الأربعاء، 10 أبريل، 2013

"شمال شرقى الوطن" تجليات المكان والبحث عن الزمن المفقود

في مجموعته القصصية الأولى "شمال شرقى الوطن" ، والصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2000م ، يقدم القاص محمد عبده العباسى نفسه للساحة الأدبية - حكاءً دافئاً وسارداً مُفعماً وجدانه وذاكرته بموروث شعبى وجماليات بيئية : زمانية ومكانية ، يوظفها القاص فنياً ، ليرصد بها تحولات اجتماعية حادة لمدينته بورسعيد وربما تنسحب على الوطن بأكمله .. تحولات اعتملت في بنى المجتمع ومفاهيمه وقيمه : شخوصاً وزماناً ومكانا ففعلت الأفاعيل وأطاحت بالكثير من أعراف الأصالة وتقاليد المحبة ، وافرزت تقوقعاً وانعزالاً وانسحابا نفسياً مع توجهات فردية لاهثة أزاحت بقسوة دفء الجماعة وروح المشتاركة والتكافل الحقيقي في الأفراح والأتراح وهى الروح والقيم التى طالما حفظت لمجتمعنا كيانه وتماسكه بصفةٍ عامة ، وبورسعيد كقرية كبيرة بصفةٍ خاصة ...

وربما كانت العتبات الأولى للمجموعة من عنوان وإهداء تعُد مدخلاً ممهداً وبداية ملائمة لما يريد القاص أن يسحبه من الجزء على الكل ، أو ما يستدعيه بروح الحكاء الشعبي - من قيم مجتمعية كانت تسود زمناً جميلاً ولى وأدبر ، فبعد العنوان الدال جزءٍ وكلاً ، يأتى الإهداء كالآتي : " إلى بورسعيد ... الزمن الجميل ... إلى روح أبى الذى علمنى فن الحكى " ... ويعتمد القص الذى يتوسله العباسى على سردية وصفية لمشاهد تتجسد فيها لحُمة المكان بذكريات الإنسان ، العاشق لبيئته بمفرداتها البحرية الساحلية في لوحات غنائية أشبه بالغزليات الشاعرة التى تؤكد عمق الأنتماء والاعتزاز بقيم الجماعة وأعرافها البيئية التى توارثتها حين وجدت نفسها في جدلية دائمة مع البحر الذى يحُيطها من كل جانب .



" يمتد البحر طويلاً ، يحتضن مدينته التى خطت سطرا تتدثر بمياهه ... يتواصل هذا الأزرق في أناقة ... تنام مدينته في وداعة الأطفال عند ناصية الوطن جهة الشمال الشرقي مُطلة من نافذة على المتوسط الرائع . " [شمال شرقي الوطن ص 14]



ويبدو الجانب الأخر من الجدلية مع البحر - في قصة "من حكايات النورس العجوز" والتى يكثف فيها البحر حضوره ، ويفرض منطقة وطبيعة علاقاته مع الإنسان .



“البحر يتسع مثل سماء مفتوحة ... عريض يملأ ساحات العين ، مَنْ منا لا يعشقه ؟ ... مَنْ منا لا يخشاه ؟ ... هو يحوى كل الأسرار والأحلام ... يبدو في بعض الأحيان حنوناً مثل صدر أم .. وفي بعضها غادراً يلوك بين أضراسه الأهل والأحبة” .

[من حكايات النورس العجوز ص 28]
وحين يعقد القاص تقابلاً زمنياً بين واقعين مختلفين ومرحلتين مغايرتين بفعل معطيات الواقع المتحول اجتماعياً ، فإنه يلجأ إلى تقنيه “الاسترجاع” لصنع هذه المفارقة موظفاً خلال السرد والحوار - الموال والأغنية والمثل الشعبى ، مُلحاً من خلال التصوير التقابلى على إبراز مشاعر “الاغتراب” الزمانى في المكان ... فها هو ذا “الشيخ حميد” بطل قصة “عينان مفتوحتان باتساع المدى” - يضطر إلى ترك كوخه الذى بناه على شاطئ البحر ، ويهيم على وجهه كلاجئ فقد هويته وأرضه بعد أن تم بيع الشاطئ بطوله لمجموعة من المستثمرين ، وقررت المحافظة بصفة عاجلة وحاسمة بناء مجموعة من القرى السياحية عليه .. يصمد "حميد" طويلاً لإنذارات الحكومة وضغوطها ، ولكن مع مجئ البلدوزر لا يستطيع المقاومة ، فيزحف الشيخ حميد بأهله وبقايا شباكه وأخشابه من مكان إلى مكان على طول الشاطئ ، فلا يجد سوى لافتات من نوع : “هنا قرية سياحية” ، “شاطئ خاص” ... “هنا منفذ الجميل الجمركى” ... ممنوع .... ممنوع .... ممنوع :

