الخميس، 18 أبريل، 2013

شباب القص التسعينى وآفاقه الواعدة

يعد القاص الشاب إبراهيم صالح أحد الأصوات القصصية الواعدة ، فقد لفتت أعماله أنظار بعض نقادنا الكبار ، كالدكتور يوسف نوفل في كتابه " القصة بعد جيل نجيب محفوظ " ــ دار المعارف 2000 م ، وبعض دراسات الدكتور رمضان البسطويسى عن الكاتب نشرت بين أعوام 99 ، 2001 م والتي تناولت مجموعاته القصصية : " أجواء خريفية " 1996 ، " فتاة القطار " 1998 ، " برد محتمل " 1999 ، وأخيرا روايتيه " السماء كم هي بعيدة " عام 2001 وأيام سمان أيام عجاف " 2004 ، وعبر جهده الإبداعي بين القصة القصيرة والرواية ، تبرز سمتان لكتابة إبراهيم صالح رصدهما نقاده ومنهم القاص والكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة وهما :

إن كتابات شباب القص بصفة عامة ، تحلق فى فضاءات نصية ، تدعم مركزية التحرر والتطهر والاستشفاء والمواجهة ، وتقاطع الذاتى والمتخيل وفيها يقترب الرواى من التطابق التام مع صورة المؤلف الضمنى ، ويتوصلان بقوة مع القارئ ، ونيجة لهذا التواصل ، يتردد فى فضاء السرد اللعب بالضمائر بين الغائب والمتكلم ، ولضمير المخاطب حضوراً أيضاَ .

ووتسع لديهم مناطق الاعترافات والبوح وكشف نواحيها المعتمة ، وسنتناول تباعا فى الصفحات التالية – أعمال ثلة من الجيل التسعينى مشيرين أيضاً بشئ من التفصيل إلى الملامح الخاصة بكل منهم .

إبراهيم صالح " وبرد محتمل "

يعد القاص الشاب إبراهيم صالح أحد الأصوات القصصية الواعدة ، فقد لفتت أعماله أنظار بعض نقادنا الكبار ، كالدكتور يوسف نوفل في كتابه " القصة بعد جيل نجيب محفوظ " ــ دار المعارف 2000 م ، وبعض دراسات الدكتور رمضان البسطويسى عن الكاتب نشرت بين أعوام 99 ، 2001 م والتي تناولت مجموعاته القصصية : " أجواء خريفية " 1996 ، " فتاة القطار " 1998 ، " برد محتمل " 1999 ، وأخيرا روايتيه " السماء كم هي بعيدة " عام 2001 وأيام سمان أيام عجاف " 2004 ، وعبر جهده الإبداعي بين القصة القصيرة والرواية ، تبرز سمتان لكتابة إبراهيم صالح رصدهما نقاده ومنهم القاص والكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة وهما :

1 ــ اهتمام القاص بالتجريب وتقديم أشكال سردية عدة ، كالرسالة واليوميات والحلم ، والتداعى لتيار الوعي ، جنبا إلى جنب مع تقنيات الحدث السردي الخطى الحاضرة شخوصه في الزمان والمكان الواقعيين .

2 ــ الحضور المأساوي لطقوس الذات المعذبة ، برغباتها الموءودة في احتفاء واضح بالزمن على كل مستوياته ، مع إحساس طاغ بتلاشي المكان .




