الخميس، 21 أبريل، 2011

الثورة وبعض عواملها بين الرصد والاستشراف

من الحقائق المعروفة عن الفن والأدب، كليهما، أنهما بما يتمتعان به من طاقات جمالية وإمكانات إبداعية، الأقدر على الرصد الإنسانى الحى والاستشراف المُؤَمِّل المُحَلِّق فوق واقع المجتمعات الإنسانية، الغائص فى تياراتها وما يعتمل بين طيات وعيها الجماعى وشرائح طبقاتها الاجتماعية من جدل وتفاعلات تفضى بلا شك إلى أنواع من التغييرات كثيرة، وتطرح بالتالى حقائق اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة  ولعل أعمالا أدبية ومصنفات ورؤى ثقافية عدة رصدت، إبان النظام القمعى الفاسد الذى كان يحكم مصر، الكثير من ظواهر الإحباط والألم التى كان يعانيها الوطن لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، وظلت تتراكم وتتوحش حتى أوصلت الوطن إلى أنفاق مظلمة مسدودة وأوصلت المواطن، خاصة الشباب، إلى ذروة الغضب ونقطة اللاعودة التى كان لا بد ـ عندها ـ أن يحمل النظام عصاه ويرحل، تاركاً مصر للثورة الكبرى التى هبت من ميدان التحرير لتصوغ بشبابها حلم مصر الجديد وحياتها الديمقراطية الحرة القادمة، حلما وحياة تم دفع تكاليفهما مقدما من أرواح الضحايا ودماء الشهداء، لتمسح عن الملايين من أبناء هذا الشعب العظيم آلامهم ، أولئك الذين كانوا إما أسرى فى معتقلات النظام وسجونه، أو تحت مراقبة وإرهاب مقرات أمن الدولة، هذا الجهاز الأخطبوطى المرعب الذى فاق فى قمعه وبطشه أجهزة الجستابو والسافاك والشين بيت وغيرها من أجهزة الشيطان .

 
فى هذه الدراسة الموجزة، نقف أمام عملين أرهصا باندلاع ثورة   يناير وزوال دولة القمع والتنكيل والاستبداد المتمثلة فى نظام مبارك البائد وجهاز مباحث أمن الدولة الذى اعتمد عليه فيما اعتمد من أجهزة البطش والترويع  عملان صورا بحساسية فائقة وبراعة فنية عالية مشاهد دامية لمكابدات الوطن وعذابات المواطن، وقد انتخبناهما من قائمة طويله من إبداعات أديب ذى صوت حر، عارض وواجه بكتاباته قماءات النظام البائد، منتقداً إياه ومفنداً أطروحاته وفاضحاً أساليبه، وهو فى ذروة حبروته وعنفوانه، غير مبال بالسجن الذى ضمه، ولا بالمطاردات التى لاحقته، وإنما ظل ، عملاً إثر عمل، يكشف مساوئ هذا النظام، ويفضح حقيقة ممارساته القمعية، ويكشف سياسات النهب والترويع والخداع التى يقوم بتطبيقها، بغير ما شعارية أو مباشرة، ودونما إخلال بجماليات الإبداع أوشروطه؛ العملان هما  مجموعة  وتر مشدود  القصصية، ورواية  الغزالة  للأديب قاسم مسعد عليوة   وباختصار نعرض فيما يلى لشيء من هذين العملين .

