الأحد، 21 مايو 2006

(( دراما الاشتباك مع الواقع )) في مسرحية ( ليالي تسالي ) لأحمد الخولي


المسرحية هي أخر إصدارات الشاعر حتي الآن وذلك بعد ديوان " مراكب الخوف " عن الهيئة العامة للكتاب عام 1994 وديوان " وشوش جابت النهار " عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2002 و " حكايات من زمن السكات " عام 2005 وهو العام الذي صدرت فيه هذه المسرحية , سبقها بعض الدراسات المتفرقة للشاعر عبارة عن " أصول وفصول في الشعر العامي والزجل " وإذا كنت قد أنهيتُ قراءتي لديوان " خيانة " للشاعر علاء عيسي بالإعراب عن أملي في ان نتجاوز معا سواء علي مستوي الفن أو علي مستوي علاقات الواقع وجدلياته – مواقف الرصد المجرد أو تعقب أسباب التخلف والجمود السياسي والاجتماعي اكتفاء بالاستهجان والإدانة – وتطلعي لأن يتخذ الفن مواقف أكثر تقدما ليتواكب وحالات الاحتقان السياسي والاجتماعي ويتلائم مع متطلبات المرحلة التي تعكس بقوة حالة ما قبل انفجار إرادة التغيير فإني أستطيع القول بأن هذه المسرحية قد أنجزت بعض هذه التطلعات بحيث يمكن القول إنها تدخل في إطار ما يسمي " بأدب التحريض السياسي " وهو ضرب " من الأدب يظهر تأثيره الأكبر في سياق الكفاح العملي من أجل التغيير إلي الأفضل الذي يضيئه هذا الأدب جماليا وهو يوطد علاقة التحالف بين الطليعة المثقفة وطلائع الكادحين حين يفتح لها بابا للخروج من عزلتها وسلبيتها والتعامل مباشرة مع الجماهير واختبار استجاباتها لإبداع هذه الطليعة .

وإذا كان الأمر كذلك فان ما اثر دهشتي أن عنوان المسرحية وإهداء الشاعر – جاءا بالرغم مما قلناه – متضمنين لمبدأ التقية بما يحملان من مراوغة ومدارارة وهو ما يمكن أن يصرف من يريد التعرف علي الأعمال من مداخلها وخاصة من القراء العاديين – فيعرض بذلك عن اقتناء المسرحية وهو ما اعتبره خسارة لعمل جدير بالقراءة والتعاطي معه بفاعلية .

نعم ... إن الأدب يومئ ولا يصرح يوحي ولا يقرر ولكن طالما أن النص نفسه قد اختار خندق القتال وتسلح بالغضب والتمرد فحينئذ تكون المسافة الإيحائية بعيدة جدا بين ما يعلنه وما يطرحه بالفعل وحينئذ بتهت بالضرورة تلك العلاقة التبادلية بين المبدع والمتلقي وذلك التعاقد الضمني بين النص والقارئ ... ان هذا تقريبا ما يوحي به العنوان شديد الاستحياء " ليالي تسالي " وكذلك الإهداء الآبق المفزوع " إلي قرية تسالي القاطنة خلف حدود الوطن "!؟

إن النصوص الموازية للمنتج النصي التي أتحدثُ عنها جاءت هنا أقل جرأة بكثير من النص نفسه وأدني طموحا مما يطرحه بجد له الدرامي وتدفقه الشعري اللهم إلا قول الشاعر " والي جيلي المثقف المهزوم تحت وطئة الجهلاء " ...

نعم فلربما رأت جموع المثقفين المهزومين في هذا العمل شيئا يخفف من انكسارهم ويزيح عنهم بعض أثقال هزائمهم تحت وطئة عصابات المغامرين وجحافل الشر من مخلوقات الظلام والجهالة التي افتقدت لكل معاني الانسانية وخلفت لنا الوطن مُزقا وأشلاءآ.



عناصر العمل المسرحي :.

