الأربعاء، 8 فبراير، 2012

ثورة 25 يناير وبعض أصدائها الأدبية

لقد اتجهت كل أنظار العالم شعوبا وحكومات ووسائل إعلام وجامعات ومعاهد دراسة وبحث إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة عاصمة الشرق حيث نقل الأثير وقائع أعظم ثورة شهدتها الإنسانية في تاريخها الحديث والمعاصر .. ثورة شهد لها البعيد والغريب قبل القريب والصديق بأنها حققت لنفسها نوعا من الكمال الإنساني وتوافرت لها كل عناصر السمو الأخلاقي وأحاطت بتلقائية وبصورة طبيعية خالصة – بكل أبعاد النقاء الثوري . لقد كانت تصريحات القادة والزعماء والمحللين نوعا من الإجماع على أن هذه الثورة صارت إلهاما وأداة تغيير إنسانية كبرى لن تساهم فقط في إعادة رسم خريطة منطقتها بل ستتواصل دروسها وتأثيراتها إلى متواضعات عالمية كثيرة وبالتالي لنظريات وتوجهات دولية وإقليمية عدة ، سادت عالمنا وعلاقاته طوال قرنين ماضيين من الزمان .. إن جغرافيا وتاريخ الألفية الثالثة غدا يصاغان الآن ويكتبان بوحي وإلهامات المصريين في 25يناير .. وهكذا يظل المصريون كعادتهم يعلمون الدنيا ويقودون التاريخ .


... فلما كان اليوم الخامس والعشرون من يناير من العام الحادي عشر من الألفية الثالثة، كانت مصر والعالم بأسره مع موعد تاريخي ومنعطف فارق مع القدر مع بداية حقبة مختلفة مع بداية تاريخ جديد ، إنه يوم انطلاق الثورة المصرية الإنسانية الكبرى واحتشاد ميادينها وشوارعها بالانتفاضات الشعبية الهادرة ، ضد نظام استقر جاثما على صدرها ، أيقونة للفساد والاستبداد ورمزاً للعمالة والتفريط ، طوال ثلاثة عقود من الزمان ، برئاسة الدكتاتور الفاسد حسنى مبارك وأسرته وأركان حكمه ، ذلك الحكم الذي تأسس على تحالف شيطاني عتيد بين مجموعة من رجاله ومساعديه وبعض من كانوا يسمون برجال الأعمال . احتكروا جميعاً كل السلطات ومن ثم طغوا في البلاد فأعملوا فيها الفساد وتفرغوا لنهبها وتجريفها تماماً حتى تركوها قاعا صفصفا وما ترتب على ذلك من تداعيات وعواقب جسيمة . يمكن أن نوجزه في : شيوع مظاهر الفاقة والحرمان والضياع في الداخل ، وسوء سمعة البلاد والاستهانة بها في الخارج ، وذلك بعد أن ضاع على أيدي العصابة الفاسدة دور مصر المحوري في منطقتها والعالم ذلك الدور الذي ارتبط بمصر تاريخيا وجغرافيا وهو دور تغنينا كتب التاريخ وأسفاره عن شرحه أو الإفاضة فيه ، فهذا ليس محل دراستنا وبحثنا .

لقد التقط شباب مصر القابع وراء الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، شرارة الثورة التونسية وصنعوا منها شعلة حملوها متأججة مضيئة واندفعوا متحمسين ليتكاتف تواصلهم ويكبر أملهم في صناعة بداية قد تؤدى إلى معجزة ، مجرد أمل في بداية التغيير .. لقد تنادوا على مواقع التواصل إلى الاحتجاج وإبداء الرفض والغضب ضد نظام قامع فاسد في يوم له دلالة ومغزى ، وهو اليوم الذي تحتفل فيه الشرطة المصرية (الأداة القامعة للحاكم) بعيدها السنوي ، يوم الخامس والعشرين من يناير . لقد كانت مجرد دعوة لإعلان الرفض والغضب ، ولم يكن أكثر المتفائلين توقعا يدر بخلده – أن تتحول هذه الدعوة على شاشة الكمبيوتر إلى ثورة شعبية كبرى ثورة يهتز لها العالم ، تنزل مسرعة كاسحة من أثر الواقع الافتراضي لتقف راسخة على أرض الواقع الفعلي ، يحبس العالم أنفاسه لها ، ويقف أمامها طويلا ، مبهوتا مندهشا أولا ثم محللا ومفسرا ثانيا .



لقد اتجهت كل أنظار العالم شعوبا وحكومات ووسائل إعلام وجامعات ومعاهد دراسة وبحث إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة عاصمة الشرق حيث نقل الأثير وقائع أعظم ثورة شهدتها الإنسانية في تاريخها الحديث والمعاصر .. ثورة شهد لها البعيد والغريب قبل القريب والصديق بأنها حققت لنفسها نوعا من الكمال الإنساني وتوافرت لها كل عناصر السمو الأخلاقي وأحاطت بتلقائية وبصورة طبيعية خالصة – بكل أبعاد النقاء الثوري . لقد كانت تصريحات القادة والزعماء والمحللين نوعا من الإجماع على أن هذه الثورة صارت إلهاما وأداة تغيير إنسانية كبرى لن تساهم فقط في إعادة رسم خريطة منطقتها بل ستتواصل دروسها وتأثيراتها إلى متواضعات عالمية كثيرة وبالتالي لنظريات وتوجهات دولية وإقليمية عدة ، سادت عالمنا وعلاقاته طوال قرنين ماضيين من الزمان .. إن جغرافيا وتاريخ الألفية الثالثة غدا يصاغان الآن ويكتبان بوحي وإلهامات المصريين في 25يناير .. وهكذا يظل المصريون كعادتهم يعلمون الدنيا ويقودون التاريخ .




"الثورة" بين المعنى اللغوي ودلالات الاصطلاح:

جاء في المعجم الوجيز:

(ثار) ثورانا وثورة : هاج وانتشر فهو ثائر .

يقال : ثار الدخان والغبار وثار به الشر والغضب .

وثار به الناس : وثبوا عليه .

و(أثاره) هيجه ونشره والأرض : حرثها للزراعة .

وفى القرآن الكريم : (وأثاروا الأرض وعمروها) .

و(استثاره) : أثاره .[1]

جاء في مختصر الصحاح لمحمد بن أبى بكر الرازي :

"ثورة" ثار الغبار سطع وبابه : قال و "ثورانا" أيضا وآثاره : غيّره و"ثوّر" فلانا الشر "تثويرا" : هيجه وأظهره و"ثوّر" القرآن : بحث عن علمه . [2]

ويقول البيضاوى في التفسير .. والخيل إذا اقتحمت ميدان القتال (أثرنا به نقعا) أي هيجن التراب فصنعن به سحبا من الغبار .

الثورة "اصطلاحا" :

يذهب "كرين برنتون" في كتابه دراسات تحليلية للثورات إلى أن "الثورة" فيما تتضمنه من معان ، أصبحت عادة لا تعنى إلا شيئا أكثر من مرادف مؤكد "للتغيير" وربما التغيير المفاجئ الهائل .