مجموعة  وتر مشدود

 
تتضمن المجموعة خمسة محاور وخمس عشرة قصة موزعة عليها بالتساوى؛ و إلى المؤرقين بقضايا العدل والحرية  أهدى الكاتب مجموعته، وافتتحها بالسطر الشعري   بلادى وإن جارت على عزيزة   ، ويُفضى هذا المفتتح إلى مدخل تشكيلى يضم ثمانى لوحات تضج بالقهر وتزهو بالمقاومة؛ أما المحاور فتحمل خمسة عناوين مفعمة بالشعرية والشجن، وتعزف ـ كما هو واضح من العنوان العام ـ هى والقصص التى تحتوتيها، على وتر الوطن المتوتر جراحاً وآلاماً، وهى مرتبة كالآتي
يا من تبغى حز الوتر   ويلك   أرعشت النغم
غبار كثيف يروم النعاس على أهداب الوتر
أيهذا الوتر   لا تدمينا حشرجة وأنينا
ثلاث حكايات عن نزيفك يا وتر
عصف الريح؟   لا   هزيم الوتر

القضايا ذات الطابع السياسى والأمنى، هى الشغل الشاغل لهذه المجموعة، من الصفحة الأولى فيهاحتى الصفحة الأخيرة، حيث تتحرك الشخصيات وتقع أحداث قصصها جميعاً فى أجواء قانون الطوارئ المفعمة بروائح الفساد واضطراب القيم وشيوع المطاردات والاعتقالات، وحيث التعذيب يصقل الإرادة بينما يفرز الاستبداد سموم الطوباوية والزيف والاجتراء والتسويف والتبرير؛ والحرية فى جميع قصص المجموعة ليست مجرد هاجس يداعب مخيلات الأفراد، وإنما هى هدف مجتمعى رئيس، هدف لا يفرق بين المضمونى والشكلى، المنطقى والجمالى؛ فهى كما تقدمها القصص مقوم حياتى وشرط من شروط إنسانية الإنسان
 
وتسعى المجموعة، إذ تتعامل مع القارئ، إلى تحريك ذهنه وتفكيره وإثارة حسه ووجدانه، وتتوجه بصفة خاصة إلى المواطن العادي، لذا فإن رؤيتها الفنية تتسم بالبساطة وشيوع روح السخرية؛ ومما يعكس حرص الكاتب على الوصول إلى وجدان القارئ العادي، أنه توسل فى عدد من قصصها ببعض اللهجات العامية .

ليس من الميسور أن يصور الكاتب، فى مجموعة كهذه، مشاهد الترويع وألوان التعذيب النفسى والجسدى التى كانت تتعامل بها أجهزة الدولة القمعية مع المواطنين والمثقفين سواء داخل السجون والمعتقلات أو خارجها، دون الوقوع فى براثن الخطابية والمباشرة، حتى عُدَّت العلاقة بين الفنى الجمالى وهذه النوعية من الكتابات السردية واحدة من أعقد المعادلات يخفق كتابها فى حلها، لكن قاسماً، تمكن من إيجاد الحل السليم لها، وقدم مجموعة قصصية ذات حس إنسانى رهيف، خالية من الزعيق ومن المباشرة ومن الشعار، ومع هذا فهى تحض وتحرض وتتبنى القيِّم النبيل من المعانى، وتحارب كل ما هو سلطوى شائه وقبيح .

فى قصة  نشيد الفقراء ، يستشعر بطلها الاختناق والحصار جراء مطاردة مخبر أمن الدولة له ليل نهار؛ وتنتهى بهما إحدى هذه المطاردات الصامتة إلى مقهى من المقاهي   يحتل المخبر المنضدة المجاورة، فيقترب منه بطل القصة موجها إليه الحديث   قل لهم أن يغيروك فقد حفظتك     المجموعة ص      وتضجر إحدى بطلاته من إلحاح بصاصى الحكومة فى مراقبتها وكأنها مجرمة مشبوهة وتتعجب من وجودهم فى كل مكان حتى فى  المرآة  و  دورة المياه     المجموعة صـ     وبعض من هذه المطاردات يأخذ طابع العنف والاعتداء الجسدى المبرح، خاصة حين تتهيأ الفرصة لذلك، كأن تكون المطاردة فى شوارع جانبية ضيقة أو مظلمة، حيث يجد بطل القصة نفسه وقد حوصر بمجموعة من المخبرين يوسعونه لكما وضربا ويلقون به فى مياه المجاري، فى هذا الشارع  المعتم إلا من التماعات النجوم على طفح المجاري     المجموعة ص      والجُمل فى االمشهد السردى الأخير خاطفة، مركزة، مفعمة بالدلالات، فهناك التماعات النجوم وطفح المجاري، وهذا التقابل يوازيه مشهد المواطن المعتدى عليه والحكومة الباغية، ويتضمن أيضا ما طفحت به البلد من نتن وعفونة وإهمال حتى بلغ السيل الزبى؛ ولما كان المواطن فى بلده محاصرا هكذا، نفسيا وبدنيا، كان لا بد لتحركاته ولقاءاته أن تتم بحرص وحذر شديدين، بعيدا عن عيون بصاصى الحكومة   عبر الكاتب عن هذا الحرص وذلك الحذر بالمشهد الآتي :

