الأحد، 9 مايو 2010

باكثير وريادة التصور الإسلامي في الرواية التاريخية

حين نرصُد تواريخَ كِتابة باكثير لرواياته التاريخيَّة نجدُ أنَّه قد كتبها في ظروفٍ سياسيَّة وأجواء إقليميَّة مضطربة مرَّت بها الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، فالفترة ما بين عام 1944م حين كتب باكثير رواية "واإسلاماه" وعام 1965م حين ألَّف رواية "الفارس الجميل" امتلأت بالوقائع المضطرِبة والحوادث الجسام وكثير من مستجدَّات الحرب والسياسة، ما أشاع في منطقتنا كثيرًا من فوضى التغيُّرات واضطرابات التحوُّلات والتحالُفات وتغيير الأنظمة وقيام الانقلابات.

وبدايةً: نستطيع القول أنَّه وحتى بعد منتصف العقد الرابع من القرن العشرين لم تكن معظم أقطارنا العربيَّة والإسلاميَّة قد حصلت بعدُ على استقلالها من الاستعمار والهيمنة الغربيَّة على أراضيها ومُقدَّراتها، وأيضًا لم يكد يمرُّ عامان بعد أنْ وضعت الحرب العالميَّة الثانية أوزارَها حتى بدَأتْ مشكلة المسلمين الأولى والأهم؛ وأعني بها مشكلة فلسطين وإعلان دولة إسرائيل.

وكأنَّ العرب والمسلمين أفاقوا فقط على إعلان الدولة! أي: إنهم منذ وعد بلفور عام 1917م وحتى عام 1948م كانوا في حالةٍ من الإهمال والاستهتار، وإذ بهم وبعد فَوات الأوان يُحرِّكون جُيوشهم نحو فلسطين لتحريرها، يُحرِّكونها في حماسٍ اندِفاعي دُون تخطيطٍ أو تنسيق، إضافةً إلى ابتِلاعهم طعم الهدنة والمفاوضات أكثَر من مرَّة، بدايةً من موجات تهجير اليهود وحتى عام إعلان الهدنة عام 1948م... وهكذا سقَطتْ فلسطين في براثن الصِّهيَوْنيَّة العالميَّة.

وأمَّا مصر حيث الأزهر أكبر مؤسَّسة إسلاميَّة، وحيث منظمة العرب الأولى جامعة الدول العربية، فقد كانت في حالةٍ يُرثَى لها سياسيًّا في ظِلِّ الاحتلال وتصارُع الأحزاب على الحكم وتدخُّل سُلطات الاحتلال أحيانًا وسُلطة القصر أحيانًا أخرى في تشكيل الوزارات وإعلانها، أَضِفْ إلى ذلك نكبة 1948م وأثرها السلبي في الشارع المصري والعربي.

وعلى المستوى الثقافي والفكري كان هنالك صِراعٌ آخَر بين العلمانيين والليبراليين من جهةٍ والتيَّارات الاشتراكية واليسارية من جهة أخرى، وكان الإخوان المسلمون يُجابِهون الفريق الأول فكريًّا وسياسيًّا في إفراطه واتِّجاهاته التغريبيَّة، ويجابهون الفريق الآخَر في تطرُّف دعواته الشموليَّة وأحيانًا الماديَّة والإلحاديَّة، ثم يدخُل القوميُّون العرب حلبة الصراع في مصر مع هُبوب رِياحهم من الشمال في سوريا ولبنان، وتصبح الساحة السياسيَّة والفكريَّة أشبه بحلبةٍ يَسُودُها اللغط والفوضى والارتباك، ولم يكنْ في الساحة مَن يملك رؤيةً للإرادة والهويَّة وبعْث الأمَّة سوى حركة الإخوان المسلمين، أضفْ إلى ذلك شعبيَّتهم في الشارع العربي والإسلامي وقوَّتهم المنظَّمة ورصيدهم في كفاح الإنجليز.


من هنا، وبعد أنْ كان الإخوان في مصر على قاب قوسين أو أدنى من الحكم في مَطلَع خمسينيَّات القرن الماضي، يُفاجأ العالم كلُّه بانقِلاب 1952م المخطَّط برعايةٍ أمريكيَّة، ويستولى العسكريون على الحكم، وتبدأ حقبة جديدة تمامًا في تاريخ المنطقة، حقبة أمريكيَّة جديدة هدفها الأساس إضعاف الإخوان ثم ضربهم، ومن ثَمَّ إزاحتهم عن الساحة السياسيَّة، وبالفعل تَمَّ الانقلاب عليهم وضربهم ضربةً قاصمة عام 1954م.