ويعرف د. محمد عمارة الثورة على ضوء معطيات الأدبيات السياسية الحديثة بقوله :

"إن مرادنا بالثورة هي أنها : العلم ، الذي يوضع في الممارسة والتطبيق ، من أجل تغيير المجتمع تغييرا جذريا وشاملا ، والانتقال به من مرحلة تطورية معينة إلى أخرى أكثر تقدما .."[3]

ويقرب "كرين برنتون" مفهوم الثورة وطبيعتها حين يعرض لها من وجهتي نظر مختلفتين وهما وجهة نظر "مدرسة الظروف" والأخرى وجهة نظر "مدرسة الخطة"

أما الأولى : فتعتبر الثورات نموا بريا طبيعيا حينما تلقى بذوره وسط الطغيان والفساد ، يحدد تطوره كله قوى خارج نطاقه ، أو خارج التخطيط الإنساني .

وترى "مدرسة الخطة" الثورات : نموا إلزاميا ومصنوعا تزرع بذوره بعناية في أرض أعدت تربتها وخصبها البستانيون (الثوار) وأنها تبلغ النضج بطريقة غامضة على أيدي هؤلاء البستانيين أنفسهم ضد قوى الطبيعة . [4]

ويرفض المؤلف التعريفين ويحاول التوفيق بين وجهتي النظر بقوله :

"إن الثورات تنمو فعلا من بذور غرسها أناس يريدون التغيير ، وأن هؤلاء الناس يبذلون جهدا كبيرا في تنظيم الحدائق ولكنهم كبستانيين لا يعملون ضد الطبيعة وإنما بالأحرى يعملون في تربة وفى طقس ملائم لعملهم ، وأن الثمار الأخيرة تمثل تعاونا بين الناس والطبيعة ." [5]

وإذا حاولنا أن نطبق حدث الثورة المصرية على ضوء المفهوم السابق نقول : إن التربة والطقس الذي ولدت فيها الثورة المصرية كانا مهيئين تماما لإنباتها ودعمها واستوائها على سوقها .

وتعجز آلاف الصفحات عن وصف الأجواء والظروف والأحداث التي عاناها المصريون وقاسوا ويلاتها قبل 25 يناير ويكفينا في هذا المجال بعضا من هذه المظالم والمفاسد والتجاوزات وعلى جميع الأصعدة جاءت بالتفصيل في عشرات الآلاف من صفحات تحقيقات النائب العام وجهاز الكسب غير المشروع والنيابة الإدارية وتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات وغيرها من الأجهزة . هذا عدا الكثير من الجرائم الجسيمة والقضايا الاجتماعية والسياسية التي كانت تتفجر في مجلسي الشعب والشورى من نواب وطنيين شجعان فضحوا حكومات الحزب الوطني المتتالية وكشفوا للرأي العام إلى أي مدى وصل الفساد والتهاون بتلك العصابة التي أعماها الجشع وعماها البطش والطغيان وإلى أي مدى وصلت البلاد إلى حالة يرثى لها من الجمود السياسي والتفكك الاجتماعى والانهيار الأخلاقي والسلوكي والتدهور الاقتصادي والصغار والمذلة على المستويين الإقليمي والدولي .

أما عن البستانيين أو زراع الثورة ومفجريها ، فقد جاءت من حيث لا يتوقع أحد ، ففي الوقت الذي كانت جهود جهاز مبارك الأمني الرهيب تركز على مطاردة المعارضين السياسيين وبعض رؤساء تحرير الصحف غير الحكومية واعتقال المنتمين للتيارات الإسلامية خاصة من الإخوان المسلمين (وصل الأمر قبيل اندلاع الثورة إلى اعتقال سبعة قياديين من مكتب الإرشاد) – في هذا الوقت – كان هنالك حراك عجزت أجهزة الحكم العجوز عن رؤيته واستشعار خطورته وهو تيار شبابي مثقف يمثل شرائح المجتمع المصري وطبقاته قطعتان وان كانت الأغلبية منه تنتمي للطبقة المتوسطة التي كانت تعانى الانهيار والتهميش وتكابد الانسحاق والتدهور . تيار شبابي ارتبط بالعالم الإنساني الرحيب من خلال شبكة الإنترنت ومواقع الفيس بوك واليوتيوب .

بعض ملامح جيل الشباب مفجر الثورة :

في مقابل الخطاب السياسي والإعلامي الأحادي القمعي لنظام مبارك كان هنالك ممارسة شبابية أخرى أمام شاشات التواصل الاجتماعي لا مكان فيها للقول المغلق ولا موضع فيها للأزمنة الجامدة ، ممارسة تئن بعذابات الواقع وتتلهف لغد مغاير تماما ، ممارسة تتحاور وتتداخل وتتقاطع وتعترف وتبوح وتحلم ، تطرح أسئلة وتبحث عن زمن بديل ، وفى مساءلة هذه الشريحة من الشباب للواقع ، كانت في الحقيقة تقول أكثر مما يقول وكان تفاعلهم يحررهم أولا وقبل كل شيء من زمن واقعهم ويحثهم حثا على التفكير بأزمنة أخرى .

لقد تحولت الفضائيات الافتراضية والمدونات الشخصية مع هؤلاء الشباب من قنوات للتسلية والاسترواح والتعارف إلى منابر لانتقاد الأساليب الاستبدادية في الحكم والشطط في استعمال السلطة وتعبئة الرأي العام وحفزه على الثورة والسعي إلى تغيير العقليات والرؤى .

وهكذا أفرزت الفضائيات الرحبة والمفتوحة على شبكة الانترنت نخبة جديدة مكتشفة لذواتها بعيدا عن الأشكال الثقافية والإعلامية السائدة [6] التي كانت معبرة فقط وطارحة عن ثقافة نظام حكم أسري أشبه بملكية فاسدة ومنتج ثقافي وإعلامي اتسم بالاستهلاكية وعانى التفاهة والسطحية وكثيرا من الانحطاط والابتذال اللهم إلا القليل .