وربما تتبدى هاتان السمتان في مجموعته " برد محتمل " والتي تشكل قصصها الثلاث عشرة ــ إضاءات مركزة للحظات زمنية دالة ، يتناولها الكاتب برؤى الذات الساردة الذات المعذبة ، مستعرضة ألوانا متكاثرة من الإحباطات لواقع تتجذر في تربته كل عوامل بؤسه وشقائه ، وترتد تناقضاته الصارخة ، تصفع بكل وحشية ــ ذواته التي كانت تحلم بقدر متواضع من الأمن والسلام النفسي ، فلا تجد سوى قبض الريح ، وسط ظروف ومعطيات نافية لإنسانية الإنسان ومصادرة لأحلامه ، ومن ثم تنكص الذات تبحث عن خلاصها في أحلام الطفولة المجنحة البريئة أو تستدعى تواريخا وحقبا كان للإنسان فيها الفعل والحضور، فإن لم تسعفها ذاكرة الطفولة ومطالع الشباب أو مشاهد التاريخ ذي الاحتفاء بالحضور الإنساني ــ لجأت إلى الإدانة و السخرية المريرة التي تصل إلى تخوم العبثية والعدم .

" مضت المركبة الذهبية مع الأميرة النائمة وسط الأحلام ، ومضى عهد الطفولة جميع عهود الطفولة بائدة ! راحت حكايات ألف ليلة تدور في أروقة ذهني غالب أيامي ، فأنتظر بلهفة مصباح علاء الدين و أفكر بشوق في البساط السحري ... كله راح ! ( برد محتمل ص86 )

وترتد الذات الساردة إلى واقعها حيث لا إحساس بأبعاد المكان والذي لا يكاد يعرض إلا فى سطر واحد فى قوله :

" خطوط المكان عرضية وطولية ، ألوانه بنية غامقة ، أشجاره المظللة سامقة وارفة " .ص85

وحين تكون الذات مرتدة لواقعها ، يهيمن عليها قلق طاغ يزيح أبعاد المكان ، فإن هذه الذات لا تبصر ولا تتعاطى إلا حصادا من المرارة والغصص :

" حين تطول شفاهى الكوب سوف تعرف الطعم ، النيران تتلظى فيها الأجساد ، تتهدل الشعور وينبعث الرعب في العيون ... الماء ينسرب إلى بلعومي باردا ، تعبث قطة ضالة بطرف المنضدة ، تحك رأسها في ساقى ، يحوم ماسح أحذية من حول القدم يرقب الحذاء بقلق ... شيئان لا ثالث لهما الحياة والموت "..ص86 وإذ تقع عين السارد " بضمير المتكلم " على ماسح الأحذية الفقير ذي الإلحاح المضجر ، وعلى عجوز قابع منكسر فى الركن المقابل ، تطفو صورة الجدة على صفحة تيار التداعى متشحة بطرحتها السوداء التي أحالها العوز والقدم للون رمادى باهت ، تحكى له ملهبة لخياله الطفولى ، وإذ بامرأة متفجرة الأنوثة تمر أمامه فتوقظ فى بدنه رغبات فوارة طالما حاول وأدها ليظل هكذا جائعا مسعورا .

" تمضى بأقدامها الثقيلة وجسدها الفائر ، تخلفنى جسما قلقا حارا تعصف به الشهوة وتجنح بهدوئه الرغبة " ص 89

وفى قصة " رأيت فيما يرى النائم " يوظف الكاتب سردية الحلم ، فيرى النبى " نوحا " عليه السلام ــ يطوف بسفينته : " يلوح للناس يقول لهم : هلموا الطوفان آت ... آى طوفان يقصد !؟ غرقت الأرض فعلا منذ آلاف السنين ، ومات من مات "

وتزول دهشة الراوى حين يفيق على قسوة الواقع وخشونته بالطوفان تلو الطوفان، حين تطالعه عناوين والصحف بحطام الطائرات وأخبار الكوارث ومشاهد الدمار فى عالمنا ، ويتمنى الراوى لو استطاع أن يتشبث بأطراف رداء نوح، فبلقى به على سطح سفينه النجاة ، ولكنه يخفق في إدراك أمنيته حتى فى الحلم .. إن كوارث الواقع ومآسي الإنسان تتجاوز بكثير الآم البشرية فى أى عصر مضى ، ويزيد الآمر مأساة أن عصرنا يفتقد المنقذين ... إن أسباب الاختناق ودواعى الحصار والألم تفرض نفسها جزءا أساسيا فى بنية الوجود السردى للذات الراوية، وتأتى عبارة القاص التي تشكل عوالمه موجزة مشحونة بطاقات لغوية ودلالية تختصر الأزمنة وتصنع المفارقة ، ولا مجال لحشو أو استطراد

