمعية .. إنها كسور وشروخ المجتمع وتصدعاته وانهياراته .. إنها بالفعل الكتابة التي تبحث عن ماهية الذات ودورها في مجتمع ضائع . ولقد لمسنا ظواهر هذه الكتابة وسماتها في كل الأجناس الأدبية تقريباً ولقد تجسدت بوضوح فيما تدفق من إنتاج روائي منذ أواخر عام 2001 م وحتى وقتنا الراهن .

"إن كثيراً من الدارسين والنقاد عبروا عن قلقهم وحيرتهم إزاء العجز عن متابعة ذلك الكم الروائي بعد أن ظنوا بشباب المبدعين كل الظنون حيث لم تكن هنالك أعمال مميزة وبهذا الكم وتلك الكثرة لقد رأينا مثلاً "بهجة العمى" لياسر ابراهيم و "فتنة الصحراء" لأحمد أبو خنيجر و "لصوص متقاعدون" لحمدي أبو جليل و "أن تكون عباس العبد" لأحمد العايدي و "عمق البحر" لشريف حتاتة و "باب السفينة" لسعد القرش و"قانون الوراثة" لياسر عبد اللطيف و"مدينة اللذة" لعزت القمحاوي و"تصريح بالغياب" و"أن ترى الآن" لمنتصر القفاش و"سقوط النوار" لمحمد ابراهيم طه و"شباك مظلم في بناية جانبية" لفؤاد مرسي و"خط ثابت طويل" لمحمد طلبة الغريب و"وقف على قبري شوية" لمحمد داوود وتتوالى الأعمال ومعها أسماء جديدة في السرد الروائي تفرض نفسها وتؤسس لكتابة جديدة لأمثال : طاهر البربري ، محمود حامد ، شحاتة العريان ، ابراهيم فرغلي ، ناصر الحلواني ، السيد نجم ، سمير عبد الفتاح ، سيد عبد الخالق وتتسع الدائرة لإبداع المرأة وجيل من المبدعات الشابات اللائي شكلن مع جيلهن من الشباب ملامح الكتابة الراهنة مثل : مي التلمساني ، نورا أمين ، ميرال الطحاوي ، نجوى شعبان ، غادة الحلواني ، منصورة عز الدين ، نجلاء علام ، منال السيد ، هويدة صالح ، عفاف السيد ، منى البرنس ، مي خالد ، أسماء هاشم ، وغيرهن من شابات الإبداع الروائي والقصصي" 6 .

ويزداد الانفجار الروائي كماً واتساعاً على امتداد الوطن حتى ليصل إلى رقم غير مسبوق في تاريخ الإبداع الروائي العربي ويتم رصد حوالي خمسة وخمسين رواية مصرية صدرت عام 2005 م فقط ، أي بواقع خمس روايات كل يوم.
ويعزي الباحث خالد ربيع السيد شيوع مصطلحات مثل الهامش والمهمشون إلى سبب رئيسي وهو "اخفاق النظم في منح طبقات المجتمع الدنيا العناية الكافية وبالتالي رزوح جزء كبير من المجتمع المهمل تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية ناشئة في الأساس عن ضعف الدخول المادية وقلة الخدمات التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية على نحو شامل بالإضافة إلى "تهميش" ذلك الجزء من المجتمع من دائرة القرار السياسي" 7 .

وتؤكد الباحثة هدى أبو غنيمة على أن أدب المهمشين يعتبر "قناعاً لغوياً ورداً على ثقافة رسمية نخبوية تعيد انتاج بلاغة السلطة في أنساقها المضمرة . فهي مقاومة لغوية لسلطة الخطاب وموقع يشغل حيزاً اجتماعياً تتركه السلطة خالياً" 8. وتعلل الباحثة لخصوصية رواية المهمشين وأدبهم ولغة هذا الأدب ذلك "لأنها تتحدى سلطة الكتابة المهيمنة على الذوق العام ، باحثة عن نغمتها الخاصة وسط ركام المألوف والمعتاد ولعلها ذات دلالة اجتماعية لتكون الكتابة فعلاً من أفعال المقاومة لتهميش الذات الاجتماعية" 9 .