وفي مواجهة موجات التغريب والتحرُّر الليبرالي، كذلك في التصدِّي لتيَّارات المادية والإلحادية والاشتراكية، ومع انعدام الرؤية وشتات الأيديولوجيات حرص جيل من الإسلاميين أمثال: محمد فريد أبي حديد وسعيد العريان وعلي الجارم وجودة السحار وعلي أحمد باكثير - على المستوى الفكري والثقافي - أنْ يجدوا مَخرَجًا لهذه المآزق سَواء بين عالمهم الإسلامي والعدوِّ الخارجي، أو بين عالمهم الإسلامي في الداخل عن طريق طرْح الرُّؤَى والتصوُّرات الإسلاميَّة فنيًّا.

وعلى المستوى السياسي كان الإخوان وحدَهم يُواجِهون الفَوضَى الأيديولوجيَّة حتى تَمَّ ضربهم في عام 1954م، ثم مرَّة أخرى أواسط الستينيَّات وحتى هذه اللحظة.

من هنا حرص باكثير في رواياته التاريخيَّة على اختيار مواقف ومُنعَطفات مهمَّة في التاريخ الإسلامي وخاصَّة مواقف السقوط أو مُنعَطفات النهضة؛ لاستِخلاص العِبَر، وتدبُّر المثلات، وتأمُّل المصائر، وإعمال البصائر، وتجنُّب آفات الماضي، واستشراف المستقبل.

وأمَّا الروايات التاريخيَّة الإسلاميَّة التي أنجزها باكثير فهي:

واإسلاماه 1944م - سلامة القس 1944م - الثائر الأحمر 1948م - سيرة شجاع 1956م - الفارس الجميل 1965، هذا غير مسرحيَّاته الكثيرة ذات التوجُّه الإسلامي والتي ركَّز معظمها على القضيَّة الفلسطينيَّة ومواجهة اليهوديَّة المنحرفة والصِّهيَوْنيَّة العالميَّة المتوحِّشة، وقد حازَتْ رواية (واإسلاماه) على جائزة وزارة المعارف المصريَّة عام 1945م، كما تحوَّلت إلى فيلم سينمائي أخرجه الإيطالي أندرو مارتينيون، والجدير بالذِّكر أنها ترجمت إلى الإنجليزيَّة عام 2006م، وترجمتها الأستاذة ديانا بيومي.

لقد وجد باكثير وزملاؤه من كتَّاب الروايات والأعمال الفنيَّة المستندة إلى التاريخ - وجدوا فيه مساحة آمِنةً وأكثر رحابة، يستَطِيع الكاتب على أرضها أنْ يَصُول ويَجُول، دون أنْ تعترضه مخاوف أو محاذير، كذلك فإنَّ التاريخ حافلٌ بالنماذج الساطعة التي يمكن أنْ تُحتَذَى في الواقع المعيش الذي يفتَقِر إليها، وإذا كان الواقع يُعانِي الانقسام وتَحُوطه الهزائم وتُنال منه النكسات والمِحَن، فلا مفرَّ للكاتب من الهروب إلى التاريخ كي يجدوا فيه السَّلوى والتِئام الجراح، وباستعادته بمواقفه المضيئة وإحضار شُخوصه المتألِّقة على صفحة الواقع - يستيقظ الوعي وتشحذ الهمم وتُعبَّأ قُوَى الأمَّة للمواجهة واتِّخاذ زمام المبادرة، وربما تستعيدُ الأمَّة دورها الحضاري كخير أمَّةٍ أُخرِجت للناس.

تقديم موجز لرواية "واإسلاماه":

تتناوَل رواية "واإسلاماه" فترةً حرجة في تاريخ مصر والعالم الإسلامي؛ وهي فترة انتقال الحكم من الدولة الأيوبيَّة الغاربة إلى دولة المماليك الصاعدة، وكانت فترةً شديدةَ الاضطراب، كما أنها عاصَرتْ صِراعًا شديدًا بين الإسلام والغرب الصليبي من جهةٍ وغزو التتار من جهةٍ أخرى وسُقوط بغداد عاصمة الخلافة في أيديهم، ثم بعد ذلك دمشق وزحفهم إلى فلسطين استِعدادًا لغزو مصر حتى لاقاهم سُلطان مصر سيف الدين قطز وانتصر عليهم انتصارًا حاسمًا في عين جالوت بأرض فلسطين.

وتقف الرواية على سِيرة البطل المسلم سيف الدين قطز قاهر التتار، وتصور جهاده كأروع ما تكون سيرة المجاهدين.

ويُركِّز المؤلف على نجاح قطز في إدراك النصر وانتزاعه في ظُروفٍ شديدة الصعوبة وكيف استعادت الأمَّة رُوحها بفريضة الجهاد الكبرى وعبَّأت قُواها لمواجهة خطر الفناء.

إنَّ الرواية تجلو صفحة رائعة من صفحات التاريخ الإسلامي في الشرق المسلم بعامَّة وفي مصر بخاصَّة، حيث نهضت بقيادة قطز بالقسط الأوفر من هذا الجهد الكبير، فصانت وجود الأمَّة وعصَمتْ تراث الإسلام من الضَّياع في يومٍ من أمجد أيَّامها.

