الأحد، 2 سبتمبر 2012

آن ماري شيمل عميدة الاستشراق الألماني وصديقة الإسلام

لقد اعتبرت "آن ماري شيمل" Anne Marie Schimmel عميدة المستشرقين خاصة الألمان منهم ، كما تعد من الخبراء الأوائل المعدودين في الدراسات الصوفية الإسلامية وكذا في الفنون الإسلامية وفن الخط العربي . أما ما ترجمته من الشعر الإسلامي بكافة لغاته فيعكس خبرتها وقدرتها على فهمه وتذوقه والإحاطة بأجوائه .


يكاد يكون من المستحيل في هذا العصر التعرف على الجوانب الإيجابية في الإسلام في الحياة اليومية ، لأننا نكاد نغرق في الطوفان الإعلامي الغربي ، وفي غمرة نشرات الأخبار المتتالية ، الموجهة إلينا بأسلوب الإعلانات التجارية ، والذين يعادون الإسلام يفعلون ذلك عن جهل به ، لأن الإنسان عدو ما يجهل.

المستشرقة الألمانية "آن ماري شيمل"

مقدمة :

في نهاية شهر يناير من عام 2003م ، نعي إلى العالم شرقه وغربه ، رحيل المستشرقة الألمانية " آن ماري شيمل" ، عن دنيانا عن عمر يناهز الثمانين عاماً ، تاركة وراءها تراث غنياً من الدراسات الإسلامية سيظل دائماً شاهداً على نبل المقصد ، ومحبة الحقيقة وشرف الكلمة والتجرد من الهوى المغرض ، فضلاً عما خلفته من احترام وتقدير لدى كافة الدارسين والمتخصصين في الدراسات الإسلامية والشرقية في عالمنا المعاصر .

لقد اعتبرت "آن ماري شيمل" Anne Marie Schimmel عميدة المستشرقين خاصة الألمان منهم ، كما تعد من الخبراء الأوائل المعدودين في الدراسات الصوفية الإسلامية وكذا في الفنون الإسلامية وفن الخط العربي . أما ما ترجمته من الشعر الإسلامي بكافة لغاته فيعكس خبرتها وقدرتها على فهمه وتذوقه والإحاطة بأجوائه .

وقد ولدت آن ماري شيمل في 7 من إبريل عام 1922م وبدأت دراسة اللغة العربية ولم تكن قد تجاوزت الخامسة عشرة من عمرها .

تعرفت آن ماري المصادر العربية وأصول الحضارة الإسلامية وتقدمت في دراستها حتى نالت إجازة الدكتوراه عام 1941م .

قامت آن ماري بالتدريس في جامعة " ماربورج" بألمانيا ثم رحلت إلى تركيا للتدريس بمعهد الشريعة بجامعة "أنقرة" عام 1954م ، عادت إلى ألمانيا للتدريس بجامعة " بون" عام 1961م .

وفي عام 1967م حصلت على لقب الأستاذية في الثقافة الهندية الإسلامية من جامعة "هارفارد" العريقة بالولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم انتقلت إلى هذه الجامعة وارتبطت بها حتى عام 1992م .

حياة علمية حافلة :

إبتداء من عام 1961م ، شغلت آن ماري منصب مستشارة الشئون العلمية في مجال الدراسات الإسلامية إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإنسانية كما أنها أشرفت على تحرير مجلة (فكر وفن) الدورية من عام 1963م إلى عام 1973م وهي مجلة علمية كانت تنشر باللغة العربية وتصدرها مؤسسة "جوته" الألمانية .

في عام 1970م خصص لآن ماري كرسي تاريخ أديان الشرق في جامعة "هارفارد" بالإضافة إلى أنها كانت تلقي دروسها بمدينة لندن في صيف كل عام في مؤسسة الأبحاث الإسلامية .


أتقنت من اللغات الشرقية : العربية والفارسية والتركية والأوردية والسندية والبشتونية مما أهلها لترجمة الكثير من الشعر الصوفي خصوصاً لجلال الدين الرومي ، الحلاج ، ميرزا أسد الله ، غالب الدهلوي ، محمد إقبال وغيرهم .

