الخميس، 24 يونيو، 2010

سؤال الوجود والهوية....رواية القدس نموذجا

من نافلة القول التأكيد على أن الرواية الفلسطينية بعامة و رواية القدس بصفة خاصة أقامت لنباتها المتنامية وكتبت أسفارها المهراق مدادها يوما بعد يوم حول ذلك السؤال الجوهري ذي الحضور لدائم إلا وهو سؤال الوجود والهوية خاصة بعد اندلاع الانتفاضة وبصفة أشد خصوصية بعد عام 1991م حيث كان لابد من أوبة ضرورية للراوئى الفلسطيني إلى المكان الذي ضاع وتفتت ، في محاولة منه لاستعادته عبر المخيلة الروائية لإحياء القلب به ، وإنعاش الذاكرة بتفاصيله ، وتملى الوجدان بمجاليه وملامحه ، وإيقاظ مكامن الإصرار والإرادة على تواجد المكان والتواجد فيه جغرافيا وتاريخيا وإنسانيا .

تمهيد: عن الرواية الفلسطينية:

من نافلة القول التأكيد على أن الرواية الفلسطينية بعامة و رواية القدس بصفة خاصة أقامت لنباتها المتنامية وكتبت أسفارها المهراق مدادها يوما بعد يوم حول ذلك السؤال الجوهري ذي الحضور لدائم إلا وهو سؤال الوجود والهوية خاصة بعد اندلاع الانتفاضة وبصفة أشد خصوصية بعد عام 1991م حيث كان لابد من أوبة ضرورية للراوئى الفلسطيني إلى المكان الذي ضاع وتفتت ، في محاولة منه لاستعادته عبر المخيلة الروائية لإحياء القلب به ، وإنعاش الذاكرة بتفاصيله ، وتملى الوجدان بمجاليه وملامحه ، وإيقاظ مكامن الإصرار والإرادة على تواجد المكان والتواجد فيه جغرافيا وتاريخيا وإنسانيا. 



ومن المعروف أن الكتابة الروائية الفلسطينية بدأت قبل النكبة وضياع فلسطين ، وقد مهد لها درب البداية والتأسيس ثلة من الرواد ، يتذكرهم روائيو فلسطين ودارسوا أدبها وغيرهم من الأشقاء العرب . من هؤلاء الرواد : خليل بيدس , إسحاق موسى الحسيني , اسكندر الخورى ونجاتي صدقي , ثم يأتي ثلاثة من الروائيين الفلسطينيين من العيار الفني الثقيل – استطاعوا على حد تعبير الناقد فخري صالح " إن يبنوا بنيانا روائيا فلسطينيا متماسكا حول سؤال الوجود والهوية "1 ذلك الشغل الشاغل والهم الحاضر القائم , والثلاثة المقصودون بالطبع هم : إميل حبيبي , جبرا إبراهيم جبرا و غسان كنفاني .

ولقد عاصر كل من هؤلاء الثلاثة الكبار وخايلهم وتابعهم ، أجيال من الروائيين الفلسطينيين، واصلوا مسيره الرواد من جهة، وراحوا يكملون صرح البناة الثلاثة من جهة أخرى، وذلك وفقا لمعطيات ظرفهم وسياقاته على المستوى الذاتي والقومي والدولي.

ويصعب حصر تلك الأجيال خلال أكثر من نصف قرن من الزمان ،فهم ينتسبون لكل الأرض الفلسطينية , وهم لا يزالون يطرحون وبقوه سؤال الوجود والهوية. وسنأتي على سبيل الإشارة _ على ذكر البعض منهم _ إلا أننا سنتوقف مليا على "رواية القدس"، متناولين بعض نماذجها المهمومة بسؤال البحث : " الوجود و الهوية " .

وحين نقول " رواية القدس " ، فنحن نعنى تلك الرواية التي اتخذت من مدينة القدس مسرحا لإحداثها وفضاء لحراك شخوصها ،وقد وقع اختيارنا على مدينة القدس دون مدن فلسطينية أخرى لعدة اعتبارات لعل من أهمها :

1- مركزيه القدس ورمزيتها لكل فلسطيني وعربي مسلما كان أو مسيحيا .

2- بيان إلى أي مدى بدت القدس في عيون الروائيين الذي تعاطوها سواء على سبيل الاستعادة أو العودة للأصول أو وجهة النظر في ظل الظروف القائمة والمحيطة.

3- اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية عن عام 2009 م.

هذا ، ويسبق موضوعنا عن رواية القدس ، تناولنا للمكان وأهميته , ومدى فعاليه هذا المثير بأبعاده ودلالاته في الرواية الفلسطينية بعامة ورواية القدس بخاصة.



أولا : عن المكان أبعاده ودلالاته :

ربما كان الروائي أكثر المبدعين تعاملا مع المكان باعتباره مثيرا إبداعيا , حتى وإن كان هذا المثير ذا صبغة عقليه مجردة.

وهذه حقيقة لامراء فيها , التفت إليها المبدع أو لم يلتفت , وأياما كانت الحالة التي يكون عليها المبدع بإطلاقه , والروائي بخصوصياته , فإن للمكان دورا مركزيا فيما يبدعه .

وتكاد تتشابه الحالات التي تكتنف المبدع عند ممارسته لعمليه الإبداع وحالات اتخاذ القرار في أي شأن من شئون الحياة , فهي متنوعة ومتباينة , ويمكن رصدها في أربع حالات هي :

التأكد , التفاؤل ,التشاؤم ,وتساوى الاحتمالات .

وفى كل حالة من هذه الحالات , يكون للمكان الدور الرئيسي كمثير وكمستقبل , وما بين الإثارة والاستقبال , للمكان أيضا وجوده الفاعل أثناء عمليه الإبداع , وفى تشكيل وجهه نظر الكاتب , وبلورة مدار الخطاب الروائي ذاته , فكل هذه العمليات لا تدور إلا في مكان " 2

ونعتقد أنه لا يكفى الانطلاق من عنوان أو بيئة للزعم بجعل السرد متعينا في المكان ,بل لابد له من أن يتماهى مع أفراده وشخصياته , وأن يكون هذا لذلك لحمة وسدا , وشرط حصوله بعد الدراية والمهارة , لا غنى عنهما .

إن تمثل التضاريس والبنيات والمعالم البرانية هي عنوان وإنسان معا .