ذلك أنهم "لم يفكروا باحتذاء نماذج مسبقة أو جاهزة تشل الطاقة الحية أو تعطل المبادرة الخلاقة، بل ابتكروا صيغهم واجترحوا أساليبهم في العمل والتوسط والتدخل بقدر ما جسدوا نمطا جديدا في التفكير والتخيل والإحساس والتعبير والتدبير... من تمكن الواحد منهم أن يرى ما لم يكن يراه من الواقع، بقدر ما يكتشف ما كان يجهله من نفسه، كما استطاع أن يجرؤ على ما لم يكن يجرؤ عليه".[7]

ويقترب المفكر التونسي د. أبو بكر العيادى من هذا الملمح النفسي لشباب الثورة حين يكتب "إن هذه الثورة قبل أن تكون ثورة سياسية كانت ثورة نفسية، تمثلت في التمرد على الذات في خوفها من بطش آلة السلطة، والتمرد على الحاجز النفسي الذي كان يبدو في الظاهر مثل خط بارليف لا يمكن تدميره وتخطيته، فإذا الحاجز ينهار مثلما انهار خط بارليف".[8]

لقد اتفق كثير من المراقبين سواء داخل منطقتنا الشرق أوسطية أو خارجها على أن هؤلاء الشباب كانوا ملهمين ومعلمين في سلوكهم وأدائهم وشعاراتهم وقد صار ميدانهم ميدان التحرير مثابة للثوار وكعبة الأحرار ورمزا تاريخيا ومزارا سياحيا لقد صاروا بما ابتكروا من الشعارات والعناوين وبما اجترحوه من السوائل والأساليب محط النظر وشيوع الفساد وتزوير انتخابات مجلس الشعب 2010

جلس صناع الثورة من الشباب أمام اليوتيوب والفيس بوك وتويتر والمدونات الشخصية رافضين لخطاب العبارات الزائفة والشعارات والجمل المضللة ومتجاوزين هذا الخطاب تماما ، باحثين عن واقع يتخطى أبواق النظام البائد وأجهزة إعلامه ، ولقد عقدوا العزم على حد تعبير الناقد والشاعر "كارل كراوس" "على ألا يتحدثوا إلا عما يتاح لهم أن يروه أو يسمعوه أو يلمسوه أو يدركوه بحواسهم إدراكا مباشرا . فهم يتشبثون بالتفاصيل الصغيرة .." إنها ممارسة بعيدة كل البعد عن صورة الحياة السائدة التي كانت تكرسها أدوات السلطة وأجهزة دولتها الفاسدة .

لقد استشعر هؤلاء الفتية الذين آمنوا بأسلوبهم واقتنعوا بطريقتهم ، أنه يمكن من خلال الإصرار على المضي في طريقهم وتوسيع رحبة تواصلهم ، أن يكسبوا تعاطفا وأن يجدوا استجابة وربما أيضا يحدثوا حراكا . وحين نزل هؤلاء الشباب ثوارا في الميدان تجلت أيضا فاعليتهم وحيويتهم وإبداعهم الجديد .

بعض عوامل ثورة 25 يناير:

ذكرنا أن التربة والأجواء المصرية كانت مهيأة تماما لإنبات شجرة الثورة الوارفة (وتشكيل فضاءها المتألق القادم) ، وذلك لتمكن دوافعها وتجذر أسبابها المتمثلة في أمور عدة كانتشار الفقر واتساع رقعة البطالة وتزوير انتخابات مجلس الشعب 2010م ، ضف إلى ذلك الاستبداد ومعاناة المصريين الحياة في ظل قانون الطوارئ واعتماد سياسة القمع ثم فرض نظام التوريث اللاشرعى على البلاد ثم بعض الظواهر والحوادث التي شهدتها الساحة المصرية قبل الثورة كتصاعد الحضور الشبابي على مواقع التواصل وفضحهم لممارسات نظام الحكم وتحرك مياه الحياة السياسية الأسنة الراكدة بعودة د. محمد البرادعى والتفاف مجموعات من الشباب حوله وطرحهم إياه للترشح لرئاسة الجمهورية كشخصية مستقلة وجمع ما يربو على مليون توقيع في هذا الطرح فيما يسمى الحملة الشعبية المؤيدة للبرادعى ، ويصل البرادعى إلى القاهرة في 19 فبراير 2010م ويستقبله أنصاره وسط حفاوة بالغة وبعدها بأسبوع تقريبا يعلن عن تشكيل جمعية وطنية برئاسته للضغط على النظام لتعديل الدستور وإلغاء الطوارئ ، جمعت في عضويتها مجموعة من النشطاء من التيارات السياسية المختلفة .

ثم يأتي حادث كنيسة القديسين مع مطلع العام الميلادي الجديد يناير 2011م في منطقة سيدي بشر بالإسكندرية وهو الحادث الذي دبرته أجهزة وزارة الداخلية بغرض إشاعة أجواء من الإرهاب والتخويف وتشديد القبضة الأمنية لأجهزة الداخلية وذلك بعد أن وصلت البلاد إلى ذروة الاحتقان وتصاعد الاعتصامات والإضرابات وتنامي ردود أفعال صفحتي البرادعى وخالد سعيد على الفضاء الالكتروني ثم يأتي حادث اعتقال الشهيد سيد بلال وقتله على يد أجهزة مباحث أمن الدولة في أعقاب تفجير كنيسة القديسين ليزيد ذلك من تأجج الغضب واحتقان الشارع المصري وذلك بعد اتهامه ظلما وبغيا بأنه وراء حادث تفجير الكنيسة وترد حركة 6 أبريل وبعض فصائل المعارضة باتهام وزير الداخلية واتهام المخلوع الفاسد نفسه بمسؤوليتهم عن قتل الشهيد البريء سيد بلال والاستهانة بأرواح المواطنين .

ويسدل الستار على الفصل الأخير من عوامل اندلاع الثورة وتفجيرها بإعلان انتصار ثورة شعب تونس والإطاحة بنظام زين العابدين الذي حكم بالحديد والنار طوال ثلاثة وعشرين عاما ، يأتي الحدث التونسي الهائل ليقطع الشك باليقين في احتمالات نجاح الثورة إذا اندلعت وليعطى هذا الزخم الثوري التونسي الأمل في دعوات شباب مصر بالإعتاق والخلاص .

دور وائل غنيم :

وهو ناشط ومدون مصري من مواليد ديسمبر عام 1980م – القاهرة – يعمل مهندسا للكمبيوتر ويشغل بمنصب المدير الإقليمي لشركة جوجل لتسويق منتجاتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – أطلق عليه لقب "قائد ثورة الشباب" أما هو فقد سمى نفسه مجرد "مناضل كيبورد" وهو منشئ صفحة "كلنا خالد سعيد 2010" على الفيس بوك وهى الصفحة التي لعبت دورا أساسيا في انفجار بركان يناير الثوري وذلك بعد أن أخذت هذه الصفحة تنشر صورا لجثة الشاب خالد سعيد المشوهة وصورا أخرى قديمة له وذلك إذكاء للمشاعر وإلهابا للعواطف . وتجذب الصفحة اهتمامات الشباب وتعليقاتهم وينضم إليها ما يقرب من نصف مليون من المواطنين باختلاف انتمائهم وشرائحهم ويشارك وائل غنيم من خلال صفحة "كلنا خالد سعيد" في الدعوة إلى الخروج والتظاهر في يوم عيد الشرطة الثلاثاء 25 يناير 2011م ، ولم يكن يعلم حين شارك في هذه الدعوة مع مجموعات أخرى من الشباب من "كفاية" و "6أبريل" - أنها ستكون الطاقة الكبرى حيث تندلع أعظم ثورة عرفها العصر الحديث لتطيح بنظام نموذجي في القمع والفساد بل وتأخذه أخذة رابية .