 
نظر إلى الفاترينة وقال      اعتقلوا خمسة
ناولته مسودة المنشور      هجموا عليهم فى الفجر
رفعت حاجبى لامرأة عابرة      فى بيوتهم

نظرت لمانيكان المرأة الصلعاء وثوبها الشفاف     مطلوب منك صياغة منشور جديد   أنصرف  شدتنى قائمة الأسعار   كانت غالية   غالية جدا     المجموعة ص     

وهكذا دون زوائد أو تفصيلات أوجز مشهد الأقصوصة المناخ العام الذى كان يسود البلاد تحت ظرف سياسى واقتصادى شديد الوطأة، تناوله الكاتب بالضمير السارد   أنا   حيث تعبر الذات عن مكنوناتها وما تعانيه من أسباب القهر ومظاهر القمع  .

 
وفى قصة       يعرض قاسم لتأثبرات المطاردة والحصار والاعتقالات المتكررة والتحقيقات الدائمة على حياة مناضل يسارى وعلاقاته مع نفسه وأسرته ومجتمعه، ومع أنه عرض ساخر فإنه يثير السخط على ممارسات النظام المستبد وآلته الغشوم، التى حركها تجاهه جهازه المباحثى لمّا أبدى رأيه فى الزعيم وقال إنه يميل ميلاً واضحاً إلى اليمين، أو حينما انتقد اليمين السياسى، أو حلم وهو نائم بإمكانية التغيير، ويا لها من حج متهافته تلك التى يواجهه بها النظام، فإذا كان الشخص يأكل ياليمين، ويشرب باليمين، ويكتب باليمين والسطور تبدأ عند الكتابة من اليمين، وإذا حلف الإنسان يحلف باليمين، والمرور فى الشوارع من اليمين، والتحية باليمين وضرب النار باليمين، ودخول الجوامع باليمين، واليد الجامدة اليمين فلماذا يحارب البطل اليمين؟    صـ      وذات تحقيق يسأله المحقق عن السبب فى عدم مصافحته الناس فيرد عليه البطل المطارد وقد ظن أنه عثر بهذه الإجابة على طوق النجاة النجاة   كانت دراعى اليمين مكسورة ، لكن هيهات فسرعان ما يباغته المحقق بالاتهام الجاهز  كسرتها متعمداً، لذا أنت متهم بإحداث سقم بنفسك بقصد استغلاله استغلالاً سيئاً ضد نظام الحكم    ص ص          وتظل ممارسات النظام على ذات الوتيرة إلى أن يلفظ المطارَد أنفاسه  من فرط الإعياء والخوف والاختناق النفسى، لكنه مع كل هذا يلفظها دون أن يفرط فى يساريته
وما أشبه اليوم بالبارحة، ففى قصة فتق إربى صوَّر قاسم الكيفية التى دأبت عليها الشرطة عند قيامها بفض أى اعتصام، قثمة اعتصام قام به العمال داخل أسوار أحد المصانع يشارك فيه أبو البطلة التى قادت حبيبها معها فى محاولة لإنقاذ أبيها الذى يعانى من فتق إربى وسكر الدم، وثمة ممارسات باطشة تبديها قوات الشرطة لفض الاعتصام مستخدمة البولدرات والعربات المصفحة والهراوات والقنابل الدخانية والمسيلة للدموع وطلقات الرصاص الرصاص الحى، غير مبالية بتاثيرات هذه الممارسات على المعتصمين داخل المصنع والسكان المحيطين بدائرته    ص ص           