وتكشف الرواية أيضًا عن مرحلةٍ من مراحل الجِهاد الطويل منذ قِيام الدولة السلجوقيَّة وحتى بداية قِيام دولة المماليك في مُناهضة الهجمة الصليبيَّة الآتية من الغرب.

 كما تُقدِّم الرواية نموذجًا مشرفًا للعالِم العامِل متمثلاً في الشيخ العز بن عبدالسلام الذي نهض بمسؤوليَّاته كقيادةٍ روحيَّة للأمَّة، وكان مثلاً رائعًا في علوِّ الهمَّة، وثبات الموقف، وجُرأة الرأي، والتعالي على الصغائر والدَّنايا.

مع الرواية في تصوُّراتها وقيمها الإسلاميَّة:

أولاً: إحياء فريضة الجهاد ضرورةٌ لإحياء روح الأمَّة وصيانة وجودها:

يبدأ المؤلف مقدمة الرواية بالآية الكريمة الرابعة والعشرين من سورة التوبة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].

ويكتب مؤلفها في المقدمة:

"هذه قصَّة تجلو صفحةً رائعة من صفحات التاريخ المصري في ظلِّ عهدٍ من أخصب عهوده، وأحفلها بالحوادث الكبرى والعِبَر الجليَّة، يطلُّ منها القارئ على المجتمع الإسلامي في أهمِّ بلاده من نهر السند إلى نهر النيل، وهو يستيقظُ من سُباته الطويل على صَلِيل سيوف المغيرين عليه من تتار الشرق وصليبيِّي الغرب، فيهبُّ للكفاح والدفاع عن أنفس ما عنده من تراث الدين والدنيا.."[1].

وإذ يُركِّز الكاتب في قصته على إحياء فريضة الجهاد وحيويَّتها بالنسبة للمسلمين، فهو أيضًا يلتمس في الدِّين قضايا وموضوعات شتَّى لها حضورها القوي في حياة المسلمين ومفهوم الكاتب للدِّين يتواءم مع التصوُّر الشامل للدِّين نفسه كمنظومةٍ متكاملة، فالدِّين ليس شعائر وعبادات فحسب، وإنما هو عبادة وتربية وسلوك وأخلاق؛ لذا فإنَّا لا نعدم في الرواية إثارة الكثير من هذه الجوانب وطرح تصوُّراتها الإيجابيَّة على هُدًى من دِيننا الحنيف.

ثانيًا: تصوُّرات إسلاميَّة في مجال التربية والتعليم:

1- الحرص على تعليم الصبية والنشء مبادئ الدين:

وتمثَّل ذلك في اهتمام كلٍّ من غانم المقدسي وابن الزعيم على حُسن تنشئة قطز حين كان مولى لديهما وتعليمه لغة اللسان العربي ومبادئ الدِّين والتردُّد على المساجد للأخْذ عن المشايخ والعلماء:

"وقد تعلم من الشيخ أنَّ النعمة لا تدوم إلا بالشُّكر، فليشكر نعمة الله وأساس الشكر التقوى، وملاك التقوى الجهاد في سبيل الله: جهاد النفس بكفِّها عن الآثام، وجهاد العدوِّ بدفْعه عن بلاد الإسلام"[2].

2- التأدُّب بآداب الدِّين يعصم المرء من العُقوق والعِصيان:

وهي قضيَّة تربويَّة مهمَّة يضَعُها المؤلف أمامنا حين يرسم صورتين متناقضتين لسلوكيَّات من حياة الأول: محمود (قطز) والثاني: موسى بن غانم المقدسي.

فحياة الأوَّل بدَتْ فيها خُطواته واثقة قويَّة وغاياته واضحة ومحدَّدة بالاستقامة والاستعانة بالله والاستماع للصالحين، وأمَّا الفتى الثاني فقد أشقى حَياته وضيَّع شبابه في مُصاحبة قُرَناء السوء وإطلاق العنان لنزواته دُون رادِعٍ، فكان جبارًا، عاقًّا، شقيًّا.

"ولكنَّ موسى أخلف ظنَّ أبيه فيه فكان ميَّالاً إلى الشَّراب واللهو ومخالطة عُشَراء السُّوء من الفتيان الخُلَعاء الماجنين، وقد حاوَل أبوه أنْ يصرفه عن ذلك فما زاد إلا عتوًّا ونفورًا"؛ الرواية ص 62.

وأمَّا قطز "فقد تعلَّق قلبه بالعبادة والتقوى وتردَّد على مجالس العلم في جامِع المدينة (دمشق)، ولا سيَّما دروس الشيخ ابن عبدالسلام وكان سيده ابن الزعيم يُشجِّعه على ذلك"؛ الرواية ص72.

