الأربعاء، 9 يناير 2008

المسرحيه الشعرية " ... وينتصر الموت " زخم الصراع وتعدد مستوياته



" سفير فوق العادة "

إنه أحد الأوصاف التى أطلقها أحد شعرائنا المسرحيين الكبار(1) على المسرح الشعرى ، فهو يسمع ما يقول الآخر الذى هو جوهر التاريخ أو جوهر الأسطورة أو جوهر الواقع المعيش ، ثم يعود إلى قومه مترجماً لهم ما سمع ومستخدما فى ترجمته لغته ، ليست هى بالضبط ما سمع ، وليست هى بالضبط ما يقول ، ذلك أن هذه اللغة الشعرية الدرامية إنما هى محض تمثيل للجوهرى والحقيقى فى عالم الناس والأشياء ومن جانب آخر هى تمثيل للجوهرى والحقيقى فيما ينشره أو يُحلم به البشر.

والحلم هنا هو حلم العدالة ، ومسرحية " ... وينتصر الموت " للشاعر المسرحى " محمد سعد بيومى " يبدو من خلالها مؤلفها مرهفا السمع لنبض واقعه الذى عايشه ويعيشه سواء على مستواه القومى أو الإنسانى وهو يترجم بعضاً من هذا النبض ممارساً الرؤية محاولاً الفهم ثم الاستشراف ، معيداً صياغة معطيات واقعه فى بوتقة الفن ، مصدرا إياه مرة أخرى إلى الحياة " ليصبُ فيها ويلتحم بها " ، على حد تعبيره فى مفتتح المسرحية فهو يقول : " أفضل ُ أن يبدأ مسرحى من الحياة والواقع ليصب فيهما ويلتحم بهما ".(2)

ويقوم القالب الفنى للمسرحية على بناء اللوحة المسرحية وذلك من خلال سبع لوحات متتالية يلعب فيها كل من الراوى والإضاءة المسرحية دورا هاماً فى تقديم الشخوص وتفسير بعض المواقف والأحداث وتهيئة جو التلقى والإيحاء النفسى للنص وللجمهور على السواء .

وتقوم فكرة المسرحية على الصراع بين ثنائيات : العدل / الظلم / الحق / الباطل ويلعب أحداث لوحاتها السبع إحدى عشرة شخصية أهمها حسب الظهور :

الشخص الثانى : رمز السلطة الباغية

الشخص الأول : رمز المعارضة المطالبة بالعدل

قاضى المحكمة ومساعدوه – ممثل الاتهام – نور : مهندس صوت – ضياء شقيق نور – أمل ونورا : شقيقتا نور – شمس : زوجة الشخص الأول

وإذا كان الصراع الإنسانى بين وجهتى نظر ، أو فكرتين ، أو قيمتين ، أو أسلوبين فى صياغة الحياة – هو جوهر العمل المسرحى ، فإن الصراع فى المسرحية التى بين أيدينا ، يبدو أكثر عناصرها الفنية حضوراً وأوضحها بروزا ، لما يتسم به من زخم وتعدد مستويات وتمظهر فى دواخل الشخصيات وخارجها ما يدفع لتنمية الشخوص والأحداث وتعديل رؤاها ومواقفها

ولعل شغل قاعة المحكمة وما يدور فيها وما تقلب على مشهدها من لوحات بدءً باللوحة الثالثة وحتى السابعة ، يعكس قوة الجانب الدرامى والصراع فى المسرحية .

ففى قاعات المحاكم دائماً يوجد جوهر الدراما .




أحداث المسرحية :

تبدأ اللوحة الأولى من المسرحية بداية ساخنة ، حين يأمر الشخص الثانى بالقبض على الشخص الأول واقتياده تحت حراسة مشددة إلى وقصره ليبدأ معه عمليات التخويف والإغراء ، الترهيب والترغيب لإثناءه عن محاولاته المستمرة فى فضح ممارسات السلطة الغاشمة وكشف فسادها واطلاع الرأى العام عليها عبر ما يكتبه فى جريدة تبتنى خطاً معارضاً ومقاوماً.

لايفلح التهديد ولا المغريات فى زحزحة الشخص الأول عن فكره ومواقفه فيتعرض للتصفية الجسدية ، تحاول السلطة إخفاء معالم الجريمة بوضع جثة القتيل خلف زنزانة فى قاعة محكمة موالية لها ، يقوم رجلان بإستاد الجثة أثناء المحاكة وخلفها أيضاً بضع رجال يحرك كل منهم جزءاً من الجثة عند لزوم الأمر ، للإيهام بمحاكمة حقيقية .

