الجمعة، 17 ديسمبر، 2010

" أوطان بلون الفراولة " لمحمد سامي البوهي - درامية الشخصية وفظاعة الحدث في رواية القمع والمنفي

" نداء قاسم " فتاة عراقية ، ولدت وعاشت في المنفي بهولندا ، تعرفت بصحفي مصري في القاهرة " ضياء عزام " وهو روائي وصحفي يساري ذو نزعة قومية ، وكثيرا ما كان رئيس تحرير جريدته يصادر مقالاته في ضوء السياسات الليبرالية التي هيمنت علي الواقع الإقليمي والدولي بعد انهيار النظام الشيوعي . يقع ضياء في حب نداء ويتعاطف معها إلي حد كبير ، فقد وقف علي تفاصيل مأساتها ومأساة أبيها في المنفي ، فالرجل والد نداء كان ينتمي للحزب الشيوعي العراقي وقد استطاع أن يفر بجلده من براثن وأنياب البعث الصدامي العراقي الباطش ، تاركا أسرته في بغداد ومتوجها إلي موسكو ، حيث نال من جامعتها درجة الدكتوراه في الفيزياء النووية ، يتعرف الأب في موسكو بفتاة مغربية هي " جميلة " إحدى منفيات النظام الملكي القمعي في المغرب ، يتزوجها وينجب منها " نداء " ، تحاول سلطات البعث العراقي أن تقنع د. قاسم بالعودة والعمل لحسابها في مشروع المفاعل النووي لكن الرجل الذي خبر غدر البعث ورجاله يفر من موسكو ، تاركا قبر زوجته جميلة هناك وميمما وجهه شطر هولندا ليعمل في الجامعة .

يستقر هناك ويعيش ليحكي لابنته " نداء " عن الوطن وذكرياته فيه ، فتنشأ الفتاة على عشقه وتتوهج مخليتها على صورته ... بعد وفاة الأب ثم اغتيال " رفائيل روبين " مساعده وحامل أسراره الهولندي في حادث غامض ، تقرر " نداء " أنه لا بد من العودة للوطن الذي عاشت علي أمل أن يحتضنها ، خاصة وأنه لم يعد لها أحد في هولندا . تنهي نداء كل متعلقاتها بالمنفي وتتوجه في محطتها الأول إلي دمشق ، تشعر نداء بارتياح كبير لكونها في عاصمة عربية ، تحاول أن تشبع النفس وتفرح القلب وتملي العين بالوجوه والشوارع والأزقة العربية ، تحجز مقعدا لها في " باص " متوجها إلي بغداد ، نفسها ترفرف من الفرحة وروحها تكاد تسبقها إلي هناك علي أجنحة الشوق والحنين .

عند الحدود السورية العراقية يحتجزها ضباط الجوازات السوريون ويتم اعتقالها والإلقاء بها في معتقل " فرع فلسطين " السوري ، تصدم نداء لهول الاتهامات الموجهة إليها ظلما وبهتانا فهي جاسوسة تنتمي لمنظمات إرهابية أو تتخابر لصالح السي آي إيه وإسرائيل ومرة ثالثة لصالح النظام العراقي وكل يوم تصحو نداء علي اتهام جديد . وكل ذنبها أنها تحمل جواز سفر أجنبي . تصرخ نداء في جلاديها وتبصق علي وجوهم فكان العقاب ؛ قيدت يداها ونزعت عنها ملابسها ليتمزق جسدها بعد ذلك من كل الأجساد الوضيعة التي تهافتت علي لحمها تنهش فيه ثم يلقي بها علي قارعة الطريق ، تعود نداء إلي فندقها بدمشق مثخنة بجراحها الجسدية والنفسية وتقرر الهروب إلي مصر بعد أن تخلت عنها أخواتها في بغداد تجنبا للمشاكل .