3- تربية النَّشء المسلم على رُوح الفروسيَّة وإعدادهم للجندية:

وتلمَس ذلك في سِيرة محمود (قطز) وهو لا يزال صبيًّا ينشأ في كنف خاله السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، فقد حرص السلطان على تَنشِئة الصبي على شيءٍ من حياة الخشونة، والتدريب على مهارات القتال والكر والفر والتحلِّي بالشجاعة والثَّبات عند اللقاء.

يسأل السلطان ابنته جهاد (جلنار) ويتأكَّد منها عن خروجه في إحدى رحلاته التدريبيَّة مجهزًا أسلحته: "ولكن خبِّريني أولاً ألم يمتَطِ محمود جواده الأشقر ولبس خوذته الفولاذيَّة ودرعه المسرَّدة، وتقلَّد سيفه ورمحه الطويل، وتنكب قوسه وحمل ترسه؟"[3].

4- أخلاق الإسلام هي خيرُ عاصمٍ للشباب:

فالتقوى والحياة يعصمان الشباب المسلم من الزَّلَلِ، ومثل هذه الأخلاق الأصلية إسلاميًّا تسمو بوجدان الإنسان وتهذب عواطفه، وتتعالى بالغرائز موجهة إياها وجهتَها الصحيحة، فلا ندم ولا خُسران.

وخيرُ مثالٍ على ذلك يضربُه في قصَّة الحب العظيمة التي نشَأت وكبرت مع كلٍّ من قطز وجلنار (محمود وجهاد)؛ حيث نمت بذرة الحب وترَعرَعتْ بين الحبيبين كشجرةٍ طيِّبة أصلها ثابت وفرعُها في السماء، وقد لعب الحياء والورَع الدورَ البارز في صِيانة شجرة الحب بين العاشقين ورِعايتها حتى جنَيَا منها خيرَ الثِّمار.

وبالحياء والوَرَع والتأدُّب بآداب الأخلاق الإسلاميَّة واجَه الحبيبان لوعة الحب ونار الشوق مُتحلين بالصبر وتحمُّل المكاره، كما كان إخلاص كلٍّ منهما للآخَر عاملاً مُهِمًّا على الثبات ونموِّ الحلم والتطلُّع صوب الغد بالتفاؤل والأمَل، ما توَّج حبهما بالزواج وكلَّل حياتهما بالسعادة.

ثالثًا: في مجال العقيدة والالتزام بمتطلباتها:

تُطلَق كلمة (العقيدة) في اللغة على ما انعَقَد عليه القلب واستمسك به وتعذَّر تحويلُه عنه، لا فرق في ذلك بين ما كان راجعًا إلى تقليدٍ أو وهْمٍ وما كان راجعًا إلى دليلٍ عقلي.

وتُستَعمَل أيضًا في اللغة بمعنى الاقتناء، يُقال: اعتقد ضيعة أو مالاً؛ أي: اقتناهما، وعقَد قلبه على الشيء: لزمه، واعتقدت كذا؛ أي: عقدت عليه القلب والضمير.

وبما أنَّ الإيمان عقدٌ واعتقادٌ بين الإنسان وربه فقد وجَب على المؤمن أنْ يكون ملتزمًا بمتطلَّبات هذا العقد الموثق وبنوده، وهي كثيرة مُتشعِّبة بكثرة مظاهر حياة الإنسان وتعدُّد مناشطها التعبُّديَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة وسائر منظومة حَياته؛ أولاً على مستوى الالتِزام الفردي، ثم على مستوى الالتزام الجمعي، ثم على مستوى الالتزام الأممي، حيث وشيجة العقيدة وآصِرة الأخوَّة الإسلاميَّة من أقوى الوشائج وأمتَنِ الأواصر الجامعة للأمَّة على صعيدٍ ومصيرٍ واحد، والقادرة على صياغة الأمَّة في صورة جسدٍ واحد إذا تداعى منه عضو انفعلت وتداعت له سائر الأعضاء قوَّة أو وهنًا، وكما ذكرنا فإنَّ القضايا والتصوُّرات التي يثيرها عقد الإيمان والاعتقاد كثيرة ومتداخلة في حياة الإنسان المسلم كبر شأنه أو صغر، وسنذكُر أهمَّ ما أثارَه المؤلِّف في رواية "واإسلاماه" من قَضايا المنظومة الإيمانيَّة العقديَّة خاصَّة في شؤون الإدارة والسياسة والحكم وقيادة الأمَّة ومنها:

1- قوَّة الاعتقاد في الله والثقة في موعوده من صحَّة الإيمان:

وتمثَّل ذلك في تبنِّي الأمير ممدود للسلطان جلال الدين ورده الحاسم على نُبوءة المنجم الذي استدعاه السلطان ليرى له طالعه قبلَ الخروج لملاقاة التتار.