إن هذا ما يجعل الكتابة أكبر وأجدر من معالجة قيمة أو نقل رؤية عن واقع بالصيغة السردية , إنها تصبح بمثابة شهادة مفعمة بشغف الوجود , تتغذى من إيمان عميق بالأرض وبوطن الإنسان , قائما ومفقودا , مرسوما بالمعاينة في شقيها التفصيلي والاشتمالى ومحروسا بذات مستقرئة , تتمتع بفرادة تجديد نظرة العين , وبالتالي تكثير منظورات الرؤية , ففي الرواية الصحيحة فنيا حيث يبنى المكان بجميع ما يشترك في صنعه المتكامل بين جغرافيا وتاريخ وحضارة وثقافة وأحداث , في قلبها فعل انساني متواتر ومتموج , حيث يتخلق الكائن المتشرب بدوره لعناصر التكوين هذه , إضافة إلى خصوصيته الذاتية عندما يسبغها على محيطه , في حالي التجانس والمفارقة ,القرب والبعد ,بالاستيطان والطرد معا"3

وللمثير المكاني أبعاد متعددة منها:الفيزيائي ,الهندسي ,الجغرافي , الموضوعي, الزمني , النفسي , الفلسفي ,الفردي , الجماعي ,الموضوعي ,الذاتي, الواقعي , الخيالي , الجمالي...... الخ.

وهى أبعاد متصلة ومتداخلة بعضها فى البعض , وفصلها غير ممكن سواء فى الحياة المعيشة أو فى النص المبتدع ,والفصل بينها لايكون إلا فصلا افتراضيا يضطر إليه الباحث لضرورات البحث.

وتتعد وظائف المثير المكاني وتختلف بتعدد واختلافات المعالجات الروائية,فقد تكون وظيفة طبوغرافية مثلا أو نفعية أو أيدوبوجية , أو اجتماعية ..... وهكذا. 4

وتتفرع عن كل وظيفة من هذه الوظائف وظائف أخرى, ولكل وظيفة منها متطلبات ,فالوظيفة الطبوغرافية تستلزم وجود التضاريس والحدود , والوظيفة النفعية تستدعى الإجراءات, والأيدولوجية تتأسس على المواقف الفكرية, والاجتماعية متطلباتها غير قليلة منها على سبيل المثال ما يتصل بالثقافة والسياسة والاقتصاد والإدارة والقانون والأمن ...... الخ.

وإن النقد الروائي ليولى اعتبارا كبيرا لقوة حضور المكان,الأرضية الصلبة وبدونها لا قيام لسرد فني ,وهو شأن متأصل في الرواية العالمية, منها النموذج العربي، متمثلا في صنيع شيخها نجيب محفوظ فى ثلاثيته المشهورة ,وخلفه عبد الرحمن منيف في ملحمة "مدن الملح"5

ومن المهم بمكان أن نلفت النظر مؤكدين على أنه لم تعد في عصرنا ثمة إمكانية لتقديم نموذج محدد الأبعاد لأية كينونة مكانية, كلية أو جزئية, فإنه ما عاد يمكن للسرد الروائي أن يصور المكان تصويرا دقيقا أو يقدم نموذجا جاهزا له .

ومن ناحية أخرى , فإنه في ضوء نظريات التلقى ,قد يسلم الكاتب هذه الإمكانية للقارىء ، ليعيد رسم المكان ويقوم بصياغته , وقد شاعت هذه المفاهيم المستحدثة عن المكان وجمالياته فى النقد الأدبي العربي الحديث وصارت منذ ثمانينيات القرن العشرين هى الشغل الشاغل لأغلب النقاد العرب, وذلك بفضل عكوف المترجمين العرب على نقل المناهج النقدية الحديثة التى عنيت بالمكان وجمالياته ,من بيئتها الأوربية إلى البيئة العربية، وتصدر هؤلاء المترجمين كل من غالب هلسا وسيزا قاسم ,الأول بما ترجمه عن باشلار والثانية بما ترجمته عن لوتمان6

ثانيا: الفضاء المكاني في الرواية الفلسطينية والمقدسية :

الفضاء المكاني له دلاله خاصة جدا فى الرواية الفلسطينية وخاصة المقدسية ونستطيع أن نراجع النص الروائي الفلسطيني منذ نصف قرن لنرى كيف فرضت إشكالية المكان على الراوي دلالة أكثر خصوصية ,حيث كان الوطن المتروك تحت العسف والمجازر ,هو الفضاء الماثل ,وفى ذلك الفضاء كانت الشخصيات دائما ولا تزال تعزف أهزوجة دامية لغياب الوطن.

انه المكان ,الفضاء,الحيز أو (الحلم) الذي ضاع.

هكذا عزف الأهزوجة كل من:

إميل حبيبي : في بوابة مندلباوم, وسرايا بنت الغول , والمتشائل .

وجبرا ابر هيم جبرا: في السفينة والبحث عن وليد مسعود , والغرف الأخرى.

ورشاد أبو شاور : في العشاق وشبابيك زينب.

ويحيى خلف : فى تلك المرأة الوردة وبحيرة وراء الرياح وماء السماء.

والمتعدد المواهب غسان كنفانى فى :رجال الشمس وما تبقى لكم وأم سعد وعائد الي حيفا.

وعبد الكريم السبعاوى فى : ثلاثية كنعان ; العنقاء- الخل الوفى- الغول.

وابراهيم نصر الله فى : زمن الخيول البيضاء وحارس المدينة الضائعة وشرفة الهذيان.

وسحر خليفة فى :الصبار وباب الساحة والميراث وصورة وايقونة وعهد قديم.

وليانة بدر فى :بوصلة من أجل الشمس وعصفور الشمس ونجوم أريحا.

ومى الصايغ فى :"بانتظار القمر أو "هربيا" .... وغيرهن وغيرهم كثيرون ، كفيصل الحورانى وخيرى منصور وعدنان كنفانى ويوسف العيلة ورسمى أبو على ورجب عطا وكمال كاشور وإبراهيم الصوص, كلهم عزفوا الأهزوجة الدامية,كلهم حلموا باستعادة المدن الضائعة ,كل المدن :القدس ,يافا ,عكا ,حيفا ,غزة ,نابلس ,أريحا ,رام الله ,بيت لحم ,طبرية ,بمساجدها وكنائسها ,ببيوتها وشوارعها ,حتى القرى والدساكر والنجوع استعادوها ونصبوها – عبر المادة الروائية- فى الواقع المعيش بأهلها وطقوسها , ببياراتها بعبق زهر برتقالها وزيتونها.