تقيم نداء في مدينة 6 أكتوبر ويأنس لها جيرانها ( أسرة إبراهيم عبد الفتاح ). في مارس 2003م تستيقظ نداء علي أنباء قصف بغداد ، مختلطة بآلام الوجع وإرهاصات الولادة . تقرر أسرة إبراهيم عبد الفتاح تسجيل الطفل باسمهم كي يستطيع مواجهة المجتمع بلا مشكلات . أثناء محنة الوطن ونزيف الولادة وعمليتها القيصرية تجد نداء ضياء عزام إلي جانبها يشد علي يديها ويبعث في نفسها جاهدا – نداء الحياة والأمل خاصة وأنها دخلت في عذابات العلاج من آلام السرطان. في يناير 2004م تستشعر نداء دنو أجلها فتترك لضياء رسالة إلي ولدها ليضعها ضياء مقدمة لروايته التي يكتبها عنها .

يحاول ضياء أن يواصل حياته بعد رحيلها لكنه لا يستطيع ، فهو يصدم يوميا بأنباء انتكاسات الوطن وكوارثه ، تغدو حياته أكثر ضيقا وتبرما ويجد نفسه مطاردا بفلول ذكري ، يعتقد أنه لم يستطع التخلص منها إلا بالتخلص من حياته نفسها . في إحدي صباحات ديسمبر من عام 2006م وفي غرفة مكتبه بالجريدة وبعد رؤيته لمشهد إعدام صدام علي شاشة الفضائيات - يداهمه اكتئاب شديد ، يحاول ضياء أن ينهي المشهد الأخير من روايته ، ينهض من خلف المكتب ، يصنع من حبل الستارة المسدلة أداة إعدامه ، يهوي الجسد علي أوراق الرواية المنشورة علي سطح المكتب ليضع ضياء نهايته بنفسه وعلي حد رأيه - قبل أن يصنعها له الآخرون . وكان آخر ما كتبه : " يرحمهم الله من ماتوا يتأرجحون بين السماء والأرض " .
لم تتم بعد ....... ضياء عزام


أما التتمة أو " النهاية الأخرى " التي وضعها المؤلف ، فهي تمزق حجب الغيب وتطير بنا إلي واقع متخيل ومفترض في الخامس عشر من مايو لعام 2040م حيث الزنزانة رقم 422 إعدام والتي يقبع فيها قاسم عبد الفتاح ابن نداء منتظرا تنفيذ الحكم بتهمة اغتيال رئيس الوزراء . وتبدو نهاية الرواية ذات طابع واقعي سحري مشحون بمشاعر مركبة من السخرية والتشاؤم والمرارة والإصرار معا . ويكثف الكاتب من إيقاع هذه التوترات والمشاعر المتضاربة ، بتفعيل تقنية الحلم ، حيث يلتقي قاسم في زنزانته بكل من أمه نداء وحبيبها ضياء . تؤكد له الأم أنهما يلتقيان معه علي غير ميعاد ، ليكونا إلي جواره في حين كانت روح ضياء ترفرف بجانبه وهو علي منصة الإعدام ، يتردد صوت الأم : " كن قويا .. واجه الموت بكل أناقتك " ، ويتدلي جسد قاسم مع نفس عبارة الخاتمة الأولي " يرحمهم الله من ماتوا يتأرجحون بين السماء والأرض " . وبهذا التلخيص والذي أؤكد أنه يخل بالعمل الفني ، أستطيع الإقرار ، بأننا إزاء رواية تصنف بامتياز ، في أدب " القمع والمنفي " الذي غدا يشكل تيارا كبيرا وهاما في أدبنا العربي المعاصر .

1-تعريف بالرواية والروائي :


صدرت " أوطان الفراولة " عن دار العين للنشر بالقاهرة في طبعتها الأولي من عام 2010م . والرواية تقع في مائة وإحدى وأربعين صفحة من القطع المتوسط . يحتل ثلث غلافها الأعلى بعض أعلام الدول العربية ويطغي فيه اللون الأحمر ، أما ثلثاها الآخران فيجمعان بين اللونين الأحمر والأسود علي خلفية بيضاء . كتب عنوان الرواية باللون الأول ( الأحمر ) ، أما اسم المؤلف فقد كتب باللون الآخر ( الأسود ) مع كتابة تواريخ دالة من عصرنا الحديث والمعاصر تتناثر علي الخلفية البيضاء يعلن مبتداها عن عام 1948 ، أما آخرها فهو عام 2005م ، وبذا يؤشر الغلاف عن نص مواز ، يساهم بوضوح في تهيئة القارئ والولوج به إلي المنتج النصي الروائي نفسه . أما الروائي فهو الأستاذ الكاتب الشاب محمد سامي البوهي الذي يعمل بالصحافة الأدبية في جريدة الرأي الكويتية وهو من مواليد عام 1977م ، وقد صدر له من قبل ، مجموعتان قصصيتان هما : " لوزات الجليد " عن مركز الحضارة العربية عام 2006م و " رائحة الخشب " عن مؤسسة شمس للإعلام عام 2008م .