لقد جزَم الأمير ممدود للسُّلطان بأنَّ "المنجمين والعرَّافين ليسوا سوى دجَّالين يدَّعون معرفةَ الغيب بما أوتوا من براعةٍ في تبيُّن أحوال مَن يستَفتِيهم وتقصِّي أسرارهم ودخائلهم"، وأنهم كذابون ولو صدقوا، ويضرب ممدود للسلطان المثَل في "واقعة عمورية" مع المعتصم العباسي، وهي الواقعة الأشهر على كذب المنجمين وتخرُّصاتهم.

2- الولاية لله ورسوله وموالاة غير المسلمين خِيانة:

وهي من أولويَّات صحَّة العقيدة وسَلامة الدِّين، وقد كان الفضاء الزماني للرواية حيث وقعت الأحداثُ فضاءً حافلاً بالفتن الشِّداد والابتلاءات العظام والحروب النفسيَّة الشَّرِسَة في الصِّراع الصَّليبي التتري ضد الإسلام من جهةٍ، وصِراع حكَّام الأقاليم والولايات الإسلامية الداخلي من جهة أخرى، بكافَّة صور هذين الصراعين وتجلِّي تداعياتهما وتناقُضاتهما كَرًّا وفَرًّا، إقدامًا وإحجامًا، ولاءً وخيانةً، مودَّة وبُغضًا - فالفترات العصيبة في حَياة الأمم والشُّعوب كفيلةٌ بصَهْرِ مَعادِن الرجال، واختبار حقيقة ولاءاتهم وقِياس مَدَى صَلابة مَواقِفهم وثَباتها أو مَدَى تخاذُلهم وضَعفهم، ومَدَى سعيهم للسُّلطة كطموحٍ لقيادة الأمَّة وصِيانة تُراثها وأمجادها أم مجرَّد سعي لمجرَّد المجد الشخصي والنُّفوذ الأسري العشائري جاهًا ووَجاهة.

ولا شكَّ أنَّ مِثلَ تلك الصِّراعات ذات الأوجُه المتعدِّدة والأبعاد الكثيرة انعَكستْ على الأمَّة في جانبيها: السلبي والإيجابي.

لقد صوَّرت الرواية مثلَ هذه الصِّراعات والمواقف المحتشدة بالنَّزعة الإنسانيَّة في عُنفوان قوَّتها ودركات ضَعفها، في طُموحها وتعاليها، وفي خورها ووهنها، فأظهرت لنا كثيرًا من الحقائق الغائبة، وجسَّدت أحداثًا طَواها النسيان، وأحيت سننًا وعظات كاد الناس حتى في زمن الرواية (التاريخي) ينسونها، فضلاً عن إهمالها وفقْد الإحساس بها في زمن باكثير نفسه إلا لدى القلَّة ممَّن رَحِمَ ربي.

في إطار هذه القضيَّة الإخلاص لله وللأمَّة، وفي نِطاق هذا المحور المهم والحيوي من محاور العقيدة وهو محور الولاء والبراء تبرُز لنا الرواية أحداثًا عجيبة ومواقف يشيب لها الولدان في فترةٍ من أشدِّ فترات المسلمين قلقًا واضطرابًا.

ومع بدايات الروايَّة يُطالِعنا السلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه بالتعبير عن غضبه وحنقه على مُلوك العرب والمسلمين ممَّا يجاورون حُدود بلاده في الشام والعراق؛ حيث حاول مِرارًا إثارة غيرتهم ونخوتهم على الدِّين واستحثَّهم لمعاونته على صدِّ التتار، ولكن ما من مجيبٍ، موقف فخرٍ كان قد تكرَّر من قبلُ مع أبيه خوارزم شاه.

ومع الأخطار المحدقة بجلال الدين وزيادة الضغط عليه ومع تخاذُل إخوانه في الدِّين عن إغاثته ونصرته، أخَذ هو الآخَر موقفًا مُتطرِّفًا وأقسم أنْ يقاتلهم قبلَ التتار وبخاصَّة الملك الأشرف، وفعلاً عاثَ جلال الدين في بلاد المسلمين في الشام فسادًا وقتلاً وإحراقًا وتنكيلاً في صورةٍ انتقاميَّة لا تقلُّ بشاعةً عمَّا كان يرتَكِبُه التتار من فظائع.


رابعًا: في مجال الإدارة والسياسة والحكم:

1- الفرقة والتناحُر من عوامل الخذلان: وفي مشاهد أخرى من مشاهد الصِّراع على السُّلطة والنُّفوذ والحكم يُطالِعنا الكاتب بسلسلةٍ طويلة من الخلافات الشديدة والصِّراعات الدامية بين مُلُوك بني أيوب الذين كانوا يحكُمون مصر والشام آنذاك، ووصَل الأمر ببعضهم حسمًا للصِّراع على الولايات أنْ يتَحالَف مع أعداء الملَّة والدِّين ضد إخوانه وبني عُمومته مثلما فعل الملك الذي كان يُلقَّب بالصالح إسماعيل ملك دمشق، وكذلك غيره من أمراء الشام والعراق.