" أنظر إلى الصحراء الموحشة فتنتابني الكآبة ، هنا آخر بلاد الدنيا حيث جاء الإسكندر الأكبر ... قالوا لي : هى الواحات ، لا يوجد غيرها مكان غنى وجدير بالدراسة ، والدراسة مجالها واسع ، وداخلي ظمأ لا يهدأ ، والوحشة تجثم على أنفاسي العطشى ، وآسى عميق يجتاحني ... كهنة الإسكندر هناك غارقون فى سباتهم الأبدي ، الإسكندر لا وجود له ، ولا وجود لأحلامه ... قمبيز اندثر واختفى مع جيشه الكبير ، كل هذا صار وهما وشذرت أفكار عن لاشيء ... من قال أن هناك كانت حياة ذات يوم ؟؟ " المجموعة قصة مسافر ص 29 .

هكذا تفصح اللغة عن بعض رؤى الكاتب وزمنه الوجودي ذي الحدة والشعور العدمى والذي تبوح به موهبة قاص ذى حساسية مفرطة شعورية وفنية، تحت وطأة علاقات لا معقولة أفرزها واقع طبقى ذو معطيات لا إنسانية تسحق قسوتها النفوس والأجساد وتسلب من البوساء أدنى درجات الحلم .

-أسامة كمال " لك الموت يا راعى اليمامة "


عن سلسلة " كتابات جديد " الهيئة العامة للكتاب عام 2000 م ، صدرت مجموعة " لك الموت يا راعى اليمامة " لآسامة كمال ، ضمت المجموعة ستا وعشرين أقصوصة بدا الكاتب حريصا على إخراجها فى شكل كتابى يتشاكل مع قصيدة النثر ، موظفا الفراغات البيضاء فى الصفحات توظيفا قد يكون لغرض دلا لى يمنح فرصة لتواجد معان مرجئة ، أو محاولا توريط القارىء معه فى عالم النص ومنحه هو أيضا مساحة لملء الفراغات أو لإنتاج نصه الخاص به .

ويعول أسامة كمال فى كتابته على عنصر الإيقاع ويلح عليه ، ويبدو ولديه كأنه ضرورة نفسية وفنية وبالتإلى فإن متعة النص ولذته لا تأتى من معايشة السرد الحى الحافل باصطراعات الشخوص ، بقدر ما تأتى من النظم الإيقاعى للجمل ، بالإضافة إلى هذا ، نراه يفيد من تكنيك السينما وتقنيات الصورة البصرية ونلحظ ذلك فى عنواين الأقاصيص ذاتها : مشهد ، صورة ، لقطات بدون وضوح ، الشاشة ... وهكذا .

وهو يجيد المراهنة على التكثيف ولأختزال وتجنب استخدام أدوات الوصل والربط

فى نص " الشاشة " يكتب :

" من فوق الرؤوس ــ تبعث الألوان

زجاج النافذة يعكس الوجوه فى السماء

ما بين الضحك والبكاء تظهر الحياة

ظلالا بلا نهاية

وحده برسم خطوطا لأنثى ، لا يراها على الشاشة

يغطيها الشمع

يحتويها بين أصابعه

تذوب فى مياه رغبته ... عطرا لم يشمه بعد ..." *57

نحن إذن أمام لوحة سمعية / بصرية تجسد " رؤية " أو " لحظة نفسية " موضوعة فى إطار

" حالة قص " يبهت فيها زمان الحالة ومكانها أيضا .