وفى مساء الخميس 27 يناير 2011م يتم اختطاف وائل غنيم من قبل أجهزة أمن الدولة وتحت الضغط الشعبي يتم الإفراج عنه في الاثنين 7 فبراير 2011م .

وفى 8 فبراير 2011م يستقبل الشباب وائل غنيم في ميدان التحرير وسط الملايين - استقبال الأبطال ويختارونه ناطقا باسم شباب التحرير .

وقد رأينا بمناسبة الحديث عن دور وائل غنيم أن نعرض نماذج لخطابات متبادلة بينه وبين شاب آخر كان له دور بارز في الثورة وهو أحمد ماهر منسق حركة 6 أبريل وننقل هنا عن جريدة "التحرير" العدد 71 الصادر يوم الأحد 11 سبتمبر 2011م وهذه الخطابات السرية بين وائل غنيم وأحمد ماهر منسق " حركة 6 أبريل " وهي خطابات تبادلها عبر الإيميل كانت تهدف للتعريف والتنسيق . هذا التنسيق الذي أشعل ثورة 25 يناير .

الخطابات المتبادلة بين وائل غنيم و«6 أبريل» قبل الثورة :

الخطاب الأول من وائل غنيم إلى أحمد ماهر :

أستاذ أحمد ، مساء الخير ، أنا اللي عملت صفحة « كلنا خالد سعيد » ، وإحنا اللي دعينا للوقفة الصامتة اللي حصلت مرتين لحد دلوقتي ، ومرة تالتة إن شاء الله يوم الجمعة .

« التحرير » : يوم 18 / 6 / 2010م شهد أول « نشاط » لصفحة « كلنا خالد سعيد » حيث دعت لتنظيم وقفة صامتة للدعاء له على كورنيش الإسكندرية ثم وقفة أخرى يوم 25 / 6 / 2010م بعد نجاح الوقفة الأولى ، وكانت تحت عنوان « يوم الملابس السوداء والوقفة الصامتة على ضحايا التعذيب في مصر » ، أنا تعبت جدا عشان أوصل لإيميلك لأني عايز أحافظ على شخصيتي مش معروفة ، بس الحمد لله واحد ابن حلال من عندكم بعتهولي . أولا . أنا عايز أقول لك إني باحب « ٦ أبريل » للي عملتوه ، لأنكم إنتم و« كفاية » كنتم أول ناس تصحى فـ مصر وإن شاء الله يستمر الصحيان ده ونقدر نعمل حاجة ونغير البلد لأن هدفنا كلنا واحد .
للأسف زعلت جدا ، لما قريت الخبر ده فى « الشروق » على لسان المتحدث الإعلامي عندكم ، لأنه بيدّعى إن « ٦ أبريل » هى منظمة الوقفة ، وعلى فكرة والله أنا مش مسألة مين اللى منظم لأنه ببساطة اسمى مش معروف ومش هاعلنه وإن شاء الله هأقفل الجروب لما نحقق اللى عايزينه من غير ما حد يعرف أنا مين . فمش هدفى أى شهرة . أنا اللى زعلنى أنه ما ينفعش حد يدّعى حاجة . تنظيم الوقفة طلع من « كلنا خالد سعيد » ، ولازم تحترموا رغبتنا فى إنها تكون مش منظمة ومش وراها أى جهة ، ولو حد هيشير إنه هيشارك يبقى مشاركة مش تنظيم .. ليه أنا بقول الكلام ده ؟ لأنه والحمد لله إحنا قدرنا نستقطب ناس كتير جدا مالهاش أى علاقة بالسياسة ، وكانت سلبية جدا ، والناس دى مش عايزة تحس إنى تنظيم سياسى وباخدهم . اعتبرنى يا سيدى اللى بيجهز جيل شباب ينضمّ ليكم أو لغيركم بعد كده . المرحلة دى حساسة وأرجو إنك تحترم رغبتى لأنى قريت عنك كتير على فكرة ، وشايف إنك إنسان يهمك مصلحة بلدك بالدرجة الأولى . لازم نحترم بعض ، ونحب بعض ، ونخاف على بعض ، وفـ نفس الوقت نحافظ على مجهود بعض .. أنا باشتغل يوميا أكتر من ١٥ ساعة فى الصفحة دى ، مش عايز حاجة إلا مصلحة بلدى .. فيا ريت ماجيش بعد كل ده أشعر بالندم وإنى عملت حاجة غلط .
عايزين نبقى إيد واحدة يا أحمد وشغلنا يكمل بعضه .. بدل ما يحصل خلافات وفى الآخر تتحول طاقتنا من طاقة إيجابية لتغيير مصر إلى طاقة سلبية . أرجو إنك ترد على رسالتى . وشكرا لوقتك .. 



الخطاب الثانى رد ماهر على الخطاب الأول لغنيم :

الزميل العزيز .. أولا باشكرك على مجهودك الرائع ، وأسلوبك العبقرى فى تنشيط الشباب ودفعهم للإيجابية . ثانيا باعتذر لك بشده على الخبر ده ، وليك حق فى كل انتقاداتك وتحفظاتك .
ثالثا: أقسم بالله أنا ماعرفش مين محمد السيد ده ، ولا عندنا عضو فى « المجموعة الإعلامية » اسمه محمد السيد ، وبنحاول نوصل للصحفى اللى كتب الخبر علشان نعرف مين اللى اسمه محمد السيد علشان نتخذ معاه إجراء ، وكل اللى انت قلته إحنا أصلا بنقوله فى « المجموعة المركزية » عندنا ، إن ما ينفعش نركب على شغل حد وننسبه لنفسنا ولا يصحّ أن نسيس قضية جذبت شباب غير مسيس . وكان فيه سابقة لمحمد عادل فى جريدة « المصرى اليوم » .. ورغم إنه قال إننا هنشارك فى الوقفة اللى نظمتها صفحة « كلنا خالد سعيد » لكن برضه هيتعاقب جوه الحركة علشان التصريح غير المسؤول . رابعا: أحيانا الصحف بتذكر اسم « 6 أبريل » على أى نشاط شبابى فى مصر عموما ، وده زعّل ناس كتير مننا ، لكن اسم « 6 أبريل  » ليه شهرة عالمية ، وتجربتنا بقى يتم تدريسها فى جامعات ومعاهد سياسية وإعلامية فى دول مختلفة ، وأى شباب فى مصر بيعملوا أى حاجة بيتقال عليهم شباب « 6 أبريل » إما بسبب شهرة الاسم وكثرة مبادرات « 6 أبريل » ، أو بسبب إن منظمى أى نشاط كانوا فى يوم من الأيام ضمن « 6 أبريل » قبل ما يستقلوا بحركتهم أو جروبهم ، أو بسبب إننا أصحاب ضربة البداية فى الحراك الشبابى الموجود من 2008 ، فده خطأ غير متعمد وبنحاول نوضحه للصحفيين . خامسا: رغم إننا فعلا مش من منظمى الوقفات الاحتجاجية فى أيام الجمعة المتعاقبة ، لكن احنا فعلا شاركنا فيها كلها ، واسمنا رغم إنى متفق معاك إنه عمل تسييس للقضية شوية لكن أفاد كتير فى بعض الأجزاء ، وخصوصا « التضخيم الإعلامى » ، لأن اسم « 6 أبريل  » بيجذب الإعلام جامد ، وكذلك إحنا فعلا كنا « آدمينز » ومشاركين فى صفحة « أنا اسمى خالد سعيد » ، ومشاركتنا فى التنظيم يوم الجمعة فى الإسكندرية لما لقينا آلاف من الشباب فى الإسكندرية مش عارفين يعملوا إيه ولا يتصرفوا ازاى ، أفاد القضية جدا ، وقدرنا نوجههم يتحركوا ازاى ، وإنهم ما يخافوش من الأمن ، وكمان ما حدش مننا رفع أى علامة لـ « 6 أبريل » نهائى ، وكان دورنا فقط توجيه بسيط لأن عندنا خبرة فى الشارع ومعطياته وتهديداته ومحاذيره ، وده يقودنا لنقطة مهمة أو ممكن يعمل وثيقة اتفاق بيننا ومبادئ نرسيها إننا ممكن نشارك ونتشاور ونرتب مع بعض بحيث الشباب ما يبقوش مشتتين ولا خايفين فى الوقفات ويبقى فيه اللى يقول لهم نتحرك هنا أو نمشى كده أو الأمن شكله غبى فننفض فرادى أو ننتقل بصورة مفاجئة لمكان تانى . علشان حرام الشباب اللى بتنزل فى القاهرة ومش بيلاقوا بعض ويقوموا مروّحين من غير ما يعملوا حاجة أو يروّحوا بمجرد إن « عسكرى » أهبل يهشّهم ، وفى نفس الوقت بنشدد على الصحافة إن « 6 أبريل » مجرد مشارك أو متضامن وممكن مانذكرش اسمنا خالص .. إحنا الإعلام ياما كتب عننا وبيكتب عننا لوحده ومش محتاجين نشر إعلامى تانى وشغلنا هو اللى بيتكلم عننا فإيه رأيك فى فكرة التعاون المشترك ووضع مبادئ للتعاون حتى لو احنا نكون خارج الصورة ؟