ثم سلسلةٌ أخرى من الصِّراع والفتن الداخليَّة دارَتْ رَحاها بين مصر والشام مع بداية حُكم المماليك وصُعودهم حتى استقرَّ الأمر لسيف الدين قطز الذي تتناوَل الرواية جانبًا مُهِمًّا من سِيرته وهو دوره البطولي في هزيمة التتار.

إنَّ مثل هذه الاضطرابات والانقسامات والفتن التي مزَّقت أرحامَ الأمَّة وقطعت أوصالها وأوهنت بُنيانها، كانت من الأسباب الأكثر خُطورة في أنْ تصير الأمَّة مطمعًا سهلاً، وأنْ تسقُط ولاياتها الواحدة بعد الأخرى وبسهولةٍ في أيدي أعدائها، هذا فضلاً عمَّا في موالاة غير المسلمين وتقطيع الأرحام وترويع العباد من جُرم المسلك وفَظاعة التصرُّف في نظَر العقيدة والدِّين، وبنصوص القُرآن الكريم والأحاديث النبويَّة الصحيحة.


لقد تعرَّضت الأمَّة لهجمةٍ شرسة هدَّدت وُجودها ومسيرتها التاريخيَّة؛ صليبيَّةً من الغرب الحاقد، وتتاريَّة همجيَّة من شرقٍ جامح، ولقد كان هنالك على ضوء ما أشرنا وأجمَلْنا ظروفٌ موضوعيَّة أدَّت إلى ذلك الوضع المأساوي الخطير نُوجِزها على ضوء أحداث الرواية فيما يلي:

• حِرص حكام الولايات على الاستئثار بالسلطة والحكم.
• الصِّراع المحتدم فيما بينهم على مناطق النُّفوذ.
• التحالف مع أعداء الأمَّة من دون المؤمنين.
• الانشغال عن أحوال العباد وتأمين البلاد بصِراع السُّلطة والحكم.
• العمل بمبدأ أهل الثقة لا أهل الكَفاءة.
• تفشِّي الظُّلم والفساد بسبب جماعات المصالح وبطانة السُّوء.
• تردِّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتفشِّي البطالة والجهل.

ووقفت رواية باكثير على إبراز الكثير من مظاهر وعوامل الضعف والوهن من خِلال الأحاديث الدراميَّة وصِراع الشُّخوص من حُكَّام ووزراء وقادة ومماليك.

2- بعض عوامل القوَّة والنصر:

وعلى الجانب المقابل أبرزت الرواية عواملَ القوَّة وأسباب المنعة وتحلِّي الأمَّة بالهيبة والرَّدع من خِلال أيضًا تطوُّر الحدث، واطِّراد الخيوط الدرامية وتَنامِي الشخوص، ورسم الخلفيَّات، وحرص باكثير على تنبيه الأمَّة وإطلاق إشارات التحذير والخطر جرَّاء ما يستغرق الأمَّة من تناحُر وخِلافات وانتشار الرشوة والمحسوبيَّة وتفشِّي صُوَر الفساد.


كما أكَّد أنَّ أولى خُطوات الإصلاح والسَّيْر الصحيح على درب القوَّة والمنعة إنما يبدأ بالخطوات التالية:

• الاعتصام بحبْل الله ونبذ الفرقة والخلاف.
• توجيه وعي الأمَّة وإرادتها لاختيار الصالحين من أبنائها؛ ولاة أمور ومسؤولين.
• السَّير في خطى قويَّة واضحة في مشاريع الإصلاح؛ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
• القيادة الدينيَّة الصالحة من عَوامِل النُّهوض وبث روح الإيمان وتفجير الطاقات الروحيَّة الهائلة للأمَّة.
• الجهاد فريضةٌ إسلاميَّة تَصُون البلاد وتردع أعداءها؛ فهي تحدُّ من حُبِّ الدنيا وتسرُّب الوهن للبنيان النفسي والروحي للأمَّة.


لقد استَطاع باكثير ببراعةٍ فنيَّة ولغةٍ سرديَّة وحواريَّة حيَّة نابضة عالية الأداء والمستوى أنْ ينقل لنا ما سبَق مُتحرِّكًا نابضًا وكأنَّنا نلمس الشخوص ونعيش في قلب الأحداث ممَّا يُحقِّق للقارئ القدرَ الكبير من الفائدة والمتعة معًا.


3- تجسيد الوقائع والحقائق:


وتمثَّل ذلك خيرَ تمثيلٍ في مواقف كلٍّ من: قطز والملك الصالح أيوب والشيخ العز بن عبدالسلام وشخصيَّة جلنار (جهاد) وشيئًا من سيرة بيبرس.