ويبدو فى قصص المجموعة الحضور الطاغى لوعى الشخصية متداخلا مع خط الحوار الموازى باعتبارهما مكونين أصيلين من مكونات السرد فى هذه النوعية من القصص؛ أما ما يحدث داخل أقبية المعتقلات وغياهب سجون السلطة، فحدث ولا حرج   ألوان من السادية والإيذاء الوحشى وتفانين فى التعذيب وهتك الأعراض وصنوف من المهانة والإذلال التى يسلك بها مستخدموها من أعضاء جهاز أمن النظام الحاكم كل دروب الاستلاب الجسدى والنفسي، نراها ونستشعرها ونعيش مآسيها فى أقاصيص مثل   السبب ،  ليلى ،  القصور ،  مشاهد من حالة يقال إنها خاصة جدا ،  حكاية تروى ،  حكاية العم شعلان ، و        وجميعها قصص تقاوم البطش والقهر، وتواجه القمع الشُرَطى، والعسف المباحثى،وإذ ترهص لسقوط دولة مباحث أمن الدولة، تؤمن فى الوقت ذاته بقدرة الإنسان المصرى على بلوغ الذرى التى يبتغيها   ذرى العدالة والحرية 


رواية  الغزالة

صدرت هذه الرواية عن سلسلة  روايات الهلال  عدد مارس     م، أى قبل اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير بشهور عشرة، وحملت فى هذا الزمن القريب نبوءة الثورة على الطغيان، فبعد إهداء وجهه قاسم  إلى من يبحثون عما لا يجدون   وتصديرين خاطب بأولهما قراءه مجتمعين   ولكم فى المجاز حياة  ، وخاطب بالثانى القارئ الفرد   لا تخف من العويص   ولا تفر من الرمز ، وبعد فصل قصير بدأ بالتماس من مُريدٍ لمعلمه علَّه يوافق على اتباعه له ناشدا المعرفة والحكمة، ولأن المعلم يعرف أن اتباع أمثاله من أهل الطريقة فيه مشقة ومكابدة، فقد أشفق على المريد، ورد على التماسه بقوله  حاول؛ وكنوع من الموافقة الضمنية، قدم المعلم لمريده خرقة بالية وكأنه يهديه هدية قيمة غالية، ولمَّا دهش المريد لكثرة خروقها وهلهلتها، قال المعلم   من الخروق تنفذ، وبالهلهلة تفوز     الرواية صـ   
وكانت هذه هى أولى القطرات من منهل الحكمة