وتكاد المفاهيم السابقة تنطبق إلى حد كبير على رواية "أيام الإمام" إذ إنها :
أولاً : من النوع السيري الذي يبوح فيه "سعيد سليمان" بتجربته الخاصة في مقابر الإمام .
ثانياً : إنها تبطن في طياتها وبين سطورها نزعة التطهر والاستشفاء بالتدفق السردي والبوح الذاتي.
ثالثاً : تكشف عن خصوصية وتميز لمجتمع العشوائيات من حيث المكان ومن حيث الأعراف والقيم وأساليب التعامل .
رابعاً : تشير بصورة واضحة إلى تلك النزعة العدائية المستبطنة وذلك الكم الكبير من التوجس والحذر إزاء مجتمع المدينة ورفض مجتمع العشوائيات لكثير من أعرافه ومتواضعاته والتي يرى فيها كثيراً من الظلم والفساد والنفاق الاجتماعي .
وتختلف الرواية عن كثير من روايات التسعينيات وما بعدها في أنها لم تعتمد تقنيات لجأت إليها الرواية المعاصرة كالقطع والمزج وتداخل الأزمنة وفنون الكولاج وغيرها بل عالجها مؤلفها بأسلوب روائي تقليدي أو حاول المحافظة فيه على وضوح عناصرها وسلامة البناء الروائي والدرامي لها وللمؤلف حريته المطلقة فيما يختاره من أساليب وتقنيات لكتابته .




مع أحداث الرواية

في رحلة بحثه عن مكان للإقامة والسكنى في القاهرة ، يقابل "سعيد سالم" شاباً من مقابر الإمام "سليمان الريس" يساعده ويسهل عليه كثيراً معاناة البحث ليؤخذه إلى المقابر مباشرةً حيث كان يقيم . وتتوطد علاقة الراوي سعيد سالم بسليمان الريس الملقب في مقابر الإمام بشاعر الشعب والمعروف بين أوساط المثقفين خاصة اليساريين حيث كانت أشعاره تلاقي ترحيب هؤلاء المثقفين وتشجيعهم فضلاً عن إعجاب أهل الإمام به وبأشعاره ومواقفه التي تكاد حدية بل وعدائية تجاه السلطة والمجتمع الأدبي الرسمي ومؤسساته . ويبدو من وصف الراوي لسليمان الريس وسرد مواقفه أنه لم يكتف بأن يكون مثقفاً عضوياً بل كان يمارس العمل السياسي بصورة واسعة سواء في الندوات والملتقيات أو في المقاهي خاصة "قهوة كتكوت" بمقابر الإمام والخروج دائماً في الوقفات الاحتجاجية وقيادة المظاهرات المنددة بممارسات السلطة التي حكمت البلاد بالقمع والفساد طوال ثلاثة عقود من الزمان .

من خلال تحسس الراوي لحياته الجديدة ومحاولة استكشاف هذا العالم الذي يعيشه لأول مرة ، يلتقي سعيد سالم بنماذج انسانية عدة لعل أبرزها شخصية "أم أمال" التي تكاد تكون الشخصية الرئيسة للرواية – وذلك من خلال علاقة الراوي بها وإفاضة السرد في الحديث عنها وعن سيرتها ومواقفها ثم شخصية عصام أحد أصدقاء الشاعر سليمان الريس ثم الراوي فيما بعد وهو من قاطني مقابر الإمام أيضاً ثم بعض الشخصيات الثانوية من الحي نفسه أو من المدينة حيث كان يغشاها الراوي وصديقه الشاعر سليمان الريس للعمل أو ممارسة بعض الأنشطة أو للتجوال . ويستأجر الراوي سعيد سالم حجرة في مقابر الإمام وتشرف على خدمته أم أمال وهي إمرأة في الثلاثين من عمرها ، ويبدو من خلال سرد الراوي أنه قد أصيب بالدهشة والصدمة خلال استكشافه وتعرفه لهذا العالم الجديد الذي يغشاه لأول مرة وما يدور في دهاليزه من أحداث وما يفرزه من نماذج إنسانية تعارفت فيما بينها على مجموعة أعراف تنظم حياتهم وتحدد علاقاتهم سواء فيما بينهم أو بالمدينة الكبيرة وإن كانت هذه العلاقة الأخيرة في نطاق ضيق ويتعلق أساساً بضرورات الحياة ومتطلباتها اليومية . وتقود صداقة الراوي لسليمان الريس إلى تعرفه على جانب من عالم السياسة خاصة السياسة المقاومة والمعارضة للنظام ويغشى مع الريس بعضاً من المنتديات والمقاهي سواء داخل الحي أو خارجه ويسمى النقاشات والمجادلات سواء الهادئة منها أو الصاخبة فيما يتعلق بمطالب المعارضة واستحقاقات الجماهير الكادحة ومواقف الدولة من قضايا وشئون داخلية وخارجية خاصة فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية وانتفاضات الفلسطينيين .