أما المقدسيون ,فلهم شأن أخر، ذلك لأنهم زرعوا فى مدينة ليست ككل المدن ,وحين تكون مدينة لا تشبهها مدينة , وحين يكون مسجدها ثانى بيت وضع لعبادة الله فى الأرض وحين تكون عاصمة السماء , وحين تصير أكثر من مجرد ملاذ للأجساد المتعبة والأرواح القلقة ,فتكون هى الخلاص وجنة الروح والجسد معا,وحين تكون هى الهوية والوجود ,بل معنى هذا الوجود وحقيقته ،فلا شك أن لها فى الرواية شأنا آخر.

إنها المدينة التى تظل شامخة بوجودها ، راسخة بحضورها فوق الأرض ، إلا أن أنبائها، إما مغتربون فيها ، او منفيون عنها ، لا يستطيعون إليها وصولا ، ولا يجدون إلى جنتها سبيلا ، ذلك لأنهم ببساطة مقموعو الهوية المكانية.

لقد غدا الإبداع الروائي المقدسي أكثر من مجرد نوستالجيا ، إنه الإقامة في المدنية وإقامة المدينة فينا ، إنه العيش فيها وبها.

" إن المدن الفلسطينية ضاعت ، ولاتزال تضيع فى الجغرافيا ، فيأتى الروائى الفلسطينى ليعيد بناءها فى معمار الرواية ، وعبر السرد الروائى أو القصصى ، ينهض المكان فإذا هو حي متحرك في النفس والوجدان، بعد أن ضاع فى الجغرافيا . وإعادة بنائه روائيا هو الإمكانية الوحيدة المتاحة حاليا ، لذلك يعمد الروائى الفلسطينى بجميع انتماءاته وأطيافه ، لبناء واستعادة مدنه روائيا بعد تعذر استعادتها جغرافيا ، فى تاريخ ملتبس فضفاض ، مستقبله لا يقل ضبابية عن حاضره"7

ثالثا : عن المعشوقة القدس ....ملامح من المكان

شهدت مدينة القدس عام 1920 صدور أول رواية فلسطينية وهى " الوريث" للكاتب خليل بيدس، ولعل ذلك الصدور يؤكد صدارة المدينة ومركزيتها وإعلانها عن وظيفتها الحضارية والثقافية ليس على المستوى الفلسطيني فحسب بل الإنسانى أيضا ، فمنذ غابر الأزمان والقدس مثابة الناس ومؤئل الانبياء وأرض المقدسات ومنبع وملتقى الثقافات والأعراق والحضارات.

ولسنا فى مقام الحديث عن أقدم مدينة فى التاريخ ، لكن القدس ظلت منذ العمل الروائي الأول رافدا رئيسا للمادة الروائية الفلسطينية و محطا هاما لأدبائها ورمزا دالا لكل أبعاد المأساة وما تستوعبه من مفارقات ، الألم والأمل ، الفقد والحلم ، الانكسار والإصرار، الرضا والغضب .. الخ .

لقد كانت القدس ملتقى وطنيا ثقافيا على مدار العام لابناء فلسطين 48 ومن الخارج أيضا ما تنسى لهم ذلك

" فى ساعات النهار تعج الشوراع بالأجيال ما بين النشاط التجارى والسياسى والثقافي ، وفى الليل تمتلىء المسارح والقاعات ودور السينما والمطاعم والفنادق بحلقات النقاش والتبادل الثقافى وسمر الليالى وانزوائات العشاق هنا وهناك ، على سورها العظيم كان المشوار يطول ، وفى الحكواتى والقصبة لقاءات ونقاشات ومسرح وسينما وعروض للفنون تبدأ بالرسم ولا تنتهى بالغناء ولا الموسيقى – نادي الموظفين بعجقة الشباب وفندق القدس ومطاعم حارة الأرمن بالصفيحة الرقيقة وفى ساحة المصرارة ، بضع خطوات من باب العمود وفى داخل المدينة العتيقة كان الشباب والصبايا طلاب الجامعات الفلسطينين من بير زيت ونابلس وغزة ، يقصدون القدس ، ليصلوها مع الفجر أو ما قبل الفجر بقليل -- جعب من الصور والذكريات عن القدس التى أريد لها أن تكون عاصمة للثقافة العربية ، ثقافة المقاومة والصمود.

صفحات من أدباء وشعراء ، حناجر مغنين و فراشى رسامين وأعواد عازفين لازالت تربض فى المدينة ، مصرة على أن لا تنسى الاجيال ، اللغة العربية ، لاتنسى الانتماء والهوية ، رجال هرمت وهى تجالس الانتظار فى سوق العطارين وحارة السعدية وباب الزاهرة والباب الحديد وباب العمود وفى باب الخليل و....و... وما تبقى من أسواق استطاعوا أن يمحوها من زحف التهويد .

فى داخل الأسوار للبلدة القديمة بيوت عتيقة ,انهارت أو معاندة تقاوم الانهيار ,تحمل قصصا وحكايات عن الذى فى الذاكرة وعن الذى من الممكن أن يعود, نشطاء ومسؤولى مؤسسات وخبراء عمارة وخبراء نضال طويل عملوا فى سنوات الذكريات ولازالوا يصمدون ويصدقون أن شيئا من القدس من الممكن أن يكون ,أذا أردنا أن يكون" 8

إن كل ذلك اشتمالا وتفصيلا حاولت وتحاول رواية القدس استعادته تأكيدا للوجود وتشبثا بالهوية .

رابعا : رواية القدس .. الوجود والهوية :

1_ روايات جبرا إبراهيم جبرا:

تجسد أعمال جبرا إبراهيم جبرا, رواية الفقد والحنين وتغوص في أرضية القضية الفلسطينية وبخاصة نكبتها ومدينتها الأم (القدس) ,ويكتب جبرا متأثرا بسيرته الذاتية "عن شخصيات اختزنها من تجربته التي عاشها ، خاصة فى الطفولة في أرض اضطر أن يرحل عنها .... عندما تعرض إلى منع قسري من الامتداد في المكان ، وتصبح القدس ذاكرة مفقودة مجسدة فى شخصية المسافر فى روايات جبرا ,بداية برواية "صيادون فى شارع ضيق"عام 1960 م , و "السفينة" 1969 , وصولا إلى "البحث عن وليد مسعود "1978 م ثم "الغرف الأخرى " 1986 م.

