السبت، 28 يونيو، 2008

"مشاعر تحت الميكروسكوب بين الفقد والغياب" قراءة في مجموعة القاصة هبه عبد اللاه


"مشاعر تحت الميكروسكوب" ، هى المجموعة القصصية الأولى للقاصة الشابة هبه عبد الله احدي نشيطات نادي أدب قصر ثقافة بورسعيد ومن أصغر محفله الأدبي سنا ، والأحدث رسوا على مرافئ السرد البورسعيدي الممتد بشاطئه العامر.

والمجموعة يؤلفها سبع عشرة قصة قصيرة ، تتسم فى عمومها بالصوت الغنائي ويغلفها الحس الرومانسي ، وهو ما نراه متوائما تماما مع سمات التجارب الأولى ، وطبيعة المرحلة العمرية لقاصة شابة فى مقتبل العمر تبشر بواكير عطائها بالخير القادم إن شاء الله .

وسنحاول فى هذه القراءة معايشة عالم هذه المجموعة للتعرف عن قرب – على الملامح الأولية العامة وطبيعة رسم الشخوص وصياغة اللغة ومعالجة الحدث والبناء ، ونبدأ بخمس قصص يمكن أن تصنف موضوعيا تحت عنوان إحداهما وهى "افتقاد" ، وهذه القصص هي :

عندما تبكي الملائكة ، حكاية أخري ، الرسالة ، افتقاد ، خطان متوازيان.

وسنتناولها تباعا ، والقصص الخمس يعزفها معا إيقاع من الشجن ومشاعر الوأد والافتقاد مع تسرب الأحلام وتبخرها وبخاصة على صعيد العاطفة .

فالبنت الجميلة ذات الخدين المرمريين القابع عليهما زهرتان ناضرتان ، يسافر حبيبها ويتزوج بأخري ، فى الوقت الذي يهيم بها شاب أخر ويتشوق إلى نظرة عطاء او كلمة رضا منها ، لكن قلبها مازال معلقا بطيرها المسافر.

وإحساس الفقد هنا يبرز مزدوجا فهو على مستويين :

مستوي الفتاة ومستوي الشاب المنتظر على تصبر ، آملاً تحول عواطفها واستقرارها على أرضية من معطيات الواقع.

وقصة الحرمان هذه تذكرنا بأغنية للفنان عبد الوهاب مثيرة للآسي هى أغنية "بافكر فى اللي ناسيني وبانسي اللي فاكرني ..........." إنها لغة العاطفة حين تستبد ومعجم القلب حين يهيمن ويفرض مفرداته فينحي المحب المنطق مؤثرا المعاناة مستعذبا الشقاء!

وتأتي قصة "حكاية أخري" وفيها تبدو شخصية الفتاة مغايرة إلى حد ما ، فهي تعيد حساباتها وتحاول الدخول فى مواجه صريحة مع التنفس بعد ان وقع نظرها على صورة لفتاها فى مجلة يبدو فيها متيما وهو ينظر إلى فتاة أخري نظرة مفعمة بالثقة والرضا ، وهى نظرة تذكرها بنظرته إليها وها هو يخص بها فتيات أخريات ، تسترجع صورة بسماته ورسائله الأخيرة على هاتفها المحمول ، تنتبه إلى أنها فى حالة استنامة مسكرة وغفلة جميلة مخدرة ، تطوي صفحات المجلة وقد صارت أكثر إفاقة ، تترك المجلة بجوار فنجان قهوتها البارد وتنصرف.


ان وجود مسافة بين الرائي والمرئي قد تتيح وضعا أفضل للإلمام به وتوصيفه .. إنه انطباع تتركه هذه القصة.

فى قصة "افتقاد" ، تقف الفتاة التى غادرها حبيبها – على شاطئ البحر – وسط عناصر هادئة وادعة من الطبيعة ، بينما الفتاة يثور بداخلها بركان يعصف بها من أحاسيس خانقة ، تستعيد كلماته التى تتردد بداخلها ، تسمع صوته مع همس الأمواج ، تتنسم عطره المبعثر مع رياح الغروب ، ترنو صوب المكان الذي غادر إليه على الضفة . الأخري من البحر الواسع ، تبحر سفينة أحلامها الهائمة التواقة تبغي الوصول لمرفا قلبها على الشاطئ البعيد.

والموقف كما هو واضح فيه مفارقة بين حالة من هدوء الطبيعة وحالة أخري من الضيق النفسي ، تكتفي الشخصية فيه بمجرد العبور للحلم بينما يظل الافتقاد والحرمان جاثمين على أرض الواقع.