ويلاحظ الراوي أن مجموعة أصدقاء سليمان الريس تتميز بوضع الكوفية الفلسطينية على اكتافها ويشاهد الراوي بنفسه إحدى الوقفات الاحتجاجية ويهوله مدى افراط السلطة في قمع الوقفة وتفريقها ومطاردة قادة المتظاهرين خاصة سليمان الريس وكيف اوسعتهم قوات الأمن ضرباً وسحقاً ويجد الراوي نفسه وسط المظاهرة ويناله قسط من الأذى والسباب ويخرج من هذا الموقف العصيب بصعوبة شديدة في حين يتم اعتقال سليمان الريس والقذف به في إحدى سيارات الأمن حيث انطلقت به إلى المجهول . وتكشف هذه الأزمة الكثير من الأمور للراوي ويدرك مدى معاناة المعارضة ومكابدات المثقفين الملتزمين وتظهر الأزمة أيضاً مدى حبه وتعلقه بالريس وشدة خوفه واشفاقه عليه وازدياد حبه واعجابه به يوماً بعد يوم . وتمضي أيام اعتقال الريس جد قاسية على الراوي إلا أن يفاجأ بعودة صديقه واطلاق سراحه . وتبدو علاقة الراوي بسليمان الريس على النقيض تماماً من نظرته وعلاقته بصلاح السمان صاحب الحوش الذي كان يسكن فيه . فقد بدا له صلاح انتهازياً وطموحاً ينشد الثراء بأي ثمن ، ويكتشف الراوي ذلك من خلال تنامي علاقته بصلاح ومساعدته في ترجمة خطابات كانت تأتيه من شابة أمريكية "كيت" تعمل بالصحافة قابلت صلاح في إحدى المقاهي وتعرفت إليه ثم تواصلا بعد ذلك بالمراسلة . ويكتشف الراوي أن هذه الشابة تتستر بالعمل الصحفي وهي في حقيقة الأمر أمريكية يهودية تعمل لصالح جمعيات ومنظمات مشبوهة تسعى لاسترداد ممتلكات اليهود في القاهرة ، هذا من جهة وتبذل جهوداً ونشاطات لتعميق التطبيع من جهة أخرى .

ومن خلال هذه الحقائق المذهلة التي تكشفت للراوي تتبدل نظرته تماماً وتعاطف مع صلاح السمان ويقرر إنهاء علاقته به في الوقت الذي ينشغل فيه صلاح بالمرأة وحياته الجديدة معها ويجد نفسه مشاركاً لها ومتورطاً معها في مسعاها لتحقيق أغراضها ومصالح قومها . وتبدأ حياة الراوي في الاستقرار بحوش صلاح بمقابر الإمام ليمارس طقوساً حياتية تكاد تكون منتظمة بداية بحمام الصباح والخروج إلى العمل ثم الجلوس بصورة يومية منتظمة "وقت العصاري" لاحتساء فنجان القهوة مع أم أمال حيث يكتشف شخصيتها شيئاً فشيئاً فيزداد انبهاره بها واعجابه بقصة كفاحها منذ أن تيتمت وكفلها خال لها استولى على حقوقها واضطرت إلى الزواج من رجل مسن ليحميها ويكفيها شر السؤال وترتحل معه إلى القاهرة حيث يعمل ويتوفى هناك لتجد نفسها وحيدة ومعدمة وسط معترك حياة شديد الوطأة والقسوة على الفقير فما بالك وهي إمرأة .
وتنجح أم أمال في إفشال خطة خالها الظالم للإستيلاء على معاشها من زوجها وتعيش إلى حد ما حياة مستقرة في مقابر الإمام بعد فترة قاسية عانتها في بداية إقامتها في الحي حتى أنها عملت بالخدمة في البيوت ثم عملت بعد ذلك على تقديم خدمتها لنساء الحي بناءً على نصيحة إحدى النساء – لصنع قطعة من الحلاوة باستخدام "شوية سكر ولمونة وشوية مية" على حد تعبيرها للراوي ومن دخل هذه المهنة الجديدة استطاعت أم أمال بإخلاصها وإتقانها لعملها أن تغشى بيوت الحي وتتعرف على كثير من أسراره حتى وقفت على أدق التفاصيل فيه وكان الرجال بصفة خاصة يخشون أن يكون هناك ما تعرفه أم أمال ويجهلونه وبالفعل فقد كانت تعرف الكثير ومن هنا أدركت أم أمال قوتها المستمدة من قوة المعلومات والأسرار التي تقف عليها وهو ما زادها جرأة وثقة بنفسها هذا فضلاً عما اكتسبته من احترام أهل الحي لما رأوا منها من التزام وعفة وحساسية مفرطة فيما يتعلق بالشرف والاستقامة وبذلك يدرك الراوي سر هذا الاحترام الذي يبديه أهل الحي لأم أمال وأسباب هذه القوة التي تستطيع بها أن تجادل الرجال وتنهرهم بل وتعاقبهم أحياناً إذا وقع من أحدهم ظلم أو إحجاف أو تجاوز إزاء زوجاتهم .