"وتزخر أعمال جبرا بالافكار والتحليلات التى تتكلم عن الذاكرة وقد كان رائدا فى هذا المجال ، ووضعه ككاتب فلسطينى عانى من أرزاء النكبة ، دفعه إلى تحريض ذاكرته الفلسطينية ليثبت هويته..أن ذاكرة الزمان والمكان فى الأدب الفلسيطينى هى ظاهرة لافتة مرتبطة باستحضار التاريخ الفلسطينى الذى تحاول اسرائيل طمسه".9

إن "جميل فران" بطل "صيادون فى شارع ضيق" يسافر عام 1949 م إلى بغداد ,ليعمل فى التدريس وهو إذ يرحل ,فهو يرحل مثقلا بجرحين , جرح القدس , وجرح قصة حبه ,وهو يتألم قائلا : "ماعدت استطيع أن أذكر ملامح أية مدينة فى العالم ,سوى مدينة واحدة , مدينة واحدة أذكرها , أذكرها طيلة الوقت . تركت جزءا من حياتى مدفونا تحت أنقاضها , تحت أشجارها المجروحة , وسقوفها المهدمة ".10

أنها رغبة قوية فى العودة إلى القدس , لتصبح القدس حلما يشير أليه أبطال رواية "السفينة" ويدورون طوال الرواية على متنها ، أملا فى تحقيق هذا الحلم وبينهم "وديع عساف "غارقا فى ذكريات طفولته فى القدس وحبه الأول لابنة العطار.

إن رواية "السفينة" رواية عابقة بالذكريات ، فهاهو وديع عساف يتذكر القدس ، أجمل مدن الدنيا ، القدس أجمل مدينة فى الدنيا على الإطلاق بيوتها كالقلاع تعلو وتنخفض مع الطرق الصاعدة النازله كأنها جواهرة منثورة على ثوب الله

( 18) .يتذكر ثلاثين سنه أمضاها فيها ، ومن ثم فصل عنها ، يقول : " لعنة واحدة هى أوجع اللعنات: لعنة الغربة عن أرضك .. سل الفلسطينى .. سل الفلاح الذى يذكر تجرح قدميه على تلك الأرض كأنه يذكر لذة حياته الوحيدة ، كأنه يقول إن حياته بعد عن أبعد عن أرضه ما عادت حياة.. (23).

ويرى وديع عساف أن رحلته على متن تلك السفينة المتجهة من بيروت إلى نابولى ، هى رحلة فى " بحر فلسطين " ، بحر يافا وحيفا وبحر هضاب القدس الغربية وقراها (23) ، ويتذكر وديع عساف حرب 1948 ومقتل صديق صباه فايز الذى " انطبقت شفتاه على خيط من الدم يسيل من زاوية الفم ، وبقيت العينان تحدقان فى أسوار القدس كحجرين متلألئين" (67).

ولا تخلو السفينة من اعتبارات هامة تتعلق بالزمن .فها هو وديع عساف الفلسيطنى التائه والمهزوم يقول : أن الليالى قد تأتنى بذكريات من القدس ، فأحزن وأغضب وأبكى. كنت مرة فى فندق الشام عندما فوجئت بمثل هذه الذكريات ، فبكيت (18)

إن وديع عساف يعيش الألم والجرح عبر لهفه وشوقه إلى مدينته الهارب دوما نحوها رغم فقده لها , فى حين يهرب(عصام السلمان) إلى مدينة بغداد رغم توفره فيها ووجودها لديه ...القدس عند وديع عساف أرض ودم ...ففيها فقد صديقه فايز مضرجا بدمائه ، ولها يصر أن يصطحب حبيبته مها بعد الزواج...لقد كان الأمل و الحلم متوفرا عند جبرا ابر هيم جبرا (وديع عساف)، لذلك كانت القدس كمدينة ما تزال قائمة فى وجدانه وعقله...ويتجول فى سفينته من ميناء إلى ميناء إلى القدس وكأنها مازالت له ويستطيع العودة إليها متي شاء ورغم استحالة ذلك فى الواقع إلا إن قوة الأمل وتوهج الحلم جعلت المستحيل ممكنا ولذا يقسم وديع عساف أنه سيعود الى القدس " بشكل ما ، غازيا ، أو متلصصا ، أو قاتلا، حتى لو مقتولا على صخرة" 11

وتتطور أحلام جبرا بالعودة ، فيكتب روايته "البحث عن وليد مسعود 1978م،ويعود به إلى القدس بالفعل ، لايعود به بشخصه ، بل يسجل ذكرياته على شريط و يختفي ، و كأنه بذلك يمنح كل معارفه و أصدقائه الفرصة ليعودوا إلى القدس من خلال استماعهم إلى الشريط ، ليستعيدوا روح صباهم عن طريق حكايات القدس القديمة.

ويدخلنا جبرا فى رواية البحث عن وليد مسعود إلى متاهة الزمن ومتاهة البشر فى آن .فكل الشخوص يبحثون عن ذكريات تتعلق بوليد مسعود ، وكلهم يحاول أن يجرى مطابقة بين ما سمعه فى الشريط الذى سجله وليد بصوته قبل أن يختفى ، وبين ما عرفه أو خبره عن وليد خلال نصف قرن من الزمان ، وعند تشغيل الشريط الذى يسمعه جميع شخوص الرواية تقريبا ، يراقب د.جواد حسنى وقع كلمات وليد على الحاضرين لا سيما على السيدات .فوصال رؤوف " سقط فكها وعيناها اتسعتا بشكل غريب"(25) وما كدا الشريط ينتهى حتى لاحظت أن السيدات كلهن يشهقن بالبكاء وجعلن يجففن عيونهن وأنوفهن بالمناديل" (34).

وتطابق الذكريات بالوقائع وبكلمات وليد " والشريط المسجل هو متاهة يتلمس د.جواد حسنى طريقه فيها .