وكنت أري – فى إطار الموقف الرومانسي – أن توظف الكاتبة عناصر الطبيعة بما يتفق والحالة النفسية للشخصة.

أما "خطان متوازيان " فهي قصة فتاة تحب زميلها فى المكتب حبا صامتا يكاد يكون من طرفها فقط ، تعيش صراعا بين حب تتوقه وتتمناه ، وبين خاتم لرجل أخر يكبل أصابعها ، تعجز ان تجهر بالحرية والانعتاق ، تكاد تصرخ ليتحرر كيانها من إساره ، تخرج من حجرة المكتب الذي يجمعها به حديث صامت من نظرت هائمة ، تعبر عن شوقها العارم فى الانفلات مما يثور بداخلها من صراع ، تنزع الخاتم من أصابعها بقوة وتنهض مسرعة خارج الحجرة بعد ان امتلأت بزملاء العمل.

وفى هذه القصة تجيد الكاتبة إبراز حالة المكابدة للشخصية وتتوسل فى ذلك بلغة أدبية عالية المستوي يغلب عليها الأداء التصويري والاستعاري فهي :

"تغرق فى الشجن كناي جريح النبرات، يغزل من أنينه لحناً يستعذب اجتراره مرات ومرات" وهى " رمز منسي من لغة مهجور ، ضل طريقه خطأ بين مرايا الواقع المخجلة" ، هذا فضلا عن عنوان القصة ذي الدلالة والإيحاء ، "فالخطان المتوازيان" أبدا لا يلتقيان.

فى تلك القصص الخمس إذن نلحظ أزمة شخوصها وأجواء السرد المغلفة بنسيج من الأسي مع اتساع مساحة الاعتراف والبوح والنزعة الداخلية للصراع وغلبة النهايات الاستسلامية.

على الجانب الأخر نجد قصة فى المجموعة تذوب رقة وعذوبة وتتراقص عبارتها بنغمة مرحة وروح متفائلة وهي قصة "همس" بل يكاد يكون سردها نفسه همسا ، فبطلتها تسير على رمال الشاطئ الذهبية حيث وشوشات الموج تعانق همسات الريح تعثر علي شيىء تظنه قطعة أثرية ، تنبعث منه موسيقي عذبة ، يخبو صوت الموسيقي شيئا فشيئا ، يحل محله صوت نداء خافت يهتف لها ، تبحث عن مصدر الصوت فلا تجده، ويعود الصوت مع الموسيقي الآسرة ، ينبت لها جناحان من حرير ترفرف بهما محلقة بين السحب ، تسير فى سعادة غامرة ، تفيق عند مكان صخرة محفور عليها اسماهما ، تري حبيبها ينهض من الجانب الآخر للصخرة وقد فاضت عيناه بالشوق ، تلمح بين يديه جهازا مماثلا لما تحمله تدرك أنه ليس قطعة أثرية ، إنه جهاز الإرسال . إرسال موجات الحب.

أنها قصة متدفقة ناعمة يرفرف بها الخيال ويتوافر فيها عنصر الجذب والتشويق ويغزلها نسيج من سرد حالم يقود إلى خاتمة جميلة وموفقة .

فى قصتي "إنذار" و "الحافة" يعود السرد التصويري إلى التقوقع على الذات المتأزمة وما تحفل به من مكابدات جراء انسحاق الرغبات ووأد الأحلام.

فى "إنذار" تجبر الفتاة على الزواج ممن لا تحب وهي لا تبدي أى موقف للرفض أو الاعتراض ، تقرر الانتحار وتؤثر التخلص من حياتها على المقاومة ، تسير إلى حتفها وقد لفظت روحها تقريبا قبل أن يعم عليها سكون الموت تشرق عيناها على غروب حلمها ويفزعها الرداء الأبيض الذي يلفها رغما عنها.

وفى القصة تبدو براعة الكاتبة فى ذلك التصوير الذي يظهر فيه الرداء الأبيض وكأنه الكفن بعينه.

أما "الحافة" فهي قصة رمزية تسير أيضا فى هذه الاتجاه الغارق فى الحزن الرومانسي العميث ، مكتفية فيه الشخصية باحترار الألم ، والقصة تصور فراشة فى حالة صراع بين الموت والتشبث بأهداب الحياة فهي ما ان نجحت فى الافلات من براثن العنكبوت ونسيجه المحكم المميت وانطلقت صوب هالة الضوء ، فوجئت بشراك صعب من الشمع المتقطر حول هالة الضوء ، جاهدت لمواصلة رحلة الهروب ، أفلحت أخيرا بعد محاولات مستميتة ... تزكم انفها رائحة دخان جناحيها المحترقين.