ولقد كادت أحكام أم أمال التي تصدرها حاسمة وواجبة النفاذ ولا يستطيع أحد الاعتراض عليها أو الرجوع عنها لما اتسمت به من حزم واكتسبت من احترام ونالت من مصداقية . ويزداد اعجاب الراوي بأم أمال وتتوطد علاقته بها وتخفي هي أيضاً للراوي ميلاً وإعجاباً بل حباً كامناً داخلها ينمو يوماً بعد يوم ويظهر هذا الحب للعيان وبصورة تلقائية واضحة حين يصاب كل من الراوي وسليمان الريس إصابات بالغة في إحدى المظاهرات العنيفة ويفقد الراوي وعيه من شدة الضربات والاصابات ويحمل إلى غرفته بالإمام وهو في حالة يرثى لها بينما لا يعرف أحد شيئاً عن مصير سليمان الريس . وتعكف أم أمال قرابة ثلاثة أيام على السهر على الراوي ورعايته بكل حدب واهتمام حتى يسترد عافيته وتصل علاقة الحب بينهما إلى ذروتها ويجدان نفسيهما تحت وطأة هذا الحب والرغبة المحمومة والمكبوتة – وقد ارتمى كل منهما في حضن الآخر باحثين عن الراحة والسعادة التي طالما حرما منها ، وتصل اللحظة العاطفية المتأججة بالرغبة إلى ذروتها ويستشعر الراوي أنه قد وجد نفسه مع المرأة التي يريدها وينشدها ويخبرها بغيابه عن القاهرة مدة خمسة عشر يوماً في مأمورية عمل بإحدى المحافظات فيما تصل أنباء مفجعة وأليمة عن وفاة الشاعر سليمان الريس متأثراً بجراحه أثناء نقله في عربة الاسعاف عقب المصادمة الأخيرة مع قوات الأمن .

ويعود الراوي من مأموريته ليجد أم أمال قد انتحرت بإشعال النار في نفسها وتخبره امرأة بدينة كانت تسكن معه في نفس الحوش أنها عقب سفره مباشرة داهمتها حالة سيئة من الضيق وأغلقت الغرفة على نفسها لفترات طويلة بل وسمعتها ذات يوم تردد من داخل غرفتها "وأنا كدة أبقى فرقت عنهم ايه ؟!" وهي تقصد بقولها هذا نسوة منحرفات من الحي أو بعضاً ممن يمارسن البغاء أو يقعن في جريمة الخيانة الزوجية . ويداهم الراوي ألم عظيم وتتعمق لديه عقدة الذنب إزاء مصير أم أمال ويتهم نفسه بأنه هو أشعل النار بداخلها أولاً ويقرر مغادرة مقابر الإمام بكل ما تحمله من ذكريات وذلك بعد فترة قضاها هناك لا تتجاوز العام الواحد .

الراوية ومكوناتها الفنية :

1-    الراوي والمروي له :