فى قاعة المحكمة ينشب صراع بين القاضى وعضو اليسار للمنصة الذى كان متردداً فى الحضور أصلاً لخطورة القضية ولمعرفته أنه سيدين هذه المرة بريئاً مقتولاً ، ووقوفه فضلاً عن ذلك على أمر خطير أسر به لزميله عضو اليمين ، يحاول عضو اليسار تنبيه القاضى إلى بشاعة الأمر ويؤكد له أنهم يحاكون جثة ، يتأكد القاضى فيصاب بالدهشة ويستشعر فداحة الجُرم .

يصرح له عضو اليسار بآنه سئم لعب الدور المرسوم ، وأن هذه الجثة الملقاة فى قفص المتهمين أكبر من أن تطمس الحقيقة وتضيع معها العدالة ، ويقرر ألا يصبح شريكا فى مثل هذا الجرم البشع .

يحث عضو اليمين القاضى على وقف المهزلة وإعادة الهيبة للمحكمة .

يظل الاثنان يجادلان القاضى حتى يقنعاه مؤكدين له عن تسرب أخبار من بعض الأشخاص المتصلين بالسلطة مفادها التخلص من كل من له صلة بالجريمة فعلاً او مشاهدة ونسف كل الأدوات المستخدمة فيها وذلك فور الانتهاء من إجراءات المحكمة الصورية ( وهو الخبر الخطير الذى وقف عليها العضوان ).

يحاول القاضى كسب بعض الوقت ليتدبر أمره فيقرر تأجيل الجلسة للاستراحة ثم العودة لإصدار الحكم .

يقرر المساعدان الهروب من قاعة المحكمة فيفاجئان بالشخص الثانى مترصداً لهما ويمنعهما من الهروب ، يُسحب الضوء من المسرح ليدخل فى نوبة إظلام ، يتبعها صرختان مدويتان ، يتأكد القاضى من وجود مخطط لدفن كل ما يتصل بالجريمة من أشخاص وأدوات ( بعد مصرع مساعديه ) ، يحس باقتراب الخطر منه بأسرع مما كان يتصور ، يقرر أن يكون هو الأسرع فى توجيه ضربة وقائية ، يتصل القاضى فى سرية تامة من داخل مكتبه بالمحكمة

– بأحد المتهمين السابقين ( نور ) مهندس الصوت ، ويذكره بأنه أنقذه مره من حبل المشنقه فى إحدى القضايا ، ورضيت السلطة بالحكم وسط مجموعه أخرى من الأحكام الجائرة ليبدو الأمر عادلاً ومتوازناً – ويستعجله فى رد ذلك الجميل – بالتسلل الى قاعه المحكمة متخفياً ونقل ما يدور فيها الى الشارع والجمهور ، ووعده بتسهيل مأموريته هو ومن معه لدخول القاعة .

يسرع نور بالدخول الى القاعه فى زى أحد عمال المحكمة ، يبادر بعمل توصيلات وتركيب أجهزة فى فترة الاستراحة .

يدخل القاضى القاعه ومعه مساعدان جديدان ، يعيد ممثل الاتهام تلاوة القرار المُلفق ، يبدأ القاضى بالدخول فى حوار وجدال ساخر ومرير مع ممثل الاتهام مطالباً إياه بصحوة ضمير.

يتعاطف ممثل الاتهام مع القاضى ويتحول الى شاهد وممثل الاتهام فى نفس الوقت ضد السلطة الغاشمة ، يصدر القاضى حكمه بإدانة السلطة والقبض على المتهمين ويبدأ أولاً بنفسه وممثل الادعاء مع رفع جثة الشخص الأول وإخراجها من القفص بأمر المحكمة .

يهرول نور وأشقاؤه وبعض اتباعه ، يرفعون الجثة بعد لفها فى غطاء عليه أعلام دول العالم ، يندفع العامة إلى القاعة التى تشيع فيها الفوضى ، يدخل القاعة رجال مقنعون يُلبسون القاضى وزميله ومساعديه أردية المتهمين الحمراء .

يخرج نور ومن معه .. يتصدر الراوى المشهد :

المجرم أكبر من أن يصدر حكما .

بالقبض عليه .. ليُمثل ..

فى قفص المتهمين

المجرم أكبر من محكمة العدل ..

وأقوى من شرطة هذا العالم

لاتنتظروا ..