الخطاب الثالث من  وائل إلى ماهر :

وائل غنيم : مش عايز أقول لك قد إيه أنا انبسطت لما قريت إيميلك ، وأنا كنت متوقع إن ردك هيكون كده ، وعشان كده بعتّ لك ، وشكرا بجد على التوضيح ، ويا ريت لو تقدروا تنفوا الكلام ده بشكل رسمى شوية على موقعكم أنكم بتشاركوا يبقى أنت فعلا كده عملت حاجة هتفيدنا جدا .. عشان الشباب بيخاف والله من أى حاجة مسيّسة .. ولو انت لاحظت أنا بالراحة بانقلهم من الخوف ده وباحطّ حاجات بشكل مقصود فيها سياسة . وطبعا أنا عارف نجاح « ٦ أبريل » ومش محتاج تكلمنى عنه لأنى من زمان متابعكم ، ولو انى مش باشارك لأنى كنت سلبى جدا . نقطة التشتيت دى مفيدة جدا ، وخلينا ندردش فيها وأشرح لك وجهة نظرى .. وندردش سوا . أكيد لازم نتعاون .. خلينا نتكلم على الإيميل مع بعض شوية بالليل النهارده . إيه رأيك ؟ الساعة ١٠ مثلا ؟ وشكرا .


الخطاب الرابع من وائل إلى ماهر :

« التحرير » هذه الرسالة توضح حرص صفحة « كلنا خالد سعيد » على اتباع قواعد محددة فى أثناء تنظيم الوقفات الاحتجاجية ، بشكل يجعلها جاذبة للشباب وتحديدا غير المسيس منهم ، فالهدف الأول أن لا يصل « الاحتجاج » إلى استفزاز الأمن ، حتى لا يحدث صدام يترتب عليه خسارة قطاعات شبابية ما زالت تتحسس خطاها فى المشاركة السياسية ، وهو ما لاقى قبولا وتوافقا من جانب أحمد ماهر ، الذى سعى من خلال حركة « 6 أبريل » إلى صبغ الوقفات الاحتجاجية بهذا الروح السلمى . وائل غنيم : باشا ، عايزك تقرأ النُّوت دى لأنى كنت بانتقد شتم حسنى مبارك . وعايز أسألك سؤال : مين اللى كان بينسق الهتافات ؟ مين اللى كان بيقول فى الوقفة « يسقط يسقط حسنى مبارك » ؟ هل دول شباب « ٦ أبريل » ولا حد تانى ؟ « التحرير » أهم ما جاء فى نوت وائل التى يشرح فيها لماهر رؤيته للوقفات الاحتجاجية ، والهتافات والشعارات التى يرددها النشطاء السياسيون على الرغم من إنى معارض لسياسات الريس ، ولو انتخابات الرئاسة هتبقى بكرة الصبح مش هانتخبه ، ده غير إنى من بعد قضية خالد الله يرحمه قررت أوقع على بيان التغيير اللى فيه المطالب السبعة ، يعنى أنا مش باساند حسنى مبارك ولا راضى عن أدائه كرئيس للدولة ، بس ده موقفى الشخصى . ولكن لحظة من فضلكم : لازم نفرق بين الأهداف السياسية والأهداف الحقوقية . وبين الموقف الشخصى وموقف جروب فيه أكتر من ٢٠٥ آلاف واحد . إحنا شباب بيطالب بحقوقه وهنفضل نطالب بيها بغض النظر عن مين بيحكم مصر ، والصفحة دى لما اتفتحت ماكانتش بتقول : المطالبة بإسقاط النظام من أجل خالد سعيد . هى بتقول ببساطة : كلنا خالد سعيد . لأن الهدف هو تغيير قوانين ، وده ممكن مع الضغوط الشعبية يحصل بغض النظر مين اللى بيحكم لو فعلا اشتغلنا صح . الهتاف ده هيُستغل ضدنا ويتقال إننا حركات سياسية بتستغل قضية خالد ، وده مش حقيقى لأن أغلبنا وأنا أولكم أصلا مالوش فى السياسة . ده غير إن أكيد فيه ناس متعاطفة مع خالد وبتحب حسنى مبارك . الهتاف ده مش بيفيد غير فى التنفيس عن غضب ألف أو ألفين واحد ، بس هيزعّل مننا عشرات الآلاف ، بعكس هتاف مثلا لمؤازرة أم خالد أو تامر السيد لأن دى هتافات هتفيد وتخليهم يستمروا فى حربهم .