وتبدأ الفترة الزمنية التى تخطى أحداث الرواية من نهايتها ، أى من نهاية نصف قرن ثم يعيدنا البحث إلى فترات مشتتة ومتشظية منه ، والقصد من ذلك هو كسر عمودية الزمن بأبعاده الرقمية والرياضية ، فيبدو الزمن مبعثرا فى فصول الرواية الأثنى عشر ، فى الفصل الرابع مثلا ، يعيدنا إلى طفولة وليد وتجربته النسكية بنما الفصلان الأول والثاني عشر هما متقاربان زمانيا :اختفاء وليد ومصير البحث عنه وعن الباحثين عنه ، والرواية كلها هى أيضا استذكار للمكان: أجراس الكنائس فى بيت لحم ، حشود اللاجئين بعد النكبة إلى القدس والمدن الفلسطينية الأخرى ، حارات بيت لحم التى كان يمشى فيها عارى القدمين.وفى الرحلة التى قام بها وليد مع مريم الصفار، تمر أمامنا حارات القدس ومعالمها : باب العمود ، الطور ، جبل الزيتون .. ثم تتجه السيارة نحو بيت لحم ، وبعدها تتلولب حتى تصل إلى بيت جالا ، وتجود ذاكرة وليد ، فإذا القدس صخرة أبدية ومدينة سحرية " أعماقها أزمان الحضارات والتواريخ كلها ، أختفيت فيها واختفت في "(232)، وتعلق مريم قائلة : " آه ، تلك الصخرة ! ست سنوات او أكثر قد مرت وهى ما تزال أمام عيني ، رمزا مغريا بالانزلاق إلى طاويا الذاكرة وشوا رد الوهم (235) .

إن روايتي "السفينة" و" البحث عن وليد مسعود " و من قبلهما "صيادون فى شارع ضيق " لتطرح بقوه المدينة / الرغبة / الحلم، و تتحول المدينة خلال الأعمال الثلاثة من رغبة إلى حلم يكاد يتجسد ، و معها تنتقل الذاكرة من الفقد إلى الحياة. و في الروايات الثلاث يبدو بطل جبرا إبراهيم جبرا بشكل كبير _ رمزا للمثقف الفلسطينى المؤمن بقوة الفكر وتثويره _ في مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني- ، لذا ، فإن المثير المكاني يتجسد مغلفا بيعد أيدولوجى إلي حد كبير. و فى أفق سياسى مغاير ، و فى ظل ظروف شديدة الوطأة تصل إليها قضية النضال الفلسطينى، يكون الحنين قد أتعب المبدع و عدت قتامة السياق المحيط على بريق الحلم ، فيكتب جبرا إبراهيم جيرا روايته " الغرف الأخرى " عام 1986 ، و بعد أن كان بطله " وليد مسعود ، هو الرمز الذى يحمل عبق الوطن و القنطرة التى يعبرها الآخرون ليصلوا الى مدينتهم ، يكتب فى " الغرف الأخرى" عن بطل فقد هويته و تاه فى مكان لا يعرفه حتى اسمه لا نصل إليه !!

2- روايات محمود شقير وديما السمان وعزام أبو السعود :

و من جبرا إبراهيم جبرا إلى الروائي " محمود شقير" وروايته :"ظل أخر للمدينة" عام 1998، و التي تحدث فيها عن ذكرياته مع أماكن فى القدس ، قبل أن ينفى عنها ، و عن محاولاته لاسترجاعها عند عودته ، لكنه يكتشف أن اليهود أبادوا جغرافية ذكرياته المكانية ، لكنه ظل محتفظا بها فى قلبه " تلك المدينة التي نادتنى ذات فجر بعيد ، فبقيت مشدودا إليها كأنها أمي التي ولدتني"

لقد استلهم محمود شقير نصة الروانى "نهاية ظل أخر للمدينة "من الشاعر محمود درويش عندما استحدث زاوية "ذاكرة المكان "بمجلة الكرمل التى كان يرسل تحريرها فيقول عن بداية الفكرة : " اقترح على الشاعر محمود درويش أن اكتب عن ذاكرة مكان بالقدس ، فكتبت لمجلة الكرمل ،ثم توسعت فى الكتابة لتكون كتابا اعتبره سيرة مكان أكثر منه رواية خصوصا أن معظم الأماكن التي تحدثت عنها بالرواية قد تغيرت بفعل التهويد الإسرائيلي لها 12

و من الاتكاء على الجغرافيا وسيرة المكان عند محمود شقير إلى الاتكاء على التاريخ عند كل من : ديما السمان و عزام أبو السعود ،الأولى في رواية " برج اللقلق " عام 2005 م و الثانى فى كل من : رواية " صبرى " 2008م و حمام " العين "2009م" و رغم بقاء كل من ديما السمان و عزام أبو السعود فى مدينتها فى القدس إلا أنهما افتقدا حقيقتها و تاريخها العربي ، مما دفعهما لاستلهام التاريخ فى أعمالهما "الزمكانية" ، و ذلك إثباتا لعروبة المدينة .

و رواية "برج اللقلق" تدور أحداثها في القدس القديمة ، فى تلك المنطقة المرتفعة المسماة بهذا الاسم و التى تشرف على المسجد الأقصى.

و يمتد زمن الرواية من أواخر العهد العثمانى حتى نهاية القرن العشرين ، من خلال عائلة "آل عبد الجبار " التى تقطن باب اللقلق تلك المنطقة الحافلة بالذكريات وتمزج الكاتبة الخاص بالعام فى بناء الرواية و تحكى عن بيت جدها حيث عاشت هناك تصفه بأنه "كان بيت موغلا فى القدم، لها باحة واسعة تتوسط عددا من الغرف ، فيها نافورة حول تنك زرعت بالزهور ، و بجانب البيت جاكوره بها قبر الشيخ على أحد فرسان صلاح الدين الأيوبى و الذى استشهد على أسوار القدس "،و تسرد الراوية قصه عبد الجبار منذ كان سيد قومه إلى أن صار عتالا بعد ان ضاق به الحال ، و تتوقف الكاتبة مليا عند المجاعة التى أطلق عليها و قتلها " السفر برلك" و أصابت بلاد الشام ، متخذة من القدس و أسواقها مثالا حيا على ذلك ، و تجمل الكاتبة التفاصيل الخاصة بحكاية الاحتلال الانجليزي لفلسطين في إطار سردي و وصفى ينساب سهولة وسلاسة.