وقد أنجزت آن ماري أكثر من 100 كتاب ودراسة ومقال في مجال الدراسات الإسلامية ، فكتبت على سبيل المثال في : التعريف بالإسلام ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، عن تاريخ الحضارة العربية والإسلامية ، الصوفية والفكر الصوفي ، الشعر العربي والتركي ، عن الفنون الإسلامية والخط العربي ، وعن الحياة المعاصرة للمسلمين . هذا ولم تنقطع صلة آن ماري بالفن الإسلامي فقد ظلت طيلة عشر سنوات مستشارة لشئون الخط الإسلامي في متحف نيويورك .



والجدير بالذكر أن الأستاذ الدكتور محمد عوني عبد الرؤوف قد أورد إحصاءاً مفصلاً لجل مؤلفاتها في الدراسات الإسلامية والتصوف ، الأداب ، الفنون ، المؤلفات التاريخية والاجتماعية والفلسفية ، إضافة إلى الدراسات اللغوية .

مكانتها في العالم الإسلامي :

لم يحظ أحد من المستشرقين بتقدير العالم الإسلامي مثلما حظيت آن ماري شيمل وهو ما حدا إلى تكريمها والاحتفاء بها أينما حلت في عواصم عالمنا العربي والإسلامي ، فكانت تمنح أرفع الأوسمة والجوائز والنياشين ، في أنقرة ، الرياض ، القاهرة ، لاهور ، طهران.

ومرجع هذا التقدير والاحتفاء دعوتها التي كانت ترددها بلا كلل للتسامح ودعمها المتواصل للتبادل والتفاهم بين الأديان . لقد كانت آن ماري تمثل جسراً هاماً بين الثقافة الإسلامية والحضارة العربية بصفة عامة .

خلفيتها الفكرية :

لقد ارتكزت الخلفية الفكرية التي تعاملت بها آن ماري مع الحضارة الإسلامية على الكثير من المحبة والرغبة في اكتشاف الجوانب المضيئة في هذه الحضارة ، تقول آن ماري :


" لقد جذبني عالم الشرق منذ كنت طفلة وبدأت تعلم اللغة العربية وعمري خمسة عشر عاماً وسأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى وفاتي "

ومما عمق من شعبية آن ماري بين العرب والمسلمين ، عزوفها عن الأدلجة والتسييس وهو شرك وقع فيه كثير من الدارسين الغربيين وهو بالضبط سر معارضة الغربيين لها إلا أنها بالرغم من ذلك ، لم تكف عن تكرار دعوتها الشهيرة (التقابل لا المواجهة) .


وعن حياتها المتأرجحة بين الشرق والغرب ، كتبت شيمل :

"لا أنتمي تماماً إلى هذا العالم (العالم الغربي) ، فأنا أعيش في الشرق أكثر مما أعيش في وطني ".

لقد كانت تعيش في بيتها محاطة بالكتب الإسلامية والسجاد الفارسي والخطوط واللوحات العربية وقد قرأتْ وهي في السابعة من عمرها حكاية عن يتيم في دمشق فاكتشفت منذ ذلك الحين حنينها الخفي نحو الشرق .

إن تاريخ حياتها الزاخر بالكتب والمقالات والترجمات ، يكشف بالفعل عن نشاط لا ينتمي إلى عالمها الغربي ، ولا أحد يعرف سر هذا النشاط ولا كيفية توفيرها الوقت اللازم لكتابة كل هذا القدر من الأمور والمسائل المعقدة وهي التي تقضي نصف أوقاتها في السفر والترحال .

أثرها في الدراسات الاستشراقية :

عرف عن شيمل أنها من أكثر المستشرقين الأمان دراية بالإسلام ، فضلاً عن كونها قد ساهمت دون أدنى مبالغة في حدوث نقلة نوعية في مدرسة الاستشراق الألمانية ، ومن أهم سمات هذه النقلة :

- الانفتاح بموضوعية وإيجابية على الثقافة الإسلامية .
- إدراك أهمية الحوار الحضاري والتواصل الفكري مع الآخر .
- التطلع إلى التصوف كجسر بين الأديان والحضارات .
- ارتباطها كمستشرقة بواقع دراساتها وأبحاثها بصورة عملية مباشرة .