ويسيطر على لغة الكاتب وأسلوبه حضور قوى للجماليات التجريدية إلى جانب سطوة الإيقاعى السمعى الناتج عن تشكيلات الكتابة ، وهنا تهتم اللغة بتوليد المعانى، وإنتاج الذهنى والإشارى . وبالتوصيف الشعرى يصبح المذهب الفنى هنا أقرب ما يكون إلى " أبى تمام " وأبعد ما يكون عن " البحترى " .

فى قصة " قلت لا ... دون أن أشعر بذلك " يدور هذا الحوار بين المروى عنه وصديقيه :

" قال صابر ...

لا تستطيع أن تتنبأ بشيء ... الضباب يكسو العالم .

امتلأ وجه عادل بخطوطه المعتادة ...

قال

ــ بعد سقوط كل الأفكار ، أصبحنا نبحث عن النواة من جديد .

... الصينية لمعت في عيني ... رأيت فناجين القهوة ... فشعرت بالدفء ... أشعلنا السجائر ... فامتد الدخان بيننا ... في الطريق ... الأعمدة تعطى لونا أصفر ... يمتد أمامنا ... " *58

أما في القصة عنوان المجموعة " لك الموت يا راعى اليمامة " فعنوانها مصاغ بأسلوب خبري لفظا إنشائي معنى يتضمن غرض الدعاء ، واليمامة تأتى فى القصة رمزا للانطلاق والحب وتربط القصة بينها وبين المرأة التي غادرها زوجها بحثا عن الدولارات والأجهزة الحديثة ، وتركها تلوك وحدتها .

" المراحيض أصبحت صامتة وعذبة الرائحة ... فقد غاب الجميع ... وبقت اليمامة " 59*

وبالتالي فالعنوان يكاد يكون موقفا غاضبا ومحتجا بشدة على رعاة اليمام الراحلين ابتغاء الدولار ليظل يمامهم مؤجل الفرح دائم الحزن محلقا في دوائر القلق لا يحط ولا يقر... لقد تبدى هذا الموقف الاحتجاجي الغاضب في عنوان القصة في حين أن النص نفسه لم يكن على نفس المستوى من الحدة والدرامية ، ففي النص لم نكن معايشين لمعاناة المرأة وأحزان اليمامة ، ولم نكن نستشعر جفاف أيامها وعطش لياليها وإنما فقط استنتجنا ذلك من خلال الكتابة ...

" المراحيض أصبحت صامته ".


ولا شك أن الكاتب ومن يجايله من شباب القص ، يبحثون باجتهاد واضح عن ذائقة جديدة ، ذائقة من أبرز سماتها ، أنها تهتم بتفاصيل المعيش وتسجل اليومي وتسلط أضوائها على اللذات المنطوية في عالمها الضيق على جراحها وآلامها ، ولكن المعيش اليومي لدى الكاتب يأتى جماليا ــ عبر التأملى والفكري نتيجة لغة مشحونة بالإيقاع ، أنها جماليات لا تأبه لعناصر النص التقليدي ولا يؤرقها ذلك ، بل أنها تحرص على تفكيك هذه العناصر وطرح رؤاها بصياغاتها الخاصة بها

يبقى ملحوظة تتعلق بالسلامة النحوية ومدى الحرص على أهميتها ، إذ ورد في المجموعة أكثر من خطأ نحوى كما في الصفحات ص 16لم يرفع يداه ، ص 18 " لم يعد له إلا الكذبة و الخائنين " ص 20 لم يعد يسمعه أو يراه " ، ص36 " الأعمدة تعطى لونا أصفرا " ، وتكرر هذا الخطأ ، بتصريف مالا يصرف فى ص60 فى قوله " يرى حمدى طائرا أبيضا " ، والصحيح أصفر وأبيض .