وتحكى السمان أن ما دفعها لكتابة الرواية هو إيمانها بأن دور الأدب هو الدخول على حياة الناس و تسجيل قصصهم و معاناتهم و تصوير حياتهم اليومية ليكون بديلا إنسانيا عن التاريخ المليء بالارقام و الصور و الحوادث ، مضيفة سببا آخر قائلة :

"إن دافعي للكتابة كان لقربى من أبطال الرواية ، فهم عائلتي و أهلى ، ففى كل بيت بالقدس قصة إنسانية يصعب على التاريخ ذكرها بينما تتجسد بأبهى صورها في الرواية" 13

وفى المنطقة التاريخية نفسها جاءت رواية (( صبري )) للكاتب المقدس عزام أبو السعود عام 2008 م بعالم مشابه عن القدس في فتره الانتداب البريطاني و الهجرات الصهيونية ما بين عامي 1914 و 1929 م وطرحت الرواية عادات و تقاليد و مستجدات القدس آنذاك مثل انتشار الفقر في أواخر العهد العثماني ، و توزيع تكايا القدس لحساء الفريك مجانا على المحتاجين أثناء المجاعة الشهيرة

أما صبري فهو ذلك الشاب المقدسى الذى درس الحقوق فى انجلترا والذى يعد واحدا من أوائل العرب الذين درسوا بانجلترا حيث كان الاتجاه للدراسة فى استانبول.

تحكى الرواية عن مراحل حياته منذ بلوغه وحتى تفرغه للمحاماة وتعلقة برجال المقاومة والنبلاء.

لقد قدم أبو السعود الحكاية التاريخية على خلفية المدينة العتيقة التى استقى أخبارها من كبار السن ومن خلال أحاديثهم عن أحداث تلك الفترة من الزمن ،فجاءت المدينة تحكى عن العادات متطرقة أيضا إلى المجاعة " السفربرلك" ، ولم يغفل الروائي المقدسي مرحلة سقوط القدس بيد الانجليز واندلاع مظاهرات عام 1921م وكذلك زلزال عام 1927م . 14

أما رواية " حمام العين " التى أصدرها الكاتب فى حزيران (يونيو) 2009م فهى تعتبر الجزء الثانى من رواية " صبرى " وتأتى وصية الكاتب لأحفاده من خلال إهدائه الرواية لهم ، ليحفظوا القدس تاريخا وحضارة عربية راسخة إلى الأبد ، بينما كان إهداء الجزء الأول ( صبرى ) إلى ابنته (لانا) للأسباب والأهداف نفسها ، ولينقلوا ذلك إلى أبنائهم وأحفادهم من بعد ، تماما مثلما نقل هو عن الآباء والأجداد. وإذا كانت رواية "صبرى" قد أرخت للفترة من 1914 إلى 1929م ،فإن رواية "حمام العين" أرخت للفترة من 1932 إلى 1937م.

وقد سمى الكاتب روايته ب"حمام العين" نسبة لذلك الحمام الذى كان معروفآ فى طريقة الواد قرب المسجد الأقصى في القدس ، واختيار الكاتب له اسما وعنوانا لروايته - هو من قبيل التذكير بمعلم من معالم المدينة وأثرا عريقا من آثارها بما لذلك من مغزى ودلالة وإن كان ذلك الحمام غير موجود الآن .

ويلاحظ الناقد جميل سلحوت "أن أشخاص هذه الرواية وأبطالها وأمكنتها لم تتغير عن تلك التي وردت في رواية "صبري" وإن امتد المكان ليتخطى القدس وخربة مبروك (المتخيلة) فى الرواية ، على الرغم من تركيز الآحدث فيهما ، وبصورة أكبر خربة مبروك".15

فى الخربة كان الصراع على الأرض ، وكانت المقاومة ، حيث سقط أبو محمود (عبد الغفار) شهيدا ، وانطلق ابنه (على) مقاومآ مع الشيخ عز الدين القسام واستمر ذلك حتى نهاية الرواية ، كما أن شقيقه (محمود) تعرض للاعتقال أكثر من مرة ، وتم هدم بيت الأسرة واعتقال وجيه القرية (أبو مصطفى)والعديد من رجالاتها وتم الاستيلاء على أجزاء من أراضيها بحجة أنها أملاك دولة ،بعد أن رفضوا بيعها لليهود .

وفى الرواية تبرز حقيقة تاريخية وهو الدور القيادي في المقاومة المسلحة للشيخ عز الدين القسام، والتفاف أبناء الريف حوله وذلك الدور القيادى السياسى لأبناء العائلات المقدسية الشهيرة كعائلة الحسينى والنشاشيبى والخالدى وعائلة عبد الهادى فى نابلس .

كما أشار الكاتب إلى الصراع الذي كان قائما بين هذه العائلات تنافسا على الريادة والوجاهة .

و أوضحت الرواية صورة أخري من صور المقاومة هى مقاومة عائلة الدكتور فؤاد للاحتلال بالفكر و الثقافة عن طريق المراسلات وإقامة الندوات والتئام الحلقات التي يجتمع فيها مع أبناء شعبه وكيف خطا الابن نفس خطوات أبيه في هذا السبيل .

وفى ندوة "اليوم السابع" الأسبوعية الدورية التى استضافت الأديب عزام أبو السعود فى المسرح الوطنى الفلسطينى فى القدس ،وفى معرض مناقشة الرواية ، أشارت "لينا الخولانى" إلى أن الكاتب وضع حلقة وصل بين العائلة المقدسة وعائلة مبروك وتمثل ذلك فى "حمام العين" ،تنبيها على أهمية وحيوية تواصل القري والمدن الأخرى مع القدس" .16

يتضح من خلال عرضنا للروايات المقدسية السالفة الثلاث ، برج اللقلق لديما السمان و (صبرى) و (حمام العين) لعزام أبو السعواد ، كيف تجلى التاريخ زمنا وانتصبت الجغرافيا مدنا وقرى ، شوارع وحارات ، وتم حضور الإنسان الفلسطيني فى قلبهما ،حضورا حيآ فاعلآ كما لا نعدم أيضا أبعادا انثروبولوجية خاصة في الروايتين الأوليين إحياء وتأصيلا .

وهذا الحضور بكل أبعاده وذلك الاستدعاء للجغرافيا والتاريخ (الزمكانية) لا يمكن أن يكون أمرا مجانيا خاصة حين يتم فى فترة نعيشها الآن هى من أشد فترات تاريخنا الحديث والمعاصر وطأة ، سواء على الشعب الفلسطينى أو القدس التي تتعرض بصورة يومية منظمة وممنهجة لحملات شرسة مستعرة من التشوية والاستيطان والتهويد ، ضف إلى ذلك أن أفق القضية يبدو أشد قتامة على مستوى الحل السياسي وعقد مفاوضات جادة وصولا لحل الدولتين.