لقد رأيت في الفكرة التي تجسدها المسرحية تواصلا ما , وتطويرا لما طرحه ديوان علاء عيسي حين قام بالقبض علي " الخيانة " أفعالا وشخوصا ومن ثم تأتي هذه المسرحية الشعرية ذات الفصول الثلاثة لتعدو وسط حقول الألغام محتقنة بالغضب والثورة محطمة للجدران العازلة مقتحمة الأبواب الموصدة علي الأشرار لتعقد داخل اوكارهم المحاكمة المنشودة محاكمة الانتصار للعدالة ولذا فقد رأينا الشاعر فيها يوجه اتهاماته وإداناته للجميع بلا استثناء فما نعيشه ونعانيه إنما هو بما كسبت أيدنيا جميعا بقدر أو بآخر .

أما شخصيات المسرحية وهي تتخذ من قرية " تسالي " مكانا لصراعها فتبرز منها شخصية " الأستاذ " وهو مثقف القرية وشخصية حلمي ابو ماضي العمدة ، العمدة وشخصية " رئيس الدجالين " وهو خال حلمي ابو ماضي ثم شخصية نائب العمدة , والخفير , ومجموعة من شباب القرية الثائرين .

ومنذ الفصل الأول يمهد المؤلف لإرهاصات الصراع الذي يأخذ مع فصلها الثاني في الحدة والتصاعد بين حلمي أبو ماضي أفاق القرية الذي تبوأ منصب العمدة بأساليب الاحتيال والترغيب والترهيب وبين المثقف الذي يقف منذ البداية الموقف النقيض ومن ثم يعلن رفضه للعمدة وأساليبه ويتصدي لسياساته الإفسادية وأطماعه النفعية الضيقة .

وحين تتسع دائرة الصراع ويبلغ الموقف الدرامي ذروته في فصلها الثالث ينضم ثُلة من شباب القرية وهم يمثلون جيلا جديداً – لحلبة الصراع لتتسع دائرة الرفض وتتدعم بروح الشباب الأعلي ثورية ، والأمضى إرادة وعزيمة والأشد تصميما وتعبيرا عن إرادة التغيير .

وأمام هذه الإرادة الإصرارية يسقط العمدة وأتباعه في يد العدالة ويساقون إلي ما يشبه المحاكمة الشعبية الثورية حيث يتوقع المجرمون حكم الإعدام .



الصياغات الفنية والصورة التعبيرية للمسرحية :.



المسرحية مكتوبة بشعر العامية الذي يبدو في كثير من مقطوعاته أقرب إلي روح الشعر الشعبي من حيث بنيه لوجدان الجماعة وحكمتها ورؤاها أكثر من كونه شعرا يتبني رؤية فردية أو موقفا جماليا ذاتيا من العالم ولذا فان الدارس يستطيع أن يضع يده علي العديد من سمات الصياغات الفنية للنص الشعبي تراوحت في أشعار المسرحية واتسمت بها الكثير من المقطوعات الواردة علي لسان الشخصيات ومن هذه السمات :.



1. السهولة والبساطة التي تميز التراكيب الشعرية .

2. وضوح الإصالة وبروز العنصر التنغيمي والإيقاعي .

3. ظهور آلية التكرار في المفردة أو التفعيلة الشعرية وهي آلية رئيسية في الأدب الشعبي تتعمدها الجماعة الشعبية ليسهل عليها حفظ تراثها في الذاكرة ومن ثم إنشاده وروايته ومن ذلك قول الشاعر علي لسان بعض شخصياته في مفتتح المسرحية وكذلك في منتهاها .. إنسان ورق / إنسان ورق / من أي شي بيتحرق / إنسان ورق / أدي الضمير نازل معاه جوف الغرق / إنسان ورق / شاب النسيم في سكته عمره انسرق / إنسان ورق / عمر التاريخ ما يذكره ولا حرف من اسمه برق / إنسان ورق ..صـ5 وصــ 106



وقوله :



زحمة والناس سكاري / من حاره ندخل لحارة / دينا فتحت ببيانها / ناسها صبحت غيلانها / تهدم وتأكل أمانها / تسرق وتقول شطاره / تسرق وتقول شطاره صـ29

4. استلهام بعض أشكال الفنون الحركية والقولية :

كالتوسل بتقنية الأراجوز وخيال الظل كما في تلك المقطوعة الساخرة التي أداها الأستاذ قولا وحركة :

قرب جرب خدلك منظر / يللي بتتعب يللي بتسهر / ياللي بتشقي ليه تتحير / أسرق أهرب .. أهرب / راح تتغير ... ولا تتحير / كون متطمن ولا تتخوف / عمر الفاعل هنا مجهول / قرب جرب خدلك منظر ... صـ 31

ومن ذلك أيضا التأثر بأداء وأغاني الأدبائية والمضحكين مثلما جاء علي لسان شهود المحكمة في الفصل الثالث ورد العمدة عليهم :

عمدة لكن وادع الماشي / يلهف وبعده ما خلاشي / وهو كله ما يسواشي / طورة دره في كيزان خضره / الله الله ياعمدة ياسارق بكرة .