لقد كان الاستشراق الألماني حتى تلك الآونة التي غادرت فيها شيمل إلى تركيا ، فيلولوجي الطابع ، ضعيف الصلة بالواقع ، فالمستشرق الألماني "تيودور نولدكه" على سبيل المثال (1836 – 1930م) – كان متميزاً في اللغات الشرقية وآدابها إلا أنه لم يتجاوز في رحلاته مدينة فيينا ، لذا فإن ذهاب شيمل على الشرق واندماجها في ثقافته ، كان استثناء وليس القاعدة ، ففي تركيا لم تتعلم شيمل التركية لتقرأ بها فحسب بل غدت التركية لها كأنها لغة أم . 

ومما يذكر لشيمل ويحسب لها كإضافة هامة في مجال الدراسات الاستشراقية ، تأسيسها مع "فريدرك هايلر" المؤتمر العالمي لمؤرخي الأديان عام 1960م ، وحين انتقلت شيمل عام 1976م إلى هارفارد وغدت أستاذة للغات الهندية الإسلامية indo – muslim ، أنجزت كتابات ودراسات ضافية عن الأبعاد الصوفية في الإسلام ، إضافة إلى اهتمامها بشخصيات كبرى في عالم التصوف من أمثال : حافظ الشيرازي ، جلال الدين الرومي ، الحلاج وكذلك شخصيات من العصر الحديث .

ولم يقتصر اهتمام شيمل على القديم فحسب بل طوفت دراساتها وأبحاثها بكافة العصور الإسلامية من الماضي إلى الحاضر . يقول الدكتور مصطفى ماهر أستاذ اللغة الألمانية وأدابها بكلية الألسن في مقاله عنها بمجلة الهلال (عدد ديسمبر 1995م ص 112 : 119) :

" فهي إذن مشغولة بأداب الأمم الإسلامية التي تتقن من لغاتها : العربة والتركية والفارسية والأردو والسندي على الأقل ، وقد نشرت في مجلة "فكر وفن" العديد من النماذج المترجمة عن الشعر العربي المعاصل (161 صفحة) يبدأ بدراسة مستفيضة ويضم نماذج من شعر نازك الملائكة ، بدر شاكر السياب ، عبدالوهاب البياتي ، محمد الفيتوري ، صلاح عبد الصبور أحمد عبدالمعطي حجازي ، فدوى طوقان ، سميح القاسم ، محمود درويش ، نزار القباني ، توفيق صايغ وأدونيس " . ولقد اكتسب التصوف والشعر الإسلامي في ضوء تحليلاتها أبعاداً جديدة مثلما اضفت ترجماتها مزيداً من الاهتمام باللغات الإسلامية عند الجمهور في أوربا وأمريكا .

ولقد شكل المستشرق والمترجم الألماني "فريدريك ريكهارت" Friedrick Roueckert لآن ماري شيمل ، مثلاً يحتذى وبخاصة عندما قام بترجمة معاني القرآن وبعض نماذج من الشعر العربي والفارسي إلى الألمانية وكان شعار ريكهارت "الشعر العالمي هو تسامح عالمي" .

وقد تمكنت شيمل في ترجماتها من تقديم نصوص متميزة على المستويين الجمالي والمعرفي دون أن تخون الأصل .

أوسمة وجوائز :

خلال حياتها حصلت آن ماري على العديد من الأوسمة والجوائز الرفيعة سواء من داخل ألمانيا أو خارجها ، كما تم منحها درجة الدكتوراه الفخرية من عدة جامعات منها : جامعة اسطنبول وجامعة أوبسالا وجامعة طهران وحصلت على أوسمة ونياشين من مختلف البلدان الشرقية والغربية منها :

- جائزة فريدريك ريكهارت الألمانية عام 1965م .
- وسام القائد الأعظم لجمهورية باكستان عام 1966م .
- وسام الاستحقاق الألماني من الدرجة الأولى عام 1981م .
- جائزة المكتبات للسلام الممنوحة من الناشرين الألمان عام 1995م .
- وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من مصر 1997م .