" شعر أن المدينة تلفظه ، طفرت من عينه دمعه كادت تحرق خده ، كان يتمنى أن يستريح استراحة المحارب ، لكنهم مازالو يطاردونه ، جعل يفكر فيما يفعل ، انطلق صوته يغنى :

يا عين ما تبكى على اللى كان فنجرى ، وهناه

وغلبوا زمانه ما بين الجبال الداوية ، وهناه

صبح حاله شين ، يبكى بدمع العين ، ويقول

يارب أروح فين ... أهى ضاقت بى هناك وهناه

[عينان مفتوحتان باتساع المدى ص 56]



وينساب المشهد السردى المُوشى بمفردات المكان وجمالياته ، المحتشد بلزوميات البحر من : نوارس ، واسماك ، وقواقع وأصداف وصيادين وشباك ، بأسلوب لغوى يزاوج بين الفصحى السهلة والعامية القريبة منها ، والمًحمله بخيرات البحر وحكمة البحار وتجاربه .. يمتزج هذان المستويان من اللغة في نسيج واحد مؤتلف هو نسيج المشهد ، ويتخلل ذلك الحوار المثقلة لهجته بأنواء التغير ، المفعم جرسه حزناً وآسى جراء رياح وأعاصير التبدل الزمانى .... إن "المغازى أبو عثمان" الصياد ، الذى ألِف البحر واعتاده ، يضطر تحت وطأة الإذعان لصوت العمر والزمن ، أن يبيع مركبه وشباكه وأدوات صيده التى لازمته رحلة العمر فتحاوره “صفية” زوجتة وشريكة رحلته الطويلة مشيرةً إلى أدوات رزقه :

- بس دول عمرك يابو عثمان !؟

- خلاص يا صفية ، المركب اتباعت والولاد رافضين "كار" الصياد .

- أحمدك واشكرك يارب على حسن عطيتك .. كلهم اتعلموا واتوظفوا

- بس يا صفية رافضين "كار" أبوهم وجدودهم !؟

- يا سيدى .. مفيش حد بياخذ أكثر من نصيبه .. ربنا يعين كل حى على حاله

- أشمعنى “عثمان” واقف معايا لوحده ؟

- ربنا كبير ... عثمان ابن عمرك ... البكرى ... ربنا يعمر بيته .

- والتانيين ؟

- ربنا يطرح فيهم البركة .

- كان نفسى حد يكون مع عثمان وبلاش أبيع المركب و... ده كان رأس مالى

- ولادك راس مالك يا حاج [موت نورس عجوز ص 69]



ويعود السرد يسترسل بمشهده التذكرى ، ومع هذا الاسترسال الذى يعكس الحنين إلى زمن مضى ، تغيب الأحداث ، فيفقد المشهد بعضاً من حيويته وفاعليته ، وأبطال "العباسى" في مجموعتة التى تبلغ ثلاث عشرة قصة - تكاد تتقارب في المرحلة العُمرية ، وفي كثير من الرؤى والسلوك يبدو هذا جلياً مع "الربان فاروق" في شمال شرقي الوطن ، والجد "عرابى" والشيخ حميد و المغازى أبو عثمان ، وهذا التشابه في الملامح العامة لشخصياته قد يعود إلى طبيعة الجيل الذى عاصر أحداثاً جساماً شهدتها المدينة من تأميم ، وحرب السويس ، وعدوان 67 ، وعمليات تهجير فطبعت تلك الأحداث أبنائها بطابع الصمود والأصالة والتوحد في الجماعة ، ولا يفوت "العباسى" أن يذكر بشهداء الوطن وتضحيات أولاد البلد ، أو يجسد بعضاً من مشاهد المعاناه أثناء فترة التهجير وبعدها ، وما اعترى الناس من تغيير ، كما في قصص : " مثل زيف لن يتكرر" و "المطر صديقى القديم" .. وأخيراا فإن تقديم المؤلف لنفسه من خلال هذه الإمكانات السردية في مجموعته الأولى - لجدير مع المزيد من التنوع والتطوير للآليات الفنية في السرد أن يجعله يحتل موقعاً وسط مشهدنا السردى المعاصر .


مشاركة