صلاح عنتر ، طارق حلمي ، ومازن صفوت ، يسيرون "بمحاذاة الشاطئ" :

" بمحاذاة الشاطئ " هي المجموعة القصصية الصادرة عام 2000 م عن الإقليم وسبق أن تناولنا من كتاب هذه المجموعة القاص ــ حامد موسى ــ وهو إلى حد ما يعتبر مجايلا لهم ، أي أن المجموعة ولظروف تتعلق بقيود النشر ضمت أربعة من الكتاب متقاربين سنا ، إلا أن هذا التقارب يضم إبداعات وكتابات تطرح نفسها وخصوصيتها مع ملائمة كل منها للملامح العامة التي يتسم بها قص العقدين الأخيرين من القرن العشرين .

وإذا كان حامد موسى بدا باحثا عن الأمان بين أعطاف القرية ، حيث تفتح وعيه أثناء التهجير وعبر عن عدم ألفته واغترابه في عالم المدينة خاصة وهو يدركها كسوق انفتاحي ، فإن قاصا مثل مازن صفوت يبدو مدينيا ذا غنائية ذاتية تعزف على أوتار اللا تحقق واللاترابط وهو يعبر عن شوقه العارم وحلمه الدائم بالانخلاع من هذا العالم الزائف و " الإبحار بعيدا إلى حيث يعيش آخرون ، عالم جديد ناصع الألوان بسماء زرقاء لا نهائية " ... من قصة " الإبحار " ص74

إن الذات الإنسانية لديه تعانى إرهاقا جراء ضغوط تقع عليها فتجتاحها أحاسيس التهميش ومعاناة الغثيان ، وتعكس قصتا " هاوية " و " مرثبة لعام الجليد " كثيرا من التشوش ومشاعر التشظى والتجزيء ، إنه سرد يفكك الذات ويطرح ذواتا صغيرة وهشة وسط مشاهد من مدركات بصرية، واحتفاءً أكثر بالحواس وحالات تفتحها الأولى :

" كعادتك تصحو وتنفث دخان الأمس المتراكم في صدرك ، تنظر إلى الكتب المتراصة وتتذكر يوسف النجار، وفاطمة تصنع قهوتك بينما ينعى أحمد فكرون شوارع المدينة ، تتذكر عدم تطهرك من تلك الليلة ، تستقيل الانهمار الساخن ، تتفتح مسامك ... تثبت أنك لازلت تتنفس في دفتر الحضور ، تستقبل مرارة الشاي وترفض ابتلاع الدخان ... يبدأ صراع تقاطع الكلمات ، سيلجأون إليك مع أنك لم تستطع حتى الآن شجب صراع كلماتك "...من قصة " تداخل " ص 83 فالسرد إذن ينشغل عند مازن بصوت بصور الذات فى حالات تشظيها ، ولغته تأتى وصفية حادة ومباشرة ، لا تسعى إلى تجميل أو تزييف ، ولا تختبئ وراء مجاز أو تنافق الذائقة التقليدية للمتلقى بقدر ما تهزها ، وأحيانا بشكل صادم ، والأنثى في قصصه موضوعا جنسيا ومطية للهروب من عالم جليدي ، " لا عليك فقد امتص الثلج كأسك فاهتمي به ، علك تفسرين تلك المسافة بين ثدييك وتجعلين منك صيدا يمنحنى طلقة الرحمة " ... الهاوية ص 93 .

وهى تمنحه لحظة من الإثارة والدفء ودفقه من حنان ، تخرج به عن حصار الضجر وذلك الزيف الرمادي الذي يغشى ما حوله ولا يطل في سماءه سوى " قمر معدني " :

" ذاق أمومة الأرض مختلطة بحليبها الدفيء ... تعطر وجهه بطيب شعرها الحاد الرائحة ... اصطخب النبع فغاب في دوامته ... حرر الفخذين مقبلا منا بت الشعر المنسكب إلى الأمام ... أفشى السر ... أعتاد انتفاضة اللذة ... امتصته الأرض ... ذاب في موتها المتجدد " ــ من قصة " وخزات " ص 77 .