العمدة : أنا جدي كان بيه في زمانه / وأبوك ده كان من خرفانه / راجع الزمان وايا اعوانه / يديك خازوق مظبوط أحلي .

الجميع : الله الله ياعمدة ياسارق بكرة

واحد دجال : فضنا من دي سيره / واحد يشوف أي حصيرة / نقعد ونشرب تعميرة / يعلي المزاج تحلي السهرة / الله الله ياعمدة ياسارق بكرة صـ 92

5. التأثر بطرائق العادات الشعبية وفنونها في مظاهر الأفراح والأحزان والتعزيمات .

ومن ذلك تلك المقطوعة التي تشكو اختفاء كثير من أبناء القرية غرقا في مياة النيل فجاءت أشبه بالشعر الشعبي المتصل بالعديد والمراحي الشعبية وجاءت المقطوعة علي لسان أهالي القرية , تقول :.

رابع غريق في شهر طالع من الترعة / رابع غريق في شهر واهل البلد سامعه / لاحد يسأل سؤاله ولا جاوب علي الدمعه / ضاعت شباب البلد واحنا ايه اللي بيجرا لنا / واحد يقول النيل ساكنه جنيه / واحد يقول الأرض ماعدش جنية / الحقيقة في وسطنا ضايعة / رابع غريق في شهر طالع من الترعة صـ30 أو تلك المقطوعة التي يعلن فيها عن مرحتهم واحتفالهم تنصيب العمدة الجديد : قالوا العمدة هلي هلاله /قلت ما شا الله قلبي دعاله / نفرح بيه وسعدنا جاله / عمدة كفر تسالي امير / أصلة العالي وحبه كبير / علشان يدي حيدي كتير / للمحتاج من حاله ... صـ37

أو ذلك الحوار الذي دار بين حلمي ابو ماضي ورجل غريب جاءه عند أرضه يوعده ويبشره بكنز مدفون في أرضه ويشترط إرضاء حارس الكنز الخفي ببعض الطلبات .

الغريب : قال رضاك علي أيدي مقسوم / ولوحيدي .. بالمعلوم

حلمي : جبت الدهب حرة .. بصره / في الحفره كله راح مردوم / عزم~ وقاللي قول وأنا أقول / وقال وقلت بعزم وراه / وقال وقلت بعزم وراه يجعل نصيب الكنز قد الدهب ميت مره ... صــ26, 27

أو حين يردد الجميع وراء رئيس الدجالين عند حفرة الكنز :

جني يا جني ياعم يا جني / فيه دبور علي عشك زن / اطلع بره .. هات الجره / ملانه فلوس ... وعلينا تحن / افتح هات الكنز أمال / داحنا غلابة أصحاب عيال / لايرتاح ولا يوم بنون / قلبك فضة وروحك نور / واحنا وراك بنلف ندور صـ 70

وإذا كنا قد أشرحنا في الظواهر الأسلوبية والفنية سالفة الذكر إلي مدي تأثر الشاعر بروح الجماعة الشعبية وتراثها وقواليها الفنية فإن ذلك لا يعني علي الإطلاق – أن شعر العامية امتداد للزجل أو الشعر الشعبي وانما هناك حالة من القناص والتقاطع اللاشعوري يتم بصورة أو بأخري – يعكس تواصل الشاعر مع تراثه وحدوث شكل من أشكال الاستدعاء والتفاعل مع عطاءات هذا التراث وامتداداته وتحريك ما أثاره في مخزون ذاكرة المبدع .