جاءت الأحداث المسرودة في الرواية على لسان الراوي "سعيد سالم" من خلال أجندة مذكرات آلت إلى ابنه بعد وفاته وحين تسلم الابن المتعلقات الخاصة به فتحها فإذا به يجد هذه الأجندة مربوطة ومن ثم فضها ليعرف ما تتضمنه ويتحول بذلك إلى ناقد لرواية أبيه واحداثها . وربما لا يجد القارئ مبرراً لمحاولة استتار المؤلف خلف اثنين من الرواة ، أحدهما الأب سعيد سالم والآخر الابن الذي لا يعرف المتلقي عنه شيئاً سوى قراءته للأحداث واختتام هذه القراءة بملحوظة ابيه ووصيته له بألا يخبر أحداً عما دونه في الأجندة . وعلى أية حال فقد استخدم الكاتب فيها زاوية رؤية وتبئير من خلال ضمير الغائب العليم الذي يكشف ويتنقل وينقل أقوال الشخصيات ويسجل ملاحظاته ويعبر عن آرائه تجاهم من خلال وجهة نظره والتي كانت إلى حد كبير موضوعية ومتوافقة مع مواقف الشخصيات وطباعها ونزعاتها أما الوصف فجاء على طريقة الرواية الواقعية التقليدية ملماً بالتفصيلات الصغيرة محيطاً بمشاهد المكان وانفعالات الشخصيات مساهماً بقدر كبير في إثراء المقطع ودلالاته . ويتفوق المؤلف بصفة خاصة في تلك المشاهد الوصفية التي يخلو فيها داخل غرفته بمقابر الإمام حيث المنولوج الداخلي وحيث ينفرد بخيالته وأشواقه لينقل لنا مشاهد أقرب إلى طبيعة الواقعية السحرية . وبصورة عامة فقد حافظ المؤلف على توازن كلاً من السرد والوصف في بناءه للرواية وإن غلب السرد أحياناً .

2-    عنصرا الزمان والمكان :

نستطيع القول أن الرواية وإن صدرت في عام 2010 م فقد عالجت ظاهرة اجتماعية وأحداثاً سياسية تكاد تصلح لحقبة التسعينيات وما بعدها فقد كانت هذه الفترة بطولها متشابهة من حيث الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاحتقان السياسي والغضب الشعبي المكبوت أما المكان فقد استطاع الكاتب بأحداثه التي جربت في مقابر الإمام أن يقف بالمتلقي على طبيعة المجتمع العشوائي ومدى معاناة المهمشين فيه إنسانياً وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحياة وبذلك تكون الرواية جرس إنذار مع غيرها من الروايات لخطورة الأزمات التي تخنق البلاد وتزيد مساحة الغضب الشعبي .

3-    الشخصيات :

من خلال عرض الرواية يتبين لنا أن بناء المؤلف لشخصياته خاصة شخصية أم أمال وسليمان الريس كان بناءً متوافقاً داخلياً وخارجياً مع الشخصية وما يصدر عنها من أقوال وما أدركه الراوي من خبرات كل من هاتين الشخصيتين في الوقت الذي لم يغفل فيه الكاتب شخصياته الثانوية التي رسم لها أدواراً ساهمت في تطور أحداث الرواية واستكمال بنائها الفني فقد كانت كل شخصية تساهم في نقل صورة المجتمع العشوائي أو تنقل لنا بطريقة غير مباشرة طريقة الحياة فيه وطبيعة العلاقات في مثل هذا المجتمع .

4-    اللغة :

حرص المؤلف حرصاً شديداً على سلامة أسلوبه ولغته في الكتابة بحيث لم نجد تقريباً خطأ نحوياً أو قلقاً في التراكيب الاسلوبية مما يضاعف من القيمة الفنية للرواية كما حرص على أن تكون لغة وحوار شخصياته موافقة لتركيبها الاجتماعي ومستواها الثقافي وبذلك كان الإطار الأسلوبي واللغوي بصفة عامة جيداً ما يزيد من حرص القارئ على متابعة أحداثها ومصائر شخصياتها .
إن هذه الرواية تعد إضافة جديدة لمسيرة السرد البورسعيدي خاصة حين تناولت قضية اجتماعية خطيرة ومهددة لسلامة البنيان الاجتماعي وهي قضية العشوائيات والمهمشين .




الهوامش :

1 – أدب المهمشين (مقال) – د. مجدي توفيق كتاب الأبحاث لمؤتمر أدباء مصر في دورته العشرين "الثقافة السائدة والاختلاف" ص 64 .
2 – المصدر السابق ص 65 .
3 – انظر كتاب "في نقد الكتابة الراهنة" مجموعة من الكتاب – كتاب "الثقافة الجديدة" العدد 17 ، ه ع لقصور الثقافة ، القاهرة أغسطس 2005 م .
4- "السرد في شمال شرقي الوطن" أحمد رشاد حسانين ، ص 64 دار الأجيال المصرية 2008 م .
5 – أنظر : في "نقد الكتابة الراهنة" مصدر سابق .
6 -  "السرد في شمال شرقي الوطن" مصدر سابق .
7 – مجلة عكاظ الالكترونية ، عن مجلة "أدب ونقد" ، خالد ربيع السيد .sawww.okaz.com .
8 – مجلة الدستور الالكترونية ، مقال ، هدى أبو غنيمة "بلاغة المهمشين" www.addustor.com .
9 – المصدر السابق .

مشاركة