فقد رأينا قطز وهو لا يزال مولى لابن الزعيم منخرطًا في الفعاليات السياسيَّة المناهضة للخائن (الصالح إسماعيل) وأتباعه من أمراء الشام.

ثم ينتقل إلى مصر لمواصلة طريقه الجهادي وبحثه عن حبيبته جلنار، ويصير أحدَ مماليك عزالدين أيبك الخصم الأشد لأقطاي.

 ومواقف الشيخ العامل العز بن عبدالسلام الذي لم يخشَ في الحق لَوْمَةَ اللائمين وتهديدات البُغاة والظالمين حيث:

• تعرَّض لتحديد إقامته ثم اعتقاله.
• أصرَّ على التنديد بسياسات الخونة والعُمَلاء سرًّا وعلانية.
• حفَّز جماعة من المُخلِصين من أهل الشام على نُصرة الصالح أيوب.
• مهَّد بفَتاوِيه وآرائه الجريئة والمستنيرة في تطهير مصر من الفساد.
• أشار على قطز بإنشاء ديوان الجهاد الذي تولَّى تعبئة الأمَّة وفتح باب التطوُّع والدعم المادي بكلِّ أشكاله.
• خرَج بنفسه وسط الجماهير يُثِير الحماس، ويشحَذ الهمم، ويضرب الأمثال، ويحيي سنن الجهاد، ويستحضر روح يوم بدر يوم الفُرقان يوم التَقَى الجمعان.
• دعم مَسِيرة قطز الإصلاحيَّة بادِئين معًا بالأغنياء وذوي اليسار حتى أنَّ (قطز) بدَأ بنفسه.
• قام الشيخ بتشجيع قطز على مُواجَهة الفاسدين بكلِّ حسْم والضرب على أيادي المارقين بكلِّ قوَّة دون هيبةٍ من نُفوذهم أو أنصارهم، فالكثيرُ منهم تولَّى مفسدًا في الأرض مقطعًا الأرحام مهلكًا الحرث والنسل.

أمَّا جلنار فكانت نِعمَ الحبيبة والزوجة عُسرًا ويُسرًا، شدَّة ورخاء، وكانت مصدرَ إلهامٍ وتشجيعٍ لزوجها، كما شارَكتْ بقوَّةٍ وحضورٍ في عين جالوت معركةِ المصير.

وأمَّا بيبرس هذا المملوك المُندَفِع شديدَ الطموح؛ فقد استَطاع قطز بحِكمته أنْ يكبح جماحَه ويُوجِّه طاقاته وبأسَه لمصلحة البلاد والشدَّة مع الأعداء، ورأى قبل مصرعه الأخير أنْ يوصي رجاله بالطاعة لبيبرس؛ فهو الأقدر - في رؤيته - على استكمال جهاد الأمَّة واستئناف مسيرة الإصلاح.

وهكذا يعودُ باكثير للتاريخ، يعودُ إلى التاريخ لا ليُعِيدَ شرحه وتوصيفه مدرسيًّا أو من خِلال نبرةٍ خطابيَّة، وإنما يعودُ إليه مُركِّزًا على لحظاته المفصليَّة، ومواقفه الإنسانيَّة ذات الأبعاد الدراميَّة والتراجيديَّة للكشف عن تقاطُعاته مع الحاضر، ولإحيائه روائيًّا عبر حبكة فنيَّة تُحقِّق المتعة والمعرفة بالماضي والحاضر معًا.

خامسًا: جوهريَّة التخييل في الرواية:

إنَّ القارئ للرواية من خِلال تفاصيل الأحداث والوقائع اليوميَّة في حياة الشخوص وفي مشاعرها ونزواتها ودوافعها المتقلِّبة - يلحظ أنَّ "من دائرة هذه التفاصيل يبلغ التخييل عند المؤلف مَداه؛ إذ تتحوَّل الشُّخوص المنزوية في بُطون الكتب إلى كائناتٍ حيَّة من لحم ودم، لا تعيشُ ماضيها فحسب، بل تقتحم حاضرنا، وتُعرِّي ذواتنا، فتعيش معنا، ونعيش معها متعة الكشف ولذَّة المعرفة".

ومن المهمِّ بمكانٍ أنْ نشير ولو في إطلالةٍ عامَّة إلى أهمِّ السمات الفنيَّة والتقنيات الروائيَّة عند باكثير في رواية "واإسلاماه"، وأيضًا في سائر رواياته التاريخيَّة الأخرى وتنبع أهميَّة ذلك من كون فعاليَّة التصوُّر العقائدي أو الأخلاقي وتأثيره على القراء من خلال ارتدائه لثياب الفن والخضوع لشروطه، وإلا صار الأمر مجرَّد سردٍ بارد أو إعادة إنتاجٍ للتاريخ.