واحتفالاً بعيد ميلادها الخامس والسبعين تم اطلاق اسمها على معهد العلوم الشرقية في جامعة بون. ومن الجدير بالذكر ، أن ننوه بما جاء في حيثيات جائزتها للسلام ، من إشادة فقد جاء فيها : " تقديراً لإنتاجها الفكري لتحقيق فهم أفضل للإسلام وليس من خارجه . وأن اتحاد الناشرين الألمان إذ يأخذ بعين الاعتبار تفاقم ظواهر التعصب الذي شاع في مختلف بقاع العالم ، فإنه يعتبر تكريم الدكتورة شيمل ، اعترافاً بإمكانية بل بضرورة التفاهم بين الحضارات كبديل عن المجابهة والصدام " .

حلم أخذ يتحقق : 

ومما يدعوا للتفائل ، أن حلم شيمل قد أخذ في التحقق ، إذ تولى شخصان من ثقافتين وديانتين مختلفتين "منتدى آن ماري شيمل للحوار الديني والثقافي " ، والشخصان هما :

الأفغاني "غلام توتاخيل" الرئيس السابق للمجلس الإسلامي في ألمانيا ، والألماني "كلاوس ليفرنج هاوزن" ، المكلف السابق لحكومة ولاية شمال الراين وستفاليا بشئون المهاجرين . وقد أكد كل منهما على أسمى القيم التي تجمعهما ، وهي الاحترام المتبادل رغم اختلاف العقيدة وأن غايتهما هي تنفيذ وصية آن ماري لكي يبقى ما قامت به من خدمات علمية من أجل التفاهم قائماً والهدف من ذلك يتمثل في تجنب نشوب الصراعات بين الحضارات ، انطلاقاً من إيماننا بأننا إذا قمنا بالاستفادة من الطاقات المتواجدة في الأديان والثقافات لعاد ذلك بالنفع على الجميع وذلك بدلاً من استغلال هذه الطاقات بصور سيئة لتعكير صفو التعايش السلمي وإراقة الدماء ، على حد تعبير غلام توتاخيل . ويقول ليفرنج هاوزن :

" إن ما قامت به بعض وسائل الإعلام في أوربا من جهة والجهات الأمنية وبعض السياسيين من جهة أخرى ، من إعطاء الرأي العام الأوروبي فكرة خاطئة عن الإسلام ، تسبب في انقلاب الرأي العام الإسلامي على الغرب و وانقلاب العالم الغربي على المسلمين ، لقد كان من الممكن تلافي هذه المشاكل منذ البداية ، لذلك نريد الحديث عن الإسلام بموضوعية " .

من أقوال آن ماري شيمل :

" إن الحضارة التي سارت على سنة تحية "السلام " ، تمر اليوم بأطوار من الانغلاق والتصلب الفكري وتبريرية المواقف وإننا نجد أنفسنا اليوم إلى حد كبير أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلامي كشعار وهي أبعد ما يكون عن أسس الدين وأصوله " .

" إن طريقي ليس هو طريق التصريحات والبيانات ، ولا هو طريق الإثارات والزوابع . إنني أؤمن أن الماء الصافي سوف ينتصر بحركته الدءوبة على مر الزمن . إنني أتوجه مع رجاء العون ، من أجل خدمة السلام بالشكر أولاً وأخيراً إلى من توجه إليه "جوته" في الديوان الشرقي بقوله : 

لله المشرق .. لله المغرب

والأرض شمالاً

والأرض جنوباً

تسكن آمنة .. بين يديه .. هو العدل وحده

يريد الحق لعبده

من مائة اسم من أسمائه

تقدس اسمه هذا

آمين

مصادر :

1. مجلة "منبر الإسلام " ص 116 ، السنة 62 ، العدد ( 1 ) المحرم 1424هـ ، مارس 2003م ، القاهرة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .
2. مجلة "أدب ونقد " ص 49 ، العدد 213 ، القاهرة مايو 2003م
3. مواقع إلكترونية :
http://www.amsscholarship.com/scholar_history.htm
http://www.pulppitalwatanvoice.com
http://www.marefa.org
http://www.aawsat.com
http://www.dw-world.de

مشاركة