الخطاب الخامس رد ماهر على خطاب غنيم :
طبعا كلامك صح جدا وأنا موافقك فى كل كلمة . وعلشان تعرف رأيى ادخل شوف النوت دى .. كتبتها من فترة وكان نفسى أكتبها من سنين . أنا طبعا ضد هتاف « يسقط يسقط حسنى مبارك » اللى بيتقال عمال على بطال . لازم نلتزم بموضوع التظاهرة أو الشكل الاحتجاجى سواء كان وقفة صامتة أو أى شكل مبتكر . بالنسبة لشباب « 6 أبريل » فالموضوع ينقسم لكذا حاجة ، فيه الحركة التنظيمية نفسها ، ودى بتتكون من مجموعة مركزية ومجموعات أخرى نوعية ، ودول ليهم تصنيفات ومجموعات عمل ، ودول الأعضاء اللى فعلا أعضاء وبيدفعوا اشتراك وموجودين فى القوايم ، ودول بيلتزموا بأى اتفاق يتقال ، وممكن تعرفهم بنفسك فى الوقفات ، هتلاقيهم عقلانيين جدا ومدربين وبيعرفوا يتصرفوا بهدوء فى الطوارئ وعندهم خبرة عالية فى الشارع . وفيه مجموعات تانية غير منظمة ، يعنى منتسبين لـ « 6 أبريل » بس مش منتظمين فى المجموعة المنظمة ، الناس اللى بتظهر وتختفى يعنى ، اللى بيشارك مرة ويختفى كام شهر ويظهر تانى ، وهكذا ، ودى مجموعات صغيرة كتير محيطة بالحركة ، لكن سهل السيطرة عليهم لأنهم بيسمعوا كلام الأقدم أو المنظمين . وفيه مجموعات أبريلية الطابع لكن مش منتظمين فى « 6 أبريل » ، وبعضهم كان فى « 6 أبريل » وانشق عنها ، أو المجموعات الجديدة القريبة من « 6 أبريل » ، ودول هما الحركات الصغيرة اللى بتطلع كل يوم وبتخترع أسامى كتير وهما مجموعات من 10 أو 20 أو 30 واحد بالكتير . وهتلاقى كل يوم حركة تطلع جديدة وتعمل مؤتمر وبيان وكده ، دول كانوا ف « 6 أبريل » وحبوا يستقلوا ، ولكن بيتحسبوا على أنهم « 6 أبريل » برضه ، وبينزلوا أنشطة « 6 أبريل » ، واحنا فى الحركة ماعندناش أى مشاكل فى الانشقاقات ، بل بالعكس بنعتبره شىء كويس وبيخفف عننا أعباء التنظيم ، والإعلام بيقول إنهم « 6 أبريل » علشان اسم « 6 أبريل » جاذب لوسائل الإعلام بسرعة وبقى علامه مسجلة ، عموما لو عايز نشيله هنشيله.

الشباب وعالم الفضاء الاليكتروني .. مفاهيم مغايرة وأساليب جديدة :
كانت ثورة يناير المجيدة ، ثورة شباب مصر ، حقيقة ماثلة ، ودليلا ساطعا – على أن كل ما هو افتراضي في عالم الفضاء الإليكتروني ، إنما هو أمر قابل للحدوث .
وأثبتت الثورة أيضا ، أن مقدسة العالم الافتراضي – خاصة في طبيعة تواصله الشفاهي ، إنما هي مقدرة فعالة وذات رؤية نافذة وقدرة على تغيير الواقع .
إن تلك الشريحة من شباب مصر ، الذين اتخذوا من الفضاء الإليكتروني وفي عالما بديلا عن عالم الواقع المعيشي الفاسد ، الراكد ، كانوا أكثر واقعية من الملايين التي كانت تحيا بالفعل على أرض هذا الواقع بجموده ومقولاته القديمة وخطابه السياسي والإعلامي الأحادي القمعي حينا ، والتبريري حينا آخر .
لقد كان لديهم قناعة بأنهم يعيشون معطيات عالم جديد ويتعاملون مع أدواته ووسائطه ، والمؤكد أنهم كانوا يمارسون بقدر ما أتيح لهم – شيئا من حياة عالم ما بعد الحداثة ، عالم الفضاء الاليكتروني والعوالم الرقمية .
ونستطيع أن نوجز بعضا من سمات هذا العالم ومعطياته فيما يلي:
1.  إن المعرفة صارت مشروطة ببعد جديد ، وهو البعد التداولي " فالمعرفة في مجتمع ما بعد الحداثة كما يتصورها – ليوتار – لا تعد معرفة إلا إذا صيغت في صورة تسمح بتداولها وبغير ذلك فهي ليست معرفة إنها المعرفة ذات البعد والشرط المجتمعي المشاع حيث الأفكار مطروحة بكثرة وحيث عدت الكفاءة تقاس بمدي شفافية المعلومات وسرعة انسيابها ، إنه التحول من اتجاه الثقافة النخبوية الرأسية إلي الثقافة التدوينية الأفقية المشاعة المفتوحة المتنامية(1) ، إنها حقائق ثقافية أعلنت عن حضورها وأسست لقواعدها وأثبتت بلا شك فاعليتها.
2.  إن انفتاح هؤلاء الشباب علي عالم الفضاء الاليكتروني أتاح لهم نوافذ رحيبة وفضاءات واسعة من الثراء المعرفي والغني الثقافي وخبرات والتعامل مع مهارات التفاعل الاليكتروني وأنواعه وأدواته ووسائطه المختلفة.
3.  ومن هذه الخبرات ، التعامل مع المدونات والنصوص التشعيبة حيث المتعامل أو المدون لا يتابع فقط بل يكتب نصه بطريقته الخاصة وحيث يصير جزءا من عملية الكتابة أو الإبداع
4.    التعامل مع النص المتكامل الذي تتجاور فيه الكتابة مع الصوت والصورة والحركة .
وبعض النظر عن مدى قرب هذه النصوص التدوينية أو بعدها من معايير الجمال الفني ومقاييسه الأدبية ، فإنه أمكن الحديث بالفعل عما يسمي بـ " الأدب التفاعلي" ، بوصفة جنسا جديدا في الإبداع الأدبي ، وهذا الأدب التفاعلي يمكن أن يتجسد من خلال " الرواية التفاعلية ، أو المسرح التفاعلي(10) ، أو أشكال من الفنون التشكيلية التفاعلية وسواها من الأنواع الأدبية والأشكال الفنية.
ولن نذهب بعيدا ، فلقد رأينا تجمعات الشباب خلال الثمانية عشر يوما لثورة يناير المجيدة في ميدان التحرير ، تبدع نصوصها الخاصة بها وذلك بطعم الثورة وروح الإصرار والتحدي والتضحية في قلب اليدان ، فقد سمعنا خطبا وإرشادا وإشعارا تلقي وسط الحلقات وفي أمسيات الميدان ، ورأينا كذلك أداءان درامية وأشكالا من مسرح شعبي تشكل من وحى اللحظة ومقتضيات الظروف المحيطة بالشباب وبعض هذه الإعمال من قصائد وأناشيد وأداء درامي بل وما أبدعوه من نكات وتعليقات لاذعة ساخرة كلها قدتم توثيقها كتابة تدوينا (صوتا وصورة ).