سادسًا: وربما كان من أهمِّ العناصر الفنيَّة والتقنيات الروائية عند باكثير في رواياته التاريخية ما يلي:

1- حُسن ودقَّة اختيار العنوان الروائي اللافت للنظر والمحمَّل بشحنة تراثيَّة والمحفز لمخيلة القارئ.
2- غالبًا بعد التعديد ما يقدم باكثير لرواياته بمقدمة تشيرُ للمضمون العام وتُسهِم في وُلوج القارئ إلى عالم المتن الروائي.
3- تقسيم الرواية إلى فصول ممَّا يساعد على التحكُّم في مسار السرد وإيقاعه، وكذلك تحوُّلات الأحداث والشخصيَّات.
4- الاعتماد على السرد بضمير الغائب الملائم للقصِّ التاريخي والمتيح لتقديم البيئة والشُّخوص والأحداث.
5- الاتِّكاء على عُنصر الإثارة والتشويق في مَسار الأحداث ومُنعَطفاتها.
6- إزخام عنصر الصراع في الروايات بالحضور القويِّ لكلٍّ من المرأة والسُّلطة، وهما جانبان من أكثر جوانب الحياة قابليَّةً لإثارة الدرامية والتراجيدية.
7- التنوُّع بين السرد والحوار والمونولوج الداخلي، ولا تخفى عنَّا براعةُ باكثير وتميُّزه الواضح في صِياغة الجملة الحواريَّة ككاتبٍ مسرحي من الطراز الأوَّل.
8- الرسم الفني للشخصيَّة بمواطن قوَّتها ومواضع ضَعفها الإنساني ومَلامحها العامَّة المميزة خارجيًّا وداخليًّا.
9- إزخام عنصر المفارقة في بناء الشخصيَّات ورسمها، فتبدو أكثر إنسانيَّة وواقعيَّة وأظهر في التعبير عن الرُّؤَى والتوجُّهات.
10- المواءمة بين الطبيعة الخارجيَّة والحالة النفسيَّة للشخصيَّة لتعميق المشهد فنيًّا وإزخام عمليَّة التفاعُل الروائي.
11- إضفاء الحيويَّة على حركة السَّرد والوصف بالتضمين التاريخي أو الشعري المتَّسِم بالملاحة والطرافة وإثراء المشهد.
12- وأخيرًا - وهو عنصر مهمٌّ في الرواية التاريخيَّة عند باكثير - حرصُه على تصدير كلِّ رواية بآيات القُرآن الكريم ونجاحه من جهةٍ أخرى في إيراد التضمين القُرآني نبعه الصريح أو معناه متلاحمًا في المتن مع الموقف والمشهد.

وهكذا مارَس باكثير توظيفه الفني، وتعاطى مع الإسقاطات السياسيَّة وتحلَّى بالرؤية المستقبليَّة في روايته "واإسلاماه" وغيرها من رواياته، فكان بحقٍّ رائدًا للتصوُّر الإسلامي في الرواية التاريخيَّة.

خاتمة:


وبعدُ، فقد حرصت في هذا المبحث على إبراز أهمِّ التصوُّرات الإسلاميَّة في روايات باكثير التاريخيَّة، مُتَّخذًا رواية "واإسلاماه" نموذجًا، ولقد فرضَتْ ظروف الواقع الذي كان يعيشُه باكثير، بل إنَّ ظُروفَنا التي تُحِيطُ بنا الآن وبالأمَّة الإسلاميَّة جمعاء ونحن في أواخر العقد الأول من الألفيَّة الثالثة - تفرض علينا وتتطلَّب منَّا أنْ نقف مليًّا على هذه التصوُّرات قراءةً واستِيعابًا، فليس اليوم بأفضل من الأمس، ولقد صارت الأمَّة في أمسِّ الحاجة إلى أنْ تفزع إلى ربها ودِينها، وتعتصم بتراثها وهويَّتها في عالم الصِّراعات والتحدِّيات عالم القُوَى الكُبرى والتكتُّلات.

وحرصت في مبحثي ألاَّ أستفيض في الجزء النظري أو أستطرد؛ توافُقًا مع الطبيعة التطبيقية للمبحث نفسه، ورأيت أنَّه من المهمِّ أنْ أشيرَ إلى الأدوات والعناصر الفنيَّة الروائيَّة التي وظَّفَها باكثير في موهبةٍ خلاَّقة وبراعة مُبدِعة لطرح تصوُّراته وما يَراه من أولويَّاتٍ يفتَقِر إليها واقع المسلمين وحالهم.


[1] رواية "واإسلاماه" ص3.

[2] الرواية ص24، وانظر: ص 28، 29.

[3] الرواية ص84، وانظر: ص 72، 74، 83، ص62، ص72.

مشاركة