3- رواية سحر خليفة "صورة وأيقونة وعهد قديم" :

وننتقل من التجارب الروائية المقدسية ( مكانا وكتابا) إلى رواية مقدسية أخرى لا نستطيع بأي حال أن تتجاهلها خاصة وأنها ذات أبعاد ورؤى مغايرة ومن كاتبة من خارج القدس ، و أقصد بها رواية (صورة وأيقونة وعهد قديم) للأديبة الفلسطينية سحر خلفية والصادرة عام 2002م .

تقول الروائية الفلسطينية سحر خليفة :

"كتاباتي كلها عن نابلس ، مسقط رأسي .. حتى حينما كتبت عن القدس في روايتي (صورة وأيقونة وعهد قديم) ، فإن أوصاف البلدة القديمة فى القدس تكاد تكون صورة مكبرة عما أعتدت عليه في بلدي" . 17

وروت سحر خيلفة في رواية "الميراث" عام 1997م "عن البيك ابن القدس ، الذي جاب العالم ، بحثا عن المجد والتجارب ، فوجد فى نهاية الأمر أن القدس هى الأروع" ،لذا لم يكن غريبا ارتباط خلفية بالقدس وهى المولدة فى نابلس ،لأنها ترثو نابلس من خلال رثائها للقدس .

ولم تكن سحر خليفة في ذلك بدعا بين روائيي فلسطين ، فالقدس كانت دائما القاسم المشترك بين جل روائيي فلسطين وكانت دائما الرمز والمركز والمثابة .

ورواية "صورة وأيقونة وعهد قديم" ، تتأمل ماضي القدس عربيا و إسلاميا ومسيحيا ، وحاضرها الذي تتآكل منه هذه الصفات تدريجيا فتضيع الصورة وتسرق الإيقونة ، ولا يبقى في المشهد سوى العهد القديم الذي يحاول مدعى وكالته اليوم - إعادة كتابة تاريخ المدينة ، وسيادة روايتهم عنها فقط ، وعبر ذلك تضيع صورة المدينة وأيقونتها تدريجيا ، مما ينذر بضياع كامل ليس بعيدا .

إن القدس منذ البداية تتخذ شكل (الصورة) المعلقة فى فضاء التاريخ يقوم السارد منذ الصفحة الأولى :"القدس الآن قدس أخرى ،لكن القدس كانت مريم ،أو أن القدس وذاكرتي وحبي الأول كان التاريخ وإنا في الحاضر ابن اليوم ، لا لى حاضر ولا لي قديم ولا لي تاريخ ". 18

وعلى هذا النحو فنحن أمام نسيج معاصر أبرز ما فيه خيطان :

"التاريخ والحاضر ، يسيران جنبا إلى جنب ويضعان زمنين مختلفين عبر قصة حب غامضة ، فتاة هربت من أشقائها وعادت إلى القدس ، وفتى هرب من أهله عاد ليلتقي بها ، غير أن الالتقاء البشرى يكون فى زمن دام ، لا يلبث أن يتحول مع تغير الزمن، وتحوله إلى فضاء متسرب من بين الأيدي والقلوب ، بل ينزع الجذور انتزاعا ، فما يحدث بالمدينة يحيل كل الأحلام إلى أضغاث ، وكل الوعى بصنع الحاضر يصبح سرابا فى هذا الفضاء الغارب ، ومهما تمنحنا الرموز فى الأسماء (إبراهيم /الغريب _مريم/القدس) ، فإن المكان يكون هو الفضاء الذى تتمدد فيه الأحلام التى سرعان ما تتخثر _مع عنف الصهيونية وأطماعها _إلى كابوس مخيف ".19

إن الرواية تسعى لبناء مدينة القدس من خلال قصة حب فاشلة /مظلومة فمريم التى هربت بحثا عن دير يأويها فى القدس يكتشف إبراهيم الذى لحق بها بعد سنوات أنه وجدها لم يجدها فى الوقت ذاته ، تماما مثل مدينة القدس لقد أنكرته ولم تتعرف عليه ،وكذلك هى مدينة القدس ، لا يعرفها زائرها ابن البلد ، الفلسطيني ، فهي تتآكل تدريجيا وتذوب وسط تاريخ يكتب لها من جديد .

إن طرفي قصة الحب الفاشلة يختفيان، ووسط ذلك تطوف الشخوص كل مناطقه وحاراتها وأبوابها وساحاتها ، ولا يحدث ذلك على سبيل التذكر أو الحنين و إنما على سبيل الرثاء كما صرحت الكاتبة ،ولكن أى رثاء ، وأية مأساة ؟

إنه الرثاء الذي يدق أجراس الخطر وينذر إنذارا شديدا ، إنه طبيعة استدعائية مختلفة للمدينة من خلال تلك الثنائيات والمفارقات بين حاضر المدينة وماضيها ، إنه سرد يبعد عن مناطق الرومانسية والحنين ويدخل بنا في مناطق آخري حيث إثارة الوعي والطرق بشده للخروج من حالات الاستلاب والعجز إلى إرادة الإصرار والفعل .. حتى المشهد الأخير في الرواية نراه مأساويا ، حيث جنود (العهد القديم) يمنعون الصلاة في المسجد الأقصى ، وعلى عتباته وجدرانه تسيل دماء الأطفال والشباب والرجال .. (فصلاة الجمعة انقلبت إلى حفلة دم)... ومن تفاصيل هذه الحفلة تصبح مدينة القدس مجرد صورة ، فتضيع أيقونتها ، ليكتب سطر فى (عهد قديم ) يحاولون جعله جديدا .

"إن علاقة الروائي الفلسطيني بالمدن الضائعة كانت دوما علاقة حب وتشبث بهذه المدن على الرغم مما شبابها من أحدث مؤلمة أو شخصيات سالبة أو وجود قوى مهمشة أو مضطهدة"20 ، وكل هذه المثالب كانت تتخفى ولكن لا تتخفى المدينة ، لاحظنا ذلك في حالة "غزة" عند عبد الكريم السبعاوى ومي الصايغ , و"أريحا ونابلس" عند رشاد أبو شاور و "سمخ وطبرية" عند يحى خلف ، و "القدس" عند جبرا إبراهيم جبرا ، و"حيفا" عند إميل حبيبى ، و"عكا" عند غسان كنفاني ،ونلاحظه أيضا عند سحر خليفة في هذه الرواية .