 
وإذ يبدأ مسير المعلم وتلميذه، تعن لهما غزالة، يفرح المريد الجائع كثيرا لرؤيتها وعلى الفور يطلب من معلمه أن يذبحاها ويأكلاها، فما كان من المعلم إلا أن نهره وتأسف للغزالة بقوله   غرير هو ما يزال، فلا تأبهى له     الرواية صـ     وبالرغم من ظهور الغزالة لكليهما مرات معدودات عبر أحداث الرواية، إلا أن ظهورها القليل كان حيويا ومصاحبا لتحولات مفصلية فى مسيرة الرجلين وفى مسار الأحداث وتحولاتها، خاصة أنها كانت تظهر فى أوقات المحن ولحظات الضيق والشدة   إنها الحاضرة الغائبة   فهى رمز المدد والغوث، وعلامة على الفرج واليسر بعد الشدة والعسر   إنها ثمرة المكابدة والمجاهدة
وتحين بعد هذه التقدمة أولى سياحات المعلم والمريد بمدينة  اللذة والانبساط ، واحتاج الولوج إليها النفاذ عبر إجراءات أمن مشددة، ليحصلا من آمر البوابة على ترخيص بالمكوث فيها لأربع وعشرين ساعة فقط، أى أنه دخول لتجوال تعقبه مغادرة؛ لتبدأ مع دخولهما إسقاطات الكاتب الواقعية، وليبين أنه إنما ينظر بعين راصدة ناقدة إلى مواجع الواقع وأزماته العضال، بدءاً من فوضى الشوارع والميادين وازدحامها غير المألوف، وليس انتهاءً باعتقال الرجلين بتهمة ازدراء حاكم المدينة  الجليل ، مروراً بالقوادين والسماسرة والمرتشين والمسفسطين والقساة والقتلة والجهلة، والباحثين عن الوجاهة، وأهل الكلام لا الفعل، وبطانة السوء، ومشاهد قمع المحتجين والمضربين، ثم تجمُّع الآلاف فى الميادين للاستماع إلى خطاب  الجليل  الذى جاء مزدحما بالتبرير، حاشدا للأمانى الكذوب، مفعما بالوعود التى لا تتحقق    

 
ولا يتعرض قاسم لهذه النماذج بوصفها نماذج فردية وإنما باعتبارها جزيئات متلاحمة مع بعضها البعض ضمن الكيان المدينى الكلى، ونظام حكمها، لاسيما أنه اختزل فى هذه المدينة مصر كلها، بل اختزل كل دولة عربية ظلم حكامها أهلها  هى دولة المظالم والمفاسد، الدولة المتعطشة للعلم والثقافة والعدل والأمن والحرية، المحتقنة غيظاً وغلاً وكمداً
 
قدم قاسم دولة متفجرة بالغضب وحبلى بالثورة  قادتنا الضوضاء وزرافات المهرولين إلى ميدان فسيح مكتظ بالناس والجنود، وكان الناس يجأرون بهتافات تندد بالحاكم وأساليب الحكم، ومنهم نساء رفعن أرغفة الخبز فوق رؤوسهن، ونساء حُملن فوق كواهل نساء، وفتيان وشيوخ قبضوا أكفهم ولوحوا بها منذرين وفوقهم رفرفت رايات ونُشرت لافتات مكتوب عليها عبارات وشعارات تطالب بإقصاء الحاكم ومن يشاركونه، من رجال ونساء، عن سدة الحكم، وكانت ثمة حوائل من أسلاك وقواطع ومتاريس تسد عدداً من المداخل والمخارج؛ وفى الطرف تراصت صفوف الجنود القابضين على أعنة الكلاب والهروات والبنادق المزودة بكؤوس إطلاق القنابل وغير المزودة   صـ      

أليس هذا هو وصف ميدان التحرير وكل الميادين المصرية يوم الثلاثاء    يناير وجمعة الغضب يوم    يناير وما بينهما من أيام؟   إنه الإرهاص، وإنها النبوءة   فى وضع كهذا يعمد المُعلم إلى تبصير الجماهير، ويميط عن الزيف لثامه ، ويهتك عن الفساد حجابه  بوركت من شعب لا يُفرط فى حقه ويحرص على محاسبة حكامه   صـ      وما هى إلا لحيظة حتى   ماج الميدان بتلاطمات الأجساد والمعادن ونهشات الكلاب وضربات الهراوات؛ ومن جوف الميدان وفى سمائه فرقعت رصاصات وتصاعدت أدخنة وظهرت عربات والتوت خراطيم مياه وقذفت أحجار وطارت مقاعد وأثاثات، وصار الناس والجنود يتساقطون والعربات تُحشر بالمجروحين ومهشمى العظام     صـ      