ويأتي صلاح عنتر وله خمس أقاصيص لكنها تشغل حيزا أقل مساحة داخل المجموعة ، ذلك لأنه توسل أسلوبا أقرب إلى النثر الشعري واللغة عنده مشعة وساطعة كما أن لشخوصه حضور في نصه ،فالمروى عنه في الأسلاك الشائكة ، ورغم أنه يمارس عملية نفى وغياب للذات إلا أن لحظة موته منتحرا تأتى لتعلن في قوة عن صراخ وارتطام احتجاجي ربما لجذب الانتباه وهز دواعي المبالاة في واقع صارت ذواته منعزلة منكفئة على أوجاعها في جزر معزولة .

" فور انتهاء الطابور ، سمعنا صوت انفجار مكتوم ، فلم نبال ... أنات خفيفة إلى جانب بندقيته المتربة ، منها أطلق رصاصة معربدة اخترقت بطنه لتنفذ من ظهره مرتطمة بالحائط الطيني الجاف "* 60 ... ــ أما في أقصوصة " عش العصافير " فيأتي بنائها متماسكا ليعالج الاغتراب والقهر... في " الليلة السابعة بعد الألف " تفشل الروح في الخروج من مدن الضباب والرماد ــ وفى كل مرة ترتطم رغبة الانعتاق بحوائل متكاثرة وحواجز محبطة ، وينتهى البحث عن حزمة من الضوء بمزيد من الظلمة والبرودة التي تتغلغل حتى العظام ، لا مفر إذن من العدم والتلاشى " الريح تعبث بالدموع في جميع الجهات ، تثا قلت خطواته الفزعة ، ارتطم بالأرض وقد تاه " في ومض السماء " ص43

أما " طارق حلمى " فيؤكد نفى الوجود الإنساني بغياب دائم للوجود المادي والمعنوي للذات التى يظل طموحها فى التواجد مستحيلا وخارج إمكانات الفعل الإنسانى العاجز ، فشخوصه تبدو ذاهلة محلقة وخارج إلى بعيد أو ساقطة فى مهاون سحيقة أو معلقة فى " أنشوطة " *61، ودائما تكون محكومة بالسقوط لأنها أرادت المستحيل يتجلى ذلك فى قصصه ذات العناوين من الكلمات المفردة المؤكدة للنفى والضياع بصيغة المفردة النكرة ، شديدة الإيحاء بالتجزىء واللاحضور فالقارىء لا يواجه فى عالم طارق حلمى إلا بـ " الإخفاق " و " الاندحار " و " قربان " مردود مرفوض و " تناد " لا يجد إلا الضياع فى متاهات الصدى ،وسقوط مدو فى " امتدادات التخوم والأزمنة " ، حتى وإن سافر طارق حلمى إلى الأزمنة البعيدة ومدائن التاريخ فما ثم إلا سدوم وعمورة ومدائن الأحزان

جمال قاسم و " أشياء تأتي بغتة " :


في تقديم دالٍ لمجموعته " أشياء تأتي بغتة " ، الصادرة عن مشروع النشر الإقليمي عام 2002 ، يقول المؤلف الشاب :