2- طبيعة الحدث والشخصية في الرواية :


في رواية " القمع والمنفي " تبدو الشخصية هي ذاتها حدث الرواية الرئيسي ، فسواء كانت شخصية نداء أو ابنها قاسم أو شخصية ضياء عزام فطبيعتها جميعا أنها في حالة فعل وحركة .. وتبدو الشخصية في قلب الحياة منصهرة باحتدام الصراع بين الحدود القصوى لمكوناتها الإنسانية ، في مكان ضيق ، سواء أكان منفي أم زنزانة ، في مجابهة جلادها ، أي المناضل الأعزل المدجج فقط بقناعاته والمسكون بعناصر الضعف الإنساني ، في مواجهة المحقق والسجان المدججين بكل آلات البطش والقمع والتنكيل .


وإذا كانت نداء قد تجرعت من كئوس المرارة المترعة في المنفي ، وقاست ويلات التعذيب والاغتصاب في المعتقل ، وإذا كان ابنها قاسم قد عاني ظلمات أقبية المعتقلات وأهوال والسجون ، فإن المنفي أو الزنزانة ليست هي فقط مواطن الصراع الوحيدة .

وشخصية ضياء عزام تثبت لنا ، أنه ليس هنالك فرق بين تائه في منفي أو معتقل في زنزانة أو ثالث مسكون بالضيق والتبرم واليأس . لقد كان اختناق ضياء عزام ويأسه من واقع منتج للهزيمة والإحباط سجنا آخر ، دفعه إلي التخلص من حياته وذكرياته معا.

أنه الحدث الدرامي والشخصية المأساوية التي تشبه في مصيرها عاقبة البطل التراجيدي الإغريقي مع الاختلاف في مسببات المصير وظروفه .


3-الفضاءان ، الزماني والمكاني :

أشرنا إلي أن الفضاء الزماني ، قد تركه الكاتب مفتوحا وفق منطق غلاف الرواية ، أما وفق أحداثها فالتتمة الأولى ، تتحدد في ديسمبر 2006م ، والنهاية الأخري تقع في عام 2050م وتؤكد عبارة " يرحمهم الله ...... " في نهايته الرواية الواقعية والمفترضة - أن لا جديد ، يحدث علي الأرض العربية الممتدة من الماء إلي الماء ، فزمن القمع يتوحش ، وأهوال المنفي والمعتقلات تتضاعف ، وقوانين الاستثناء والطوارئ تتواصل ، وهو ما يعكس يأسا عميقا وتشاؤما كبيرا في بزوغ بصيص من أمل في فضاء الأرض العربية وزمنها المحتقن . زمن محتقن بالكبت والغليان السياسي والإرادة المتطلعة للتغيير . أما المكان فيدور بين عواصم المنفي في روسيا وهولندا وعواصم الدم العربي المسفوح في دمشق والقاهرة وبغداد . وإذا كان الفضاء الزمني العربي ممتد بالقمع متواصل الاحتقان ، فإن الأرض العربية تبدو كذلك وإن بدت القاهرة في الرواية أقل وطأة في ظل حرية التعبير والنشر وهي مساحة ونافذة ربما شكلت متنفسا وحيدا لكنه لا يرقي أبدا إلي طموحات النخبة والجماهير .