إنها بالضبط ممارسات نظام الحكم الباطش التى مورست تجاة ثوار التحرير وغيره من الميادين المصرية والعربية  طبيعى مع نظام باطش كهذا أن يُعتقل المعلم ومريده بلائحة طويلة من التهم والمفتريات تكفى الواحدة منها لإنفاذ حكم الإعدام فيهما
 
ـ أنتما متهمان بتحقير الجليل، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بمناوأة الحكومة، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بالحض على كراهية نظام الحكم، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بتكدير الأمن العام، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بتأليب طبقة على طبقة، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بترويج شائعات تمس سمعة أعضاء الحكومة، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بإثارة الشغب فى مجتمع المدينة، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد
ومتهمان بمقاومة السلطات، وعقوبة هذه التهمة فصل الرأس عن الجسد      ص ص             وهى هى ذات التهم الملفقة التى توجهها سلطات الحكم فى مصر والدول العربية إلى المقبوض عليهم من الثوار والمعارضين، مع تحريفات بسيطة اقتضتها جماليات السرد الفنى  

 
اعتقل الرجلان إذن  وحقق معهما ولم ينقذ رأسيهما إلا نجاح  الثورة فى خلع  الجليل  الذى لم يعد جليلاً،  ليخرجا إلى براح الصحراء حيث يلمحان الغزالة واقفة فى انتظارهما
 
من المشاهد الرمزية الدالة فى  مدينة اللذة والانبساط   التى استرعت انتباه المريد أثناء التجوال وتسترعى انتباه القارئ بقوة الآن لتشابهها إلى حد التطابق وما استخدم مع ثوار    يناير وسائر الثورات والهبات العربية
صورة  الجليل  المعلقة فى كل مكان من أرجاء المدينة  إنها هى ذاتها صورة  محمد حسنى مبارك ، و زين العابدين بن على  و على صالح  و معمر القذافى  وكل ديكتاتوريى العرب
سلمية أساليب الاحتجاج والتظاهر التى يلجأ إليها الشعب الثائر
عنف تكتيكات قوات أمن النظام الباطش وتشابه نوعياتها
جاهزية لوائح الاتهام الملفقة
 
هيئة كل من مبنى  مجلس النواب  ومبنى  المجلس الحكومي ، فقد أتى الوصف المجازى لكل منهما على لسان المريد مليئاً بالإسقاطات مفعماً بالدلالات  يقول المريد فى وصفهما   مبنى مجلس النواب قصير، مقبب، وبه شيء من ملوسة، وبابه كالشق، وهو فى مجمله يشبه الحر؛ أما مبنى المجلس الحكومى فخشن، طويل، منتصب، والحرس أسفل منه كثيف كالشعر فوق الصفن، وهو فى مجمله يشبه الإير     الرواية صـ      وهو مجاز يتسم بالجرأة والمصداقية والفرادة لا نحسب أديباً قد سبقه إليه. 

ونشير فى نهاية هذه الدراسة الموجزة إلى أن الكاتب قد عالج مساوئ الديكتاتورية والقمع وأرهص بثورة الشعب المصرى والثورات العربية فى عدد غير قليل من محاور وقصص مجموعاته التى أنتجها عبر رحلته الإبداعية، نذكر منها على سبيل المثال   الضحك       م،  تنويعات بحرية      م،  صخرة التامل      م،  حدود الاستطاعة      م،  خبرات أنثوية      م، و  وتر مشدود       م،  عربة خشبية خفيفة      م ، وجميعها يؤكد على أن الفن الأصيل هو الذى يتمتع بالحس الاستشرافى ويستلهم  جدلية التفاعلات الموارة فى المجتمعات الإنسانية، ويتنبأ ينوعيات التغيير المفضية إلى الثورة حيث تسود حقائق جديدة تماماً، وهذا ما نأمل أن تحققه ثورة25  يناير الفريدة .

مشاركة