" أيها الوطن … لك الله ، ولى ان أهدى مجموعتي إلى أمى وأبنائى" ولا يخفى ما في هذا التقديم من نبرة يأس وقنوط على ما آل إليه حال الوطن ، وبالتالي لن تنشغل المجموعة بالوطن بصورة مباشرة ، وإنما ستنشغل به بطريقة غير مباشرة وذلك عن طريق انعكاسات أوضاعه ونتائج أحواله على الذوات البشرية خاصة شريحة كبيرة من الشباب تحمل المجموعة نبضها وتعبر عن حالتهم النفسية ، وحالتهم التى نال منها الانكسار وأرهقها الانكفاء على الذات والشعور بالتهميش وفقدان لا أقول – مشروع قومى يمكن أن يقيل الوطن من عثراته – بل أمال يمكن أن تلوح للشباب في الأفق حتى تخرجهم من أنفاقهم المظلمة ، وتبتعد بهم عن مدارات اليأس والمرارة . وبالتالي ، فإن جل ما تتناوله قصص المجموعة القصار ، إنما يدور حول مواقف نفسية ذاتية ، وحالات هروبية تجسم اليأس وتشعر بالعجز وتلوك الإحباط وهى تنغمس بشخوصها المستشعرين تفاهة الحياة – في عوالم الفقر والحرمان ، والأحداث مزيج من المألوف وغير المألوف لكنها في كل الأحوال غنية بالرمز والدلالات وبعيدة عن النمطية وأزعم أن جمال قاسم بموهبته وبقدراته القصصية يحاول في هذه المجموعة أن يجد حلاً للمعادلة الصعبة ما بين تهويمات التجريدى وتجسيدات الحى المتحرك ، ما بين آليات القص التقليدي وتجريبيات القص الحداثي أى أن الكاتب في حالة بحث عن أدوات وآليات لإحداث تغيير مطلوب لكى يتوائم الفن مع الظروف المحيطة .

في قصة " أشياء تأتي بغتة " يرسم صورة إنسانية لذاتٍ مهمشة وكأنها مرتسمة على مرآة متكسرة إلى قطع صغيرة .

وفي "لعبة الكراسي الدموية" نستشعر الحياة دوامة مأساوية ، وفي "لقطات" صورة باهته لأشباح شخوص ، وأما قصة "المولد" فهى تعبر عن ذهول الناس وتخبطهم .

وشخوص المجموعة غالباً ما تلزم محيطها الفقير ، وقلما تتمرد على هذا الواقع المريض المُتفسخ أو تثور عليه ، ويصل هروبها وانسحابها إلى مداه حيث تترك أحياناً عوالم الناس لتهتم بعوالم العفاريت والأشباح والقطط في خرابات الحوارى والأزقة المعتمة ، أو تنغمس في الكوابيس والفنتازيا .

ويصير الحلمي أو الكابوسى والفانتازى آلية قصصية معتمدة لدى الكاتب وهو نتج من خلالها سرداً حاداً مكثفاً مشبعاً بروح الأسى ومُصفى تماماً من الزوائد .

في قصة "العفاريت تقيم الأعراس" يعود الراوي بضمير المتكلم إلى بيته ليلاً ، يحاول أن يسلك طريقاً مختصراً كثيراً ما حذرته أمه من السير فيه وكذلك الكثير من أهل بلدته ، يضرب بالأقاويل والتحذيرات عرض الحائط ويتوغل في الطريق وسط بُهمة الليل وصمت كصمت القبور يقرأ المعوذتين وما استطاع أن يتذكره من آيات القرآن الكريم ، ها هو المنزل المنهار الموجود على مشارف البلدة قد بدا كتلة سوداء لا تتضح معالمها وها هى الأضواء تتلألأ من بعيد ، دقات قلبة تهدأ … يأتيه صوت قريب

" - السلام عليكم …

- ألا تخشى العفاريت ؟

توقف عن السير … عفاريت ؟

عادت الأقاويل والحكايات عن المنزل المنهار كأنها لا تزال تُثبت في سمعي ، البيت يبنى ليلاً فتراه كالقصر الكبير ، ثم يصبح كما كان .. المارد يمتد أفقياً ، ثم يستطيل رأسيا ويخرج من فمه لهباً .. (العفاريت يقيمون الأعراس)

- ماذا أفعل إذن ؟

- اجلس معنا هنا حتى تشرق الشمس .

- لكن المسافة على وشك الانتهاء .

- المسافة التى قطعتها شئ والخطوات الباقية شيئ آخر .

- ماذا لو تجرأت ؟

- ستكون مثل الذين سبقوك .

- يا للكارثة .. أنزع ملابسي وأهيم بالشوراع ! لقد اكتظت بهم البلدة .