في البدء كانت المدونات :
لقد بدأ الشباب المصري في إنشاء مدوناته الخاصة وذلك 7م 2006م تقريبا وبدا هذا النشاط التدويني ذا طابع شخصي ، كل مقصده التنفيس والبوح والتعبير عما يخالج صاحب المدونة من أفكار ومشاعر أي أنها كانت مجالا رحبا للذات الفردية لممارسة حقها المشروع في البوح والتعبير عن معاناتها وأشواقها وطرح أفكارها ورؤاها الاجتهادية حول كثير من القضايا والمسائل.
ومع تزايد هذه المدونات واتصالها بعضها بالبعض. ونتيجة المشاركة والتشجيع والتفاعل ، بدأت هذه المدونات تأخذ طابعا اجتماعيا متواصلا وفاعلا ، وصارت هذه المدونات مفتوحة للإسهام والتشارك بالإضافة للنقد والتعليق. وربما كان من أشهر هذه المدونات مدونة " أنا عايزة أتجوز " لغادة عبد العال ، هذه المدونة التي اشتهرت بين الشباب والفتيات. وأرادت دور النشر استثمار هذه الشهر فتحولت نصوص غادة عبد العال إلي كتاب ورقي وبعد ذلك إلي مسلسل تلفزيوني لاقى الكثير من المتابعة والنجاح.
ونتذكر أيضا من المدونات التي أصدرتها دار الشروق في كتاب ورقي مدونة " أرز باللبن لشخصين " ومدونة " وأما هذه فرقصتي أنا " ، كما أصدرت دار العين" عندما اسمع كلمة مدونة" ونلاحظ في العنوان كيف حلت كلمة " مدونة " محل كلمة " ثقافة " عن مقولة " جوبلز " وزير إعلام أدولف هتلر : " عندما أسمع كلمة ثقافة اتحسس مسدسي " وكأن مفردة مدونة ترمز إلى ثقافة هذا الجيل الجديدة وسماته المغايرة.
ومن المدونات المتحولة إلي الورقية ، مدونة " مصر في قطعة جاتوه "  وأصدرتها دار " اكتب وانشر ".
ومن المدونات ما غلب عليها الطابع الأدبي ونذكر في هذا الصدد ، رواية تدوينية وهي رواية "حرية دوت كوم " لأشرف نصر ومدونة " سبرنج " لمحمد ربيع وهي المدونة التي نشر عبرها روايته " كوكب عنبر" ، ومدونة " متغيرة شوية " لسلمى صلاح ، ولها مجموعة قصصية بعنوان " خروج ".
ومن الأدباء الذين تأثر إبداعهم الروائي بالأدب التدويني ، " طاهر شرقاوي " في روايته " فانيليا" ، حيث الخيال الافتراضي بديلا للواقع ، وكذلك رواية " الألفين وستة " لنائل الطوخي حيث هيمنة روح السخرية ونزعة التهكم التي تتسم بها نصوص المدونات بصفة عامة. ولقد انعكست روح التدوين الساخرة المتهكمة اللاذعة كما رأينا في ميدان التحرير في شعارات الثورة وتعليقات الشباب وفنهم الإبداعي بجميع أشكاله ، ومن الشعراء أصحاب المدونات : الشاعر محمد خير ومدونة " ليل خارجي " والتي صار اسمها فيما بعد عنوانا لديوانه الشعري ، والشاعر أحمد الفخراني وكانت مدونته " سيرة بني زياد " ، ثم مدونة له أخري بعنوان " تياترو وصاحب السعادة" ونشر الفخراني ديوان " ديكورات بسيطة " في إحدى دور النشر الاليكتروني وهي " دار سوسن " ، ثم يصدر بعد ذلك هذا الديوان ورقيا عن دار " اكتب وانشر ".
أما الشاعر " محمود عزت " فقد بدأ بمدونة " كوبري إمبابة " ، ثم أنشأ " دار سوسن " للنشر الاليكتروني وكان يقتصر في النشر بالدار على أعماله والعمال أصدقائه(1)
والعديد من المدونات التي غلب عليها الطابع الأدبي ، اتسمت كتاباتها بالحكايات البسيطة والذكريات والمواقف الشخصية وقد يأتي بعضها مختلطا بالرأي أو المقال أو السرد البوحي الذاتي ، أو حتى بعض من الهزل والتهكم والسخرية أو ما يسمي بلغة الشباب " التهييس ".
 إنها نصوص تتأبى علي التصنيف وتستعصي علي التحديد وترفض بوضوح ما كان يسمى بنظرية " الأنواع الأدبية " أو افتراضية نقاء النوع الأدبي وثباته .
لقد انطلقت مع هذه المدونات عملية الكتابة وصارت كتابة متحررة من القيود وامتزج فيها السردي بالشعري والفصيح بالعامي والعكس.
ومن هنا نستطيع القول بأنه ظهر لون من الأدب متأثرا بالبلاغة الاليكترونية الجديدة حيث:
1.    استخدام لغة الانترنت ومصطلحاته.
2.    تسرب لغة معجم الحاسبون إلي لغة القص والسرد ، كأن يكتب المدون ما كلمات مثل: يهنج ، يفرمت ، يستطب ... إلخ.
3.  تغيير الصورة البنيوية الإملائية ، سواء من حيث اختزال الكلمات أو من حيث التزييد الإملائي كان يكتب كلمة " رائع " هكذا " رااااائع " أو " أوووكي " ... إلخ.
4.    التوسع في المدونات في مساحة الحوار تأثرا بنمط " الشات ".  
5.    عدم وجود قواعد خاصة من حيث الشكل الكتابي أو المضمونة.(1)  
لقد كان التدوين وممارسته أو متابعته وقراءته ، إنما هو بحث عن كتابة مختلفة وتدوين مختلف هذا التدوين الذي كون ثقافة جيل من الشباب ، بل شارك في صنعها . إنه جيل لم يأت من داخل الوسط الأدبي بأشكاله التقليدية ، وبالتالي لم يحتك بالأشكال الأدبية التقليدية ولا بالمنابر المعروفة لنشر أعماله ، وإنما كانت تجربته الأساسية هي مع المنتديات والمدونات ، ولاحقا الفيس بوك(2)
ويؤكد الباحث الشاب د. أحمد عزت " أن التدوين الالكتروني أنتج عالما خاصا له قوانين متفردة تشمل : الوعي المفارق ، المغايرة ، السيمياء المتمايزة ، تداخل الأجناس الأدبية " (3) ويلفت أنظار المهتمين بتطور السرد أن يتحسسوا معالم هذا السرد الجديد الآني أو الآتي بقوة .
وتتسع نشاطات التدوين ونسمع عن مدونات شهيرة مثل : الكنبة الحمرة ، ذرياب ، وسع خيالك ، مستنقعات الفحم ، فوضى الحواس ، لاعب النرد ، لكم دماغكم ولي دماغي ، التدوين أفيون الشعوب .. وغيرها.
إن ممارسات نشاطات الفضاء الاليكتروني والتعامل شبه اليومي مع أدواته ومدوناته ووسائطه ، واتساع هذه الممارسات يوما بعد يوم ، بل وجذبها لأعداد غير قليلة من الأجيال السابقة عليهم – أدى ما سبق إلى فرض حقائق ثقافية جديدة وتقاليد أدبية مغايرة ، وربما كان أهم وأبرز هذه الحقائق :
1- ظهور المنتج الثقافي الجديد المتمثل في الكتاب الاليكتروني أو النص التدويني المتشعب الذي يحمل روح عصره ، حيث النص مدعما بمواد بصرية وسمعية وحيث يرفض النص التدويني أن يكون نصا مغلقا ، بل مفتوحا ، متناميا ، متفاعلا ، مع اتسامه بازدواجية اللغة ( فصحى ، عامية ) وبساطتها.
2-  تحول اللغة العربية المحكية ( الشفاهية ) إلى لغة مكتوبة وظهور قيم جديدة للكتابة نفسها.
3-  شيوع مصطلحات كتابية وحوارية وسردية جديدة وأيضا تقاليد جديدة للنشر والتداول.
4-  ونتيجة لما سبق تراجعت قدسية اللغة وفقدت كثيرا من سلطاتها وتفكك الكثير من قواعدها التركيبية والنحوية.
وعلي ضوء هذه الحقائق المفروضة علي ساحتنا الثقافية والأدبية نستطيع القول بأننا إزاء كتابة تاريخ أدبي جديد في مسيرة الأدب العربي الطويلة المتواصلة الممتدة.