إن ظاهرة التناص مع بعض عناصر الثقافة الشعبية بتنوعاتها وآليات تشكلها في بنية النص الشعري تعد كما يذهب الباحث مسعود شومان واحدة من الاستراتيجيات التي يعتمدها معظم شعراء العامية فنحن إذن هنا نتحدث عن تواصل لا تشابه عن نصوصية تفاعلية لاعن تقليد ومحاكاة عن استلهام لاعن استنساخ .

ونأتي لأهم سمات الجملة المسرحية الواردة علي ألسنة شخصياتها وأهمها انها جاءت متوزعة بصورة متوازنة إلي حد كبير ومختلفة طولا وقصرا باختلاف الموقف والمفترض أنها تتفاوت أيضا في عمقها أو سطحيتها تبعا لطبيعة الشخصية ونوازعها وثقافتها إلا أن الكثير من حواريات شخصية العمدة حلمي ابو ماضي وهي شخصية تعاني الأمية وتحمل مكونات النشأة وسط المنبوذين ....

جاءت في أكثر من موقف وحوار علي العكس من ذلك متجاوزة لثقافتها ومكونها النفسي ... ومن ذلك قول العمدة للأستاذ :

أوهب نفسك لأجل تعيش / حتلاقي الدنيا حياة / انس الماضي بكل آهاته / انس عقول محرومة تعيش اليوم م الخير / بعتر كل الماضي وأنس الزمن المر معاه /اعزم يوم علي وعد / وعيش بهواه / كفر تسالي زيه / زي بقيت الناحية سد القول / هَده الحلم وبات مقتول ...صـ 14



أو قول اثناء المحاكمة :.



وسط الصراع تلقي العفن وسط الشقوق / تلقي مساحة الضي أوسع م الشروق / وانما تحت الغطي ... محتاجه ايد تهتزها ... صـ104

وربما كان وضوح التنغيم والتقنية مع دافعية الصراع المتُضمَن في أسلوب هذه الأشعار .

أدعى لأن تؤدي بالإنشاد الأداء الحركي ، بل يمكن أن تصاحبها موسيقي لحنية فتكون أشبة بالمسرحية الغنائية مما يتوقع أن يُضفي علي فصولها ومشاهدها المزيد مــن

* أنظر : مسعود شومان : التواصل والقطعية ..استلهام المأثورة الشعبي في شعر العامية – الثقافة الجديدة – العدد (70) يوليو 1994.



الحيوية والفاعلية وربما كان هذا المقصد من مرامي الكتاب وتصوراته حين كتب أشعارها وصاغ مشاهدها .

وتبتدي جماليات الصورة الشعرية في مواضع عدة كما في الصفحات 6, 13, 32 وتلك المقطوعة التي جاءت بصوت أحد المظلومين الشاكين علي باب العمدة :

عدت حياتنا رهينة للقمة عيش / عشنا حياتنا في بحر الخوف / امتي ياعمدة تشوف الناس التايهة / الضايعة في بحر همومها / امتي تشوف وتسمع منا / وتعرف أزاي نعيش/ افتح بابها طل علينا / نص الناس بتموت م الهم / ونصه يموت من خوف أصحاب الدين ..صـ81

وإذا كان الشاعر قد وفق إلي حد كبير في أن يجعل من نصه معالجة جمالية ذات رؤية أكثر تقدما مستلهما روح تراثه الشعبي متناصا مع بعض أشكاله وقوالبه , فإنه في نفس الوقت – ضمن عمله بعضا من تقنيات الحداثة المسرحية كتوظيفة للفنتازيا في مطلع الفصل الأول مع عرائس الشعر وبناته اللاتى كن يتحاورن مع الأستاذ، وتوظيفه لتقنية مسرح داخل المسرح ، وتقنية الفلاش باك ، وأخيرا توجه بعض شخصياته بالحديث إلي جمهور النظارة بما يشبة الالتحام علي طريقة المسرح البريختي كما ورد في المشد الأخير من المسرحية . إن قليلا من التقنيات الفنية في الديكور والموسيقي والإضاءة المسرحية وقدرة مخرج علي تحريك الأفراد والمجاميع علي خشبة المسرح يمكن ان يجعل من هذا النص كائنا مشخصا مفعما بالحيوية والحركة والتأثير وتتيح له أن يمنحنا المزيد من الإبداع والإمتاع .

مشاركة