- أجلس واطمئن واقترب من نارنا حتى تشعر بالدفء .. افسحوا لي مكاناً بينهم فجلست .. واذا بالنار ترتفع فجأة حتى عنان السماء ، ثم تخمد ، ثم تشتعل فيرسم قوس قزح بألوان لم أعهدها ، درجاتها ما بين الأسود والأسود .. أخذ الرعب يتسلل إلى نخاعي .. ارتجفت عظامي حين وصفونى بأننى عريس الليلة ، وطالبونى بأن اختار من بينهن عروساً بعدما تحولوا جميعاً إلى نساء ، بل امرأة متعددة النسخ … ملابسهن تتأرجح بين الأبيض والأسود وتارة بلا ملابس .. ألسنة النار تخرج من أعينهن صوب عضوي فينتصب ، يمزق القيود ، يمتد في اللاشئ … يمتد (يقمن حوله الأعراس) فتبرز منه أعضاء كثيرة يجلسن فوقها في طابور طويل … يتراقصن ، يستطلن ، ينكمشن ، يصرخن محدثين دوياً في الفضاء يعقبة رعد وبرق … تتساقط المياه في البعيد كانت القردة تقفز من فوهة عضوى وتهرول نحوى تحاصرني في دائرة محكمة .. لم أعثر داخل فمى على كلمة واحدة .. حالة من الذهول انتابتني حتى تلاشت تماماً …

أفقتُ على تجمع الناس حولي .. رفعت جفونى الثقيلة متفحصاً الوجوه ، لم أتعرف على أحد منهم .. اندفعت من بينهم هائماً تاركاً لهم ملابسي المبللة …" *62

في قصة "بقايا امرأة" يكثف القاص بحدة ظاهرة زواج المصريات بالخليجيين تحت ضغط الفاقة والعدم يكتب بطريقة تلغرافية :

"سافرت منذ عشر سنوات – فتاة جميلة جداً في مقتبل العمر ، تشبه إلى حد كبير الموناليزا .. تزوجت من ثري عربي وسبحت في بحر الثراء .. تركتنى وحيداً .. بالأمس عادت ، جاءتنى تشبه إلى حد كبير صورة جدتي … سأظل وحيداً …" . *63

في قصص "الصعود على جدار أملس" ، "جبل الرهبة" ، "ترهل" ، "محاولات لرجل وحيد" يعتمد الكاتب آلية في بنية السرد وهي آلية التكرار ، والتكرار عنده قد يكون تكراراً لأصوات أو كلمات أو تراكيب يكرر إياها بادئاً بها المقاطع هادفاً بذلك إلى تقريب وجدان المتلقى وزيادة تركيزه ذهنياً وأحياناً يبنى على التكرار تنامياً للحدث أو صنع مفارقة واضحة مع المقطع السابق ويبدو هذا بوضوح في "جبل الرهبة" ومن قصصة المتميزة البناء وطرافة الفكرة قصة "تواطؤ" و "ثلاثون يوماً قبل القيامة" و "سباق نادر وحصان نادر في المقدمة" .

وهذه القصة الأخيرة تحكى عن مأساة قرية ، فيها عمدة يجمع التبرعات للمسجد يخدع العمدة أهل القرية ويشترى بأموالهم حصاناً يطلقة يأكل مزروعاتهم ويتلفها ، لا يستطيع أحد أن يعترض رغم الثورة المكبوتة في الصدور ، يختار أهل القرية الشيخ الوهيدى لينقل للعمدة ثورة الأهالي وسخطهم ، الناس في اللحظة الأخيرة يتخلون عن الشيخ ، يجد الشيخ نفسه واقفاً أمام العمدة الظالم بمفرده وقد انفض الناس من حوله ، لم يكن أمام الشيخ إلا أن يقول للعمدة إن الأهالي يريدون التبرع لشراء مهرة من النوع النادر ليقدموها هدية متواضعة لحصانكم الكريم .

مشاركة