عن الأدب والحرية والثورة :
يقول الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور :
" إن النبي والفيلسوف والفنان أصوات شرعية وشرعيتها تشمل كل ألوان الحياة الإنسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها ، ومجال رؤيتهم هو الظاهرة الإنسانية في زمانها الذي هو الديمومة ، وفي مكانها الذي هو الكون وفي حركتها التي هي التاريخ ".(15)    
وبقليل من التأمل نستطيع القول أن هذه السطور من كلمات شاعرنا الإنساني صلاح عبد الصبور – تكاد تلخص في كثافة وعمق دور الفن والأدب ووظيفته وآفاق هذه الوظيفة الزمنية والمكانية وأيضا غاية هذه الوظيفة وطموحها.
إن الأدب والفن وفق ما سبق إنما هو نشاط إنساني شرعي ، مشروعية هذه الحياة التي يحياها الإنسان. وإذا كان النبي يأتي هاديا ومرشدا مستعينا بالرؤية الكونية والوحي الإلهي ، وإذا كان الفيلسوف يطرح فلسفته بالموقف التأملي واطروحات النقد العقلي ، فإن الفنان والأديب يجسد رؤاه للعالم والحياة والإنسان تجسيدا جماليا يطمح بلا شك إلى فهم العالم بصورة أفضل ويدعونا إلى مشاركته تجربته الجمالية والإنسانية بشكل يؤدي إلى تغير وجهة نظرنا أو تعديلها أو تأكيد ما نؤمن به من قيم إيجابية. إنه سعي ومحاولة للإثراء الفردي والاتساق الفكري والشعوري للموقف الجمعي وبطريقة غير مباشرة ، أي من خلال التصوير الفني والإيحاء والرمز.
من هنا ، فإن الكتابة كفعل وممارسة وحتى تؤدي دورها وتحقق وظائفها وغاياتها ، لا بد أن تكون مثل الحياة التي أوجدها الخالق ، حرة ، طليقة . والفن بصفة خاصة لا يقول الحقيقة ويضع يده علي الجوهر الإنساني ، إلا إذا كان حرا ، ولا يكون فنا إلا إذا قال الحقيقة.
يقول الناقد فيصل دراج :
" إن تاريخ الفن العظيم هو تاريخ صراعه ضد عوالم الاستبداد وإنه تاريخ " تكون بوصفة موضوعا مستقلا يحمل اسم الفن ".(16)
إن الفن و الكتابة فعلا إبداع ، وإن الحرية بمعناها العميق هي إبداع الإنسان لنفسه وتحقيق ذاته من خلال الفعل ، فالحرية إذن " شرط أولي للإبداع ، كما أن الإبداع شرط لكي تصبح أفعالنا ذات طابع حر ، وهذه العلاقة بين الإبداع والحرية ، تعبر عن نفسها بمجاوزة صورة الحياة السائدة التي تكرسها أدوات الاتصال في المجتمع (17) ... إن ذلك ببساطة هو ما فعله ومارسه شباب ثورة يناير حين أوجدوا عالمهم البديل ومقولاتهم المغايرة من خلال أنشطتهم وممارساتهم الذاتية والجمعية عبر عوالم الفضاء الاليكتروني أو أثناء حضورهم القوي على أرض الميدان.
إن واقع مصر الشائه الذي استمر ربما لأكثر من خمسين عقدا من الزمان ، ووصول هؤلاء الشباب خاصة من جيل الثمانينات والتسعينات إلى حافة الضياع وقرب الوقوع  في هاوية اليأس والإحباط – دفعهم لأن يصوغ كل منهم تجربته وواقعه الخاص به ، وذلك في مجموعة من الظواهر والأشياء غير المتوفرة في الواقع الفعلي لقد فعلوا ذلك ابتغاء البقاء وطلبا للنجاة وخوفا ألا يفقد الواحد منهم إنسانيته.
وهكذا يظل الإنسان خاصة الإنسان المبدع الذي يمارس حريته هو الرهان الأكبر في عملية تعديل وتطوير الحياة الإنسانية وجعلها أكثر قبولا ، بل أكثر جمالا واتساقا. " إن الإنسان سوف يبقي دائما هو الساحر الأعظم ، سوف يبقى دائما هو برميثيوس الذي يقبس النار من السماء إلى الأرض ، وسوف يبقي دائما هو أورفيوس الذي يسحر الطبيعة بموسيقاه ، ولن يموت الفن ما دامت الإنسانية باقية ".(18)
لقد وصف الرئيس الأمريكي ثورة شباب مصر وشعبها بالثورة الملهمة. وكان تعليق رئيس وزراء إيطاليا " برليسكوني " إنه شئ متوقع من شعب ما زال يعلم الإنسانية ، وإذ تؤكد هذه الكلمات وغيرها الكثير على فرادة الثورة المصرية ، فإنها في نفس الوقت تؤكد على دور الإنسان وتأثيره القوي الساحر حين يقاتل ليسترد حريته وحين يبدع وهو يمارس هذا النضال.
ونعرض في الصفحات التالية مشاهد من بداية أحداث الثورة ذكرها الشاعر عبد الرحمن يوسف وكتبها في يومياته " يوميات ثورة الصبار " ، حيث شارك في أحداث الثورة منذ بدايتها. وننقل هذه المشاهد عن هذه اليوميات التي نشرها بداية علي صفحات جريدة " المصري اليوم " ، الأربعاء الموافق 9 من فبراير عام 2011م.


لتحميل الدراسة الأدبية بصيغة كتاب الكتروني PDF

ثورة 25 يناير وبعض أصدائها الأدبية دراسة بحثية PDF

مشاركة