4-الحوار في الرواية :

يهتم الكاتب بالحوار اهتماما بالغا ، فقد ورد في القسم الأول من الرواية أكثر من ستة عشر مقطعا حواريا ، وورد في القسم الثاني منها ، أكثر من سبعة وعشرين مقطعا ، والحوار لديه مكتوب بحرفية وتوظيف جيد وتكثيف شديد ، ما يدل على فهمه واستيعابه لوظائف الحوار الفنية وينبئ بكاتب مسرحي ودرامي جيد .

5-لغة الرواية وتبارها السردي :

قسم الكاتب روايته إلي قسمين ، تضمن القسم الأول منها تسعة مقاطع سردية ، أم قسمها الثاني ، فقد تضمن عشرة مقاطع ثم النهاية المتخيلة والتي شغلت حوالي خمس عشرة صفحة تقريبا.

في القسم الأول ، يهيمن الراوي الضمني " ضياء عزام " علي حركة السرد بضمير الغائب الكاشف للحدث والمتابع لتطور الشخصيات ومواقفها ، وتنبأ نبرته ، عن أسى دفين وحزن مكين يمتلئ به القلب وتقاسي مرارته النفس ، فأحلامه وأحلام أبيه الذي استشهد في اليمن تذوب من بين أصابعه ، والأساطير القومية الكبري التي عاش يحلم بتحققها ، انهارت كلها وتصدعت ، ووطنه العربي الكبير ، صار نهبا للبطش الداخلي والغزو الخارجي ، المذل المهين . وقد رأي ضياء عزام في إعدام صدام نهاية للحلم القومي العربي ، وبالتالي فقد اعتبر أن وجوده هو نفسه لم يعد له سبب و لا مبرر ، وهو موقف من الكاتب يحتاج إلى مناقشة ومراجعة .

أما في القسم الثاني ، فيتبادل كل من نداء وضياء مهمة السرد ، فتارة يهيمن حضور نداء خاصة أثناء حديثها عن المنفي والاعتقال ثم في سلاسة ونعومة سردية شفيفة ، تتواري نداء ليظهر ضياء ، مستكملا مهمة الدفع بالتيار السردي المتجه صوب الذروة والاحتقان. ومن خلال تبادل دور السارد ، نكتشف أن مأساة نداء أسهمت بقدر كبير في نضوج شخصية ضياء عزام وتعرفها إلي عالم كان غائبا عن دائرتها الذاتية المتقوقعة علي أحلامها القومية المستحيلة التحقق . لقد اكتشف ضياء عزام أن هنالك المئات بل الآلاف الذين يواجهون قمعا وبطشا أشد وأنكي مما واجهه ويواجهه . كما تفتحت عيناه علي مآس يشيب لهولها الولدان ، مما دفعه إلي أن يكتب مقالا بعنوان " أوطان بلون الفراولة " وهو ما ترك صدي طيبا لدي القراء .

في المقطع الأخير من الرواية والمعنون بـ " نهاية أخري " ، يبدأ بمفتتح أقرب إلي السيناريو السينمائي ويتولي وظيفة السارد في هذا المقطع كل من المعتقل قاسم ابن نداء والكاتب نفسه الذي بدت نبرته تكاد تطابق نبرة ضياء عزام ، وربما كان تنوع زوايا الرؤية والسرد من عوامل حيوية الرواية وإثارتها . كما أن تبادل الدور السردي يساهم بدور في عملية الكشف وإزخام الحدث وتصاعد إيقاع موسيقاه الدرامية أحيانا والجنائزية أحيانا أخري .

أما لغة الكاتب والتي تهيمن علي صياغاتها الجملة الفعلية المتوترة ، فتعكس مفرداتها وتراكيبها حسا لغويا فائقا ينبئ عن تمكن من قواعدها النحوية والصرفية . لقد جاءت لغة الكاتب فضلا عن شحناتها الوجدانية وكثير من صورها الدالة الموحية ، سليمة تماما من الأخطاء وهو أمر لا يسلم منه جل شباب الكتاب . وإذا كان هذا العمل هو أول التجارب الروائية لمحمد سامي البوهي ، فمعني ذلك أننا نتوقعه كاتبا روائيا قادم بقوة وثبات ، ليقتحم حلبة مشهدنا الروائي الراهن.


مشاركة