إسدال ستار

فالمشهد ممتد



تُخفف أضواء المسرح ويسدل الستار مع صوت الكورال :

المجرم مازال طليقاً

المجرم مازال طليقاً .

ويعنينا فى هذه الصفحات أن نقف على عنصر " الصراع " الذى يتفاعل منذ اللوحة الأولى فى المسرحية لتبدأ بداية مباشرة ساخنة بجدلية الخير والشر ، العدل والظلم ولكنها تطرح هذه الجدلية أولاً فى إطارها الشامل العام من خلال صراع الشخص الثانى مع الأول ويؤكد هذا الطرح أن الشخصين غير متعينين وفى حوارهما يتمسك كل منهما بموقفه معبرين بذلك عن التناقض المفجر للصراع ولكن قواعد الدراما تفرض نفسها فلا يتبدى هذا الطرح العام بصورة تجريدية أو فلسفية وإنما فى مشهد يكاد يحدث يومياً ، يستثمره المؤلف فى البناء عليه .

والنسج منه خيوطا للأحداث ومنطلقات لحركة الشخصيات بصورة سريعة الإيقاع عالية التوتر- بديالوج تارة ومنولوج تارة أخرى مع " حضور " الراوى " المفصلى كل ذلك بتفعيلات شعرية قصيرة متتابعة مشحونة بالصور الموحية والرموز الدالة .

ثم تتعدد مستويات الصراع على النحو التابع :

· التخلص من الشخص الأول لا ينهى المشاكل للشخص الثانى بل يزيدها تعقيداً .

· يقود ذلك إلى تشكيل محكمه صورية .

· تسرب نوايا السلطة بالتخلص من هيئه المحكمة يولد أزمة ثالثة وصراعاً داخلياً فى نفس عضو اليسار الذى ينقله الى عضو اليمين .

· تزداد الأزمة تفاقماً حين يجد القاضى نفسه فى سباق مع الزمن لتوجيه ضربته الوقائية بعد مصرع مساعديه .

· يتحول القاضى إلى الموقف الضد ويتهم السلطة على الملأ وهو الأمر الذى كانت تخشاه وتحرص على إخفائه بشتى الطرق وينفجر الموقف .

· يصدر القاضى حكمه ببراءة المظلوم وتجريم الظالم ويتم ذلك فقط على بعض رموز الظلم لكن مصدره لايزال موجوداً وطليقاً ، وهو ما ينبه إليه الراوى – جمهور قاعة المحكمة وجمهور المتفرجين على السواء وبذلك يكون الصراع ممتداً غير محسوم وحسمه يرتبط أول ما يرتبط بيقظة الضمير ( القاضى ومساعداه وممثل الادعاء ) وإيجابية الفعل والحركة من المجتمع سواء الصغير أو المجتمع الإنسانى المتطلع للعدالة ( أعلام دول العالم ) ، أى أن المسرحية تنتهى إلى " لحظة انتظار " استشرافية لكنها مشروطة ، وأهم شرطين لها من وجهة نظر الطرح الدرامى :

1. صحوة الضمير ورفض الأدوار المرسومة سلفاً لصالح فئة باغية

2. تحول الجماهير المقموعة من موقف الاستياء والاعتراض إلى مواقف الفعل الإيجابى وحماية طلائعها المنادية بحقوقه فى حياة عادلة وكريمة .

والجدير بالذكر أن هذه المسرحية الحية بالحركة والصراع سبق وأن فازت بجائزة اتحاد الكتاب الخاصة (جائزة الكاتب المسرحى محمد سلماوى ) لعام 2005 م ، وكان بطلها نموذج للبطل المغترب ذو المصير الملحمى فى أطروحة حسين على محمد للدكتوراه عن " البطل فى المسرح الشعرى المعاصر " (3) وقال عنها الناقد ربيع مفتاح فى دراسة له على موقعه الإلكترونى : " ... وينتصر الموت نص مسرحى شعرى جدير بالقراءة والعرض ، واعتقد أن الذى انتصر هنا هو المسرح وليس الموت " .

الهوامش :

1. " مكابدات الحداثة فى المسرح الشعرى " – مهدى بندق ( مقال ) – تحديات ثقافية صـ 40 العدد 21 .

2. " .. وينتصر الموت " مسرحية شعرية – محمد سعد بيومى – سلسلة أصوات معاصرة العدد 186 – دار الاسلام للطباعة والنشر 2005 م .

3. أنظر : كتابات نقدية – الهيئة العامه لقصور الثقافة – دكتور حسين على محمد صـ 165 – القاهرة يناير 1991 م .

مشاركة