وتأتي قصتا " الحجرة" و"خصاص من زجاج مكسور" ليلعب فيها المكان دور البطولة وهما قصتان تؤكدان رؤية الكاتبة فى التناول والمعالجة ، فكلا المكانين أشبه بالزنزانة الخانقة المطبقة على الشخصية المحاصرة نفسيا ، بجسد متعب وروح معذبة.

أما قصص "أشياء" و"تتكرر المأساة" و " فى سكون" و "ندوب على جدار القلب" فهي تقدم نماذج حالات إنسانية فى الحياة ، مجسدة للتشيوء أو الدوران فى ساقية المعيشة الطاحنة ، أو نموذج حي للجحود والنكران كما فى قصة "سكون" حيث يطمع الأبناء فى منزل الأسرة الذي يأوي آمهم العجوز بعد خروجهم وزواجهم ، يقررون إلقاء إلام فى دار للمسنين بعيدا عن دفء منزلها وموطن ذكرياتها وساحة تضحياتها.

وفى "ندوب على جدار القلب" يتعاطف موظف الإسكان مع المرأة الفقيرة ذات العيال والتي عجزت عن سداد إيجار شقتها الضيقة بسبب الفقر وشدة الحاجة ، يذهب لتوقيع الحجز على محتويات الشقة الفقيرة رغما عنه بتعليمات مشددة من رئيسه ، توحي أجواء القصة بخيبة أمل الموظف وشعوره بالمرارة إزاء إحساسه بالعجز عن فعل شيء للمرأة.

أما "يوميات رجل ناجح جدا" فهي تكاد تكون ذلك النموذج النمطي المتكرر لشخصية رجل الإعمال الذي تستغرقه أموره العملية ومغامراته العاطفية المتعددة ، وذلك على حساب حقوق أهله وبيته ما يؤدي إلى البديل الحتمي من حضور الملل والإهمال بقوة فى حياة الزوجة والبيت وإحساس الزوجة بالفراغ واللاجدوى وحتي تدفع ذلك عن حياتها ترتدي مثل زوجها الأقنعة ملتمسة الدفء ونبض الحياة بعلاقات تثير الشك والريبة.

وكان يمكن للقاصة أن تتناول هذه الشخصية تناولاً جديداً بصياغة حالة ايجابية ورسم صورة واقعية لرجل الأعمال تحدث نوعا من التوازن الموجود فى الواقع بالفعل ، فليس كل رجل أعمال ناجح يرتبط نجاحه بالإخفاق العاطفي والأسري.

وأخيرا ، وبعد استعراض جل قصص المجموعة والإشارة إلى سمات الكثير منها بناء ولغة ، يجدر أن أسجل هنا بعضا من الملاحظات الفنية حول المجموعة بشكل عام ، ألخصها فيما يلي :

1- الكتابة فى المجموعة تحتفي بالشعرية جوهرا للرؤية وأسلوبا بالكتابة إلى درجة التى تحلق فيها المفردة والعبارة فى مدارات شعرية خالصة.

2- واضح من المجموعة إحساس الكتابة باللغة وعنايتها وحرصها على الأداء السليم المتجاوز للحن والعجمة والابتذال.

3- الرؤية والموقف الرومانسي فرضا المعالجة الأسيانة للحالة والحدث ورسم الشخصية المستعذبة للألم ، المستسلمة لمصيرها المأساوي.

4- يكمن فى ثنايا الكتابة نوازع قوية نحو التطهر والاستشفاء بالبوح ورغبة ملحة فى الانفلات من إسار واقع ظروفه محبطة ، لكن دون مقاومة عملية مضادة تبديها الشخوص.

5- يستشعر القارئ المتأني عدم نضوج فكرة بعض القصص فى المجموعة واستوائها تماما ذهنيا ووجدانيا ما ينعكس بدوره على صياغة العبارة صياغة مبهمة تحول دون تدفق السرد والمعني ، وتعاني من تداخل الضمائر المربك للقارئ.

وبعد فإن المجموعة تبشر بميلاد قاصة تكسبها الساحة الأدبية فى بورسعيد وليس هناك أثمن من بزوغ نجوم جديدة فى سماء الإبداع ، فمولد نجمة معناه المزيد من النور والأمل لسماء حياتنا التى كادت دياجير اليأس تلبدها بالظلمة والغيوم.

مشاركة