من هنا فمأساوية "صورة وأيقونة وعهد قديم" إنما هي المأساوية المحفزة لفعل الإصرار والتشبث والتواجد في الجغرافيا والتاريخ قبل فوات الأوان ، قبل الضياع ، وبهذا المعني فالرواية تطرح بقوة تلك القضية الحيوية ، قضية الوجود والهوية ، ولكن عبر بكائية الرثاء ، وتراجيدية المأساة .

وإذ نقف عند هذه القراءة لرواية "صورة وأيقونة وعهد قديم"و من خلال تلك النماذج التي عرضاها لرواية القدس فيما يتعلق بسؤال الوجود والهوية, نستطيع أن نخلص إلى النتائج التالية :

1- إن المكان يتحول في رواية القدس والفلسطينية بصفة عامة إلى شخصية محورية ،أي أن المكان هو العنصر الرئيسي في الرواية وكل العناصر الروائية الأخري إنما هي عناصر مساعدة للمكان (الشخصية المركزية المحورية).

2- إن السرد في الرواية الفلسطينية وفى رواية القدس بخاصة, يتحول إلى محفل واسع ومتنوع بالمشاهد والصور واللقطات و الطقوس والعادات والتقاليد.

3- غلبة صوت الراوي الطفل وذلك لغلبة الاتجاه السيري في هذه الروايات خاصة فيما يتعلق بسنوات الطفولة والذكريات .

4- غلبة رمزية المرأة للمدينة أو تجسيد علاقة الروائي بالمدينة من خلال قصص الحب تعبيرا عن الإحساس بالمدن وسطوتها على الروائي .

5- إن الكتاب المقدسيين ،الذين لا يزلون يقيمون في القدس ، اهتموا باستعادة التاريخ العربي للمدينة عبر تاريخية الرواية وذلك تأكيدا لهوية مدينتهم ، بينما كتب الكتاب المقدسيون المنفيون أعمالا دارت داخل المدينة,لعلها تنجح في منحهم شعورا بأنهم عادوا ولو عبر الخيال الروائي .

6- إن الكتاب المولودين في مدن فلسطينية أخرى كتبوا روايات دارت في القدس باعتبارها القيمة والرمز والمثابة .

7- إن المثير المكاني في رواية القدس يأتي مؤديا وظائف عدة لعل أهمها : الاستعادة ، تنشيط الذاكرة التاريخية والجغرافية ، توثيق الصور القديمة للمدينة ، تجسيد مشاعر الشوق والحنين الجارفة ، إثارة الوعي وحفز إرادة الإصرار والفعل ، وقد يغلب على بعض هذه الوظائف البعد التاريخي وبعضها البعد الجغرافي أو الثقافي والأيديولوجي أو الذاتي السيرى ،النفسي، أو الواقعي أو المتخيل وكل هذه الوظائف والأبعاد تأتي متداخلة وتهدف إلى غاية كبرى وهدف أسمى ألا وهو تأكيد الوجود وحضور الهوية .

هوامش الدراسة :

1- فخري صالح, الرواية الفلسطينية,المنفي والألم والأمل,كتاب العربي"تجارب في الإبداع العربي"صـ120,مجموعة باحثين,العدد 77,وزارة الإعلام مجلة العربي الكويت طـ 1,يوليو 2009م.


2- قاسم مسعد عليوة"قناة السويس في روايات مصرية"ورقة بحثيةصـ2,مؤتمر اتحاد الكتاب بمناسبة مرور 150 عاما علي حفر قناة السويس ,القاهرة مايو 2009 م .

3- أحمد المديني "رواية رشاد أبو شاور,عشق الأرض بدربة السرد"عن جريدة القدس العربي في 21/12/2008.

4- قاسم مسعد عليوة , مرجع سبق ذكره ًصـ3.

5- أحمد المديني, مرجع سبق ذكره.

6- أنظر في ذلك:

- د.عبد الملك مرتاض"في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد"سلسلة عالم المعرفة,العدد 240,المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب,الكويت ديسمبر1998.

- و"باستون باشلار" جماليات المكان ترجمة غالب هلسا,المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت1948م.

- و"يوري لوتمان"مشكلة المكان الفني ,تقديم وترجمة سيزا قاسم ,مجلة ألف,العدد السادس ,القاهرة ربيع 1968 .

7- أحمد أبو المطر "إعادة بناء المدن الفلسطينية روائيا "الرواية والمدينة صـ180 الجزء الأول,ملتقي القاهرة الثاني للإبداع الروائي,المجلس الأعلي للثقافة طبعة القاهرة 2008م.

8- "هيفاءسعد" القدس وذاكرة المكان,موقع القدس عاصمة الثقافة العربية 2009م,رابط الموقع:

http://www.alquds2009.org

9- "جمال شحيد" لعبة الذاكرة والتذكر فروايات جبرا إبراهيم جبرا,الرواية والتاريخ,الجزء الأول ملتقي القاهرة للإبداع الروائي المجلس الأعلى للثقافة,ط2008.

10- "ياسمين مجدي" القدس وروايات الحنين,موقع القدس عاصمة الثقافة العربية,سبق ذكره.

11- "أحمد أبو مطر"صـ169 مصدر سبق ذكره ً.

12- "قيس أبو سمرة" القدس بعيون روائية مقدسية ,موقع القدس,سبق ذكره.

13- المصدر السابق.

14- "ياسمين مجدي" استعادة القدس روائيا,موقع القدس عاصمة للثقافة العربية 2009م.

15- "جميل السلحوت" قراءة في رواية حمام العين,المصدر السابق.

16- "جميل السلحوت" رواية حمام العين في ندوة مقدسية,المصدر السابق.

17- "ياسمين مجدي"استعادة القدس روائيا,مصدر سبق ذكره.

18- "د.مصطفي عبد الغني "القدس/الفضاء الغارب,الرواية والمدينة ملتقي القاهرة للإبداع الروائي الجزء الثاني صـ 44 المجلس الأعلى للثقافة طـبعة القاهرة2008م.

19- "د.مصطفي عبد الغني"مصدر سبق ذكره.

20- "أحمد أبو مطر"صـ179 مصدر سبق ذكره.

مشاركة